الخميس، 20 أغسطس 2026

البريء المذنب حكايات السمر بقلم .. يوسف خليل

 البريء المذنب

حكايات السمر

 بقلم .. يوسف خليل

يُروى أن ثلاثة لصوص قصدوا منزل رجلٍ فقير، بعدما علموا أنه يخفي مبلغًا كبيرًا من المال. وكان الرجل نائمًا على سطح منزله من شدة الحر، فاستيقظ على أصواتهم وهم يهمهمون ويتسللون، فأدرك أنهم يحاولون دخول بيته.

فهم سريعًا نيتهم السيئة، لكنه لم يُصدر صوتًا حتى دخلوا المنزل، ثم نزل من السلم وأغلق الباب بقفلٍ كبير، وبعدها أسرع نحو حاكم المدينة ليشتكي إليه. فأصدر الحاكم أمرًا بإلقاء القبض على الرجال الثلاثة، وبعد إثبات جريمتهم، حكم عليهم بالإعدام شنقًا.

وفي الطريق، استغل أحد اللصوص فرصةً سانحة وهرب. بذل رجال الشرطة جهودًا كبيرة للعثور عليه، بينما ذهب كريم لإبلاغ حاكم المدينة بما حدث.

قال الحاكم غاضبًا:

— لا أستطيع أن أصدق ما أسمعه! إما أن تعثروا عليه، أو تحلّوا محله وتدخلوا مكانه!

ظل كريم يفكر في الأمر، لكنه لم يصل إلى حلّ واضح. عندها اقترب منه صديقه سالة وهمس في أذنه:

— من أجل مَن تهلك نفسك؟ كم سنة ستظل تتعب نفسك من أجل لصّ، وتلقي بنفسك إلى الهلاك؟

قال كريم:

— يا سالة، لم يبقَ أمامي شيء، ولا أعرف ماذا أفعل.

قال سالة:

— تعال معي. سنبحث في المدينة عن شخصٍ آخر يكون صيدًا مناسبًا ونضعه مكانه!

— وهل سينجح الأمر؟

— لا أحد يلاحقنا. اقتل واقطع كما تشاء، فنحن في النهاية لا نخسر شيئًا!

— يا لك من أحمق! كيف خطرت لك هذه الفكرة؟

راحا يتجولان ويهدران الوقت، حتى وجدا في زاوية من زوايا أحد المقاهي رجلًا رثّ الهيئة، كثيف اللحية، يبدو عليه أنه لم يأكل منذ أسبوع.

فقال سالة لكريم:

— أيها المسكين، لقد وجدت لك صيدًا جيدًا. انظر إليه!

لم يعطوه فرصة للكلام، بل قيّدوه وأرسلوه إلى السجن. وصل الخبر إلى حاكم المدينة، ففرح كثيرًا، وكافأ كريم مكافأة جيدة على نشاطه.

وفي السجن، بدأ الرجل الذي اصطادوه واللصوص يتحدثون فيما بينهم. كان كل واحد منهم يروي قصته، بعدما فقدوا الأمل في الحياة، وأيقنوا أنهم سيُشنقون في صباح اليوم التالي. لذلك أخذوا يتبادلون أسرار حياتهم، ويحكون لبعضهم كيف عاشوا في الأيام الماضية.

وحين جاء الدور على الرجل البريء، لم يكن يريد الكلام. كان شديد الضيق، يشكو من سوء حظه، لكنهم لم يتركوه حتى أجبرهوا على الحديث.

قال لهم:

— ماذا تريدون مني؟ لقد ابتُليت بمصيبتي، وتخلّيت عن نفسي، فلماذا لا تتركونني وشأني؟

قالوا:

— لن نتركك حتى تروي لنا قصتك، فأنت الآن مثلنا، متهمٌ بجريمة!

قال الرجل:

— يا إخوتي، أنا مبتلى بسبب نفسي؛ لأنني كنت أشرب الخمر دائمًا! زوجتي مليحة لم تعد تسمح لي بدخول البيت، ولهذا وقعت في هذه الورطة المفاجئة!

قال أحدهم:

— يا رجل، هذه مشكلتك الخاصة! أخبرنا بشيء مهم.

قال الرجل:

— حسنًا، سأروي لكم شيئًا، لكنه أول مرة أحكيه لأحد. أرجوكم ألا تخبروا به أحدًا!

قالوا:

— على عيني، سنحكيه بين الناس! هيا، فأنت ستُشنق غدًا، فاحكِ!

قال:

— حسنًا، حسنًا، اسمعوا. في العام الماضي كنت أصطاد السمك في نهرٍ يقع في مدينة أخرى. وفي أحد الأيام، كنت منهمكًا في عملي، وكنت قد أمضيت عدة أيام دون أن أعود إلى منزلي.

وبينما أنا كذلك، رأيت امرأة جميلة وطفلًا يقتربان مني. كانت المرأة شديدة الجمال، فافتتنت بها. سلّمت عليها، فطلبت مني أن أنقذها من النهر وأن أوصلها إلى الضفة الأخرى، حيث تريد الذهاب إلى منزل أبيها.

وافقت، وركبت هي وطفلها معي.

قال أحدهم:

— لا بد أنك تشاجرت معها، ثم أعطتك مالًا قليلًا، أليس كذلك؟

قال:

— لا، ليس الأمر كذلك. عندما وصلنا إلى منتصف النهر، استدارت نحوي، فأصبحت مفتونًا بها، ولم أعد أعرف ماذا أفعل. توسلت إليها كثيرًا، لكنها صرخت في وجهي وقالت: ماذا تريد مني؟ فأجبتها: أحبك وأريدك أن تكوني لي!

فقالوا له بدهشة:

— يا رجل، ماذا تقول؟ أتريد أن تقتلني؟ أنا امرأة متزوجة ولدي أطفال!

قلت لها:

— أنا لا أعرف شيئًا، سأقتلك!

فقالت:

— اقتلني!

عندها أمسكت بطفلتها فورًا، ورميتها بكل قوتي في النهر. وبعد محاولات كثيرة غرقت الطفلة وماتت. وكانت المرأة تريد أن تلقي بنفسها في النهر، لكنني منعتها، وكانت ترتجف أمامي وكأنها ستسقط في الماء.

قالوا له:

— وماذا تقول الآن؟ هل كنت راضيًا بما فعلت؟

قال:

— ماذا كان بوسعي أن أفعل؟ قالت لي: لا أريد منك شيئًا، فقط اقتلني، فأنا لا أساوي شيئًا أمام ابنتي!

فهاجمتها، لكنها لم تستسلم لي. حاولت كثيرًا أن أقبّلها، لكنني لم أستطع، فألقت بنفسها في النهر، وغرقت هي الأخرى. ومنذ ذلك اليوم، لم أعد إلى ذلك المكان، ولم أرتكب مثل هذا الفعل مرة أخرى.

قالوا له:

— مرحبًا بك بيننا!

ثم قال أحدهم:

— أشهد أنك بريء، وأننا نحن المذنبون، والله! لقد وجد كريم الأحمق صيدًا ثمينًا! نحن لم نُمسك إلا بسبب سرقة واحدة لم نفتح خزنتها حتى، ومع ذلك سنُشنق! أما أنت، فكم مرة ينبغي أن تُشنق؟

قال آخر:

— والله، صدقتم، يجب أن تُشنق سبع مرات!

قال الرجل بدهشة:

— لماذا؟ ماذا فعلت أنا؟

سرعان ما انتشر هذا الخبر داخل السجن، ووصل إلى مسامع كريم وصديقه سالة.

قال سالة:

— إذن سأحتفل بهذه المناسبة! ماذا تقول؟

قال كريم:

— يا رجل، أولًا نشنقه، ثم نرى ما الذي سيحدث لنا. وبعدها سنصبح من أصحاب المكانة والاحترام بين الناس



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق