الأحد، 9 أغسطس 2026

غزة... ما لا يقوله الرماد بقلم: صابر الصياح

 غزة... ما لا يقوله الرماد

بقلم: صابر الصياح


هناك،

لا يأتي الليل وحده.

يأتي محمّلًا بشيءٍ ثقيل،

يجلس على صدر المدينة،

ويترك النوافذ مفتوحةً

على خوفٍ لا ينام.


هناك،

تتعلّم الأشياء أسماءها من الغياب.


الكرسي يعرف صاحبه

ولا يجده.

الباب ما زال ينتظر يدًا

لن تعود.

والسرير يحتفظ بدفء جسدٍ

صار بعيدًا،

بعيدًا إلى الحد

الذي لا تبلغه الذاكرة.


أما الأطفال،

فقد كبروا قبل أن يكبروا.


صار الطفل يعرف الركام

قبل أن يعرف الطريق،

ويعرف صوت الطائرة

قبل أن يحفظ أغنيةً كاملة.


يمسك لعبته الصغيرة

كما لو أنها آخر ما تبقّى من العالم،

وينظر إلى السماء...

لا ليرى نجمة،

بل ليتأكد

أن السماء ما زالت هناك.


ثمة جوعٌ آخر

لا تصفه صور الخبز.

جوعٌ إلى صباحٍ عادي،

إلى شارعٍ يمشي فيه الناس

دون أن يلتفتوا خلفهم،

إلى مدرسةٍ لا يخاف الطفل

أن تكون آخر الطريق،

إلى أمٍّ تستطيع أن تقول لابنها:

نم...

لن يحدث شيء.


لكن شيئًا يحدث دائمًا

وحدها الكلمات تبدو آمنة.


تصل من بعيد،

تعلن القلق،

وتعبّر عن الأسف،

ثم تعود إلى دفئها،


أما الخذلان،

فهو حصارٌ من نوعٍ آخر.

يسكن 

بين الصرخة وصداها،

بين يدٍ تمتد من تحت الركام

وعالمٍ يرى...

ثم يتظاهر بأنه لم يرَ.


وتحت هذا الركام

ثمة شيءٌ لا يريد أن يموت.


طفلٌ يخبئ قطعة خبز لأخته،

كأن الغد ما زال ممكنًا.


أبٌ ينفض الغبار

عن صورةٍ قديمة،

كأنه ينفض الغبار

عن بيتٍ لم يعد موجودًا.


وأمٌّ تضم طفلها

بقوةٍ لا تستطيع به

أن توقف الحرب،


لكنها تستطيع أن تمنحه

لحظةً واحدة

لا يشعر فيها أنه وحيد.


ربما هذا هو الوطن.

ليس الحجر،

ولا الشارع،

ولا أسماء الأماكن.

ربما الوطن هو ذلك الشيء 

الذي يصرّ على البقاء


حين يريد الجميع

أن يحوّلوه إلى ذكرى.


غزة لا تقول:

أنقذوني.

غزة تقول شيئًا أكثر قسوة:

انظروا فقط.

فالذين يموتون هنا

ليسوا أرقامًا

تمرّ في أسفل الشاشة،

ولا مشهدًا عابرًا

في آخر النشرة.


كانوا طلابًا،

وعشاقًا،

ومهندسين،

وشعراء،

وأمهاتٍ يعرفن كيف يخبزن الفرح

رغم ضيق الأيام.


وكانوا أطفالًا

كان يفترض أن يملأوا الشوارع ضحكًا،

لا أن يتعلموا أسماء القذائف،

وطرق الهرب،

وكيف ينامون

دون أن يخافوا من الصباح.


لقد ترك العالم للطفولة

مهمةً لا تليق بها:

أن تتعلم كيف تنجو.


وسيأتي يومٌ ما،

تخرج فيه غزة من بين الركام.


لن تخرج كما تخرج المدن

من الصور القديمة.


ستخرج

كما يخرج المعنى من الألم:

أكثر صمتًا،

أكثر عمقًا،

وأشد قدرةً

على النظر في وجه العالم.


أين كنتم؟

ماذا فعلتم

حين كان الأطفال يتعلمون الموت،

بينما كنتم تتعلمون

كيف تصمتون؟

صابر الصياح فلسطين



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق