باب الغيب
كان مستغربا تماما من انّه لم يقدر ابدا ان يتصفّح ماضيه فلما اراد العودة ولو للاعتبار حتى يغربل ايامه ويصنفها بين والصواب وجد وراءه سرابا وضبابا فخاف وتقدّم ليسكن في الحاضر عساه يكون افضل، فإذْ به يتسمّر في مكانه مرتجفا، فقد راى امامه بابا عظيما مغلقا و على الأرض مفتاح حديدي كبير على الميمنة،وعلى الميسرة
جذع شجرة منحوت
فماذا يعني ذلك؟ايصلح هذا المفتاح لفتح هذا الباب أم لا؟ ايكون ذاك الجذع المصقول بلا معنى ام يدلّ على أمر ما و على وجود كائنات مرّت من هنا؟
فكّر للحظة أن يجرّب فتح ذاك الباب بذاك المفتاح لكنه تراجع وخاف،وظلّ على تلك الحالة من الصّراع والتسأل حتى أدركه اللّيل .فضاق صدره وتسارعت دقّات قلبه وارتعدت مفاصله واصطكّت اسنانه.وارتعشت ساقاه.
لا انيس، لا كائن، لا دابة ،لا نبتة..لا حياة لمن تنادي....ما هذا الفناء هنا؟
وهو على ذاك الحال من الحيرة والقلق وشدّة الخوف بدات تتسرب لسمعه أصوات غريبة تنبعث من وراء الباب :تصفيق ،صراخ،ضحك،بكاء،نحيب
همهمات، غمغمات،حمحمات ،سعال،طقطقات أقدام...
رباه ماذا وراء هذا الباب ؟بدا يحسّ بالبرد الشديد وكان الدّم قد تجّمد
في عروقه، لكنّه للحظة تشجّع وتقدّم خطوة للامام ووضع اذنه على ثقب صغير بالباب وهمّ ان يقوى على نفسه ويضع فيه المفتاح ويديره بيد أنه خاف من ذاك المجهول المأهول.
ترى من يسكن هناتساءل في نفسه؟
بل خطرت بباله حتى فكرة ان وراء ذاك الباب بوابة نجمّية وكائنات غريبة و خفايا اسرار عجيبة
فتسمّر في مكانه بلا حراك وحاول كتم انفاسه بيده مخافة أن يصل صوته المرتجف المرعوب لسكّان ذاك الماوراء...
وفجاة بدا الباب ينفتح قليلا كمن ينفّس عن فمه بعد سكوت طويل...ورأى من والعجائب ما يخيف :ظلام لم يعهده ونور لم يعهده والوان لم يرها وكائنات عجيبة،مخيفة فادرك أنه لا محالة ميّت أمام هذا الغيب المهول....لا عين له بعد ما راى لتصول وتجول من حوله..ولا اذن له لتلتقط الا٥صوات ولا قلب له ليدقّ...لم ينته بعد من ذا التعجب حتى
فجاة تغيّر المشهد ثانية .
بدا الباب يغوص شيئا فشيئا في عمق الأرض.
ويلاه انه الان لعلى شفا هاوية حقا وتمنّى الموت مرارا حتى يرتاح من هذا الرّعب والهلع.ها قد بدات الحفرة تتّسع وتكاد تبتلعه،ثنسف الباب نهائيا يالهول ما يرى إنّ الحفرة الواسعة تتحول لهّوة بلا قرار تشتعل نارا.فخالها جحيما
فتساءل في صمت صموت: اهذا الجحيم؟
ثم تحوّل المشهد من جديد فإذ ْ شجرة عظيمة بدات تنمو من تلك النار حتى بانت أمامه وارفة ظليلة بهيّة خضراء ففرح ،واسعده ان يستانس بها فقد ترأف به كما رافت النّخلة بالسيّدة مريم والسيّد المسيح عليهما السّلام. وتوالت التحولات من حوله فقد انقسمت الشجرة الى نصفين نصفها اصناف من الثمار من تفاح ورمان وموز و وعنب..وبرتقال . يا الله! يا الله !ماهذا النعيم بعد الجحيم ؟ تمتم دون ان ينبس ببنت شفة:رباه كانّي بدات ارى الجنّة،ما هذه الشجرة الأعجوبة المتنوّعة الثّمار؟ كم اتمنى الا يكون ما فيها امتحانا لي كتفاحة ادم.
جنّ الليل وادلهمّ قلبه وأصابه الويل والهول وما ان بدا الكرى يتسلل لجفونه حتى تحوّل نصف الشجرة لقناديل اضاءت المكان حيث هو والشجرة وحدهما ثابتان في الآن...
بدا وقتها يطمئنّ قليلا ويراجع ايانه وافعاله في الدنيا ويستحضر خٌلقه الحسن وتقواه ،فهو لم يحسدو لم يكره
و لم يسرق ولم يزن ولم يقتلو لم يكفر ما ارتكب ابدا كبيرة ...افلا يستحق هذا النعيم بعد كل ذا الخوف الذي استبد به؟
في تلك اللحظة بدا يفكّر كثيرا متساىلا داخله :اتراني الان في الدنيا أم في الأخرى؟أترى ما عشته من مخاوف كان لحساب عسير انهيته وها انا الانا اجزى على صبري الطويل؟ماذا حلّ بي اانا حيّ ام ميّت؟
واين مضى ذاك الباب ومن وراءه؟ولماذا انا وحدي هنا؟
أسئلة رهيبة كان يملأ بها عجز عقله
عن الإجابة....
كان ذاك اليوم دهرا بالنسبة له....ثم احسّ بعطش واستفاق مذعورا على صوت زوجته تناديه يا عبد الجبّار قم ما هذا الهذيان؟...
نفيسة التريكي
سوسة التونسية
1@5@2026