الأحد، 15 فبراير 2026

مُهَجَّرٌ لَيْلَةَ رَأْسِ السَّنَةِ... بقلم الأديب حمدان حمّودة الوصيّف... (تونس)

 مُهَجَّرٌ لَيْلَةَ رَأْسِ السَّنَةِ...

(حتّى لا ننسَى إخوانًا لنا مُهَجَّرِينَ في الخِيام) 

سُـحُبُ الظَّلَامِ وطُلْسَةُ الأَلْوَانِ

هَـزَّتْ نُـهَـايَ بِـمُـؤْلِـمِ الأَحْـزَانِ.

وتَذَكُّرُ الأَحْـبَابِ زَادَ فَـهَـاجَـنِي

فِـي لَـيْلَـتِي، فَـانْـهَـلَّ دَمْـعٌ قَـانِ

فِي لَيْلَةِ الـعَامِ "الـجَدِيدِ" وذِكْرُهُ

سَـرَّ القُـلُـوبَ بِـمُـبْدِعِ الأَلْـحَانِ

نَسَجَتْ حُرُوفِي مِعْطَفًا رَزَحَتْ بِهِ

رُوحُ اصْطِبَارِي، مِعْطَفًا أَضْوَانِي.


جَنَّ الدُّجَـى فَأَتَـى لِقَلْبِي بِالضَّنَـى

وأَتَـى لِـغَـيْـرِي بِالسُّـرُورِ الهَـانِي

فَسَهِرْتُ أَنْقُدُ سَهْمَ دَهْرِي أَدْمُعًا

وأُدَافِـــعُ الأَحْـــزَانَ، وَهْـيَ دَوَانِي

وأَتَـاحَ غَيْـرِي لِـلْـمَـسَـرَّةِ عَـالَـمًـا

نَقَـدَتْ مَــزَارَهُ ضِـحْـكَــةُ الأَقْرَانِ


يَا عَـامُ، يَا عَـامَ الـتَّطَـلُّعِ لِلْـهَـنَـا

هَا لَيْلُكَ الدَّاجِي الطَّوِيلُ شَجَانِي

قَدْ طَـالَ حَتَّــى خِلْتُ أَنَّـهُ أَدْهُرٌ

واسْـوَدَّ حَـتَّـى تَــاهَ فـيـهِ كِـيَـانِي

فِـيـهِ، تَـعَـالَتْ لِـلـسَّـمَـاءِ مَسَـرَّةٌ

تُنْشِي النُّجُـومَ، بِـفَـرْحَةٍ وأَمَانِي.

وبِـهِ، تَـعَــالَتْ زَفْـرَتِــي، بِـأُوَارِهَا

تَشْكُو النُّجُومَ تَـوَجُّـعِي وهَـوَانِي

فِيهِ احْتَمَى الخِلُّ الضًّعِيفُ بِـخِلِّهِ

وذَوُو الفَتَى غَمَرُوا الفَتَـى بِـحَنَانِ

وبِهِ احْتَمَى بِي شَوْقُ مَنْ أَنَا ذَاكِرٌ

وبِـعَـادُ أَهْلِـي فَارْعَـوَتْ أَحْـزَانِـي

فِيـهِ، أَنَارَ الــحُـبُّ قَــلْـبَ مُـتَــيَّـمٍ

لَـقِـيَ الـحَبِيبَ، فَمَـادَ كَالسَّكْرَانِ

وبِهِ تَكَالَبَتِ الـهُمُـومُ عَلَى الـحَشَا

وتَـنَـاءَتِ الأَفْـرَاحُ عَـنْ عُـنْـوَانِي

فِيهِ، قَدِ اجْتَمَعَ الصِّحَابُ بِـأَهْلِهِمْ

وبِـهِ بَـكَـتْ أُمِّـي لَــدَى فِـقْـدَانِي

يَا عَامُ، أَنْتَ لِغَـيْـرِ أُمِّـي فَـرْحَـةٌ

ولَـهَـا دُمُـوعٌ أَجْـهَـشَـتْ إِخْـوَانِي

يَا عَامُ ، أَنْتَ لِغَـيْـرِ قَـلْبِي شُعْـلَةٌ

ولَـهُ طَــلِـيــسٌ حَـالِــكُ الأَرْكَــانِ

يَا عَامُ ، أَنْتَ لِـغَــيْـرِ عَيْـنِـي قُـرَّةٌ

ولَـهَـــا سُهَــادٌ، مَــا رَأَتْ عَـيْـنَـانِ

طَالَ التَّـقَلُّبُ فِـي الفِـرَاشِ وإنَّنِي

بَـيْــنَ الأَخِــلَّـةِ سَاهِـرُ الأَجْـفَانِ

هَا قَدْ هَزَمْتَ مَعَ التَّعَلُّلِ خَاطِرِي

فَارْحَمْ سَأَلْتُكَ، لَسْتُ لِلْأَشْجَانِ

إِنِّي ضَـحِيَّةُ ظُلْـمِ مَنْ أَنَا أَشْتَكِـي

للهِ جَـهْـلَـهُ قِيـمَــةَ الإِنْسَانِ ...

حمدان حمّودة الوصيّف...  (تونس) 

"خواطر" ديوان الجدّ والهزل



على هامش-عيد الحب- جمر الهوى تحت الأقدام : قراءة في قصيدة " هذا الهوى يطربني" للشاعر التونسي الكبير طاهر مشي بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 على هامش-عيد الحب-

جمر الهوى تحت الأقدام : قراءة في قصيدة " هذا الهوى يطربني" للشاعر التونسي الكبير طاهر مشي


في ليالي الشتاء الباردة،حيث يتسلل الشتات إلى الروح وتخفت أصوات العالم،يطل عيد الحب حاملا معه دفء الذكريات وألم الغياب.وكأن الحب في جوهره الأسمى ليس مجرد لقاء يجمع، بل ذكرى تعانق الروح وتستوطن الشريان،فلا تغيب وإن غاب الجسد،ولا تموت وإن طال الانتظار.

هنا،في هذه القصيدة التي تنساب كنجوى الليل، يسكننا شاعر تونسي أصيل،يأخذنا في رحلة وجدانية مع هوى لا تسكنه الكراهية،بل يسكنه الخفقان والحرف والخجل.إنه يعزف على أوتار الذاكرة،حيث تسكنه أسئلة لا تنتهي،ونجوى لا تموت.يرتحل في أقصى المسافات ليلقى من يهوى،في حوار شفيف بين النبض والأفلاك،بين الهمس في الأسحار والجمر تحت الأقدام.إنها لوعة المشتاق الذي جثم الحب على جرحه،فصار نبضه في تيه،ودمعه في هوى،والأحلام كلها لا تهدأ حتى تلملم شتاته بلقيا من سبى قلبه بلا إدراك.

إليكم هذه القصيدة الصادقة،حيث يتحول الحب إلى نغما لا يطرب فقط،بل يُحيي ويميت،ويُسعد ويُعذّب في آن واحد.


هذا الهوى..يطربني


يا من هوى الذكرى متى ذكراك؟

فالليل قد ناحت به نجواك

والهمس بالأسحار يغمرني

والنبض في الشريان كالأفلاك

خوفي من الأشواق تهجرني

يا روعة الخلاق ما أبهاك

فالحرف يسحرني لما الخجل

يسعى ونبضي ما عساه رجاك

ضني أنا والليل يلحفني

رحال أسعى في مدى أقصاك

حتى أبوح الحب من وصبي

أمشي على جمر الهوى لأراك

من بهجتي قد بحت موعظة

نذرا بها الأشواق في دنياك

فأتت على زرعي تداعبه

في نبرة المشتاق..ما أقساك

تمضي بنا الذكرى بلا سبب

يا نتفة في القلب ذا سكناك

عشت الهوى نغما ليطربني

يا صحوة المشتاق ما أضناك

جثمت على جرحي فذا عتب

والنبض في تيه كذا إنهاك

فسكبت دمعي في هوى وَجوى

وسكنتها الأحلام كي ألقاك

هذا الهوى تمضي به الأفلاك

يا من سبى قلبي بلا إدراك

هكذا يرسم الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي لوحة وجدانية بديعة،تفيض شوقا وحنينا،وتجسد صراع الإنسان مع ذاكرة لا تبارحه،وحب لا يعترف بالغياب.في كل كلمة هنا،تتراءى لنا صورة ذلك العاشق المتصوف،الذي يمشي على جمر الهوى ليصل إلى من يهوى،فيصبح الجمر وردا،والألم نشوة،والبعاد لقاء في عالم الروح.

إنها رسالة حب خالدة،تقول إن الحب ليس مجرد لحظة تمر،بل هو حالة وجودية تسكننا،تعذبنا وتطربنا،تلهب الشوق فينا ثم تمسح على جراحنا بنغم.فلنعش هذا العيد بقلوب نقية كقلب الشاعر، خالية من الكراهية،عامرة بالحرف الجميل والذكرى العطرة،عسى أن نلتقي يوما بمن نُحب، في دنيا يسكنها الهوى بلا ضنى.

وإذا كان الحب بهذه القداسة وهذا الجلال،فإنه يعلّمنا أن أجمل ما في العشق ليس اللقاء وحده، بل الرحلة نحوه بكل ما تحمله من وجد وانتظار. فالروح حين تحب لا تعرف المستحيل،ولا تقف عند حدود الجسد أو مسافات المكان،إنها تسافر عبر الزمن،تخترق الغياب،وتبقى معلّقة بضوء الحبيب كالفراشة التي لا تعرف إلا اللهب.وفي هذا العيد،حيث تتعانق الأرواح قبل الأجساد،ندرك أن الحب الحقيقي هو ذلك النبض الخفي الذي يوقظ فينا الإنسان،يعلّمنا العطاء بلا مقابل،والحنين بلا ألم،والانتظار بلا يأس.فلتكن قلوبنا في هذا اليوم مرايا صافية تعكس أصدق ما فينا،ولنجعل من كل لحظة عشق نبضا جديدا يضيء دروبنا،ويذكّرنا أننا ما زلنا قادرين على الحب رغم كل جراح البعد ومرارات الفراق.

فيا أيها العيد،كن رسولا للمشتاقين،وحاملا لأمنيات العاشقين،وهمسا خفيا يلامس القلوب فيذكرها أن الحب هو النور الذي لا ينطفئ،مهما تعاقبت الليالي وتعددت الأيام.عيد حب يعيدنا إلى أنفسنا،ويعيد إلينا من نحب،ولو كان اللقاء في حلم أو في دعاء أو في قصيدة كتبها شاعر فذّ كالشاعر التونسي الكبير طاهر مشي،فجعل من الحب دينا لا نبرأ منه،وقضية لا نستقيم إلا بها.


محمد المحسن



مَدَارُ الطَّائِرِ الحُر بقلم د. قاسم عبدالعزيز الدوسري

 [ مَدَارُ الطَّائِرِ الحُر ]


​بقلم: قاسم عبدالعزيز الدوسري


​لَا تَرُمْ وُدِّي.. فَإِنِّي لَا أُرِيدْ

لَيْسَ عِنْدِي لِلْهَوَى قَلْبٌ عَنِيدْ


​جِئْتَ تَبْغِي العِشْقَ فِي قَلْبِي وَمَا

فِي حَنَايَا الرُّوحِ مِنْ شَوْقٍ وَقِيدْ


​أَنَا لَا أُحْسِنُ تَدْبِيرَ الهَوَى

لَا، وَلَا قَلْبِي بِقَلْبِكَ يَسْتَفِيدْ


​لَسْتُ مِمَّنْ يَرْتَضِي قَيْدَ الجَفَا

أَوْ يَكُونُ العَبْدَ فِي الحُبِّ الشَّدِيدْ


​إِنَّمَا نَفْسِي مَدَاهَا حُرَّةٌ

طَائِرٌ يَغْدُو.. وَيَأْوِي مَا يُرِيدْ


​فَلَقَدْ "أَخْدَعْتَ" بِالْوَرْدِ النِّسَا

تَهْدِي فِي عِيدِ الهَوَى غَدْرًا جَدِيدْ


قاسم عبدالعزيز الدوسري



بعد سكوت قررت التكلّم بقلم الكاتبة هادية آمنة

 بعد سكوت قررت التكلّم

بعد سكوت قررت التكلّم.

هل سبق وأن توقفتم أمام اسم مدرسة في ضاحية المرسى، وسألتم أنفسكم: لماذا تُسمّى هذه المدرسة باسم شاعر فرنسي عاش قبل أكثر من قرن؟ هل نُكرّم الأدب أم نُخفي أسرارًا مظلمة؟ ولماذا ظل الاسم صامدًا منذ سنة 1956، السنة التي استقلت فيها تونس، بينما كل شيء آخر كان يتغيّر؟

المدرسة تحمل اسم بول فيرلان – École Paul Verlaine، شاعر فرنسي من المدرسة الرمزية، معروف بأشعاره، لكن هل نعرف شيئًا عن شخصيته؟ هنا تبدأ المفاجآت: قبل أن يعمل مدرسًا، عاش فيرلان حياة مضطربة وعاطفية، حيث كانت له علاقة مع الشاعر الشاب آرثر رامبو انتهت بإطلاقه النار عليه ودخوله السجن لمدة 18 شهرًا. وبعد خروجه، عمل فيرلان مدرسًا، وخلال هذه الفترة أقام علاقة جنسية مع تلميذه لوسيان ليتينوا، وهو شاب ترك أثرًا كبيرًا في حياته، ما يبرز الجانب المظلم والمعقد لشخصيته خارج الشعر والأدب.

تخيّلوا أن يمر التلميذ يوميًا أمام صورة كبيرة لهذا الشاعر، ويُطلب منه البحث عنه. ستفاجئه الحقيقة، خاصة إذا شاهد الفيلم الطويل الذي يصوّر حياة بول فيرلان بصورها الصادمة والمثيرة للجدل. هل من المنطقي أن نزرع في عقل التلميذ مثل هذا الالتباس؟ هل من المسؤولية أن يُقدّم هذا المثال في العمل البيداغوجي؟

والأغرب أن نسأل: منذ عهد بورقيبة، هل كان المستنيرون يعلمون بهذه الحقائق؟ وهل كان هناك تواطؤ صامت؟ لماذا بقي الاسم دون تغيير طوال هذه العقود؟ هل كان الخوف، الجبن، أم رغبة خبيثة في التأثير على المجتمع؟

ودعونا نأخذ مثالًا من الأدب العربي: أبو نواس، شاعر عاشق للغلمان، هذا طبيعي أن نجد اسمه على خمارة في تونس، ونقول: “هاهو شاعر الخمرة والغلمان!”، لكن أن نجد اسمه على مدرسة؟ هذا مستحيل، وغير منطقي تمامًا! فإذا كان الأمر مستهجنًا مع أبو نواس، فكم بالحري يجب أن نستغرب ونطرح الأسئلة عندما نخلّد اسم شاعر غربي له حياة مضطربة ومعقدة على مؤسسة تعليمية؟

أنا، من موقعي كمربية وكأديبة، أرفع صوتي اليوم: يجب أن تراجع السلطات هذا الاسم فورًا. كل سكوت على هذه الوضعية هو تواطؤ وخيانة لمستقبل أبنائنا. كل يوم يمر بهذه المدرسة يحمل خطرًا حقيقيًا على عقلية التلاميذ، وكل بحث يقومون به عن هذا الشاعر قد يترك أثرًا نفسيًا غير مرغوب فيه.

السؤال الذي أطرحه للجميع: هل نشر هذا الاسم بريء، أم أن هناك خبثًا متعمدًا يريد أن ينخر مجتمعنا؟ وهل حان الوقت لنعيد النظر، ونختار أسماء تضيف للفكر لا أن تضر بعقول الأطفال؟

ولهذا، أوجّه دعوة واضحة لنشر هذا المقال على نطاق واسع، ليصل إلى كل التونسيين وإلى السلطات التعليمية، حتى تُدرأ هذه الفضيحة عن جبين التعليم التونسي. وأتمنى أن تصل هذه الفكرة إلى رئاسة الجمهورية، لأن استمرار هذا الاسم هو وصمة عار حقيقية على جبين التعليم في بلادنا.

هادية آمنة

تونس



الشاعرة والكاتبة التونسية جميلة عبسي: حين تكتب المرأة بمداد الروح..قراءة في أنثولوجيا الانتظار والخلاص.. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 الشاعرة والكاتبة التونسية جميلة عبسي:

حين تكتب المرأة بمداد الروح..قراءة في أنثولوجيا الانتظار والخلاص..


-أحست بقطرة مطر باردة تسقط على كتفها.قطرة واحدة.من أين أتت؟! ربما من سحابة عابرة فوق الخليج،أو ربما من ندى صباحي على ورق تين في حديقة جدتها بتونس..ثم انهمر الغيث..غيث الكتابة بمداد الروح..( الكاتب)


تكتب الشاعرة والكاتب التونسية القديرة جميلة عبسي قصتها القصيرة كما تكتب قصيدتها،بمداد الروح لا الحبر.فالنصّ،رغم نثريّته،يظلّ قصيدة نثر طويلة،تتكئ على إيقاع داخلي،وصور متوالدة،ولغة شفيفة تتوسّط بين الحلم والواقع.إنها تكتب من دبي،عبر ضفاف الخليج، لتعيد إلينا صوت تونس امرأة شاعرةً تتأمل جرحها النائي.

تبدأ القصة بمشهد بالغ الحساسية: "العاشرة صباحاً..وما زال الليل هنا".هذا التناقض الصارخ بين الزمن الخارجي (صباح اليوم العادي) والزمن الداخلي (ليل الروح) هو المفتاح الأول لقراءة النص.البطلة تعيش في نهار الغربة،لكنّ ليلها الداخلي لا يزول.إنها تصنع طقوسها الخاصة في مواجهة هذا الفراغ: تُعدّ كعكة صغيرة،وتشعل الشموع،وكأنها تُقيم عزاء مؤجلا لحبّ غائب،أو قداسا شخصيا لعيد حبّ لن يأتيها إلا عبر خيالها.

هناك عبقرية في تصوير "الانتظار النسوي" هنا. فالمرأة لا تنتظر الحبيب فحسب،بل تنتظر نفسها أيضا.هي تبحث عن ذاتها أمام المرآة: "هل بدأت الغربة تنسج ملامحها على جمالي؟". 

المرآة ليست أداة للتزيّن فحسب،بل هي حَكَمٌ وجودي.التزيّن هنا (البودرة،الحمرة،الكحل) هو طقس استحضار للذات الغائبة،أو للذات التي يريدها الحبيب أن تكون.لكن الكحل يتحول إلى دموع سوداء تغرورق بها العينان،في مشهد يدمج بين الزينة والحزن،بين الرغبة في الظهور بمظهر جميل،وبين حقيقة الانكسار الداخلي.

الراقصة في النص لا ترقص لآخر،بل ترقص لذاتها، أو ترقص "كما لو أن الحب يسمعني".الرقص هنا هو صلاة صوفية،وانعتاق من ثقل الجسد ومن ثقل الواقع.تصبح البطلة طائرا،وتصبح راقصة باليه خفيفة،وترى نفسها كسيقان البجع.هذا الانتقال من امرأة عادية إلى كائن أسطوري هو ما تصنعه الموسيقى في روح الشاعرة.إنها لحظة خَلاص وهمي،لكنه ضروري للبقاء.

ثم يأتي الخرق الجميل: رنّ الهاتف.العاشرة صباحا. المنبّه يُلح كواقع لا يرحم.هذا الصحو القاسي هو الموت الصغير للحلم.تعود إلى سريرها،تبحث عن أثر يثبت أن ما عاشته كان حقيقيا.وهنا تكمن المفارقة:هي تبحث عن أثر مادي لحلم،وكأن الحلم يحتاج إلى دليل! ثم تهتز الشاشة مرة أخرى: "عيد حب سعيد..أنا قريب.لا تبتعدي".

هذه الرسالة هي نقطة التحوّل،وهي أيضا مصدر الإرباك الأعمق.فهل هذه الرسالة حقيقة أم هي استمرار للحلم؟ إنها تأتي في اللحظة التي استسلمت فيها للاستيقاظ.

الجملة الختامية: "ما زلتُ أترنّح على حافة الضوءِ"،هي تلخيص رائع لحالة اللايقين التي تعيشها.هي لا تعرف إن كانت في النور أم في الظل،في الحلم أم في اليقظة،في ليل دبي أم في ليل تونس التحرير..؟!

وهكذا،تمضي الأستاذة جميلة عبسي بالكتابة حيث لا يستطيع الجسد أن يمضي،تقيم للغة مملكة في اللامكان،وتجعل من دبي مرآة لتونس،ومن تونس جرحا يُرى من الخليج.إنها لا تكتب لتخبرنا قصة امرأة تنتظر،بل لترينا كيف أن الانتظار ذاته يمكن أن يكون فعلا وجوديا،والرقص صلاة،والكحل دمعا،والهاتف نبيا يحمل وعدا لا ندري إن كان حقيقيا أم مجرد صدى للحلم.

تحية إجلال لهذه الشاعرة الكبيرة التي تسكن النثر كما تسكن الروح الجسد،برشاقة وحيرة وجمال لا يُشبهه إلا جمال من يكتبون بدمهم لا بحبرهم. جميلة عبسي،التي جعلت من الغربة وطنا للكتابة، ومن الكتابة وطنا للخلاص. 

في المشهد الثقافي التونسي والعربي،هي ليست مجرد اسم يُذكر،بل حالة تُعاش،وصوت لا يشبهه إلا صوت تونس العميقة،الحالمة،المقيمة في قلب القادمين في موكب الآتي الجليل..

وهكذا،تظل جميلة عبسي شاهدة على عصرها، تكتب من-منفاها الاختياري-في دبي لتُضيء دروب تونس الحالمة.إنها لا تكتب القصة ولا القصيدة فحسب،بل تكتب "كينونتها" التي تتشظّى بين ضفتين: ضفة الذاكرة وضفة الحلم، ضفة الانتظار وضفة الرقص،ضفة الكحل الذي يتحول دمعا،وضفة الضوء الذي نترنّح على حافته. هي التي حوّلت الغربة إلى مملكة للغة،والمرآة إلى حَكَم وجودي،والهاتف إلى نبيّ يحمل وعدا لا يُدرى أحقيقة هو أم صدى لحلم.!

تقيم جميلة للكتابة وطنا لا تعترف فيه الجدران، ولا تخفت فيه الأصوات.في زمن تغرّب فيه الجسد،تثبت هي أن الروح قادرة على اختراق المسافات،وأن المرأة حين تكتب بمداد روحها، يصبح قلمها هو الراقصة،ورقصها هو الصلاة، وصلاتها هي الثورة الهادئة على النسيان.

في المشهد الثقافي العربي-كما أشرت-،تبقى جميلة عبسي"جرحا يُرى من الخليج"،لكنه جرح نوراني،يضيء لتونس طريق العودة إلى ذاتها،ويذكرنا جميعا أن أجمل ما في الغربة أنها تعلّمنا كيف نحمل أوطاننا في داخلنا،وكيف نكتب من اللامكان مكانا يليق بانتظارنا الجميل..


محمد المحسن


العاشرة  صباحا..وما زال الليل هنا


(قصة قصيرة بمناسبة عيد الحب)


أعددتُ للغربة كعكة صغيرة،وأشعلتُ الشموع كأنّها نجوم بيت بعيد. 

راح الضوء يتراقص على الحائط الأبيض، يلامس أطراف فستاني  في كل حركة من جسدي.

بدوتُ كدمية شاردة،بشعر منفلت وعيون تكتب الحنين، والريح الباردة تداعب وجهي برفق،كأنّها تهمس:"قد يحدث ما لم تتخيّلينه.."!

تركت شعري على طبيعته،كما يحبّ أن يراه،

وسمحتُ للخيالات  أن  تراقص أمنيّاتي.

أردتُ هذا العام مختلفا،مفعما بالمفاجآت التي تشعل الحواس. 

لم يعطني الخمسين دينارا،فقررت أن أصنع العيد وحدي،أن  أجعل اللّيلة  وعدا صغيرا لا يعرفه أحد سواي. وقفتُ أمام المرآة.تأملت وجهي : 

هل بدأت الغربة  تنسج ملامحها  على جمالي؟

مسحةُ بودرة،لمسةُ حمرة،ثم الكحل..

سحبتُه مرّة،ثم أخرى،حتى اغرورقت عيناي.

وحين فتحتهما،رأيتُ عيونا مكتحلة بالحزن والانتظار،لكنها تلمع بالعسل،بخُضرة الأشجار،

وبشغف يؤجّل نفسه.وضعتُ أحمر الشفاه.هو يحبّ شفاهي حين  تكتنز بالحياة،حين أقترب...

وحين أهدّئه   كأنني أطمئن قلبَ محارب عاد من معركة بعيدة. 

تتأملني عاشقة،تعدّ خُطى المارّين على إيقاع الانتظار، وتبني قصورا من الإحاءات ستُشكّل  قصةَ الليلة.تلك الموسيقى الصاخبة..كلما علت نوتةُ البيانو هزّت كياني،ورفعتني إلى  صلاة صوفيّة.فتحتُ يديّ نحو الأفق،ومشيتُ على أطراف نشوتي كراقصة باليه.أدور..أدور..حتى ينسى الجسد ثقله، ويصبح الفستان جناحين يرفرفان معي..الهواء يلتفّ حول خصري،والضوءُ يُلامسني بخفّة،فأرى سيقانَ البجع تستحمّ في اللمعان،بيضاء، هادئة، تعرفُ سرّ هذا الانعتاق.

ذبتُ بين الإيقاع والدوران، تلاشت الحدود، 

وصار الوقت دائرة واسعة أركضُ فيها بلا خوف.

ابتسمتُ،لأنني  أخيرا...أرقصُ كما لو أن الحبّ يسمعني.

رنّ الهاتف.العاشرة صباحا.المنبّه يُلحّ كواقع لا

يرحم.

أطفأتُه،وجلستُ على حافة السرير،أبحث عن أثر واحد يثبت أن  ما عشته كان حلما.

اهتزّ الهاتف مرة أخرى..تردّدتُ،ثم فتحت الرسالة : 

" عيد حبّ سعيد..أنا  قريب.لا تبتعدي."

بقيت الشاشة مضاءة في يدي،وبقي قلبي خارج الزمن.لم أبتسم،ولم أبك.نظرتُ إلى الساعة،

ثم إلى الرسالة.وأدركتُ أن الليل لم يكن زمنا..

بل حالة.

ومنذ تلك اللحظه،لم أعد أعرف : هل استيقظت فعلا ؟ أم  أنّ الحلم هو الذي قرّر أن يعيشني؟.

بين الحقيقة والحلم...

ما زلتُ أترنّح على حافة الضوءِ.


جميلة عبسي

دبي 14 فيفري 2026



السبت، 14 فبراير 2026

نصيحه ‏بقلم محمد الناصر

 ‏***نصيحه ***

‏ماتت الأشواق مثل دفا

‏ بلحظة برد وانطفى 

‏ومثل عطشان بحر الصيف 

‏دور على المي ومالقى 

‏أسند ضهرك على كتف اخوك 

‏وغير الأخ بهل الزمن ماتلقى 

‏والصاحب الزين عملة نادرة 

‏خلك معه واياك تخسره 

‏وابعد عن اللي يبدل الوجوه 

‏حتى لو جاك وطلب مغفرة 

‏ونام ليلك ولا تفكر بالمضى 

‏ترى المضى حطب ولازم تحرقه 

‏بقلم محمد الناصر 


رمضان.. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 رمضان..

حين يصبح الشهر الفضيل..جرحا لا يندمل..


أنا ذلك الرجل الذي توقفت حياته عند أذان مغرب ذلك اليوم من رمضان.كنت أنتظر الفطور ككل الناس،أتلمس رطوبة التمر بيدي،وأردد الدعاء كما علمتني أمي.لكن صوت الهاتف قطع صمت المساء...كان صوتا باردا،ينطق بكلمات لا تريد أذناي تصديقها: “ابنك..توفي..غريبا..هناك..في المهجر”. سقطت على ركبتيّ،وأنا أرى الدنيا تنقلب رأسا على عقب.في تلك اللحظة،مات فيَّ كل شيء: الفرح،الصبر،حتى الألم نفسه كان مشلولا..

كان ابني قد سافر قبل سنوات ليصنع حلما،ليبنِي لنا جميعا مستقبلا أفضل.كان يتصل بي كل رمضان،يقول: “بابا،اشتقت لفطورك،لقهوتك المرّة، لضحكتك التي تملأ البيت”وكنت أرد عليه: “احفظ نفسك يا ولدي،فأنت كل ما تبقى لي في هذه الدنيا”.لكن القدر كان له رأي آخر.مات وحيدا في مكان بارد كالماء في الجب العميق،بعيدا عن أحضان وطني،بعيدا عن يدي التي لم تستطع أن تمسح على رأسه للمرة الأخيرة.

ومنذ ذلك الحين،وأنا أحمل ندوبا لا تُرى.ليس الندب الذي على جسدي من المرض الذي أعاني منه فحسب،بل ندوب الروح.كل ليلة أضع رأسي على الوسادة،وأسأل: "هل كان يشعر بالخوف؟ هل تذكرني في لحظاته الأخيرة؟ هل كان الجو باردا هناك كما هو في قلبي الآن؟".

 الأمراض الجسدية التي أعانيها لا تقارن بهذا الثقل الذي يضغط على صدري كلما اقترب الشهر الكريم.

وها هو رمضان يعود من جديد..وكأنه يأتي ليذكرني،لا ليغفر لي أو يرحمني.كلما رأيت الهلال، أحس بأنني أرى شاهد قبر ابني يلوح في الأفق. أصوم النهار،لكن جسدي المنهك بالمرض لم يعد يحتمل.أتذكر الأيام التي كنا نجتمع فيها حول مائدة واحدة،كان يمسك بيدي ويقول: "كل سنة وأنت طيب يا بابا".الآن،أتناول التمر وحدي..وحيدا كظلي،وأشعر بمرارته تعصر قلبي قبل حلقي.

لكن الشيء الذي لا يراه أحد،هو ذلك البكاء الذي يأتي في جوف الليل.بعد أن ينام الجميع،وتخفت الأصوات،أجلس في زاوية الغرفة،أضم وسادته التي احتفظت برائحته،وأطلق العنان لدموعي.لا أحد يعلم أن هذا الرجل الذي يبدو صامدا في النهار،يتحول في الليل إلى طفل موجوع.أبكي بصوت مكتوم كي لا يراني أحد..أبكي حتى أُنهك، ثم أنام على أمل أن أراه في المنام،لعلي أسمع صوته مرة أخرى.

رمضان الآن ليس شهر صوم وصلاة فقط،بل هو محكاة روحي مع القدر.أحاول جاهدا أن أجد عزاء في الدعاء،أن أقول: "اللهم ارحمه واغفر له"،لكن قلبي يتمرد ويقول: "لكنه ابني..كيف لا أراه؟!"

 في المساجد،أرى آباء مع أبنائهم يصلون التراويح، فأغمض عيني كي لا أرى،لكن الصورة ترتسم في خيالي: هو كان يصلي بجانبي،كان يهمس لي "آمين"بعد الفاتحة.

أكتب هذه الكلمات ودموعي تبلل وجهي،ولكنها المرة الأولى التي أبكي فيها وأنا أعلم أن أحدا قد يسمعني أو يقرأ قصتي.لست أريد شفقة،بل أريد أن يعرف العالم أن هناك جراحا تتفاقم مع كل رمضان،أن هناك آباء يموتون أحياء كلما سمعوا أذان المغرب.

فيا بني،إن كنت تسمعني حيث أنت الآن،فاعلم أنني كل يوم أفطر وحدي،لكن روحي تفطر معك هناك في عليائها.رمضانك كريم يا حبيبي،وعسى أن يجمعنا الله في جنة لا فراق فيها ولا غربة.

اللهم ارحم موتانا،واشفِ جراحنا التي لا تُرى، وأجبر كسرنا الذي لا ينجبر إلا بلقائهم في رحمتك.


محمد المحسن



يحركن الجبال بقلم الكاتبة سعيدة شباح

 يحركن الجبال

بقلب صبور و ثغر رغم الوجع يبتسم 

يكتبن إلياذة هز الجبال برغم قسوتها 

تخر لهن الرواسي و تسجد القمم 

يا أحمر الشفاه ألست أنت تهمتنا ؟

و يا عطرا به نحن متهمات و نتهم 

و الحبر في أناملنا بعض الناس تنكره 

فلا نحن كتبنا و لا أحبنا القلم 

نحتاج صكا للغفران و تبرئة

من علماء هم بالأساس ما علموا 

فأنظر سماء فوق الأرض شاسعة 

أنثى بها الأقمار تزدحم 

و إنا الحديقة بها الأزهار مائسة 

و إنا الحياة بها الخيرات و النعم


سعيدة شباح



أنا الذبيح بقلم الشاعر محمد علقم

 أنا الذبيح


............


أنــا الـذبيــح يــا أبــت


بسكـــاكيــن عــروبتي


قتلــوا أحـلام الطفـولـة


بـأنْ أعــــود لقـــريتـي


وأقـرأ فــاتحــة الكتـاب


لــروح جــدي وجــدتي


وأحصــد القمــح بيـدي


وأجنـي ثمـار زيتـونتـي


وأرعـى الأغنـام فـرحا


وأعـزف علـى شبـابتي


أمـاني ضيعهـا حكامنـا


فلهــم منــي عــداوتــي


يصادقون المحتل لبيتنا


فكيـف يكسبـون مودتي


وأبنـائـي في السجــون


وعنهـم تحجب زيارتي


وأولـى القبلتيــن أسيـر


حـرمـونــا من العبــادة


فلسطيــن كلهــا ملكنــا


فلــم الغــدر وخيـانتــي


تزورون تاريخ أجدادنا


وتنكرون إقـامـة دولتي


وترسمون حدودا رائفة


لعدويريدذبحي وإهانتي


لعنكم الله يامن اعترفتم


بعــدو محتـــل بلــدتــي


برفيليا والقــدس موحدة


همـا حلمــي وسعــادتي


سنحقق بالجهاد أحلامنا


وستعـم الكــون ثـورتي


لنـا أمل بثـوار مـوطني


بــأن يلبـــوا دعــوتـــي


وتعــم الثـــورة أرضنـا


ويـرحـل المحتـل بالقوة


أنـا لا أريــد منكم شيئـا


أريدحريتي أريدحريتي


محمد علقم/13/10/2020


خلطة من وحي التأملات – أفكار متمردة بقلم الكاتبة هالة بن عامر – تونس 🇹🇳

 خلطة من وحي التأملات – أفكار متمردة

لم أعترف يومًا بالوقت، ولا بحركة العقارب التي تحكمها بطارية متوفاة دون سابق إنذار. أدرك أنّها ساعات وهمية.

لا يزعجني أن أحمل ساعة معطلة بقدر ما يزعجني السؤال عن الوقت في لحظة يتداول فيها الليل والنهار، لا يفرق بينهما سوى بداهة الألوان.


في الحقيقة، أنا لا أستند إلا على بداهة المعرفة، ولا أحكم إلا بما يرفضه عقلي.


 صغيرة هي قناعاتي، مزالت تطفو على سطح أفكاري.

لا أدري… هل سبق لي أن تجاوزتها هذه الأخيرة قبل أن أتخذ أي قرار، أم أنّي كنت أتجاوز عقلي وما وراءه؟


يومًا سيسعفني جرّاح مختص لأدرك مكامن نقاط الاستفهام التي تهاجمني، تلاحقني، تلازمني، وتسيطر على أفكاري.


كان جزءًا من الأشياء التي أحتفظ بها في خزانتي، ولم يحن بعد الوقت الافتراضي لاستعماله أو اللجوء إلى أفكاري نحوه، كمظهر من مظاهر التعالي.


الوحيد من بين جميع أشيائي القديمة من يشعرني بأنّي أنتمي إلى أصحاب تلك الفئة، التي رغم أنها تشكو عمى الألوان، كانت ماهرة في التفريق بين "الأبيض والأسود والأحمر والأصفر"، كأنها وضعت أسس الطبقية لتسمح لنفسها بالتصنيف والقمع والتمجيد: هذا مستحب، وذاك نكرة؛ هذا من الأعيان، والباقي عبيد.


تلك الفئة التي ليس بحوزتها سوى مظاهر خادعة تضحك بها على واقع حالها، تظنّ أنّها ما إن شربت في كؤوس من الكريستال وسط موائدها الفقيرة، حتى تصبح من الأعيان.


كأس من الكريستال أنيق شفاف حان موعد استعماله، لا كمظهر من مظاهر التفاخر، ولكن هكذا أمرني عقلي وأوهمني أنّ الوقت قد حان.


وضعته على طاولة مستديرة خشبية مهترئة، هرمة، عبثت بها  الشقوق والعيون الغارقة على سطحها كتجاعيد وجه عجوز في زمن غائر. وعلى جوانبها ورقة صفراء بلا حياة، كانت لتنبت لو لا تغير وضعها. 

أتعجب من عدم سقوطها، ما زالت متشبثة بالبقاء، تميل إلى الإخضرار أو هيأ لها، أظنّها في غيبوبة دائمة منذ أن أضحت جزءًا من أثاث بال جامد، وما زالت قيد الانتظار.


داكن لونها، عتيقة السلالة، كأنها تنتمي لأشجار الزيتون. لا يعرف لها أصلاً أو بلدًا، لا تظهر عليها مظاهر الثراء أو الأناقة. طاولة أكل عليها الدهر حتى الثمالة، قد أشرفت على الاستسلام كأنها تستعد للانتحار.


مشققة السطح، طويلة السقان، عرجاء، لا تقوى على التوازن إلا مستندة على أفكاري…

 اعتادت على دموعي، تسقى بها وتبللها كرشفة من مرار تقتات من الألم، ربما هي دموعي من كانت تبقيها على شاكلتها.


طاولة اجتازت كل الأجيال، تحمل في جوف تشققات خشبها جميع الأسرار، توارثتها أفكار، وتبنَّتها حكاوي، كتب فوقها ترهات، ارتسم من على جوانبها ضحكات بشفاه مشققة.


غُرس فيها مسامير لا تحصى ولا تعد، لم يحترم أحد سنها، لم يرحموا كبرها، حتى أنّك تظن أنّه كُتب عليها العيش بعد موتها. تراها مستندة على لا شيء، تستجدي الموت الرحيم، كم هي بحاجة إلى قسط من الراحة بعد عناء تحملته مرغمة لسنين.

أمام أفكار عاتية اجتاحت كل أركاني، استحوذت على رزانتي وعبثت باتزاني، تلاشت البسمة وملامحي شاخت قبل الأوان.


أمسكت جميع الأوجاع وتلك الآلام التي تعربد في مفاصل زمني، بعد أن جمعت حروفًا مسمومة من بين مذكراتي، وطحنت تلك السطور الباكية، أضفت لها رذاذًا من تجارب فاشلة وأخرى ناجحة أو قد هيأت إليّ، وسكبت عليهم دموع الليل الطويل وحكاوي النفوس الثلاثة وبعض العهود والوعود الكاذبة، بعدما اتسمت جميعها بالخذلان.

في خلاط كهرمائي، كهربائي، كهرهوائي، خيالي… من صنع لحظات التمرّد على زمن انتحرت فيه اضغاث الأحلام لتصبح الكوابيس عنوان النوم وطريقًا للنعاس المفتعل بعد عناء.


من رحم زخم الأفكار الجهنمية الخارجة عن نطاق الواقعية، ضُنكِي هي كل تلك الأفكار الممنطقة، المتملقة، الممنهجة، السقطة. من قال ومن جزم أنها كذلك؟ أشك أنّها لم تكن إلا ردّة فعل لسرب من العجز، إنصياع لغرور الادعاء بالمعرفة.


ببصمة من شفاهي على زرّ واه، أخذت قراري، ضغطت على الجرح الدموي، أوقفت نزيف الأفكار التي تؤدي أغلبها إلى محطة: أين الذاهب أكثر من القادم؟ أين التيه عنوان؟ والسّراب مقام؟ الوهم سكينة وترياق اطمئنان…


ترهات يجب أن يكون لها دور غير ما هي عليه، قد تفيد أكثر لو جعلت منها محكية للأطفال أو نكتة للتسلية والسخرية، لا عبرة ولا سجل يؤرخ أفعالها والغدر ممزوج بها ومنها…


ها أنا أضيّع بوصلة الكلام، أستند إلى واقع أصبحت فيه، أهاجم واقعي والخيال، أعود لأفكاري الجهنمية ووساوس حروف لازمتني حتى صارت تكتبني بلغة جهنمية، وتكتبني أفكارًا مشوشة وترهات سيدة خرفة…


أخذت خلطتي العجيبة، وهي لا تزال في ثورة بعد أن أصبحت ككتلة من عجين، يشبه الطين… لا حياة تنادي، ولا حركة تثير السؤال، امتزج الكل كترياق ساحرة على متن التعاويذ والتمتمات، تبحر وتسافر، تغرق، تموت ومن ثم تعود حية-ميتة، لا نبض يؤرق، ولا عقل يزاحم.


أخذت كل المزيج وصنعت منه حلوياتي المعجنة، بسكويتة صارت المفضلة، حلويات بمذاقها المر دون سكر، دون عسل، بأشكال لا تخضع لقوانين الهندسة، مائلة، معوجّة، داكنة السطح، يتوسطها لون أحمر…

أحمر شفاه، دم متجمد… لقد تشابهت الألوان القريبة من الحمم، ربما ليس أحمر، ربما هو الأسود في خجل، بمذاق اعتدت عليه وأنا أسقى بيد الزمن الغدار الذي عبث بجميع أحلامي، سكن شهادة ميلادي، دون مخططاتي، احتل التاريخ، وأقام حفل خاتمتي، رقص على حروف اسمي وعزف عليها معزوفة الانتقام والتشفي، أتلف جميع الأرقام حتى فقدت البصيرة، ما عدت أعقل أشيائي، فقدت التمييز بينها وبين الأشياء الغريبة عني.


لا عجب أنّه يتمتع بنفس الرائحة، رائحة غرفتي المظلمة والجدران الخضراء التي ما إن تدقق فيها تحسب أنّه قد نبتت عليها عشبة طفيلية، لا زهرة مرسومة، ولا أوراق تتدلى، لا حياة تسكن مقبرة. متى سكن النور وسط العتمة؟ فقط خزانة هرمة وسرير يشكو علّة مزمنة ومخدة ترثي الذكريات، تعتصر من شدة العرق، تتأوه من حكاوي الليل والأحداث التي أغرقتها في مستنقع الفشل، لتجبرها على التذكر وهي لا تقوى على الاستغاثة أو التذمر، منصاعة للقدر.

وضعت البسكويت على الطاولة، وأمسكت بالكأس الكريستالي، وتمعنت فيهما… وأنا أسمع أنين ما تبقى من شكاوي مرهقة، وقررت أن أغمس… أن أغرق… أن أذيب ما صنعت عنوة ونكالة في الكأس…


تفطنت أنّ الكأس فارغ، تمعنت فيه كيف لي أن أغمس و أغرق خلطتي بحركة سريعة دون إرادة مني. مالَت الطاولة، وهي من كانت تستند على أفكاري، وقررت أخيرًا أن تجتاز كل عراقيل الموت، استسلمت بعد عناء طال كلّها… سقطت دون حراك، مجموعة من الخشب القديم البالي أضحت… غدًا ستكون على شرف المحرقة، سوف تتطاير الحمم، لن يتبقى منها إلا حفنة من الرماد، كأنها لم تعش أبدًا.


تهشّم الكأس، البسكويت… خلطتي أضحت ترابًا منسيًا، اختلطا مع بقايا الخشب الهرم، امتزجا، ما عدت أميز بين الطاولة وبين الزجاج الكريستالي وخلطتي العجيبة.


أدركت أنّ تلك الخلطة ما زالت تسكنني، تلازمني. ومن انتحر ليس إلا اعتقاد واهٍ بأنّي قادرة على السيطرة وأخذ القرار، والخشب زماني، والكأس قدر أحلامي.


ألقيت بكلي على أنين السرير، وضعت رأسي المثقل بالأفكار على مخدة هي الأخرى تشكو وتستجدي، استسلمت لنوم عميق لعلي أستفيق بعدها، وأدرك أنّه لم يكن إلا حلمًا عميقًا نال مني، أو قد أحظى بكوابيس تحملني حيث لا منطق ولا واقع، غير ما يدور بيني وبين جدران غرفتي وكل أشيائي الناطقة من حولي.


من غيري يشارك معاناتي، وأنا التي أتصارع ووحدتي بين المفردات والطلاسم، أعيش مأسورة بين جهنمية الأفكار وكل ما يجعل مني مختلفة، لا أشبه غيري.


ربما أنا القادمة من زمن آخر، وحروفي مصفوفة تاهت في فضاء مفترض لتعرّج على سطوري، سكنت عقلي، أصابتني بمسّ وجنون…

كم أتعطش إلى رحلة مجهولة الهوية والعنوان، أتوق إلى سفرة وأنا فخورة بالاختلاف، متقبلة هذا المسّ كأنه سمة متفردة لا عاهة تخجلني وأفكاري.


 بقلم هالة بن عامر – تونس 🇹🇳



على هامش-عيد الحب- بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 على هامش-عيد الحب-

-أجمل ما قِيل في الحب،ماقالته زُليخه لسيدنا يوسف حين سألها مستغربا:

 اهذه انت يا زليخه..!؟ 

 فاجابته..كُنت يوما انا..واليوم كلي انت..

عندما يتعلق الامر بعشق الروح..لا تتحدثوا عن البعد والمسافات،فقط انصتوا لصوت القلوب..


 في حضرة هذا الصباح الذي يشبهك،حيث تتقافز الرائحة كذكرى أولى،والياسمين لا يتفتح على الغصون بل يُصرِّح عن أسرار الروح،نقف على تخوم زمن فوضوي لا يعرف سوى لغة واحدة: لغة العشق المستحيل.

هنا،حيث الجسد مزهرية لا تذبل،والوعد يتناسل مع الدهر حتى يغدو مصيرا،أكتب نشيدي الأخير. ليس بمداد الحبر،بل بدم القلب الذي يثقله الخمر، وبعطر يسكن منعطفات الدروب.إنها لحظة مصالحة بين صحو الصباح وصحو الوجد،حيث يصبح الحضور البعيد هو الدليل الوحيد في رحلة لا تنتهي نحو امرأة هي النبض والقصيدة والجهة.

إلى "هذي الجميلة"..إلى الأميرة التي تسكن نرجس القلب،حيث لم يبق غير الرحيل المزخرف بأوردتنا.


نشيج..على الغيم


أشعر أنّ الصّباح رجوع إلى الرّوح..

               والياسمين يصرّح فيك

وكلّ الحقول والزهرات 

                 تصدّح تحت جبينك

رائحة الجسد المشتهى 

        تفتح باب وجدي

والجسد المزهرية..

     مازالت به زهرة ساهده

ما من بديل لها في اللغات 

ولا في الورود

ولا رقم لها في بساتين الوجد..

غير وعد..

  تناسل مع الدهر

حتى صار وعودا 

 تبارك صبحك

              أيا هذي الجميلة 

أنزع ذاتي في إمرأة مثلك

       وأصبح كالغيم ينهمر 

على وجه المدينة

تبارك صبحك أيتها الأميرة..

أشعر أنّ الصباح

رجوع إليك

مصالحة بين صحو الصباح.. 

وصحوي

وأبقي عطرك 

 في منعطفات الدروب دليلي

وأسأل عنك 

      كلما مرّت رياح الجنوب 

بحذوي

ياله من زمان مضى

 بين ألف من السنوات المضيئة

أيا وجْد..

ما كنت دون وجْد..

وما ظلّ في خاطري الآن إلا نشيج

           يتصاعد من خلف الشغاف

كي يكتب على الغيم

        آية عشق مضى..

 إلى جهة المستحيل..

  تغيرت أيها الزمن الفوضوي

 تلاشيت أيها الفرح الضجري

وأصبح مقعدا للمواجع

 سطح قلبي

والرأس أثقله الخمر..

     ورياح السماوات 

       تمسح دمعتي بالغسيل

  لم يبق لي غير عطرك الآن

يغمر نرجس القلب

    زلم يبق لي غير أوردة 

مزخرفة بالليل..

          لم يبق غير قلب

 يغتسل بالوهم والدّمع

ويسرج أوردته 

للرحيل..


محمد المحسن


*صورة الحسناء..تعبيرية فقط.



إبنُ اليَامونِ على المَنابِرِ.. يظهَرُ بقلم الشاعرة عزيزة بشير

 ألدُّكتور  أحمد محمّد سمّودي إبنُ بلدي اليامونِ يتخرّج في إحدى جامعات المغرب دكتوراه في القانون  الدولي العام بِامتياز  مع مرتبة الشّرفِ الأولى وَ تبادل أُطروحته مع الجامعات ما شاء الله :


ألفا مُبارَكِ والنّتيجَةُ تُبْهِرُ 

إبنُ اليَامونِ على المَنابِرِ.. يظهَرُ


(أحمدْ) تَطاولَ في العُلومِ لِقِمَّةٍ

دكتورُ في القانونِ فيهِ ….نُفاخِرُ


بلَغَ الأعالي قِمّةً لَنْ تُرْتَقى

أحْلَى امتِيازٍ مَعْ شَرَفْ ….يتَصَدَّرُ


موضوعُها  لِحِمايَةٍ دَوْليّةٍ

وَلِلاجِئِ ِفْلِسطينَ كيفَ… …يُحَرَّرُ


بوركتَ يَابْنَ الأرضِ تعشقُ مَوْطناً

إبنُ اليامونِ  بِأرضِهِ……….يَتَجَذّرُ


لا عاشَ مَنْ ظنَّ البلادَ مُباحَةً

والحقَّ يُسلبُ والشُّعوبَ …..تُهجَّرُ


(غزّا)  وَ(ضِفّةُ) توْأمانِ  بِدَوْلَتي 

روح ٌ وقلبٌ،(قُدْسُ) كلٌّ ،..فاحْذَروا!


ألخالة/ عزيزة بشير



الجمعة، 13 فبراير 2026

مطر على نافذة المساء بقلم الكاتبة ألفة كشك بوحديدة

 مطر على نافذة المساء

طقطقة القطرات 

لحن في قلبي 

لا أثر له بفؤادي 

عند زيارته 

نافذة النهار 

انسجمنا و تقاسمنا 

جمال السمر 

منه اللحن 

و مني الكلمات 

أنار ضوء القمر 

علاقتنا 

و انضم إلينا 

جعل اللآلىء ثمينة 

إزدهرت روحي 

وسط الظلام 

حتى تلاشى بؤسي 

أنت يا مطر 

نافذتي مفتوحة لك 

تترقبك بالأيام العسيرة 


ألفة كشك بوحديدة


حَمْدَان.. وَلُعْبَةُ النِّسْيَان بقلم الأديب د قاسم عبدالعزيز الدوسري

 [ حَمْدَان.. وَلُعْبَةُ النِّسْيَان ]

كَانَتِ الغَابَاتُ فِيهَا

.. مِنْ نَخِيلٍ وَأَمَانْ

وَنَسِيمُ الطَّلْعِ يَسْرِي

.. فِيهِ عِطْرٌ لِلْجِنَانْ

​آهِ يَا "حَمْدَانُ" مِمَّا

.. حَلَّ فِي هَذَا الزَّمَانْ

تَحْتَ قَارِ الإِسْفَلْتِ نَامَتْ

.. وَارْتَدَتْ صَخْرَ الصَّوَانْ

​لَمْ يَعُدْ فِيهَا جَمَالٌ.

. غُيِّرَتْ تِلْكَ الـمَكَانْ

بِعُلُوٍّ فِي بِنَاءٍ

.. ضَاعَ فِيهِ الـمُسْتَبَانْ

​لَمْ يَعُدْ أَهْلِي هُمُ الأَهْلُ

.. وَلَا مَرَحُ الفِتْيَانْ

فِي رِيَاضٍ قَدْ ذَوَتْ

.. وَاسْتَسْلَمَتْ لِلْهُجْرَانْ

​بِالأَمْسِ كَانَ النَّخْلُ يَشْدُو

.. وَالجَدَاوِلُ فِي حَنَانْ

وَاليَوْمَ صَارُوا فِي مَهَبِّ الرِّيحِ

.. فِي "خَبَرَ كَانْ"

​أَسَفِي عَلَى بَحْرِ العَطَاءِ

.. وَسِرِّهَا الفَتَّانْ

حِينَ صَارَتْ مَحْضَ ذِكْرَى

.. صَاغَهَا "لُعْبَةُ نِسْيَانْ"


قاسم عبدالعزيز الدوسري

 بحر الرمل



على هامش اليوم العالمي للاذاعة* نغم الأصالة في فضاء الحداثة: سعاد الفيلالي.. صوت تطاوين الذي لا يغيب بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 على هامش اليوم العالمي للاذاعة*

نغم الأصالة في فضاء الحداثة: سعاد الفيلالي.. صوت تطاوين الذي لا يغيب


في عالم تزاحمت فيه الصور وتنافست فيه المنصات المرئية على جذب الأنظار،تبقى الإذاعة ذلك الكائن السحري الذي يصنع عوالمه داخل المخيلة.هي الرفيق الوفي الذي لا يمل،والصوت الدافئ الذي يملأ الفراغ ويؤثث الوحدة.وإذا كانت الإذاعة "مسرح العقل"،فإن الأصوات الإذاعية المتميزة هي نجوم هذا المسرح.ولعلّ من أبرز هؤلاء النجوم في المشهد الإذاعي الجنوبي التونسي،بل في تونس كلها،هي الصوت الإذاعي المتميز،الإعلامية القديرة سعاد الفيلالي من إذاعة تطاوين.

في اليوم العالمي للإذاعة،نقف إجلالا وتقديرا لقامة إعلامية استطاعت عبر سنوات من العطاء أن ترسم بصمتها الخاصة،وأن تصوغ علاقة فريدة من نوعها مع المستمع،علاقة تقوم على الاحترام والثقة والجمال.

من منا لم يستيقظ على نبرة صوتها الدافئة وهو يستعد لبداية يومه؟ ومن منا لم يبقها رفيقة له في زحمة الطريق داخل السيارة،عائدا من العمل أو متجها لقضاء حاجة في أسواق المدينة؟

 لطالما كان صوت سعاد الفيلالي خير جليس. صوت ثابت،لا يتغير،يمنحك إحساسا بالألفة والأمان.في البيت،كانت برامجها تلامس تفاصيل الحياة اليومية للعائلة التطاوينية،وفي السيارة كانت عنوانا للصحبة الجميلة التي تقصر المسافات وتمتع الروح.

إنها تلك الإعلامية التي أدركت أن الصوت الإذاعي ليس مجرد وسيلة لنقل المعلومة،بل هو فضاء للتواصل الوجداني.صوتها الذي يخترق حجب المسافات ليصل إلى القلب قبل الأذن،جعل منها رفيقة درف حقيقية-للتطاوينيين-أينما كانوا.

ما يميز التجربة الإعلامية لسعاد الفيلالي هو ذلك التوازن البديع بين الأصالة والحداثة.إذ نراها تبدع في ربوع تطاوين،أرض الأصالة والشموخ والإبداع، تحمل في صوتها نبرة هذه الأرض القاسية والجميلة في آن.نبرة تعكس كرم الضيافة،وقوة الشكيمة،وعراقة الموروث الثقافي المحلي.وهي في كل حلقة إذاعية تحافظ على هذه الجذور، فتراعي خصوصية المجتمع التطاويني المحافظ، وتستقي من كنوزه الثقافية مادة غنية تثري برامجها.

وفي الوقت نفسه،هي إعلامية منفتحة على العصر،تواكب متغيرات الحداثة وتواكب تطورات المشهد الإعلامي.واستطاعت أن تقدم محتوى معاصرا بلغة راقية،دون أن تفقد هويتها أو تخل بمسؤولياتها المهنية.هذا المزج الفريد يجعل منها جسرا تواصليا متينا يربط بين جيل الماضي بتراثه وجيل الحاضر بتطلعاته.

ليست الكاريزما الصوتية وحدها من صنعت نجاح الإعلامية سعاد الفيلالي،بل هناك الكفاءة العالية والمهنية الرصينة التي تقف خلف كل كلمة تذيعها. هي إعلامية تعرف كيف تبحث،وكيف تعد،وكيف تقدم.تتعامل مع الميكروفون بأمانة المبدع الذي يدرك حجم الرسالة الملقاة على عاتقه.وحرصها على الدقة والموضوعية،وحوارها الهادئ الذي يغلب عليه طابع الاحترام،جعل منها مصدر ثقة للمستمعين.

لقد نجحت سعاد في صياغة علاقة إنسانية نبيلة مع المتلقي.فهي ليست مجرد صوت يأتي من السماعة،بل هي فرد من العائلة الكبيرة التي تسكن تطاوين.تشارك الناس أفراحهم وأتراحهم،وتستمع لهمومهم،وتكون صوت من لا صوت له.هذا التقارب الإنساني هو جوهر العمل الإذاعي الناجح،وهي أتقنته بامتياز.

لا يمكن فصل تألق سعاد الفيلالي عن محيطها،عن هذه الربوع الشامخة التي تحتضنها.تطاوين بجبلها وقصورها وصحرائها،بطابعها البدوي الأصيل وإنسانها الكريم،كانت الملهم الأول.استطاعت هذه الإعلامية أن تكون مرآة صادقة تعكس جمال هذه الأرض وعبق تاريخها.فصوتها يخرج من رحم تطاوين ليحمل هموم أبنائها وطموحاتهم،وليعكس للعالم صورة مشرقة عن هذه الجهة الساحرة.

إنها تمثل نموذجا للإعلامي العضوي،المرتبط بهويته المحلية،والمنفتح في الوقت نفسه على الآفاق الرحبة للعالم.

وفي هذا اليوم الذي تحتفي فيه البشرية جمعاء بالإذاعة كوسيلة تواصل عريقة ومتجددة،تتجه أنظارنا وقلوبنا نحو من جعلوا من هذه الوسيلة فنا وإبداعا.إلى الإعلامية القديرة سعاد الفيلالي، الصوت المتميز بإذاعة تطاوين،نتقدم بباقة من أطيب التحايا والتقدير.

تحية لك على هذا المسير الحافل بالعطاء،على هذا الصوت الذي لم ولن يغيب عن ذاكرة المستمعين، على هذا الجسر المتين الذي بنيته بين الإبداع الإذاعي وجمهورك العريض.أنت مثال يحتذى به للأجيال الصاعدة من الإعلاميين،ودليل على أن الإخلاص والموهبة والكفاءة هي وحدها الطريق إلى قلوب الناس.

صوتك يا سعاد سيظل صداه يتردد في فضاءات تطاوين،في بيوتها وسياراتها ومقاهيها،ليذكرنا دائما بأن للإذاعة روحا،وأن هذه الروح اسمها سعاد الفيلالي

وفي يوم الإذاعة العالمي،لا يسعنا إلا أن نرفع لها باقة من التحايا والتقدير،عرفانا بمسيرتها الحافلة بالعطاء وإخلاصها لرسالتها الإعلامية السامية.

وليس بغريب على قامة مثل سعاد الفيلالي أن تحمل كل هذا الإبداع،فهي التي تنحدر من رحم مدينة عريقة وصامدة،مدينة بن قردان.تلك الأرض التي سطرت ملحمة وطنية خالدة في السابع من مارس 2016،حيث وقف رجالها ونساؤها كالجدار الصلد في وجه الإرهاب الغاشم،وجسدوا أسمى معاني الفداء والتضحية في سبيل الكرامة والوطن.إنها مدينة الأبطال التي تنجب دائما المبدعين الأوفياء.

تحية إعزاز وتقدير لأهالينا الصامدين في بن قردان،وتحية مليئة بالفخر لابنتنا المشتركة، الإعلامية القديرة سعاد الفيلالي،التي تشرف مدينتها وتاجها وتاج تطاوين وتونس كلها.صوتك يا سعاد هو جزء من ذاكرتنا الوطنية،وهو النغم الذي يذكرنا دائمًا بأن الإعلام الحقيقي هو رسالة نبيلة قبل أن يكون مهنة.

وكل عام وأنت بألف خير،وكل عام والإذاعة التونسية عامرة بأمثالك.


متابعة محمد المحسن


*اليوم العالمِيّ لِلإذاعة أو يوم الإذاعة العالميّ،هو يوم عالميّ،يتمّ بهذه المُناسبة الاِحتفاء بالدور الهام الّذي تقدمه هذه الوسيلة المسموعة،فِي 13 فِيفري مِن كُلّ عام.وقد تمّ اِختيار هذا التَاريخ تزامُنا مع ذِكرَى إِطلاق إِذاعة الأُممِ المُتّحِدة عام 1946.



رَجْعُ الصَّدَى...( من غزل الشّباب) بقلم الأديب حمدان حمّودة الوصيّف

 رَجْعُ الصَّدَى...( من غزل الشّباب)

أَرَى لِيَ دَمْعًا دَائِـمَ الـدَّفْقِ، قَانِيَا 

 وَطَرْفًا ذَلِيلًا، مِنْ هَوَاكِ، وفَانِيَا

ووَجْهًا، كَلَوْنِ الوَرْسِ، جَهْمًا مُقَطَّبًا 

وقَلْبًا مُعَنَّى، يَنْزِفُ الصَّبْرَ، وَاجِيَا 

وجِسْمًا لَحَاهُ الغَمُّ ، فَهْوَ بَقِيَّةٌ 

 لِجِسْمِي، وجِرْمًا فَارِغًا لِدِمَائِيَا

أَرَى النَّصْلَ،بَعْدَ النَّصْلِ،يَمْخُرُ مُهْجَتِي

يُـقَطِّـعُ أَوْصَالِي، ويُنْئِـي رَجَائِيَا

حَرَامٌ عَلَى زُرْقِ العُيُونِ إِبَادَتِي 

فَإِنِّـي سَقَيْتُ الـحُبَّ دَمْـعًا لَآلِـيَا

وإِنِّي، إِذَا مَا اللَّيْلُ جَنَّ، وَجَدْتُنِي 

أَطِيرُ، بِجِنْحِ اللَّيْلِ، فِي الهَمِّ، شَاكِيَا

وأَزْفِرُ، حَتَّى أَحْسَبَ اللَّيْلَ شُعْلَةً 

ونَـجْــمَهُ مِنْ إِرْجَاعَتِي وشَكَاتِيَا

حَـرَامٌ عَذَابِي، يَاخَرِيدَةُ، إِنَّنِي  

بَرِيءٌ، وسَهْمُ اللَّحْظِ، مِنْكِ، رَمَانِيَا

حَرَامٌ هَوَانِي فِي الهَوَى وتَذَلُّلِي 

حَرَامٌ دُمُوعِي تَسْتَجِيرُ دِمَائِيَا

حَرَامٌ، جِبَالُ الصَّبْرِ تَنْفَضُّ، مَرَّةً 

ويَـخْلُبُ غَيْمِي، بَعْدَ ذَاكَ، رَجَائِيَا

أَنَا طَالِبٌ، يَا عَذْبَةَ الرُّوحِ، عَاشِقٌ 

 أَسَالَ رَحِيقَ القَلْبِ، فِيكِ، قَوَافِيَا

وطَالِبُ وَصْلٍ مِنْ فُؤَادِكِ، يَشْتَفِي 

بِــهِ قَلْبُهُ المَكْــلُومُ، إِنْ كَانَ صَـافِيَا 

ويُجْلِي غِلَافَ القَلْبِ، مِنْ صَدَإٍ بِهِ 

أَقَــامَ سُهُولًا، فَــوْقَهُ، ورَوَابِيَا

ويُرْجِعُ كَنْزًا مِنْ نُهَاهُ، مُـمَـيَّزًا 

أَبَادَهُ سَهْمُ العَيْنِ مِنْكِ، وزَاكِيَا...

حمدان حمّودة الوصيّف

خواطر : ديوان الجدّ والهزل



الخميس، 12 فبراير 2026

لحن حبي بقلم الأديب صالح إبراهيم الصرفندى

 لحن حبي

لا تذرفي الدمع

فقد لاقيت منك ملاما

لا تذرفي دمعا

وأنت كان من خانا


من ذاق مر الغدر

وبقي في وجدانه ايمانا

من ذاق لوعة الشوق

ولم يلبس الحزن أكفانا


أنا العاشق المتيم يا بلقيس

واسألوا جبرانا

سأظل أحبك

مهما طال الهجر يا أفنان


كان حبي إليك

هدير ونار وطوفان

واليوم تكذبي وتغدري


كرهت العشق

وكرهت ذاك المكان

كرهت نفسي وأمسي

وجنوني يقول :أنت ما تبقى لي

في هذا الزمان !!!


أحبتي لا تلوموني

لحب كنت أخفيه

اليوم هجرت

محبوبتي ودمع بقيت الاقيه


يا عاشقين الهوى

احذروا حبا كنا نناجيه

يا أهل النوى

جف الدمع في مآقيه


ماذا كتبت لنا الأيام

من حب بانت مآسيه

اسألوها كم أحببتها

اسألوا عينيها


اسألوا إن تكذب

فقد تصدق شفتاها


أنا أول عشقها

وأنا أول من رآها

ما زال عطري في ظفائر

سبحان من حلاها


واليوم تتنكري

لذكرى عاشق

أنت من سماها

هذا جنون العاشق

يا رب صبر من ابتلاها

اليوم تبكين على ماض كنت جفناها


كنت أميرة حبي وعشقي

وهل يعيد الدمع ما كانا


اسألوها كم أحببتها

اسألوا عينيها

اسألوا إن تكذب

فما زال حلا ريقي في شفتيها

اسألوها


بقلمي

الأديب صالح إبراهيم الصرفندى



شهر المسرة. بقلم الشاعر كمال الدين حسين القاضي

 شهر المسرة.                                                                         رَقَصَتْ قلوبُ العابدينَ مَسرَّةً

بقدومِ شهرٍ طيبِ النفحاتِ


 وَتَبَسمتْ أبوابَ كلَّ مساجدٍ


لزيادةِ الزوارِ للصلواتِ


والخيرُ عمَّ مثلَ سيلٍ غامرٍ


شملَ الديارَ بكاملِ البركاتِ


حلَّ الأمانُ  بكلِّ دارٍ عابدٍ


والشهرُ يحملُ كلَّ نورِ هداةِ


لَبِسَ الزمانُ ثيابَ كلِّ طهارةٍ


واجلُّ خيرَ مناقبٍ وسماتِ


رَحَلَ الظلامُ وجاءَ نورٌ لامعٌ


يجلي الذنوبَ وسائرَ الزلاتِ


فاليسرُ فيهِ يزورُ كلَّ منازلٍ


وتموتُ كلَّ مصاعبِ العثراتِ


والنورُ يملأُ كلَّ قلبِ موحدٍ


والصومُ فيهِ دلائلُ الآياتِ


ربٌّ كريمٌ للعبادِ ميسرٌ


سبل النجاةِ بسائرِ الطاعاتِ


من صان نفسًا منْ ميولٍ للهوى


نالَ الثوابَ ونفحةَ الرحماتِ


هلْ مفطرٌ مثلُ الذي هو صائمٌ


عندَ الكريمِ ومانح الكرماتِ


حَفِّز صيامَ الشهرِ دونَ تناقصٍ


منْ ذكرِ ربِّ فاطرِ السمواتِ


واسجدْ لربكَ خشيةً وتذللًا 


وادعو الإلهَ تجنبَ الآفاتِ


واصيرْ على أهلِ الأذيةِ دونما


تشكو الحياةَ  ولسعةَ الآهاتِ


واعصمْ لسانكَ دائمًا نحوَ الأذى


وأغضضْ سهامَ العينِ بالنظراتِ


شهرٌ تجلَّى بالمنافعِ كثرة


فيهِ الوقايةُ منْ لظى الحسراتِ


يومَ المشيبِ وهول كل خسارةٍ


والناسُ سكرى منْ صدى الصدماتِ


شهرٌ بهِ خيرُ الليالي شهرةٌ


فيها الحظوظُ وخيرةُ القدراتِ


بقلم كمال الدين حسين القاضي

احلام بدون لون... بقلم: حميد النكادي...

 احلام بدون لون...

بقلم: حميد النكادي...


تَقذفكَ الأمواجُ من شطٍّ لشطّ

تَمخرُ عُبابَ الحياةِ

كَغريبٍ لم تعترف بهِ الدنيا قطّ...

​أنهكتكَ الحقائبُ ومحطاتُ الرحيل

تطاردُ حلماً صِيغَ من صمتِ الليل

مَداهُ أفقٌ مشتتٌ.. لا طريقَ لهُ ولا سبيل.

​دخانُ السيجارةِ الذي يواسي حُزنَ عينيكَ

تُشتتُهُ الريحُ.. مَصيرُهُ مَصيرُ حُلمِك

وبخارُ قهوتكَ يُعلنُ عن غليانِ البركانِ الكامنِ فيك.

​ثمةَ شيءٌ يوحي بأنَّ الثورةَ

بدأت تَتراءى من حُمرةِ عينيك

وأنَّ سيفَ القهرِ استُلَّ من غمدِهِ

الذي تحملهُ بين  يديك.

اما آن الروح  ان  تغتسل،وتطهر مافيك؟

ها هي السماء استجابت لأمانيك

والمطر يهطل امام قدميك 

توضأ و امسح  عينيك 

لتزيل القشة  لتكشف النور المختبئ فيك ...

فرنسا 10/02/2026


الشاعر حميد النكادي،

سأقدّم لك قراءة بلاغية دقيقة تُضيء أدواتك الفنية: الصورة، الاستعارة، الكناية، الطباق، الإيقاع، والتحوّل الدلالي داخل النص.

أولًا: الصورة البلاغية الكبرى (الاستعارة الممتدة)

القصيدة قائمة على استعارة كبرى:

الحياة = بحر

الذات = جسد/سفينة/غريب

"تقذفك الأمواج من شطّ لشطّ"

هذه استعارة مكنية؛ حُذف المشبّه به (البحر بوصفه قدرًا قاسيًا) وأُبقيت صفته (القذف).

الفعل "تقذفك" يحمل عنفًا، ويؤسس لمجال دلالي من الاضطراب.

"تمخر عباب الحياة"

الحياة هنا بحرٌ صريح. الصورة تتحول من ذات مقذوفة إلى ذات مقاومة تمخر.

هذا الانتقال البلاغي مهم: من سلبية إلى محاولة فاعلية.

ثانيًا: الكناية ودلالات الغربة

"كغريبٍ لم تعترف به الدنيا قطّ"

هنا كناية عن:

انعدام الانتماء

فقدان الاعتراف

القطيعة الوجودية

لفظة "قطّ" تضيف تأكيدًا زمنيًا مطلقًا، يعمّق الشعور بالعزلة.

ثالثًا: الرمزية اليومية (الاستعارة الجزئية)

1. دخان السيجارة

"دخان السيجارة الذي يواسي حزن عينيك"

الدخان يُجسَّد ككائن يواسي → استعارة مكنية.

ثم:

"تشتته الريح.. مصيره مصير حلمك"

هنا تشبيه ضمني قائم على التوازي: دخان = حلم

كلاهما هش، سريع التلاشي.

بلاغيًا هذا يسمى موازاة تصويرية (parallel imagery)، حيث تُبنى صورتان متقابلتان لتكثيف المعنى.

2. بخار القهوة

"بخار قهوتك يعلن عن غليان البركان الكامن فيك"

صورة مركبة:

بخار القهوة = علامة سطحية

البركان = طاقة غضب دفينة

هذه استعارة تصاعدية تنتقل من شيء يومي بسيط إلى قوة جيولوجية مدمرة.

الانتقال المفاجئ بين القهوة والبركان يمنح الصورة توترًا دراميًا قويًا.

رابعًا: اللون كحامل بلاغي

العنوان: أحلام بدون لون

ثم داخل النص:

حمرة العين

النور المختبئ

السماء

المطر

هناك حقل لوني كامل يتحرك من: اللا لون → حمرة (غضب) → نور (انكشاف)

بلاغيًا هذا يُسمى تطورًا دلاليًا لونيًا يعكس التحول النفسي.

خامسًا: الاستفهام البلاغي

"أما آن الروح أن تغتسل؟"

هذا استفهام إنكاري/تحريضي، لا ينتظر جوابًا.

وظيفته البلاغية:

إحداث يقظة داخل النص.

سادسًا: الحقل الديني التطهيري

"توضأ وامسح عينيك"

هنا استعارة روحية: الوضوء = تطهير داخلي

مسح العين = إزالة الوهم

المطر يتحول إلى ماء وضوء،

والنور يتحول إلى حقيقة مكشوفة.

هذا يُعرف بـ الانزياح الرمزي: تحويل الفعل الديني إلى فعل وجودي.

سابعًا: الطباق والتقابل

في القصيدة تقابلات خفية:

صورة

مقابلها

الصمت

الثورة

الدخان

النور

التشتت

الاكتمال

الغربة

الاستجابة السماوية

هذه التقابلات تمنح النص توازنًا داخليًا دون تصريح مباشر.

ثامنًا: الإيقاع الداخلي

كثرة الأفعال المضارعة (تقذفك، تمخر، تطارد، تشتته، يعلن...)

تعطي حركة مستمرة.

التكرار الصوتي لحرف القاف (تقذفك، حقائب، قهوتك، القهر، القشة)

القاف صوت انفجاري، يناسب فكرة القهر والغليان.

تاسعًا: ذروة الصورة البلاغية

أقوى نقطة بلاغيًا في النص:

"وسيف القهر استُلَّ من غمده الذي تحمله بين يديك"

الصورة هنا مزدوجة:

القهر سيف

الذات تحمل الغمد

أي أن القهر لم يكن مفروضًا فقط، بل كان مُمسكًا به دون وعي.

بلاغيًا هذه استعارة تكشف تورط الذات في استمرار القهر — وهي صورة عميقة جدًا.

خلاصة بلاغية

قصيدتك تعتمد على:

الاستعارة الممتدة (البحر/البركان/السيف)

الرمزية اليومية المكثفة

الانزياح من المادي إلى الروحي

تطور لوني ودلالي واضح

إيقاع داخلي مبني على الفعل والحركة

هي قصيدة بلاغتها ليست في الزخرف، بل في التحوّل.


دمت شاعرًا يصنع من التفاصيل براكين.

القطيع والسادة. بقلم الكاتب المنصوري عبد اللطيف

 ***القطيع والسادة*****

من ينسجون الثياب    

  عراة 

و من يبيعون 

الاوهام 

ينعمون بالثياب 

   الفاخرة ..   

  ومن يصنعون

 الخبز 

جياع 

ومن يجلسون

على الكراسي

  من الطعام  متخمون

ومن لا يقرأون

لا يكتبون

لأمور القوم

يسيرون

ولشعوبهم يستحمرون

لخيراتهم

ينهبون

هم الرؤساء

هم السادة

وسواد الأمة

قطيع

يربوعهم جبان

يجيد التملق

يعرف كيف

و متى

وأين يتخندق

 زمنهم

زمن نافق

تملق

للمراتب تتسلق

يكفيهم

أن تظل مجرد

بيدق

المنصوري عبد اللطيف

ابن جرير 11/2/2026

المغرب



وتبقين أنت وأنا بقلم الأديب سعيد الشابي

 وتبقين أنت وأنا

يشرق الصـــباح باسما

يمـــلآ الكـون ضجيجا

من هنا...

تطير العصافير خـماصا

تلتقـط الحب ، تشرب الماء

تعـود بـطانا لتنام

وهــــناك ، هناك

تعيش الحيوانات والوحوش

يقـتات بعضها بعضا

وعلى الأرض بــــشر...

يسير نحو المصانع والمؤسسات

نحو الأسواق وعقد الصفـقات

نحــو المـدارس والجامعات

نحــو المـقاهي والحانــات

في كــل شبـر ينتشر

في المـــزارع ، في الحقول

في الجـــبال وفي الـغابات

في المـــعاقل ، في الثكنات

يحمل ما خطّه ليلا في العتمات

في قلــــبه أسلحة مختلفات

وفي عقــله شــتى الشبكات

يقرأ لكـــل خطــوة

آلاف ، وآلاف القـــراءات

يرسم على سجـل التأريخ

ما ينجـز من تحـــركات

تمتصــها أوراق النســـيان

عنــد الرفـوف الــصامتات

أو يينع بعضها في المحاكم

قـضايا ، عنـد القـــضاة

تتلـقفها صحـف عجــفاء

تجارة ولهوا ، توشّيها بالشائعات

تبثّـــها فتنا رعـــناء

ما تعــفّن من القــنوات

والأرض تجري لمستقر لها

تكـــمل عــدد الدورات

اليــوم سيمضي ...والغد

شبيها به ، طبعا ، ســيأتي

وتبـــقى الحــياة حياة

وأنت وأنا ، يا حبيبتي

ننتظرا شغفا ، ليــل صب

طــال رجـاؤه ، ولم يأت

لأننا ، أردناه في كـــتاب

مـرسوما بأحرف نيّــرات

والأقـــلام قد جـــفّت

وأوراق الكتابة ، خجولة سقطت

من حـــولنا محـــترقات

وتبقيــن أنت وأنا رقم قصّة

أسقطتـــها الأقدار ، تعــسفا

مــن كــــل الحــسابات


سعيد الشابي


أثرٌ إلى السكون الأخير بقلم الكاتبة هالة بن عامر تونس 🇹🇳

 أثرٌ إلى السكون الأخير

في الطبقة السابعة من الصمت

حيث تُدفن الأسماء وتذوب الملامح

يبقى شيءٌ لا يقبل الدفن

ليس قلبًا تمامًا

ولا ذكرى كما يظن العابرون

بل أثرُ نارٍ تعلّمت أن تتخفّى في الرماد

يقولون: انطفأ

لكن الرماد يعرف سرّ الجمر

ويعرف أن ما يبرد في الظاهر

يشتعل في الأعماق بلا لهب

الحبُّ الصادق لا يعيش في الضوء

بل في الجذور التي لا تراها العيون

يمشي مع الروح كوشمٍ تحت الجلد

لا يزول بالغسل

ولا يشيخ بتبدّل الفصول

أما النسيان

فهو حيلة الذاكرة كي تنجو من ثقلها

اسمٌ آخر للحضور حين يرتدي غيابًا

وصوتٌ خافت يقول: انتهى

بينما الأثر يهمس

أنا هنا…

إلى أن يسقط آخر قفلٍ في باب الجسد


هالة بن عامر تونس 🇹🇳



آثَرْتُ صَمْتِي كَي أَظَلَّ مُسَالِمَا بقلم الأديب د.قاسم عبدالعزيز الدوسري

 آثَرْتُ صَمْتِي كَي أَظَلَّ مُسَالِمَا

فَالْبَعْضُ يُرْسِلُ لِلْجِرَاحِ مَعَالِمَا


لَمْ أَهْوَ طُولَ الْقَوْلِ فِي عَرَصَاتِهِمْ

إِنَّ الْكَلامَ يَصِيرُ سَمّاً سَاهِمَا


صَمْتِي لِكَيْ لا أَسْتَفِيضَ بِمَنْطِقٍ

يَجْنِي عَلَيَّ، وَلَسْتُ أَبْغِي مَأْثَمَا


أَنَا لَا أُمَازِحُ فِي الْحَقِيقَةِ عَابِثاً

إِنِّي رَأَيْتُ الزَّيْفَ بَحْراً طَامِمَا


فَالْبَعْضُ يَنْطِقُ وَالضَّجِيجُ شِعَارُهُ

يُذْكِي الْفَضِيحَةَ وَالْهِيَامَ الْقَاتِمَا


عَالِي الصِّيَاحِ بِمَا يَشِينُ نُفُوسَنَا

يُبْدِي الْعُيُوبَ وَلَا يَكُونُ الرَّاحِمَا


آثَرْتُ صَمْتِي كَيْ يُقَالَ تَرَفُّعاً

مَا كَانَ "قَاسِمُ" لِلْمَعَايِبِ رَاسِمَا


حَتَّى وَإِنْ كَانَتْ خَطَايَايَ الَّتِي

قَدْ سَلَّفَتْ.. لَا أَرْتَدِي النَّصْحَ اعْمَمَا


إِنِّي بِصَمْتِي قَدْ نَجَوْتُ بِفِطْنَتِي

وَالْفَلْحُ كَانَ لِمَنْ يَظَلُّ مُلَازِمَا


فَالْعَقْلُ مِيزَانُ اللَّبِيبِ إِذَا طَغَى

جَهْلُ الرِّفَاقِ، وَصَارَ نُبْلُكَ نَادِمَا


وَالآنَ أَنْطِقُهَا صَرِيحَةَ مَنْطِقٍ

تَحْكِي عَنِ الْغَدْرِ الَّذِي كَانَ اعْتَمَا


كَانَتْ مَصَالِحَ قَدْ أَقَامُوا سُورَهَا

تَبَّتْ مصالحهم وبئس الخاتما


قاسم عبدالعزيز الدوسري 

البحر الكامل



الخطوط الحمراء بقلم الكاتبة هادية آمنة

 الخطوط الحمراء

أنتَ، أيها القارئ، مع أي فكرة تقف: مع الرواية التي تصف الحقيقة كما هي، أم مع روائيٍّ يُطالَب بأن يتدثّر بالأخلاق وهو يكتب عن واقعٍ كان، في جوهره، بلا أخلاق؟ حين نشرتُ مقتطفًا من روايتي في أحد المواقع، مقتطفًا اقتربتُ فيه من الحقيقة كما عاشتها الأجساد في زمن الاستعمار، لا كما تحبّ الذاكرة المنقّاة أن ترويها، قيل لي إنني تجاوزتُ «الخطوط الحمراء» وإن في ما كتبته إفسادًا للأخلاق. أجبتُ بهدوء: الرواية ليست درسًا في السلوك، بل مرآة للمجتمع، والمجتمع نفسه يضمّ كل الأصناف البشرية، وفيه من القبح والبشاعة ما يُفضَّل الصمت عنه. الاستعمار، كما يشرح فرانتز فانون، لم يكن احتلال أرض فقط، بل انتهاكًا منظّمًا للجسد والكرامة، وحذف ذلك من السرد ليس أخلاقًا بل إنكارًا. قلتُ إن إميل زولا جعل من الرواية تشريحًا اجتماعيًا لا تجميلًا، وإن نجيب محفوظ والطاهر بن جلّون وميلان كونديرا كتبوا بجرأة لأنهم أدركوا أن الأدب لا يصنع الفساد، بل يكشف شروطه. ثم سألتُ: هل نريد رواية مطمئنة تكذب، أم رواية صادقة تُقلق؟ ما كتبته أقلّ فظاعة من الحقيقة نفسها، وإن كانت الصدمة حاضرة، فهي صدى لما حدث فعليًا، لا رغبة في الإثارة. فمع أيهما أنت: مع ستر الواقع، أم مع قول ما كان، بكل ما يقتضيه الصدق من جرأة؟

هادية آمنة 

تونس



حيرة العاشقين بقلم الكاتبة زينب عياري / تونس

 ♤♠︎ حيرة العاشقين ♠︎♤


ماذا أختار القرب أو الوداع 


مابين حالتين أحدهما مر 


لكنك بعدُ مازلت تشغلني


مسافات زمن رماها نحوي القدر 


يا لائمي ماذنبي والزمن ممتدّ


مابين ارضين ، بحر داخله صخر 


يا فؤادي مالي حيلة حان الفراق 


ومن به ألوم اذا غابت الشمس 


الشمس كوكب للظلام ضوءها 


حين الترقب تحتها يتحرك الظل 


أروم تقلب الروح إن نازعتني 


أو امازح شكوك لاحها الفكر 


فأصبحت والخوف عندي مرتع 


حملتهما وسرت وحيدة الوجد 


والفتُ الذعر فيك ياعمري 


كالرمل عانيت  ما بين  المد والجزر 


ضاقت بي الشطآن وانا احمل نفسي 


وكل مركب ألمحه يخلّ بي الصبر 


كأرض بور لا ماء فيها  ولا بذر 


مانفع الصبار اذا علا أعمدة 


وليال باردة تقتحم الغربة قلبي 


ورد أنفاسه أخاله مسك العطر 


وجمر الدمع يحرق خدي 


ماذا أقول أرشف الفنجان والبن مر 


وإذا ذكرت حرف اسمه يذوب سكر 


يا شادي الوادي أعل صوتك 


وكرر الموال وانت تنادي 


ريثما سمعك فارس أحلامي 


ويعلم ما فعل البين وما أعاني 


اجاهد النفس عن طاعتها 


واكسر القيود التي ربطتني 


متهم بالهوى لا أجاهر 


أتجاوز حدود القهر وأنا سجين 


أنظم من حيرتي حكاية قصيدي 


راهبة الدير تترقب البريد 


ممنوعة تهرع إلى الرصيف 


وإذا سمعت جرس الدار تندفع 


فيخيب ظنها لليأس تتعذب 


محرومة اللقاء كزمن العبيد 


ياويحها  لو علموا بدمع النحيب


اذا ضاقت بها السبل تسأل الغريب 


أو تتوسل عابر سبيل 


له ترسل رسائل شوق 


أعلت القلب ولوم ودمع 


وعطر و ورد وامنيات  


ووعد وعشق .......................


بقلمي زينب عياري / تونس



مفترق الدروب..الذي لا يضيئه أحد.. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 مفترق الدروب..الذي لا يضيئه أحد..

" ‏كلّ ما في الأرض من فلسفة..لا يُعزّي فاقِدا عمن فقد "(إيليا أبو ماضي)


مات ابني وماتت مباهج الحياة في قلبي، وأشاحت الدنيا بوجهها عني..الآن صرت وحيدا كيتيم يسير حافيا على ثلج الدروب..

لم يكن الموت وحده هو الذي اصطفاه مني،بل اصطفى معه ضحكتي التي كانت تسبق خطاي إلى الباب،ونظراتي التي كانت تتعلق بظله قبل أن يدخل،ويديّ اللتين كانتا تمتدان لتحتضنا غدا لا يأتي.جسدي الذي ظل صامدا سنين عجاف،ها هو يخونني الآن،يتفكك في صمت،وكأنه وافق الموت من وراء ظهري.مواجعي لا اسم لها،لكنها تشبه الغياب:بطيئة،عنيدة،تنخر ما تبقى مني.

أصحو كل فجر على صوت لا يعود،أعدّ خطواتي إلى غرفته،أقف على العتبة،أتذكر أن لا أحد هناك. حتى المرآة صارت تؤلمني،لم تعد تعيد لي وجهي، بل وجها آخر أنهكه الحزن،شبيها بذاك الأب الذي لم أتخيل يوما أنني سأصير إليه..

في البيت وحدة لا تشبه أي وحدة.ليست عزلة الجدران،بل عزلة الذاكرة.كل ركن فيه يحمل أثرا منه: كرسي صغير لا يجلس عليه أحد،زاوية حذائه ما زلت أراها،صوت مفتاحه في الباب لا يزال يدق في أذني عند المغيب.كنت أظن أن الأب يحمي ابنه،ثم اكتشفت أن الابن هو من يحمي أباه من السقوط في هاوية الزمن.فلما رحل..سقطت.

أخرج أحيانا أمشي بلا وجهة.الدروب تتشابه، والمنعطفات لم تعد تعدني بعودة.صرت أتجنب الرجال الذين يسيرون مع أبنائهم،وأخفض رأسي حين تمر بي امرأة تحمل طفلا يبكي،فبكاؤه كان في أذني موسيقى،واليوم صار ذكرى.الشوارع تمضي بي حيث لا أدري،وكأني أبحث عن شيء لا يُستعاد.

كل ما كان يؤلمني صار هو ذاته طريقي.العلل في جسدي ليست سوى أصداء لعلل أكبر في قلبي، وكل نبضة تؤلم،لكنها تذكرني أنني ما زلت أحب. فيا لقسوة الحب الذي يبقى بعد الرحيل.

مات ابني،فصرت أبا منفيا من زمن الأبوة.أمشي حافيا على ثلج الدروب،لا أحد ينتظرني،لا أحد يسأل عني.حتى الله،في بعض الليالي،يبدو لي بعيدا..!

غير أني أعود إلى البيت كل مساء.ليس لأن فيه أحدا،بل لأن فيه أشياءه التي لا تزال دافئة.أضع يدي على جدار غرفته،وأهمس: "هنا كان ابني". وفي هذا الهمس ما تبقى لي من صلاة.

وكلما اشتد بي الليل،أقسم أني أسمع خفقة قلبه تحت التراب،كأنها تدقّ الباب من الداخل.وكلما هبّت الريح،تلفّتُّ أظنها خطاه تعود.لم يمت ابني وحده،ماتت معه أدوار العمر كلها: كبرت دفعة واحدة،لا إلى شيخوخة تطمئن،بل إلى فراغ لا يُملأ.

أشتهي أن يكون الموت مثل الحنين،يزور ثم يرحل.لكنه أقام في صدري،واتخذ من نبضاتي دارا.

أحفظ وجهه في ذاكرتي كما يحفظ الأعمى وجه أمه: لا يراه،لكنه لا ينساه.أمشي في غرفته،ألمس كتبه،أشم قميصه المعلق.كل شيء كما كان،غير أن الحياة انسحبت من بين الأشياء بهدوء،تاركة إياها أيقوناتٍ لا تُستعمل،شاهدة على زمن توقف عند دقة قلب واحدة.

أما أنا،فما عدت أبكي.يبكي جسدي مكاني: ظهري الذي انحنى،رأسي الذي ابيضّ،يداي المرتجفتان. يبكي قلبي بصمت لا يُسمع،لكنه يئنّ أنين الجبال تحت ثقل الجليد.

في بعض الليالي المقمرة،أتخيّل أن القمر هو وجه ابني.كان يشبهه حين يضحك:مشرقا،مستديرا، ينشر النور في كل زوايا البيت..

واليوم أرى القمر فأغمض عينيّ،فلا أقوى على النظر إلى وجه لا يعود.

يقولون لي: اصبر.ألا تعلم أن الله إذا أحب قوما ابتلاهم؟!

فأقول في سري: لكنه حين أحبّ إبراهيم،لم يذبح ابنه.فداه بذبح عظيم.وأنا،مَن يفدي ابني؟ وأين الفداء؟!

غير أني أعودُ فأستغفر..أعود لأحتضن الرمادَ الذي كان ابني.

أمسح وجهَ الغرفةِ كفنا،وأكتب على جدار القبرِ: رضيتُ يا ربّ.

لا لأن الجراحَ التأمت، بل لأنّ يدك حين وضعتني على صدرِ البلاء،لم تكن لتقتلَني..كنتَ تخلق من ترابي نبيا..

وما مات ابني، يا رب،فقط تغير شكلُ الحضور.

فيا ابني،حين تثقل بي الخطى،أقرأُ الفاتحة.

وكل فاتحةٍ أهديها لك،هي دموعُ رجلٍ ما زال أبا.

وكل آية أطوي بها صلاتي،هي شاهد قبر نُقش عليه: سنلتقي.

"وقل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون" (التوبة،51)


محمد المحسن



الاثنين، 9 فبراير 2026

قناص ماضي عابر بقلم المفكر العربي عيسى نجيب حداد

 قناص ماضي عابر

بشطحات 

متتالية لفكري

رمتني ريح سهو

على غفلة من وعي

عبرت ذكرانا بسجونها

قهرها زمن حاضر مؤسف

قص جدائل سنين بوهنها محزونة

بليالي عصف دمعي كنهر جارف يباكيني

كل ذلائل عمري رهنتها لتحرير قادم يداعبني

بين جفلة ليل مرعب سكن حلمي مذعور خائف

ناهد غصات نيسان لقص بريق شموعي في عتمة

مزجت حنطة تابوتي فودعت وهن من لعب مارق

على حافة دهر مغمض لبصيرة كتبت قصة عذاب

همسات من رجفتنا قضمت ثانية من نكرانهم لعنة

عكست بيارق زهور ذابلة في برية هجرت برحيلنا

هنا عويل لبارحة مسكوبة بفنجنة زيف من شربها

يا باكيي تمرغكم بين حبائل مرعاي صنع حروفي

بقوالب ذهبية مزروعة حنطة مباركة لزمان حوج

منزوعة زوان غربة حضوركم تغتسل ببحر تعافي

هذه لهفات تعاقبها مروجي تزدهر على تلة شموخ

ستباهي كل عرجاء ذبحت من غنمنا بسكين سام

حرابة غد ملعون يحول على رزنامة متعاقبة هنا

زفت لعنات تدحرج في وديان ضياع قتلها قبول

بين مفاصل بردي ورحلة دموعي في محاريبكم

قتلت بحيني صفعات خدي على سنن من صحو

هناك لملمة من ضحكات ساخرة رسمتها لي يمام

صاغ قول صدقه فيكم لكني كتبت بتجاهلي فن

هو بزماني هذا يراقص محتوى نقشي في سجل

رفعت بحججي لقاضي ميت بقبور نساها عمري

زفت بقدر يمازج بواكير من طلاق حاضركم بعد

هناك شمعدان رحيل يمهد لكم قنصي لخدائعكم

ممروغة لهبة ناري بدخان يحيط لونه كل مسكن

ناذر تفاصيل منذ طفولتي على رمح مسعور لكم

غدا عقابي زفته كعريس تلتفه حسرتكم بدار ندم

بخزائن عابرين رميت صف عتادي يلتهم مالكينه

فركش بركش ذاهب عهدنا على ملفات للصهاينة

مواثيق كلها مقدسة عندي بخرتها بطهارة روحي


                           المفكر العربي

                       عيسى نجيب حداد

                    موسوعة اوراق الصمت



الهايكو والعمق الفلسفي والصوفي بقلم: الكاتب سلام السيد

 الهايكو والعمق الفلسفي والصوفي

بقلم: سلام السيد


رغم بساطته، يحمل الهايكو أعمق مستويات التركيز والحكمة، إذ يعتمد على اختزال لفظي يمكّن القارئ من الدخول في تأمل صامت. النص المضغوط إلى حد الانفجار والكلمات المعدودة يفتح المجال للحظة العابرة، التي تمثل محور العمق الوجداني وفن التصوير، وتصل بالدلالة إلى البعد الصوفي والفلسفي كما في ثقافة الزن. كما لا يغيب التساؤل الميتافيزيقي حول الموت والحياة، الانفراد، التواجد، وتجاوز الذات باتصالها بالكون والموجودات.


برزخ يمتد،

كلانا في قيامته يترقب،

صمت المناداة.


إن الصياغة الثلاثية للهايكو لا تخلو من السكون، أو ما يُعرف بـ الفراغ المضيء؛ تلك اللحظة التي تتوقف فيها اللغة ليبدأ الإدراك، أي ما بعد الأثر، في الصمت الذي يليه. هذا الصمت يمنح النص زمنه الداخلي ويجعله أقرب إلى التأمل منه إلى الوصف.

وهذا السكون ليس مجرد بعد جمالي، بل حالة وعي تتجلّى في البعدين الصوفي والفلسفي للهايكو:

صوفيًا، السكون هو مقام التسليم بعد المجاهدة؛ حين يسكت السالك، يتكلّم المعنى. وهو ما يوازي روح الهايكو: لا صوت للذات، ولا تكلّف في الكشف… فيُكشف.

فلسفيًا، السكون هو لحظة ما قبل المعنى أو ما بعده؛ فالهايكو لا يقول ما الشيء، بل يضمّن حضوره، ويتيح له أن يكون.

وبمعنى أدق: الهايكو في عمقه تصوّف بلا مصطلحات، وفلسفة بلا أطروحة.


في التيه

يداهمني يقينٌ

بوصلةُ أمان


غالبًا ما يقدّم الهايكو سؤالًا ظاهرًا، يضع القارئ أمام مشهد يكاد يكتمل، ثم يتركه معلّقًا فيما يُعرف بـ الحيرة الإدراكية: لحظة انتباه الوعي إلى نفسه. جوهر التجربة لا يكمن في البنية الثلاثية وحدها، بل فيما بين أسطرها؛ ذلك الفراغ الذي يشبه الصمت الصوفي، ليس غيابًا للمعنى، بل امتناعًا مقصودًا عنه.

فالهايكو ليس تفسيرًا، بل إحساس داخلي، أو أثرًا خفيفًا يسبق الفهم. وهنا يلتقي بالعمق الصوفي، حيث يحضر المعنى حضورًا شفيفًا، ويهب الوجود حقّ الاستنطاق ليقول نفسه بنفسه. إنه ممارسة روحية مقنّعة بالشعر، أقرب إلى مفهوم التجلّي أكثر من كونها وصفًا للمشهد.


الخيط الأبيض

آخر ما تبقّى وتبدأ

تباشير الصباح


سلام السيد



*...كأنّي...* بقلم الكاتب حمدان بن الصغير

 *...كأنّي...*

على قارعة النّسيان

بلا غضب

تركت جلّ أحزاني

و مضيت

كأنّي لَمْ أَكُنْ 

و كأنّك 

لم تخطر على بالي

أعيد الفصول 

بغير الشّكل

ما تَغَيَّرْتُ و ما تَغَيَّرَ إِثْمَارِي 

عقيمة حتّى هيّ أوهامي

حتّى الذّي كان

كان كيد أنثى خانت أنثايَ

بلا قيد

أُسْكِنُ الشّيطان صدري

و خيبة نفسي أداري

أَنْثُرُ غبار الطَّرِيقْ 

كأنّي لَمْ أَصِلْ

أعفّر وجه نعلي الغياب

            حمدان بن الصغير 

            الميدة نابل تونس


ق ق ج بقلم الكاتبة فاطمة حرفوش _ سوريا

 ق ق ج

بقلمي فاطمة حرفوش _ سوريا 


             " نجاة "

منذ سنواتٍ انتظر هذه اللحظة، لكنه لم يدرِ أنها ستأتي هكذا…

عيونٌ تراقبه، وتقدح بشررها.

تحت جنح الليل حمل حقيبة سفره، وكيس ذكرياته المؤلمة،

رمى نظرة وداعٍ على بيته، وعلى أحبّ الأمكنة إلى قلبه: مكتبته.

خرج. 

قهقهاتهم تلاحقه، وأصواتٌ ملثّمة ترنّ في سمعه:

الله أكبر… 

مضى ولم يدر أحي هو أم ميت .



~~ ضجيج الغياب ~~ بقلم الكاتبة لطيفة الشامخي

 ~~ ضجيج الغياب ~~

لا تبتئس يا صديقي

إذا.. أنا أضعتُ إليكَ

الطريق..

فللغياب ضجيج

كضجيج الصمت

مـقـيـت..

يطرق ذاكرتي

ينتشل الحلم من اللاشعور

يغازل ضفاف واقع محموم 

كرَحم تنادي جنينا

في صلب غيب لا مباح

فصعب..

أن تلتقط القلب

من عمق الجرح

لتنعش نبضكَ فيه

صعب..

أن تجمع تلك البقايا.. المتبقيات

من شتات الروح

صعب..

أن نلتقي.


   بقلمي: لطيفة الشامخي

من ديواني " ضجيج الغياب "



عمق الرؤية بقلم/نشأت البسيوني

 عمق الرؤية

بقلم/نشأت البسيوني 


في حياة كل انسان مرحلة يصل فيها الي درجة من الوعي تجعله يرى الاشياء بطريقة مختلفة تماما عن الطريقة التي كان يراها بها من قبل فيدرك ان النظر ليس رؤية وان الملامح ليست حقيقة وان الصوت ليس معنى فالرؤية العميقة لا تأتي مع كثرة التجارب فقط بل مع قدرتنا على فهم تلك التجارب ومع الرموز التي نخفيها في داخلنا حتى يأتي الوقت المناسب لنفهمها كما يجب وفي عمق 


الرؤية يعرف الانسان ان بعض الاشياء تستحق ان نتوقف عندها طويلا وان بعض الامور لا تستحق لحظة واحدة من وقتنا وان هناك اشخاصا قد يمرون امامنا دون معنى لكن حضورهم كان يحمل اشارة صغيرة فهمناها بعد زمن طويل وان هناك مواقف بدت قاسية لكنها كانت المعلم الحقيقي الذي غير داخلنا دون ان نشعر وكل هذا لا يكتشفه الانسان وهو يعيش بعينه بل وهو يعيش ببصيرته


وفي اللحظة التي تتوسع فيها رؤية الانسان يبدأ في فهم خيوط حياته المبعثرة يبدأ في ربط احداث كانت تبدو بلا علاقة ويكتشف ان كل خطوة في طريقه كانت تقوده الى نقطة معينة وان كل شخص قابله كان يحمل رسالة ما رسالة دعم رسالة اختبار رسالة وعي رسالة نهاية وكل ذلك يجتمع في داخله ليصنع رؤية اوضح للعالم ولذاته وللناس وفي عمق الرؤية يتعلم الانسان ان ليس كل ما 


يلمع جميلا وليس كل ما يختفي سيئا وليس كل ما يقال صادقا وان هناك من يبتسم بقلب مغلق وهناك من يصمت بقلب ممتلئ وهناك من يقترب وهو لا يريد الا ان يختبر وهناك من يبتعد وهو يخاف ان يجرح وكل هذه الطبقات لا يراها من ينظر بعينه بل من ينظر بعقله وروحه وقلبه في وقت واحد ومع مرور الوقت يدرك الانسان ان الرؤية العميقة لا تمنحه فقط معرفة الناس بل تمنحه معرفة 


نفسه يعرف ما الذي يحركه وما الذي يؤذيه وما الذي يربكه وما الذي يجعله اقوى يعرف متى يصمت ومتى يتكلم ومتى ينسحب ومتى يتمسك ومتى يغلق بابا لن يفتحه مرة اخرى لان الرؤية التي تأتي بعد الالم اقوى من الرؤية التي تأتي بعد الفرح وفي عمق الرؤية يكتشف الانسان ان بعض الطرق لم تكن مغلقة كما كان يعتقد بل هو الذي لم يكن يرى مداخلها وان بعض الفرص لم تكن ضائعة 


بل كانت تنتظر ان يكون مستعدا لها وان بعض العلاقات لم تكن سيئة بل كانت اكبر من وعيه وقتها فرفضها وهو لا يعلم انه سيحتاج حكمتها يوما وكل هذه التفاصيل تصبح واضحة حين يتغير مستوى النظر ويتوقف عن رؤية العالم بعجلة يعرف الانسان ان اعمق ما في الحياة لا يُرى بالعين بل يرى بالداخل وان اعظم القرارات التي اتخذها لم تكن نتيجة كلام الاخرين بل نتيجة لحظة 


صدق رأى فيها الحقيقة كما هي دون تزييف ودون مجاملة ودون خوف فعمق الرؤية ليس هبة بل ثمرة وعي وصبر وتجارب وتخلي عن كل ما يعطل وضوح الروح لان من يرى بعمق يعيش بعمق ويفهم بعمق ويختار بعمق



وطني بقلم/محمد الهادي حفصاوي/تونس.

 (وطني) 


أيها الوطن المعلق في غصون الأمنيات


والحلم المرسوم وشما


 على جبين الشمس


يا قلعة نائمة في حضن سور 


كلما ذكرتك 


هزني الحنين الى أيام طفولتي


ورأيتني غرا صبيا


يرنو الى قمم الجبال


ويمد أنامله ليداعب المجرات


ويعيد نثر الكواكب والنجوم


ليخط في سجل الزمن


أملا نديا باسما 


 يسري رقيقا مع نسيم الصبا


وأراني طفلا يسير 


صبح شتاء  نحو المدرسة


مثقلا بوزر الأمنيات 


رغم وطء الجوع ولسعات الصقيع 


وفي مقلتيه  بريق حلم جميل


بغد عذب خصيب


 أنصت إليك يا أغلى الحمى نغما


ينساب عذبا


 من شبابة راع قرير العين


في مرج  ربيعي خصيب..


ترتع على معتليه خرافه جذلات


أنت يا وطني رؤيا 


كانت آخر ما ساور الشهيد


وانسدلت أهدابه عليها


لما ارتقى وطار بعيدا


على بساط من أثير إلى علي السماوات


أنت رسالة  خطها الجندي 


ذات يوم الى أبيه في نقيع المعركة


يبشره فيها بمطلع الفجر الوليد


وقطرات عرق هوت 


من أجبن نساء كادحات


يجمعن  قطاف الزيتون


ويغالبن الضنى مترنمات


يوم احتفال العالم 


بمقدم  العام الجديد......


وطني. حلم تأخر .


..ولكن مولده قريبا آت.


  بقلمي/محمد الهادي حفصاوي/تونس.