حين نُشرف على السبعين... ويبدأ القلب في السطوع من الداخل..!
أشرفتُ على السبعين من العمر...
سبعة عقود كاملة مرّت من عمري،بما حملته من أفراح وأحزان،من انتصارات وانكسارات،من وجوه جاءت وأخرى رحلت،ومن أحلام تحققت وأخرى ظلّت معلّقة في سماء الأمنيات.!
سبعون عاما..!
قد يراها البعض رقما كبيرا،وقد ينظر إليها آخرون باعتبارها بداية الشيخوخة،لكنني تعلمت،بعد هذه الرحلة الطويلة مع الحياة،أن العمر ليس رقما يُكتب في وثيقة رسمية،ولا هو مجرد شعر رمادي يغزو الرأس،ولا تجاعيد ترتسم على الوجه،ولا خطوات تصبح أكثر بطئا مما كانت عليه في أيام الشباب.
الشيخوخة،في حقيقتها،أعمق بكثير من كل ذلك.
إنها تلك اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان أخيرا في فهم الحياة كما ينبغي أن تُفهم..فحين يدرك أن الحياة لم تكن سباقا،وأننا لم نُخلق لنظل نركض خلف الأيام،بل لنعيشها،ونتأملها،ونشعر بكل ما فيها من جمال ووجع.
نعم،يتغير الجسد.
الوجه الذي كان يوما مشرقا بنضارة الشباب،تخط عليه السنوات رسائلها بصمت.والخطوات التي كانت تركض خلف الأحلام،تصبح أكثر هدوءاً.والمرآة،التي كنا نقف أمامها يوما باحثين عن ملامح الجمال،تصبح مع مرور الزمن أكثر صدقا،تخبرنا بأن السنوات مرّت،وأن الزمن ترك بصماته علينا.
لكن هناك شيئا لا يستطيع الزمن أن ينتزعه من الإنسان بسهولة...
إنه القلب.!
فالقلب لا يشيخ بالطريقة نفسها التي يشيخ بها الجسد.
إنه ما يزال يحتفظ بالحب الأول،وبالحلم الأول،وبالدمعة الأولى التي انحدرت من العين وجعا،وبالخسارة الأولى التي جعلتنا نعرف معنى الفقد.!
ما يزال يتذكر تلك الفرحة الأولى التي جعلتنا نشعر بأن العالم كله يمكن أن يُحتضن بين ذراعينا.
إن الروح،في الحقيقة،لا تعترف كثيرا بالأرقام.
فهي تبقى معلقة بتلك اللحظات الأولى التي تعلمنا فيها كيف نحب،وكيف نحزن،وكيف نشتاق،وكيف نعيش الحياة بكل ما فيها من تناقضات.
ومع مرور السنوات،يأتي ذلك الفهم الذي ربما لا تمنحنا إياه الكتب،ولا المدارس،ولا التجارب العابرة...
كل عمر هو العمر المناسب.
فالعشرون تمنحنا جرأة الحلم،وشجاعة المغامرة،والإيمان بأن العالم يمكن أن يتغير.
والثلاثون تمنحنا القوة لنبدأ البناء،ونتحمل المسؤوليات،ونعرف أن الأحلام لا تتحقق بالأمنيات وحدها.
أما الأربعون،فتمنح الإنسان فرصة نادرة للمصالحة مع نفسه،حين يبدأ في التخلص من الأقنعة،ويتوقف عن محاولة إرضاء الجميع.
وفي الخمسين،يأتي العمق...
حين يصبح الإنسان أقل انبهارا بالمظاهر،وأكثر اهتماماً بالجوهر.
ثم تأتي الستون بما تحمله من حكمة،تلك الحكمة التي لا تُشترى،ولا تُدرّس،بل تُولد من رحم التجارب،ومن كثرة ما فقدناه،وما ربحناه،وما تعلمناه ونحن نسير في طرق الحياة.
أما السبعون...
فالسبعون تمنح الإنسان شيئا آخر.
تمنحه ذلك الهدوء الجميل الذي لا يعود معه بحاجة إلى إثبات نفسه لأحد.
لا يعود في حاجة إلى أن يشرح كثيرا،أو يدافع كثيرا،أو يركض كثيرا..
يصبح أكثر تصالحا مع نفسه،وأكثر فهما للناس،وأكثر إدراكا لحقيقة بسيطة وعظيمة:
أن الحياة أقصر من أن نُهدرها في الخصومات،وأثمن من أن نعيشها ونحن نحاول أن نكون نسخة ترضي الآخرين.!
إن التقدم في العمر ليس هزيمة...
بل هو،في كثير من الأحيان،امتياز لا يدرك قيمته إلا من فقد أحبة كانوا يتمنون أن يعيشوا يوما آخر.
فليس الجميع أُتيح لهم أن يروا شعرهم يشيب.
وليس الجميع أُتيح لهم أن يشاهدوا أبناءهم وهم يكبرون أمام أعينهم.
وليس الجميع أُعطوا فرصة استقبال ربيع جديد،أو سماع أصوات العصافير في صباح آخر.
وليس الجميع استيقظوا ذات صباح وهم قادرون على أن يقولوا ببساطة:
أنا ما زلت هنا..وما زالت الحياة تمنحني فرصة أخرى.!
ومع ذلك،ما زلنا نحارب الزمن.
نخفي تجاعيدنا.
نخجل من أعمارنا.
نقارن وجوهنا بصور قديمة.
ونحاول،بكل الطرق،أن نقنع أنفسنا والآخرين بأن السنوات لم تمر.
لكن ربما يكون الانتصار الحقيقي شيئا آخر تماما..
ليس أن تبقى شابا في ملامحك،بل أن تبقى حيا في روحك.
أن تحافظ على فضولك تجاه الحياة.
أن تظل قادرا على الدهشة.
أن لا تفقد رقتك مهما قست عليك الأيام.
أن تضحك من قلبك.
أن تحب بلا خوف.
أن تمتلك القدرة على الامتنان لكوب قهوة،ولصباح هادئ،ولوجه تحبه،ولكلمة طيبة،وللحظات البسيطة التي كنا نمر بها يوماً دون أن نمنحها ما تستحقه من اهتمام.
فالعمر الحقيقي ليس عدد السنوات التي عشناها..
بل مقدار الحياة التي شعرنا بها داخل تلك السنوات.
قد يكون هناك من عاش تسعين عاما ولم يعش الحياة حقاً،وقد يكون هناك من عاش سنوات أقل،لكنه ملأ أيامه
بالحب،والعطاء،والدهشة،والإنسانية.
إن السر ليس في أن تبدو شابا..
السر أن تظل روحك حية.
أن لا تسمح للأيام بأن تطفئ آخر شمعة في داخلك.
أن تظل قادرا على الحلم،ولو تغير شكل الحلم.
أن تظل قادرا على الحب،ولو أخذ منك الزمن كثيراً ممن أحببت.
أن تظل قادرا على الابتسام،ولو كانت خلف ابتسامتك حكايات من الوجع لا يعرفها أحد.
فالإنسان لا يشيخ حقا حين تظهر التجاعيد على وجهه...
بل يشيخ حين تتوقف روحه عن الحلم.
وفي النهاية...
لا أخاف اليوم من السبعين،ولا من الشعر الرمادي،ولا من الخطوات التي أصبحت أكثر هدوءا..
أخاف فقط من أن تمر الحياة دون أن نعيشها حقا..فكل عام يمر ليس بالضرورة عاما يُنتزع من أعمارنا،بل قد يكون هدية جديدة تُضاف إلى أرواحنا،ودرسا آخر نتعلمه،وفرصة أخرى لنحب،ونسامح،ونتأمل،ونقول للحياة: شكراً لأننا ما زلنا هنا.!
فالتقدم في السن ليس ذبولا كما نظن...
إنه،أحيانا،ذلك الوقت الجميل الذي نتوقف فيه عن البحث عن الضوء في الخارج،ونكتشف،بعد رحلة طويلة من العمر،أننا كنا نحمل النور في داخلنا منذ البداية...
وأن بعض الأرواح لا تبدأ في السطوع حقا...إلا حين تُرهقها السنوات،فتتعلم كيف تُضيء من الداخل..!
وفي النهاية...
العمر ليس ما تعدّه السنوات في أجسادنا،بل ما تتركه الحياة من نور في أرواحنا.فطوبى لمن تقدّم به العمر،دون أن تتقدّم به روحه نحو الانطفاء،وظلّ قلبه قادراً على الحب،والدهشة،والحلم.
فليس أجمل العمر أن نبدو أصغر مما نحن عليه،بل أن نبقى،مهما أثقلت السنوات أكتافنا،أحياءً من الداخل..حتى آخر نبضة..
محمد المحسن






















