الأحد، 27 سبتمبر 2026

بلا وطن... بقلم الكاتبة رشا القمحاوي

 بلا وطن...


ظلت طوال عمرها، تقف على رصيف لا يعرفها، تراقب القطارات وهي تأتي وتغادر، وتخبئ في قلبها يقينا صغيرا بأن واحد منها سيحملها ذات يوم إلي حيث تريد.


كلما أطل قطار، أسرعت إليه كمن لمح وطنه بعد غياب، وصعدت قبل حتي أن يسألها أحد عن تذكرتها.


تجلس قرب النافذة، تراقب المدن وهي تتراجع خلف الزجاج، وتترك قلبها يصدق للحظات أن هذه المرة مختلفة.


ثم، بعد مسافة لا تعرف مقدارها، كان شيء خفي فيها يستيقظ...

ذلك الإحساس الذي لايخطئ، أنها تجلس في قطار لا يعرف وجهتها.


فتنزل...

تعود إلى الرصيف، حاملة حقائبها، وبقايا أمل لم يموت.


ثم يأتي قطار آخر.

فتصعد...


وهكذا،

لم تكن حياتها سوى محطات متشابهة، وأبواب تفتح ثم تغلق، ومقاعد عابرة،

ووجهة كلما ظنت أنها اقتربت منها اكتشفت أنها كانت تبتعد.


حتى جاء يوم... 

لم تعد فيه لديها رغبة في السفر.


وضعت حقائبها إلي جوارها، تفتحها واحدة واحدة، كأنها تفتش عن شيء أضاعته منذ زمن.


كانت هناك أحلام لم تتحقق، وأسماء بقيت في الجيوب، رسائل لم تجد عنوانا ومفاتيح لأبواب لم تعد تعرف أين كانت.


أخرجت كل شيء…

ثم أعادته مرة أخرى وأغلقت الحقيبة.


إلا شيئا واحدا لم تستطع أن تضعه فيها. شيئا ظل عالقا في مكان ما بين قلبها وذلك الوطن الذي لم تبلغه.


جلست…


هذه المرة لم تكن تنتظر قطارا بعينه.

كانت فقط…

تجلس.


يمر القطار الأول، ثم الثاني، ثم الثالث وهكذا...


وكلما دوى صوت صفارة أحدهم رفعت رأسها قليلا، ثم أعادته إلى مكانه. كأن شيئا فيها ما زال يريد الرحيل، وشيئا آخر لم يعد يحتمل السفر. 


وحين أقبل المساء، خفتت أصوات المحطة، وبقي مقعدها وحده تحت ضوء شاحب.


كان بجوارها مقعد فارغ. وضعت عليه يدها للحظة، ثم سحبتها ببطء…


كأنها تذكرت فجأة أنها كانت، طوال الطريق، تنتظر أن يجلس أحد إلى جوارها.


مر  قطار أخير.

توقف…

فتح أبوابه.


بقيت تحدق في الباب المفتوح طويلا، حتى بدأ القطار يتحرك من جديد.


وظل القطار يمضي…


وظلت هي هناك، بين وطن لم تصل إليه، ومحطة لم تعد تعرف إن كانت محطة انتظار أم كانت دون أن تدري...


 آخر ما تبقى من الرحلة.


قطار يمضي...

مقعد فارغ،

قلب لم يصل.


أحاديث الروح 

بقلمي رشا القمحاوي



(في حضرة العروبة) في أدب وفلسفة عبد القادر زرنيخ .

 (في حضرة العروبة)

في أدب وفلسفة عبد القادر زرنيخ

.

.

(نص أدبي)..(فئة النثر)

.

.


فِي حَضْرَةِ العُرُوبَةِ

يُغَنِّي النَّسِيمُ أَوْرَاقَ الكِتَابَةِ،

تُغَنِّي الأَوْرَاقُ صَمْتَ الرِّوَايَةِ،

هَلِ النَّسِيمُ حَقًّا حِبْرُ البِدَايَةِ،

أَمْ أَضَعْتُ عُرُوبَتِي بِمِلْحِ البِدَايَةِ؟

فِي حَضْرَةِ العُرُوبَةِ

تَقِفُ الأَشْجَارُ حَائِرَةً بِخُضْرَتِهَا،

هَلْ قَلَّدَتْنِي بُحَيْرَةُ الأَرْقَامِ وَالهُوِيَّةِ؟

رُبَّمَا الصَّدَى عُرُوبَةٌ قَلَّدَتْنِي الأَشْعَارَ،

وَبِتُّ حَائِرَ الحُرُوفِ أَبْحَثُ عَنْهَا فِي الأَصْقَاعِ.

فِي حَضْرَةِ العُرُوبَةِ

تَنَامُ السُّهُولُ عَلَى أَبْجَدِيَّاتِهَا،

سُبَاتٌ تَغَارُ مِنْهُ سُطُورُ الثَّرَى،

أَحَقًّا سَتَنْحَنِي الأَقْلَامُ لِعُرُوبَةٍ تَائِهَةٍ،

أَمْ غَرَّنِي الظَّنُّ، وَبِتُّ كَالدُّمَى؟

هُنَا لَوْحَةٌ أَقْصَيْتُ بِهَا أَقْلَامِي

حَتَّى وُلِدْتُ عَلَى السُّطُورِ القَادِمَةِ

"مَنْ أَنَا؟" عِبَارَةٌ أَعَادَتْنِي وَحْيَ القَصِيدَةِ

رُبَّمَا لَسْتُ أَنَا عَلَى جَنَبَاتِ النَّشِيدَةِ

​عُدْتُ مَعَ فَجْرِ الأَحْلَامِ أَمَامَ الهُوِيَّةِ

وَكَرَّرْتُ كُلَّ عِبَارَاتِي مَرَّةً أُخْرَى

مَنْ أَنَا إِذَا جنَّتِ الحُرُوفُ بِشَمْسِ الهُوِيَّةِ؟

وَجنَّتِ الدَّوَاةُ بِصَمْتِ الوَطَنِ وَالوَطَنِيَّةِ؟

​أَنَا مِنْ مَهْجَرٍ عَتَّقَنِي بِنَصْرٍ أَتَى كَالزَّلْزَالِ

أَنَا مِنْ مَهْجَرٍ عَتَّقَنِي بِفَجْرٍ كَانَ كَالقَدَرِ

أَنَا مِنْ مِيلَادٍ هَذَّبَنِي بِنِضَالِ الثُّوَّارِ

أَنَا مِنْ رِسَالَةٍ حَمَلْتُ بِهَا آَلَامَ المُعَذَّبِينَ

أَنَا مِنْ سُطُورٍ كَتَبْتُ بِهَا النَّصْرَ المُبِينَ

​أَنَا مِنْ عُرْسٍ أُقِيمَ عَلَى أَبْوَابِ دِمَشْقَ

صَدَاهُ وَحْيٌ أَعَادَ لِسُورِيَةَ فَرْحَةَ الفَجْرِ

أَنَا مِنْ عُرُوبَةٍ زَرْكَشَتْهَا بِالمَجْدِ دِمَشْقُ

أَنَا مِنْ هُوِيَّةٍ رَصَّعَهَا النِّضَالُ بِالحُرِّيَّةِ

​كَرَّرْتُ العِبَارَاتِ عِنْدَ الوَطَنِ مَرَّةً أُخْرَى

فَوَجَدْتُ ذَاتِي خَارِجَ الحُرُوفِ عِنْدَ الدَّوَاةِ

.

.

الأديب عبد القادر زرنيخ



سفرٌ مديد/سرد تعبيري بقلم الكاتبة جميلة مزرعاني

 سفرٌ مديد/سرد تعبيري 


ذات بغتة، لسعتْ صدرَ المشاعر أذهلتْ مسمعي كيف أنّ النّخلة الباسقة فتك فيها الغروب، يزيل عن جبهتها نفناف الفرح، يشذّب أوراقها المغلّفة بالنّور، وينزع بواكير ضياء سطعتْ مع أوّل نبضةٍ لامستْ شغافَ القلب.وتلك الجديلة المختبئة في ظلال منديلٍ حريريٍّ معلّق في ذؤابتها  قلادة تحملُ حرف إسمك.هديّتك في عيد الميلاد سيخترقها سحبُ هجرٍ أبديّ.ذاك المفتاحُ المطروح على صفيحةِ القلب، المتختّمِ بالعهدِ ليفتحَ يوماً بابَ الحلم، انصهرَ كجليدٍ مع ذبذبات الفراق، معلّقًا الأملَ على شجر الغيابِ المديد.والرّوحُ السّاكنة ستكون على موعد مع ليلٍ دامسٍ يستودعها عالمَ التّخاطر السّحيق، فيسطّر ملح العيون ملحمة السّفر البعيد، تاركًا على الوجناتِ حقلَ ندوبٍ حيّة؛ أكّدتْ لي أنّ غيابَ الجسدِ لا يلغي الحبَّ الذي يستوطنُ الرّوحَ إلى الأبد.


جميلة مزرعاني 

لبنان الجنوب 

ريحانة العرب



لا شيء في البال بقلم الكاتب رشيد بن حميدة ـ تونس

 لا شيء في البال

*********************

ها أنا ذا

أقتطع من العمر

شذاه

ألقي به

في مهبّ الأقدار


لا شيء في البال

الآن ..هنا

يستفزّ مشاعري

غير

ألم الضّياع

ومقاطع

من الزّمن

يذروها الإهدار


 ثمّ..ها أنا أغفو

على أرجوحة غيمة

مسرجة سناء

تستدرجني إلى الحلم

ودروب

يضمّخها الإلهام

ولألأة الأنوار


وألقاني هنا

بين ثنايا القصيد

أكابد عناء المخاض

وبأنسامي

عطر القوافي

وغزل الأسمار


سأقتفي أثر البهاء

وأنتشي

بكأس تفيض

بأحلى الأماني

وترانيم ألحان

إلى الأسحار

*******************

رشيد بن حميدة ـ تونس

في26-9-2026



همسات الحب تحت ضوء القمر * بقلم الأديب*محمد أنور التركي

 همسات الحب تحت ضوء القمر *****************************


<><><><><><><><>


دعوت في الليل زهرة الحب


لتجلس معي تحت ضوء القمر


و لنستمع ما يغرده لنا الحب


فقطراته العذبة كغيث المطر


فقالت لي في بهجة الحب


حبنا قد شاع في كل المدر


فهيا ارويني بحكايات الحب


لتطيبب نفوسنا بلذة السمر


فقلت لها حبك قد أنار دربي


اني أراه في غيوم السماء


اني أفكر فيك في كل مسائي


فرضاك عني هو الهناء


اني أشم منك العطر الجميل


كشجر الياسمين وقت الأصيل


أرى عيونك الحوراء في المنام


أراك قمرا مضيئا في الأحلام


أراك كجمال كطبيعة خللابة


فكل نسمة منك لي جذابة


***********************


تحيات *محمد أنور التركي


***********************



«إشكالية مصطلح المساواة والعدالة بين النصوص الإلهية المطلقة والتشريعات الوضعية: دراسة تحليلية مقارنة في ضوء الضوابط الشرعية والفلسفة القانونية» مقال من : د. توفيق عبدالله حسانين (جمهورية مصر العربية)

 «إشكالية مصطلح المساواة والعدالة بين النصوص الإلهية المطلقة والتشريعات الوضعية: دراسة تحليلية مقارنة في ضوء الضوابط الشرعية والفلسفة القانونية»

مقال من : د. توفيق عبدالله حسانين (جمهورية مصر العربية)


مقدمة البحث


إشكالية البحث ومنهجيته:


تنطلق إشكالية البحث من التوظيف المزدوج لمصطلح "المساواة" في الفلسفات الوضعية المعاصرة؛ حيث يُستغل أحياناً كشعار فضفاض لتمرير تشريعات تصطدم بالفطرة والضوابط الشرعية تحت ستار حقوق الإنسان. وفي المقابل، تقدم الشريعة الإسلامية رؤية محكمة ترتكز على مبدأ "العدالة التوازنية" الذي يجمع بين وحدة أصل الخلقة وتمايز الوظائف والمسؤوليات. يعتمد البحث على المنهج الاستقرائي التحليلي المقارن؛ لاستقراء النصوص الشرعية الحاكمة، وتحليل مقولات الفقه القانوني الوضعي، ومقارنة مخرجاتهما النظرية والعملية.


المبحث الأول: المفاهيم والأسس الفلسفية (المساواة والعدالة)


المفهوم الحقوقي والشرعي للمساواة


تُعرّف المساواة إجرائياً بأنها إتاحة الفرص المتكافئة للأفراد بغض النظر عن انتمائاتهم العرقية أو الاجتماعية، غير أن الإطلاق غير المقيّد لهذا المفهوم في القوانين الوضعية أدى أحياناً إلى إلغاء الفوارق الفطرية والطبائع التكوينية (كالتمايز البيولوجي والوظائفي بين الجنسين). وتتفرع المساواة إلى:


مساواة تكوينية: تتعلق بوحدة الكرامة الإنسانية واستواء البشر في أصل الخلقة.


مساواة قانونية إجرائية: خضوع الكافة لمعيار النظام العام دون محاباة أو تمييز طبقي.


مساواة موضوعية: تكافؤ الفرص في الانتفاع بالحقوق والخدمات العامة.


التأصيل الفلسفي للعدالة وفارقها عن المساواة


العدل هو إعطاء كل ذي حق حقه ووضع الأمور في نصابها الصحيح، وهو الغاية العليا التي تندرج تحتها المساواة كأحد أدواتها وليست بالضرورة غايتها المطلقة. يكمن المفصل الأكاديمي الدقيق بينهما في أن:


المساواة تسعى للتماثل العددي الصرف (إعطاء الجميع الشيء ذاته بغض النظر عن الحال).


العدالة تحقق التناسب الإنصافي (إعطاء كل طرف ما يستحقه بناءً على كفاءته، أو مسؤوليته، أو حاجته الفعلية)، مما يجعل العدالة أوسع شمولاً وأدق ميزاناً من المساواة البحتة.


أنواع العدالة في الفقه القانوني المقارن


عدالة التوزيع: مرتبطة بتخصيص الموارد الاقتصادية والاجتماعية بميزان الاستحقاق والاحتياج.


العدالة الإجرائية: ضمان النزاهة والحياد في تطبيق المعايير واللوائح.


العدالة التصالحية (التعويضية): رد الحقوق لأصحابها وجبر الضرر المادي والمعنوي.


العدالة الجزائية: تحقيق الردع العام والخاص عبر عقوبات متلائمة مع جسامة الجرم.


المبحث الثاني: مفاضلة منهجية بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية


أولاً: أسباب تفوق المنهج التشريعي الإسلامي


الربانية والعصمة المصدرية: استناد الشريعة إلى الإرادة الإلهية المطلقة والعلم المحيط، قال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54]، مما يصون التشريع عن الهوى والمصالح الفئوية الضيقة التي تلوث القوانين الوضعية.


قصور القانون الوضعي وتأثره بالبيئة: القوانين البشرية قاصرة بطبيعتها، ومحكومة بالظروف الزمانية والمكانية، وعرضة للتغيرات السياسية والاقتصادية السريعة (كما ظهر جلياً في انحرافات النظم الوضعية المعاصرة).


الثبات القيمي والمرونة التطبيقية: تتميز الشريعة بثبات الكليات والأصول، ومرونة الفروع والوسائل، مما يجعلها صالحة لكل زمان ومكان دون تخلف أو جمود.


ثانياً: نظرية المساواة وحقوق المرأة في الميزان المقارن


قررت الشريعة الإسلامية المساواة الإنسانية الكلية قبل أربعة عشر قرناً في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]. وفي تطبيق مبدأ المساواة بين الجنسين، أقرت الشريعة استقلال الذمة المالية للمرأة وأهليتها الكاملة، ووازنَت بين الحقوق والواجبات بقاعدة "العدالة التكليفية"، قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228]. هذه "الدرجة" تمثل قوامة الرعاية والمسؤولية المالية والقيادية (وفق مبدأ الاقتران بين السلطة والمسؤولية)، بينما تأخر الفكر القانوني الغربي في منح المرأة أبسط حقوقها المدنية والمالية حتى أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.


ثالثاً: فلسفة الحريات العامة في التشريع الإسلامي


حرية الفكر والعقل: تحرير العقل من أسر الخرافة والتقليد الأعمى وتوجيهه نحو التدبر العلمي والعمراني.


حرية الاعتقاد: تقرير مبدأ عدم الإكراه القسري، قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256].


حرية القول والتعبير: تنظيمها بضوابط المسؤولية الأخلاقية والمصلحة العليا للمجتمع، متجنبة بذلك إما "فوضى الحريات المطلقة" المؤدية لانهيار المنظومة الأخلاقية، أو "استبداد القوانين الوضعية" الكابتة للأصوات الحرة.


خاتمة البحث والنتائج الاستراتيجية


تثبت الدراسة التحليلية أن الشريعة الإسلامية سبقت الفلسفات الوضعية بقرون طويلة في وضع لبنات "العدالة الحقة" التي توازن بين مساواة الحقوق وتفاوت الوظائف الفطرية.


سقوط الدعاوى التغريبية والعلمانية التي تحاول استنساخ قوانين وضعية مغتربة عن الهوية العقدية والأخلاقية للمجتمعات الإسلامية.


ضرورة ارتكاز الدراسات القانونية والدستورية المعاصرة في العالم الإسلامي على أصول الفقه ومقاصد الشريعة لتحقيق تنمية مستدامة وعادلة منبثقة من الذات الحضارية للأمة.


المصادر والمراجع الأساسية للبحث:


القرآن الكريم بروايات وتفسيرات أمهات كتب التفسير (تفسير الطبري، تفسير ابن كثير، المحرر الوجيز).


الشاطبي، إبراهيم بن موسى. الموافقات في أصول الشريعة. دار ابن عفان.


عودة، عبد القادر. التشريع


.....


«إشكالية مصطلح المساواة والعدالة بين النصوص الإلهية المطلقة والتشريعات الوضعية: دراسة تحليلية مقارنة في ضوء الضوابط الشرعية والفلسفة القانونية»



قصة قصيرة ورجعت من السفر الكاتب المصري م محمود عبد الفضيل

 قصة قصيرة

ورجعت من السفر 

الكاتب المصري م محمود عبد الفضيل 


نشأت في أحدي دول الخليج و لم ازر مصر سوي في الإجازات الصيفية لظروف دراستي و عمل والدي و أمي في مجال التدريس هناك ، أطوق شوقأ لزيارة مدينتي الساحليه و لقاء اصدقائي و جيراني خلال الإجازة و اجد من الجميع الترحاب و الحفاوة خلال شهور العطلة مما يزيد من شعوري بالغربه عند العوده للدراسة ، و الشعور احيانا بالوحده و احيانا كثيره بالعزلة 

المعظم يطلق علي هناك " المصري " و لولا وجود أقران لي من مصر في المدرسه لزاد شعور الوحشة لدي 

ربما تجمعنا كأبناء بلد واحد هناك لشعورنا بالضعف أو لعدم قدراتنا علي الاندماج مع مجتمع غريب عنا و نحن غرباء فيه 

حتي آتي اليوم الذي قررنا الذهاب لنزهه في المدينه بالدراجات و هناك تشاجر معنا عدد كبير من الشباب أصحاب البلد بدون سبب و نلنا علقة مؤلمة ، شعرت حينها بضرورة اختزال الوقت و الاجتهاد للعودة إلي وطني و اصدقائي و اهلي 

وبالفعل مع انتهاء المرحلة الثانويه اجتيازي لها بتفوق 

قرر ابي عودتي الي مصر للدراسه هناك منفردا 

و بالفعل قدمت اوراقي للتنسيق و بعد خصم درجات كبيرة 

انتهي المطاف في كليه التجارة رغم رغبتي الشديده في دراسة الهندسه الا انا المجموع وقف حائلا و عصف ذلك الحلم و رغم محاولاتي المتعدده في الانسجام مع الدراسه إلا أن زحام المدرجات و عدم انتظام الجدول و عدم القدرة في متابعه المحاضرات طلبت من أبي تحويل الدفة الي الجامعات الخاصه 

و بالفعل قرر ابي إلحاقي بجامعه خاصة ودراسة الهندسه 

و لكن لم استطع متابعه المحاضرات و المناهج لأني تاخرت في الالتحاق و مر شهران  من تاريخ بدء الدراسة 

و كم كان قاسياً أن أرسب في العام الأول و بعدد وافر من المواد تسبب في أصابني بالاحباط و اليأس 

في تلك الفترة لم أحد الحفاوة و الترحاب السابق من الأهل و الأصدقاء و عدت من جديد لشعور الوحده و العزله و لكن هذه المره في مصر 

و تغلبت علي ذلك بالتعرف علي العديد من الزملاء لهم نفس ظروفي  و يواجهون نفس المشاكل 

و أصبح لدي عدد ليس بالقليل من الطلبه أبناء العاملين بالخارج كل منهم لديه شقه و سيارة و أموال ترسل له بلا حساب 

بعضهم اتجه إلي الإدمان و اخرون للعلاقات النسائيه مدفوعه الاجر مقدما و بعضهم للتعرف علي الفتيات و عدد بسيط ظل محتفظأ  بثوابته و لكن الجميع يلتقي كل يوم في شقه او فيلا زميل أو زميله ، مقيم حفلات صاخبه و يتفرق الجمع فجرا 

الأمور تسير من السئ إلي الأسوء و رسبت مع الفصل من الكليه هذا العام . 

ذهبت إلي الفرن لشراء خبز صباح يوم النتيجة و هو موافق لعودة أبي و امي من السفر 

انتظمت في الطابور الطويل منتظرا تحرك من يقف أمامي و خلال تحرك الطابور ببطء شديد اخترق الطابور شاب تبدو عليه علامات البلطجه متوجها لشباك الفرن للحصول علي الخبز 

و عندما اعترضت علي أسلوبه و عدم احترامه للنظام 

انهال علي بالضرب بطريقه وحشيه و لم أنجو من يده و أفلت بعمري الا عندما تدخل الماره و عدت إلي المنزل بملابس ممزقه و جسد ينزف 

تابعت النتيجه عبر الموبايل و علمت بفصلي من الجامعه 

و ما هي الا ساعات قليله و حضر أبي بصحبه أمي 

و بعد عام الأسرة برسوبي و فصلي من الكليه قرر أبي اصطحابي مره اخري للبلد الخليجي و استكمال دراستي هناك 

حينها سرحت في العلقه السخنه التي تلقيتها هناك من بعض الأطفال هناك و المشاجرة التي حدثت من ساعات أمام الفرن 

مرورا بتفوقي في الدراسة في مراحل التعليم السابقه  و فصلي من الكليه الان 

و ما هي الا ثواني و رحبت بطلب والدي



كُل الأماكن بقلم الشاعر: حليم محمود أبوالعيلة

 كُل الأماكن

كتبت شعري فوق جدار قلبي

ونسيت اغزل حُبي ع الورقْ

هايم كالفراشات ف الجناين

والشوق  ف حُضني  اتحرقْ

ف وجودك كُل الأماكن جنة

وربيعك  مزهزه  شـذا  وألقْ

واخد  من وردِك رقته ولونه

طرح  جوايا  عبير  وانسرقْ

حُبـي  تاه  ف  بحور عينيك

وقـلبـي  ف  بُـحـورك  غـرقْ

كلُ العيون  حسداني  عليك

وعُمري  معاك عشته ف قلقْ

يا  أحلىٰ  وأرق نساء  الكون 

وأحن قلب ف العشق اتخلقْ

دا  انا حُبي  أكبر من حياتي 

وقلبـي لسه  ف عُـمر  اليرقْ

                   كلماتي:

الشاعر: حليم محمود أبوالعيلة 

مصر



الخريفُ يكتُبُنا بقلم الكاتبة الخريفُ يكتُبُنا

 الخريفُ يكتُبُنا

يَجِيءُ الخَرِيفُ وَئِيدَ الخُطَى خَفِيَّ الوَقْعِ  

لا يَقْرَعُ الأَبْوَابَ بَلْ يَنْفُذُ مِنْ مَسَامِّ الرُّوحِ  

وَيَضَعُ عَلَى الكَتِفِ وَرَقَةً صَفْرَاءَ وَيَهْمِسُ  

قَدْ آنَ أَنْ تَتْرُكَ مَا أَثْقَلَكَ  


تَأَمَّلِ الشَّجَرَ كَيْفَ يَبْتَسِمُ وَهُوَ عَارٍ  

وَكَيْفَ يُسَلِّمُ لِلرِّيحِ مَا بَلِيَ وَتَقَادَمَ  

وَلا يَرْثِي ظِلًّا وَلَّى وَانْقَضَى  

لِأَنَّهُ يُدْرِكُ أَنَّ العُرْيَ سَبِيلُ الضِّيَاءِ  


وَنَحْنُ نَتَمَسَّكُ بِالأَشْيَاءِ حَتَّى تَذْبُلَ  

وَنُسَمِّي التَّشَبُّثَ وَفَاءً مِنْ غَفْلَةٍ  

وَالخَرِيفُ يُلَقِّنُنَا سِرَّ التَّرْكِ الرَّشِيدِ  

دَعِ الأَصْفَرَ كَيْ يَتَّسِعَ لِلأَخْضَرِ  


الخَرِيفُ فِينَا يَخْلَعُ خَوْفًا عَتِيقًا  

وَيُلْقِي ذِكْرَى ضَاقَتْ عَنْ رَحَابَةِ القَلْبِ  

فَنَسِيرُ أَخَفَّ وَنَبْتَسِمُ لِلْفَرَاغِ  

لِأَنَّهُ المَمَرُّ الَّذِي يَعْبُرُ مِنْهُ الجَدِيدُ  


فِي الطَّرِيقِ تُصَفِّقُ الأَرْضُ تَحْتَ الخُطُو  

أَوْرَاقٌ تَطِيرُ بِلَا جَنَاحٍ وَلا دَلِيلِ  

وَكُلُّ وَرَقَةٍ حِكَايَةٌ هَوَتْ مُخْتَارَةً  

لِتُفْسِحَ فِي الغُصْنِ مُتَّسَعًا لِحِكَايَةٍ  


الخَرِيفُ لَيْسَ نُقْصَانًا بَلْ مِيزَانُ صِدْقٍ  

يُفْرِزُ مَا بِنَا بِيَدٍ لا تُخْطِئُ  

هَذَا جَدِيرٌ بِرَبِيعٍ قَادِمٍ فَأَبْقِ عَلَيْهِ  

وَهَذَا أَطْلِقْهُ مَعَ الرِّيحِ وَدَعْهُ  


فَسِرْ عَلَى مَهْلٍ وَتَنَفَّسْ بِعُمْقٍ  

فَمَا سَقَطَ مِنْكَ اليَوْمَ طَوْعًا  

سَيَعُودُ غَدًا جِذْرًا  

ثُمَّ سَاقًا  

ثُمَّ ظِلًّا  


بقلم انغام الهادي



الغريب الذي لم يرحل ... بقلم الكاتب معز ماني

 الغريب الذي لم يرحل ...

غريب أنا بين أهلي وداري

وبين الوجوه وبين الديار

أمشي وأعرف دربي إليهم

ولكن أضلّ طريق القرار

أصافح كفّا أعرف دفءها

فأرجع وحدي خلف الجدار

غريب أنا في مكان العمل

أبيع السنين بثمن أقل

أجيء الصباح بثوب ابتسام

وأحمل في القلب حزنا ثقل

أبيع من العمر ساعات عمري

وأرجع بالليل دون أمل

وأصعد سلّم وهم النجاح

فأبلغ آخره لا أصل

غريب أنا في لغات الحياة

أقول الكلام فيمضي شتات

وأحمل في داخلي ألف معنى

ويموت على شفتيّ الثبات

أقول أنا بخير 

فتعرف روحي بأنّي أكذب ذاتي

ويفضح عينيّ طول السكات

فكم كلمة لم تجد من يفهم

وكم من حنين بغير صوت

وكم من كلام بقي في الصدور

لأنّ الكلام أحيانا يموت

غريب أنا في انتمائي حتى

سألت التراب أأنا من ترابك ؟

وإن كان هذا الوطن في دمي

فلماذا أحسّ كأنّي غريب ؟

أحنّ إلى وطن في الخيال

إلى بيت حلم بعيد المآل

إلى شارع لم تطأه خطاي

ولكن أحبّه كالمحال

وأبحث عنّي بأرض البلاد

فأرجع منها بوجه غريب

كأنّ المكان مكاني ولكن

أنا لست فيه كما ينبغي لي

غريب أنا في غد لا أراه

كأنّ الطريق أمامي جدار

أمدّ يدي نحو صبح بعيد

فتلمس كفّي بقايا غبار

أقول غدا ثم يأتي غد

فلا شيء غير انتظار انتظار

حتى غدا الانتظار حياتي

وصار الرجاء سؤال انكسار

أقسى الغربة أن لا ترى

من أنت ولا أين وجه المصير

وأن يصبح الأمس بيت الحنين

ويصبح مستقبلك المستحيل ...

                                                    بقلم : معز ماني . تونس .



حين تضيق القصيدة..عن احتواء وجع الشعوب..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 حين تضيق القصيدة..عن احتواء وجع الشعوب..!

-تحية للنص المدهش الذي يعكس وجه الحياة المتجدّد،تحية للقصيدة المتشبثة بهويتها كقصيدة..( الكاتب )


الفعل الثوري العربي الذي تحقق في السنوات الأخيرة إبان إشراقات ما يسمى ب”الربيع العربي” لم يكن معزولا عن خطاب الشعر،مثلما لم يكن معزولا عن الخطاب الذي تنتجه وسائل الإعلام.لقد كانت القصيدة كامنة في وجدانات هؤلاء الشباب فعلى سبيل المثال كان الشباب يرددون أثناء الثورة قصائد محمود درويش وأحمد فؤاد نجم وغيرهم،كما استعادت الثورة التونسية وبعدها الثورات العربية الأخرى قصائد شاعر عظيم بقيمة أبي القاسم الشابي،حيث صدحت الحناجر في ساحات وشوارع وميادين مدن عربية عدة “إذا الشعب يوما أراد الحياة..فلابد أن يستجيب للقدر”. 

فما هو دور الشعر في ثورات “الربيع العربي”؟

وهل ساهم في تأجيج مشاعر الثوار،أم أن الثورات قد شكلت مصدر إلهام للشعراء ولو على حساب القيمة الشعرية؟

وسؤال مغاير أقول: لماذا يجب على الشعراء (وأزعم أني واحد منهم) أن يكتبوا شعرا أو نثرا، عن الثورة؟ !

هو سؤال أبله كما ترون،ولكنه،ككل أبله،يلح في طلب إجابة شافية،وككل أبله لن ترضيه الإجابات المخاتلة،أو تلك المبنية على الركون إلى البدهيات والأعراف.

والوجوب المفترض عن الشعراء-أو المفروض عليهم !-هو إما نابع من ضمير الشاعر نفسه،من ضيقه بما احتشد في وجدانه من مشاعر وانفعالات صاخبة،لن تهدأ حتى يخرجها كلمات على الورق،أو أنه نابع من إحساس الشاعر بواجبه في التعبير عن مشاعر وانفعالات الآخرين ممن حرموا القدرة على الكتابة،وفي كلتا الحالتين يراد منه أن يكون اسهاما في الفعل الذي جرى على الأرض-الثورة.

وكأني بالشاعر ما يزال يعتبر نفسه،ويعتبره الأخرون،صوت أمته،وضميرها الحي،الحامل لهمومها وأفراحها وآلامها،المعدّد لمناقبها،الممجّد لإنتصاراتها،الرائي لقتلاها،الشاتم لأعدائها…وربما هو كذلك،أو كان كذلك،في جاهلية انقضت (أو هكذا حسبناها !)،قبل أن تخرج الأمور عن مجرد نزاعات قبلية بالسيف والرمح عن مرعى وكلأ، وقبل أن تتعقّد العلوم والإختصاصات،فيتولى آخرون فيما بينهم تلك المهام التي كانت منوطة بلسان الشاعر وفصاحته،وأعني بهم علماء الإجتماع وعلماء السياسة وعلماء الإقتصاد وعلماء التاريخ وعلماء الحرب وعلماء النفس وعلماء الإعلام..حتى علماء الكلام !.

حضور الشعر في الثورات العربية:

يقول الشاعر المصري جرجس شكري عن حضور الشعر في الثورات العربية:”الشعر بصورته المباشرة كشعر وكقصائد،ربما لم يكن حاضرا بشكل مباشر.الأقوى من وجهة نظري هو حضور الشعرية في التجمع أو في ممارسات الثوار. الأفعال التي كان يمارسها هؤلاء،هي الشعر من وجهة نظري". غير أن الشاعرة اليمنية ابتسام متوكل،رصدت حضورا شعريا قويا خلال الثورة اليمنية سواء أكان الشعر فصيحا أو عاميا أو شعر تفعيلة أو شعرا عموديا.

ويبدو أن قصيدة النثر لم تكن حاضرة بنفس شكل القصيدة الإيقاعية،وتقول الشاعرة اليمنية:” المجتمع اليمني مازال مجتمعا سماعيا ولهذا السبب،الإيقاع والعبارات الحماسية تحرك فيه الكثير،لذلك كانت الثورة اليمنية حافلة بالإنتاجات الشعرية،على مستوى الأغاني والقصائد والإصدارات أيضا”. وتضيف:” في تاريخ الثورات العربية كان الشعراء دائما في طليعة من قادوا الفعل الثوري التوعوي،ومازال هذا الفعل حاضرا في اليمن إلى اليوم ومنذ ثورتي 1962 و 1963″.

أثارت الثورات العربية وخاصة الفلسطينية الكثير من الأسئلة حول دور الشعر والشاعر،وكيف يمكن لشاعر أن يصطف مع قاتل أو يتغاضى عن صرخات الضحايا ويغوص في كتابته إلى عالم الأحلام بعيدا عن الواقع؟

كما يثار سؤال آخر عن وسائل الإعلام التي صدّرت إلى الواجهة شعراء بعينهم لمجرد الموقف بعيدا عن السوية الشعرية.

ويشكك البعض في مستوى كثير من القصائد التي كتبت في لحظة الانفعال،ويبدي موقفه إزاء ضحالتها الفكرية وافتقادها للشاعرية،ويذكر أن القصيدة المنددة بالقتل لا توجب السباب أو الشعاراتية المباشرة.

وفي هذا السياق،هل يمكن للشعر أن ينهض بأي دور في زمن الثورة،وفي أزمنة الغمة ؟!

أي دور ذاك الذي يتأمّله المرء من الشعر في زمن الرغبة عن القراءة وتهميش الثقافة ؟!

هل للشعراء أي تأثير يذكر في العالم العربي؟ وهل ما زال الشاعر يمثل ضمير قومه ولسان حال شعبه،أم أن هناك مستجدات تفترض آليّات التعامل معها؟

تحية للنص المدهش الذي يعكس وجه الحياة المتجدّد،تحية للقصيدة المتشبثة بهويتها كقصيدة،فمكانها ومكانتها بقامة أبجديتها،وليس بمهارتها في استرضاءالسلطة وتملقها،وإن كانت سلطة شعبية..

ليس مطلوبا من الشاعر أن يحمل بندقية الثورة، ولا أن يحوّل قصيدته إلى منشور سياسي أو هتاف جماهيري فالشعر،في جوهره،أعمق من الهتاف وأبقى من اللحظة.لكنه حين تضيق الأرض بالظلم،ويعلو صوت المقهورين،يصعب على القصيدة الحقيقية أن تتظاهر بأنها لم تسمع.!

قد يكون الشعر صوت الثورة،وقد تكون الثورة هي التي تستنطق الشعر،وفي الحالتين تظل قيمة القصيدة في قدرتها على أن تتجاوز الانفعال العابر إلى المعنى،وأن تحفظ للإنسان كرامته وللحقيقة مكانها.

فالثورات قد تسقط أنظمة،وقد تغيّر خرائط،لكن الشعر وحده يستطيع أن يحفظ ما لا تحفظه البيانات والخطب: نبض الإنسان وهو يحلم بالحرية.


محمد المحسن



حديث الصمت بقلم الكاتب منجي الغربي

    *** حديث الصمت *** 


حدَّقَتْ في عينيهٍ و ابتسمتْ

مرّتين ...

أزاحَ عنها النظر 

ثم تمتم بعضًا من كلامٍ 

على الشفتينِ ...

...  مرهقٌ جدا ... أنا ...

مرهقٌ حدَّ الأنين .

فالصمتُ حكمةُ العارفين 

لا تجادلْ ... 

لا تكابرْ ... 

لا تكسرِ القلبَ الحزين 

إن تسمعي في صمتي 

شوقا ...

فذاك العشق ... 

و لا تسأليني .

فمن يطلبُ الحبَّ يحيَ

في مواجعه سنين ...

سجينا يَسقِي الأمل 

أملًا ...

علَّ العِشقَ يزهرُ

فلًا أو ياسمين ...

يعبُقُ منه الطِّيبُ

به يسعَدُ كلُّ العاشقينَ . 


( منجي الغربي ) 

....جربة ...26 / 09 / 2026 ...


دقيقة صمت بقلم الكاتبة سامية برهومي

 دقيقة صمت 


دقيقة صمت وإن لم تكن من ثقافتنا ،غير أننا نتقبل فكر الآخر ما لم يتعارض مع قيمنا ومبادئنا .

 ارتدَّت عين البصيرة لما أحاطت بما لم يراه آخرون بعدما راودَت عقرب الساعة قبيل فرار الزمن ببقية رؤيا ..

 طاردَت طيف أشعة من نور بين جحافل من ضباب ..

ثم أحجمَت أذرع التمني لقاء مفاصل الوداع ..

أرخت سدولَ التطلع اصداءُ الوجع واكفهرت سماء السلام .. لما تكتلت غيوم الظلام ..

 اندحر ضياء الشمس ، تخلَّف ركب النهار ، وما زالت عقارب الساعة تحصد الجموع ، وإحصاء بات ومازال وأصبح وأمسى ثم يبيت نخرا في عمود التوازن ..

 غدا .. ستوقظ سبات الغفلة فاجعات الوعيد وسيصير كل العالم غزة .. لكن .. دون عزة .

 أقرأ الوعيد الإلهي من خلال آيات الجلال  .. كلما أطبقت ريح الموت على انفلاتات الشهيق ..

 كلما اختلت أطيافهم بسرحات الخيالات ..

 كلما طالعتُ خلف الضحكات تتسللات الحياة ..


 دقيقة صمت وسط الفوض السائدة والهرج .. وليكن ما يكون ..

 أيها الواقفون على شاهد قبري سألتكم الرحيل بالأكاليل ، هاقد انفردتُ بربي، هجرت الفوضى وضجيج أجراس تنذر كل حين بأن عقرب الساعة لا يستكين .. وفُوبْيا الفَقد تأسر دقات القلب ، ويحالف دقات الساعة منبه القلق ..

 سلام على السلام لما هجرت أسراب الحمام برج أميرة تخاصمت مع السماء لما تعرت السماء ، ما أصعب التطلع بعيون رمداء ..

 قد طال خداعنا حتى صرنا.. عملاء ..

 أناشد المخلصين دقيقة صمت خارج جدران الزمن .. قبل العودة ضمن ارتجالات القضاء .

                        سامية برهومي



السبت، 26 سبتمبر 2026

موشّح بعنوان : وطني .. بقلم الشاعرة رفا رفيقة الأشعل

 موشّح بعنوان : وطني ..


سأغنّي لك حباً يا وطنْ

يا جنانَ الخلدِ لاحتْ للبشرْ

كنت دوما شامخا رغم فتنْ

قدْ تفشّتْ مثلَ نارٍ وشرَرْ


وطني كنت على رغم البلا

ساطع الأمجادِ وهّاج الخلالْ

حرمٌ للوحي قد شعّ على 

أرض عزّ ذاتِ حسنٍ وجلالْ

لك مجدٌ شامخ نحو العلا

تجتليهِ الأرض فخرا والجبالْ 

 

دمت ما غنّى حمامٌ في فننْ

يا ربوعا تستبي كلّ البشرْ

ويح نفسي كم أصبنا بالوهنْ

باتَ حلوُ العيشِ محفوفا بمرْ


أينَ عهد كالرؤى بالأندلسْ

روح ماضٍ بالضيا يهفو لنا 

كم جرى دمع لنا لا ينحبسْ

عبثتْ ما شاءت الدنيا بنا

واقتلعنا مثل نبتٍ قدْ غرسْ

ضاعَ عهدٌ قدْ أضاءَ الأزمنا


ترتدي الأرض ضباباً ودجنْ

وانطوى عهد الصّفا حلّ الكدرْ

ماتَ ما كانَ جميلا ودفنْ

وانقضتْ ويحي ليالينا الغررْ


يا خيالي طفْ بهاتيكَ البقاعْ

طفْ بغرناطةَ في العهدِ الجميلْ 

تحتَ أفقٍ مشرقٍ صافي الشّعاعْ

بينَ أوتارٍ وكأسٍ ونخيلْ

ضاع يوما بينَ غدرٍ ونزاعْ

 فإذا  الأقدارُ تدعو للرّحيلْ


قدْ مشينا في حضيضٍ منْ عفنْ

ومشى الغربُ على هامِ القمرْ

نهشتْ فينا حروبٌ وفتنْ

وقُوَى ساقتْ إلينا كلّ شرْ


إحملي يا ريحُ صوتي للورى 

جدّدي الأشواق للعهدِ البعيدْ

ما الّذي حلّ بنا ماذا جرى ؟

أين منّا عهدُ هارون الرّشيدْ

كان عهدا مثل حلمٍ في الكرى

قدْ توارى ليتَ شعري هل يعودْ؟


كلّنا ياقومُ نشكو منْ محنْ

وقلوبٌ من أساها تنفطرْ

لا أرى في الرّزْء شاما أو يمنْ

أو عراقا .. كلّنا ذقنا الأمرْ


لا تقلْ أينَ ليالينا الملاحْ

صمَتَ الشّادي وقدْ بحّ الوترْ

ذبحتْ أفراحنا ذاتَ صباحْ

شملنا اليوم أراهُ يندثر 

تملأ الأجواء أصداء نواحْ

لا غناء لا لحونَ لا سمرْ


خاننا اليومَ رعاةٌ وزمنْ

قدْ قسا دهرٌ سقانا كأسَ مرْ

وتولّى مثل أضغاثِ الوَسَنْ

صرح مجدٍ شيدَ من أسنى الدّررْ


ضاعَ عهدٌ .. أهِ من عهد مضاعْ

أينَ منّا عهدُنا الماضي المجيدْ

 هلْ على أرضك للشمل اجتماعْ؟

هل نرى الأفراح فينا من جديدْ؟

هل على أفقك للنور التماعْ

وسحاب الجهلِ ينزاحُ .. يبيدْ


قد يذيب القلب قهر وشجن

وأعاني عبءَ همٍّ مُصطَبر

غير أني لا يدانيني الوهَن

سوف يأتي الفجرُ واللّيلُ يمرْ


             رفا رفيقة الأشعل


كَرَامَتِي بقلم الكاتب عبد الرحيم الهيكي@

 كَرَامَتِي

أَنَا لَيْسَ لِي قُيُودُ

حُرٌّ أُحَلِّقُ فِي السَّمَاءِ بِلَا حُدُودُ

شَمْسِي فَلَا تَخْشَى الزَّوَالَ

وَنُورُهَا بَاقٍ يَسُودُ

وَكَرَامَتِي حُرِّيَّةٌ

هَزَّتْ بِعِزَّتِهَا الجُمُودُ

وَدَمِي لَمْ يَخْشَ القُيُودَ

وَلَا ارْتَضَى يَوْمًا خُمُودُ

فَلْتُشْرِقِي يَا حُرِّيَّتِي

فَبِنُورِكِ العِزُّ الوُدُودُ

إِنِّي أَنَا مَا بِي عُقُودُ

حُرِّيَّتِي لَهَا الخُلُودُ

وَمِنَ الكَرَامَةِ عِنْدَنَا

بِالصِّدْقِ تُبْنَى الوُعُودُ

إِشْرَاقَتِي عِزٌّ سَمَا

وَبِنُورِهِ حَيِيَ الوُجُودُ

حُرِّيَّتِي لَمْ تَخْشَ يَوْمًا

كَيْدَ الضَّلَالِ وَلَا الصُّدُودُ

الكاتب  عبد الرحيم الهيكي@


ربّ إني مظلوم فانتصر بقلم الشاعر محمد علقم

ربّ إني مظلوم فانتصر

...................................

ربّ إنـي مظلـوم . فــانتصـرْ


لم يعـد القلب يحتمل الصبرْ


عربـان الامة باعوا.. موطني


والأمـر للعـدو.. والكل يأتمـرْ


سـاســة ابتلــى القــوم بهـم


كلهم أنذال وأفضلهم مُحتقرْ


سـوّلـت لهم النفـس تدميرنا


حـروب تُفتعل. ونـار تستعرْ


أين هـم من أولـى القبلتيـن


ما حـلّ من تدنيس لا يغتفرْ


أيـن هـم مـن مصيبـة شعب


أرضه. مـن النهر.إلى البحرْ


تُهـدى وتُعطـى لعــدو لئيــم


يذبح الطفل ويقتلـع الشجـرْ


جيء بهـم مـن كـل النواحي


شذاذ آفــاق وأسـوء البشــرْ


يا بجيـرا مـا قلته إثـم عظيم


نحـــن قــــوم بـالله ننتصــرْ


شعبنا لم يعـرف اليأس يوما


قـاوم الأعـداء. طـول العمـرْ


ابق للغـرب صـديقـا وعميلا


أنـت منهـم لا يعنيــك الامـرْ


ابق بالحانات وبيوت الرذيلة


أنت فيها سيد إن حـلّ السهرْ


إنمـا الاخـلاق للمـرء..فضيلة


بيعهـــا. مــن عبــد. لا يضـرْ


نحــن شعــب. نحمـي حمانـا


لاحـاجـة لنـا..بـرعـديـد مَكـرْ


هـذه فلسطيـن قدسهـا ستبقى


شـوكـة.في حلـق خـائن ذكرْ


لـن نسـاوم سنقــاوم التطبيع


فــي الخفــاء..كــان أم ظهـرْ


كلنـا للــردى..نعشـق ونتمنى


طفلنـا حينما يولـد يولـد حـرْ


بينمــا أنتــم..للغــرب عبيـــد


أنّــى للعبــد..يـومــا أنْ يكــرْ


محمد علقم/26/9/2017


صيرورة الطريق والأطوار... بقلم الكاتب بسام سعيد عرار

 صيرورة الطريق والأطوار...

على ناصية الحياة...

رحلة حياة... 

معمعان الراهن

تصاريف الدهور

مخاضات دياجير الليالي

سُرج النور الزاهرة

عوالم العاشقين الحيارى

سعة أمداء الخيال

امتداد الآفاق

سنوات حافلة

على قيد الحياة... 

أطوار ومواسم ودروب حُبلى...

تمسك بسيرورة البدء الأجمل

تعانق اللحظة الفارقة وهي تمر بها الآن

تعيش وتحيا في قلب الوجود

تترك الأثر الأنقى والأبقى


شؤون وملاذات وعلائق...

أتون الغربة

ذروة الاستجابة

حضرة التلاقي

وصال مهدور

منابت وصال زكيّة

ظهور

اختفاء

رفض

قبول

بوح

كتمان

انتظار

مراوحة

إخفاق

نجاح

انطلاق

طموح وتطلعات

حين تقفل الدائرة

حين الخروج من دائرة القيد

ثمة أطوار وحالات وعلاقات... 

لا تحتمل إطالة التأجيل والتردد

لا ترتهن لحياة لن تبدأ

تزهو بمداد متواليات التحول النابضة

تصافح بهايا الملامح

تذوب في خلايا النشأة والتكوين مثل قطعة سكر


حكايا في جعبة الطريق...

تفاصيل القصص الطافحة

فصول حكاية لم تكتمل

أقوال صادحة

أحاديث لم تسمع بعد

حكايا وأحاديث... 

تستدعي مساحات أرحب 

لتجد طريقًا إلى الكلام 

للتأمل والتأويل 

لتأتي البقية ويكتمل المعنى 


نوافذ وإطلالات...

نوافذ تترقب 

نوافذ أسيرة الاعتياد الممجوج 

نوافذ تطل على قباب ومدائن لم تكتشف 

نوافذ... 

تكتسي أبهى الحلل لملاقاة القادم الأبهى 

تبتهج لإطلالات صوب الفضاءات والعوالم الأجمل 


ألحان ودروب... 

ذات عزف لحن نشاز 

ذات عزف لحن متناغم

ذات عزف... 

لحن ينسج من غزل الصفاء والعذوبة 

لحن يتسامى ويتناغم في كل مرة 

أكثر دفئًا وحنانًا وحيويّة 


أطوار وفصول وطرق... 

تجيء تترى وتعتمل 

تقاس بما تحقق 

فبعض الشعاع لا يتوهج إلا في اختلاف الآراء ومتغيرات الزمان 

بعض الأبواب لا تتبدى إلا بعد سعي وارتياد

بعض الحلم لا يتحقق إلا  بسيرورة الخطى

بعض الحب لا يتجلى إلا في امتحان وتقلبات الحال والفصول 

بعض الجمال لا يتأتى إلا في مواجهة الذات وولوج الأمداء الأبهى 

بعض الحيوات لا تأتي إلا في صيرورة المسالك والدروب 


بقلمي 

بسام سعيد عرار


جلسات نفسية مع د. حسام محمد خليل: مساحة آمنة لإعادة هندسة الوعي أم رفاهية فكرية؟

 جلسات نفسية مع د. حسام محمد خليل: مساحة آمنة لإعادة هندسة الوعي أم رفاهية فكرية؟

​ مقدمة الحوار:

​في عالم يضج بالمتغيرات والصغوط اليومية، يجد الإنسان نفسه محاصراً بأسئلة وجودية ونفسية ملحة. ومن هنا ينطلق الدكتور حسام محمد خليل، مؤسس "جريدة الخبر العلمية"، ليأخذنا في رحلة عميقة عبر كتابه "جلسات نفسية"، محاولاً فك طلاسم الداخل الإنساني، والإجابة عن تساؤلات ظلت طويلاً بلا جواب شافٍ.

​المحاور الأساسية للحوار:

​1. ما معنى "جلسات نفسية" في فلسفتك؟

​د. حسام محمد خليل:

"الجلسات النفسية ليست ترفاً فكرياً ولا هي مجرد غرف علاجية للمرضى كما يظن البعض؛ بل هي مساحة مقدسة وآمنة للصدق مع الذات. هي تعني باختصار: إعادة ترتيب فوضى الداخل، ومواجهة تلك الترسبات والمخاوف التي ندفنها تحت وطأة الحياة اليومية. عندما نجلس مع أنفسنا بوعي، فإننا نقوم بعملية 'هندسة ذاتية' تتيح لنا فهم لماذا نغضب، ولماذا نتألم، وكيف يمكننا تحويل تلك الصدمات إلى وقود للإبداع والنجاح بدلاً من أن تكون قيوداً تعيق خطاينا."

​2. هل لكتاب "جلسات نفسية" تأثير حقيقي وملموس على القارئ أو الفرد؟

​د. حسام محمد خليل:

"التأثير هنا عميق ومزدوج؛ فهو يبدأ بالتحرر النفسي الفردي وينتهي بالتوازن المجتمعي. عندما يتصالح الإنسان مع نفسه، فإنه يتوقف عن إسقاط مخاوفه وصراعاته على الآخرين (سواء كان معلماً في فصله، أو كاتباً في مقالاته، أو فرداً في أسرته). التأثير الحقيقي لكتابات كهذه يكمن في منح القارئ 'أدوات النجاة الذاتية'؛ أي أن يصبح القارئ طبيب نفسه وموجهاً لبوصلته الداخلية، وهو الشرط الأساسي لأي نهضة علمية أو ثقافية حقيقية، فالأمم لا تنهض إلا بوعي أفرادها وسلامتهم النفسية."

​3. كيف ينعكس هذا التأثير النفسي على الجانب المهني والإنساني للإنسان؟

​د. حسام محمد خليل:

"الإنسان المكتفي نفسياً هو إنسان منتج. عندما نتحدث عن قضايا المجتمع، مثل حماية كرامة المعلمين، أو دعم الأقلام الحرة والأدبية، فإننا ندرك تماماً أن العطاء الحقيقي لا ينبع إلا من نفس مطمئنة وواعية. الصحة النفسية ليست رفاهية، بل هي التربة الخصبة التي يُزرع فيها الفكر العلمي والأدبي السليم."

​ خاتمة الحوار:

يظل كتاب "جلسات نفسية" للدكتور حسام محمد خليل دعوة صريحة للتوقف وسط زحام الحياة، وإعادة النظر إلى أعمق أعماقنا، لنكتشف أن مفتاح الحل الخارجي يبدأ دائماً من الداخل.



الجمعة، 25 سبتمبر 2026

أَتَدْرِي بِالحَقِيقَةِ دُونَ زَيْفٍ بقلم الشاعر كمال الدين حسين القاضي

 أَتَدْرِي بِالحَقِيقَةِ دُونَ زَيْفٍ

بِمَا فَعَلَ المُدَانُ مِنَ الذُّنُوبِ  


وَقَدْ غَفَلَ الكِتَابَ وَعَيْنَ نُصْحٍ  

كَأَنَّ النُّصْحَ مِنْ شَرِّ العُيُوبِ  


وَأَنْهَى العُمْرَ فِي ظُلْمٍ عَتِيدٍ  

غَدًا يَلْقَى مَكَانًا بِالرُّسُوبِ 

 

وَمَحْكَمَةُ العَدَالَةِ دُونَ رَدٍّ  

وَلَا دَفْعٌ يَجُوزُ مِنَ الجُيُوبِ  


وَقَدْ حَلَّ الحِسَابُ بِلَا نِقَاشٍ  

وَجَاءَ الفَصْلُ مِنْ بَعْدِ الغُرُوبِ  


وَيَأْتِي كُلُّ مَظْلُومٍ مُهَانٍ  

وَلَيْسَ هُنَاكَ مِنْ فُرَصِ الهُرُوبِ  


وَلَا أَهْلُ الدِّفَاعِ بِلَا ضَمِيرٍ  

بِمَا مَلَكُوا عَلَى مَرِّ الدُّرُوبِ 

 

فَيَوْمُ الحَسْمِ تَرْقُبُ كُلَّ عَيْبٍ  

فَلَا كَذِبٌ يَمُرُّ مِنَ الكَذُوبِ  


وَلَا أَحَدٌ يُجَادِلُ فِي فِعَالٍ  

وَهَذَا اليَوْمُ مِنْ أَشْقَى الخُطُوبِ

  

أَمَامَ النَّاسِ مِنْ شَرْقٍ وَغَرْبٍ  

وَمَاتَ المَكْرُ مِنْ جِنْسِ اللُّعُوبِ  


وَلَمْ يَبْقَ العَزِيزُ هُنَا عَزِيزًا  

جَمِيعُ الخَلْقِ مَا بَيْنَ الكُرُوبِ  


سِوَى أَهْلِ النَّجَاةِ بِعَيْنِ فَوْزٍ  

وَجُنْدِ اللهِ فِي كُلِّ الحُرُوبِ


بقلم كمال الدين حسين القاضي


حين تحبّ المرأة بقلم د. قاسم عبدالعزيز الدوسري

 حين تحبّ المرأة

تُصبح يداها

مرفأً لقلبٍ أتعبته الحياة،

وتصير عيناها

نافذتين يطلّ منهما الأمان.

تحبّك

لا لأنها تحتاج إليك،

بل لأنها رأت فيك

شيئًا يشبه حلمًا قديمًا

كانت تخبّئه في قلبها.

تخاف عليك

من نسمةٍ باردة،

ومن حزنٍ عابر،

ومن تلك اللحظات

التي لا تقول فيها شيئًا

لكن عينيك تفضحان التعب.

وإذا أحبّتك امرأة

فلا تبحث عن مقدار حبّها

في الكلمات،

انظر إلى التفاصيل الصغيرة...

إلى سؤالها عنك

حين تغيب،

إلى ارتباك صوتها

حين تشعر أنك متعب،

إلى فرحتها

حين تراك بخير.

هي لا تقول:

ماذا سأربح منك؟

بل تقول في سرّ قلبها:

كيف أجعل أيامك

أكثر دفئًا؟

وحين تضع رأسك

على كتفها

تنسى العالم كله،

وتشعر أن الحياة

للمرة الأولى

لم تعد مكانًا موحشًا.

في قلبها

غرفة لا يدخلها أحد،

لكنها حين تحبك

تفتح لك الباب،

وتضع بين يديك

مفتاحها الأخير.

وحينها فقط

تعرف أن بعض النساء

لا يأتين إلى حياتنا

ليكنَّ حبيبات...

بل ليصبحن

الجهة التي نعود إليها

كلما أرهقنا الطريق.

قاسم عبدالعزيز الدوسري



عنبر الليل بقلم الكاتبة ألفة كشك بوحديدة

 عنبر الليل

أنت تجمع الشموع 

بالعتمة 

تجعل الشوق يفوح 

وسط الحرمان 

أنت من تقرب قلوبنا 

بعد الغياب 

أرسم طيف حبيبي 

على أوراقك 

بأنفاسي 

أنت الوسيط في 

كل الأحوال 

لا تطفىء شموعك 

دع أنوارك ترافق 

أجمل لحظاتنا 

و تتقاسم أحاسيسنا 


ألفة كشك بوحديدة


ذكرى العشق المؤجل . بقلم الكاتبة... أوهام جياد الخزرجي

 ذكرى العشق المؤجل


.... أوهام جياد الخزرجي


تقتربُ الأرضُ فلا تغترب،فالقمرُ تركَ ظلَّهُ، والحروفُ مترنحةٌ 

تدورُ ثملةً مِنْ دارٍ لدارٍ، ودوارُ البحرِ هو الجنونُ عندَ الشاطئِ، واللحظةُ موجعةٌ كالموتِ، في لقاءٍ آثمٍ، والبحرُ طرقَ ابوابَهُ، 

أيُّها البحرُ  صلَِ لجثتي، فالروحُ باقيةٌ تأبى العذابَ، فقفْ عندَ قلبي وأسألَ الشجنَ، على  وجهٍ أتعبَهُ المسيرُ  بثيابٍ متهرِّئةٍ، في ضياعٍ كالمدى، أو كفضاءٍ يطبقُ أنفاسَهُ، على روحٍ شريدةٍ تأبى الرجوعَ، فذكرى العشقِ المؤجَّلِ باتَ صريعاً، ونوارسي تتصارخُ لهطولِ المطرِ، أينَ أنا، 

فأنا في القلبِ أغنيةٌ، أنا في البحرِ ضياع .

25\9\2015



عندما يغزوك ألم ...الطفولة. امضاء. ادريس الجميلي .

 عندما يغزوك ألم ...الطفولة.

شدت ذاكرتي طبيعة غناء تفوح رائحة أزهارها عبيرا يتبخر صوب هتاف السراب .لا شيء ينمي جسدي كي أعقل الطائر البني الذي كان يحوم على مشارف الجبل .إن رحلتي لم أدركها لأنني ما رتبت أحداث طفولة عمياء..كنت أزعم صفة الواحد الجبار ...عفوا يا إلاهي و مغفرة ها أني أردم كل الكلمات فأصحو في كل صباح على سواد الليل .كنت متيما بشدي للعكاز الرمادي حين أذهب لفك الحبل عن عنق بقرتي الحمراء و الابتسامة تجتاح ملامح وجهي دون التنكر في شكل إنسان مرهف المشاعر و قد كسته مساحيق الزينة على تضاريس الجفنين أو بين الحاجبين .هكذا ناديت سيدة الأحلام و قد رسمت ثنايا الأزقة الضيقة .رجعت على نفسي أثرب جاهدا عساني أغنم ببعض الأخبار المخفية وراء قبة الولي الصالح....أمي رحمها الله لم تكن تعلم علوم الحياة و لكنها كانت صادقة لانها تعلم أنها لم تعلم شيئا.

كم مرة أفيق من غفوتي فأنهار باكيا لهول ما أرى. كان كل شيء لا يساوي شيئا بل كنت أرقص رقصات الحائر المحتار .الولاء أم الجود ؟

مرض غثيان جنون ....و رغم ذلك أعلن مرة أخرى قوله تعالى....و قضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه و بالوالدين إحسانا..

الإمضاء. ادريس الجميلي .



لا تختبر مكانتك بقلم سامية برهومي

 لا تختبر مكانتك 

ربما كان الأولى أن تحافظوا على قلوب احتفظت لكم منها بمكان ..

 اللّامبالاة، الردود المتأخرة عمدا والباردة والتي تصل بعد فوات الأوان ،بعدما يتشرب الإحساس بسلبية الصد والهجر وتحفر ساعات منه خندقا بيننا ..

 تعاملات قد لا تليق مقابلتها بشخص يقظ الإحساس، صادق التعامل وواضح في النهاية .

لا تستهينوا بمشاعر هؤلاء لأنهم إذا قرروا الرحيل فستعيى دون إرجاعهم الحيل .

 خيط الود الذي حاكت منه السِّنون ثوبا من جمال قد تنقض غزله ذات اليدين .

 الصداقة زهرة بين شمس وظلال والكرامة صرح من كمال قد ينحني بتواضع مرة التماسا للعذر قصد حفظ الود لكنه أكرم على الله و النفس من أن يبتذل ..

 فاعلم مع من تتعامل

               سامية برهومي



ليل الحروف بقلم: أنغام الهادي

 ليل الحروف

في ليلِ الحروفِ أسيرُ وحدي 

أحملُ قلبي على راحتي قصيدةً 

وألقي بالصمتِ وراءَ ظهري 

فإنَّ للصمتِ إذا استطالَ اختناقا


أكتبُ 

لأنَّ الحبرَ يقرؤني 

ولأنَّ الورقَ لا يضجرُ مني 

ولأنَّ للوجعِ لغةً 

لا يفكُّ طلاسمَها إلا الشعرُ


أكتبُ 

عن أشياءٍ سقطتْ في الطريقِ 

وعن ضحكةٍ يسكنُها دمعٌ 

وعن غيابٍ يشبهُ الحضورَ 

وعن حضورٍ يشبهُ الغيابَ


أكتبُ 

حتى لا أموتَ في صدري 

وحتى لا يلتهمني السكوتُ 

فأنا امرأةٌ 

إذا لم تقُلْ شعراً انكسرتْ 

وإذا انكسرتْ كتبتْ 

حتى تجبَّرتْ


بقلم: أنغام الهادي



الخميس، 24 سبتمبر 2026

قداس الهطول بقلم سعيدة شباح

 قداس الهطول

أيها الورد الذي أضناه الذبول 

شاحبا صرت على مر الفصول

مثل قلب شاخ من قبل الأوان 

لم يعد للملذات يميل

أيها الورد الذي كنت أسقيه بدمعي

فإذا جفت دموعي و شكا القلب العليل 

ذبل الحلم و صار في لون الرماد

و بكى الورد من ظلم و هول

أيها الورد تمهل و أنتظر 

 غيبة الشمس و قداس الهطول 

إنتظر صحوة الروح تعود للحياة 

سنديانا و لوزا و نخيل 

إنتظر قطرة ماء كنور تجعل

مرفأ الروح لطيفا و ظليل

إنتظر رفة الفجر و نورا ساطعا 

لا دوام لظلام و سواد  كل ليل 


سعيدة شباح


مُفَارَقَاتٌ فَلْسَفِيَّةٌ بقلم أيمن أصلتُرك

 بقلم Ayman Asıltürk

مُفَارَقَاتٌ فَلْسَفِيَّةٌ

البَحْرُ لَا يُطِيعُنِي

بَحَثْتُ عَنِ الحُبِّ،

فَلَمْ أَجِدْ إِلَّا فَرَاغًا.

وَبَحَثْتُ عَنِ العِشْقِ،

فَلَمْ أَجِدْ إِلَّا وَجْهِي

حِينَ يَنْهَارُ دَاخِلِي.

ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى البَحْرِ،

كَأَنَّنِي ذَاهِبٌ

إِلَى مَحْكَمَةٍ

لَا تَعْرِفُ الرَّحْمَةَ.

وَقُلْتُ لَهُ:

يَا بَحْرُ،

عَلِّمْنِي الحُبَّ.

فَضَحِكَ المَوْجُ،

وَكَأَنَّ سُؤَالِي

كَانَ قَدِيمًا

إِلَى حَدِّ النِّسْيَانِ.

ثُمَّ قَالَ:

أَنَا لَا أُعَلِّمُ الحُبَّ،

أَنَا أَكْشِفُ

مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يُحِبُّ.

تَرَاجَعْتُ خُطْوَةً،

وَلَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ:

أَأَقِفُ عَلَى الشَّاطِئِ،

أَمْ أَنِّي دَاخِلُ فِكْرَةٍ

تُسَمَّى الشَّاطِئَ؟

كُنْتُ أَظُنُّ

أَنَّنِي إِنْسَانٌ،

فَقَالَ البَحْرُ:

الإِنْسَانُ مَوْجَةٌ

نَسِيَتْ أَصْلَهَا،

فَادَّعَتْ أَنَّهَا يَابِسَةٌ.

صَمَتُّ.

فَقَالَ:

أَنْتَ لَسْتَ عَاشِقًا،

أَنْتَ ارْتِبَاكٌ

يَبْحَثُ عَنْ اسْمٍ

يَحْتَمِلُهُ.

غَضِبْتُ،

فَأَلْقَى عَلَيَّ صَمْتَهُ.

وَعِنْدَهَا فَهِمْتُ:

إِنَّهُ لَا يُجِيبُ،

بَلْ يُغَيِّرُ شَكْلَ السُّؤَالِ.

نَظَرْتُ إِلَيْهِ طَوِيلًا،

فَشَعَرْتُ أَنَّهُ يَنْظُرُ بِي

لَا إِلَيَّ؛

كَأَنَّنِي أَنَا

مَا يَخْفِي،

وَهُوَ مَا يَكْشِفُ.

فَقُلْتُ:

أَيْنَ الإِنْسَانُ إِذَنْ؟

فَارْتَفَعَتْ مَوْجَةٌ،

وَقَالَ:

**الإِنْسَانُ فِكْرَةٌ خَائِفَةٌ

تَتَظَاهَرُ بِالثَّبَاتِ.

أَمَّا أَنَا،

فَلَا أَعْرِفُ الثَّبَاتَ.**

نَظَرْتُ إِلَى المَوْجِ،

فَرَأَيْتُ الحَقِيقَةَ

تَتَحَرَّكُ مَعَهُ.

وَأَدْرَكْتُ أَنَّنِي

لَا أَخَافُ البَحْرَ

لِأَنَّهُ عَمِيقٌ،

بَلْ لِأَنَّهُ

لَا يَعْكِسُنِي…

إِنَّهُ يَكْشِفُنِي.

وَكُلَّمَا اقْتَرَبْتُ مِنْهُ،

ابْتَعَدْتُ عَنْ نَفْسِي.

حَتَّى لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ:

أَأَنَا الَّذِي أَكْتُبُ،

أَمْ أَنَّ البَحْرَ هُوَ الَّذِي يَكْتُبُنِي،

وَيَتْرُكُ لِي وَهْمَ اليَدِ؟

فَقُلْتُ لَهُ:

إِذَنْ، مَنْ أَنَا؟

فَسَكَنَ المَوْجُ قَلِيلًا،

ثُمَّ قَالَ:

أَنْتَ مَنْ يَبْقَى

حِينَ تَسْقُطُ عَنْهُ

كُلُّ الأَسْمَاءِ.

وَسَكَتَ.

وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ

لَمْ أَطْلُبْ مِنْهُ جَوَابًا.

لِأَنِّي فَهِمْتُ

أَنَّ البَحْرَ لَا يُطِيعُنِي،

وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يُطِيعَنِي.

إِنَّهُ لَا يُعَلِّمُنِي

كَيْفَ أُحِبُّهُ،

بَلْ كَيْفَ أَرَى

مَا أَهْرُبُ مِنْهُ فِي نَفْسِي. 


الخَاتِمَةُ

لَيْسَ البَحْرُ مِرْآةً،

بَلْ سُؤَالٌ

بِلَا وَجْهٍ.

وَلَيْسَ الإِنْسَانُ عَاشِقًا دَائِمًا،

بَلْ كَائِنٌ

يَبْحَثُ عَنْ مَعْنًى

يَحْمِي بِهِ وَجُودَهُ.

وَمَا بَيْنَ البَحْرِ وَالإِنْسَانِ

تَسْقُطُ اللُّغَةُ،

وَيَبْقَى الِارْتِبَاكُ.

ذَلِكَ الِارْتِبَاكُ الجَمِيلُ

الَّذِي نُسَمِّيهِ:

الحَيَاةَ. 


بقلم الشاعر والأديب. 

Ayman Asıltürk. 27\011\2022

أيمن أصلتُرك



الانفصام قصة قصيرة بقلم الكاتب أيمن حسن محمد

 الانفصام

قصة قصيرة بقلم أيمن حسن محمد

كان صديقي يُدعى «الدون».

أُطلقت عليه أسماء كثيرة؛ «الراهب الأسود»، و«دون كيشوت». أما أنا فكنت أفضل الاسم الثاني، لكثرة مغامراته العقلية التي كانت أحيانًا مضحكة، وتصرفاته التي لا تخلو من الطرافة.

كان الدون يتمتع بالنشاط والحيوية، وتبدو عليه، حين تراه، علامات الاتزان الجسدي؛ لكن أفكاره كانت تسير في اتجاه آخر تمامًا.

في كل صباح كان يبحث عن ظرف قهوة جاهز، وغالبًا لا يجده عنده، فيستعيره من أحد جيرانه الذين كانوا يحبونه، هو و«نهفاته» التي لا تنتهي.

يجلس على كرسيه، يضع رجلًا فوق رجل، ويثبت طاقيته على رأسه، ثم يحدق في البعيد ورأسه مرفوع، كأنه يرى شيئًا لا نراه.

ربما كان يستعيد ماضيه...

سياراته، أمواله، النساء، الأضواء الحمراء، والمشاريع التي لم تكن تنتهي.

كان جميع أهل القرية يعرفون قصته.

قصة الدون.

أو «الراهب الأسود»، كما أطلقوا عليه بعد أن خسر كل أمواله.

بعدها تغيّر الرجل.

أصبح يتحدث في الدين وأحكامه، والقرآن وتفسيراته، والأنبياء والوجود، ويتنقل من فكرة إلى أخرى كما يتنقل المسافر بين المدن.

لكن كل كلامه كان يشبه مغامراته العقلية؛ غريبًا، مضحكًا أحيانًا، ومربكًا في أحيان أخرى.

وكان أكثر ما يحيرني فيه أنني لم أكن أعرف أين ينتهي الواقع عنده، وأين يبدأ الوهم.

ذات يوم أنهى قهوته بسرعة، ولبس حذاءه القديم، وأشعل سيجارته، ثم خرج بخطوات واثقة.

كان جسده نحيلًا، ورأسه يتقدم إلى الأمام كأنه يعرف تمامًا إلى أين يتجه.

رسم على وجهه علامات النصر؛ أو لعل التجاعيد الكثيرة التي غطته كانت أخاديد حزن قديم يحاول أن يخفيها بابتسامة المنتصر.

كان يمشي وكأنه انتصر للتو على شيطان الفقر.

شاهد صديقه الذي كان يشفق عليه كثيرًا، فناداه:

— إلى أين يا دون؟

لم يجبه، بل تابع سيره.

توقفا أمام محطة وقود.

نظر الدون إلى المحطة وقال بثقة:

— سأشتريها.

نظر صديقه إليه، ثم إلى المحطة، وكأنه لم يفهم شيئًا.

كان ثمنها يقارب ثلاثمئة ألف دولار.

نظر صاحب المحطة إلى الدون من رأسه إلى قدميه: حذاء قديم، وثياب مهترئة، وسيجارة بين أصابعه. ثم نظر إلى الدراجة النارية التي جاءا بها، والتي لا تعمل بالوقود أصلًا، بل تحتاج إلى الدفع كي تتحرك.

نظر إلى صديقه، ثم عاد ببصره إلى الدون.

وقال في نفسه:

«هذا يريد أن يشتري المحطة؟»

ثم قال:

— حسنًا... اتفقنا.

ابتسم الدون.

وفي تلك اللحظة بدا وكأنه استعاد كل شيء دفعة واحدة: العز، والجاه، والمال، والمشاريع التي ضاعت منه.

صافح الرجل، ووعده أن يعود إليه في اليوم التالي لإتمام الصفقة.

خرج الدون من المحطة منتصرًا.

أما صديقه فظل ينظر إليه مصدومًا.

صاح الدون به:

— لم ننتهِ من عملنا بعد!

كان صديقه يعيش حالة من الصدمة، بل شعر أن الدون قد سلبه وعيه.

راح يحدث نفسه:

«أنا المجنون... أم هو؟»

لكن الدون لم يمنحه وقتًا للتفكير، وأجبره على مرافقته إلى المدينة بحجة أن هناك عملًا ضروريًا.

توقفا أمام مبنى ضخم كُتب على واجهته:

شركة أ.س للاستيراد والتصدير.

نظر الصديق إلى المبنى، ثم إلى الدون، وقال متوسلًا:

— أرجوك يا دون... لا تحرجنا أكثر من ذلك.

ابتسم الدون وقال:

— يا أحمق، ستعيش فقيرًا طوال حياتك إذا بقيت تفكر بهذه الطريقة.

دخل الدون إلى الشركة وكأنه صاحبها.

وبعد دقائق كان أمام مديرها يشرح له مشروعه بثقة عجيبة.

انفجر المدير بالضحك عندما سمعه يقول إنه يريد تصدير مادة الزيت عن طريق شركته.

سأله المدير:

— وأنت ماذا تعمل؟

أجابه الدون بكل هدوء:

— أنا صاحب محطة وقود.

نظر المدير إلى صديقه، ثم عاد إلى الدون.

تابع الدون شرح فكرته؛ فهو، بعد أن أصبح صاحب محطة وقود، يحتاج إلى مادة يستطيع من خلالها تحويل الزيت المحروق ومخلفات المواد البترولية إلى مازوت.

كان المدير على موعد مع اجتماع، ولم يكن لديه وقت طويل.

وحين انتهى الدون من كلامه، أخرج المدير دولارًا من جيبه ومدّه إليه:

— خذ، اشترِ لنفسك فنجان قهوة. لدي اجتماع الآن، ونتحدث بهذه الترهات لاحقًا.

أخذ الدون الدولار.

ابتسم.

وشكر المدير بحرارة.

خرج مع صديقه.

قال له صديقه:

— أعطاك دولارًا كي يتخلص منك!

نظر إليه الدون بثقة وقال:

— لا... أعطاني رأس مال أول صفقة.

عمت بشائر الفرح وجه الدون.

عاد إلى منزله بخطوات الواثق، وكأنه عاد من رحلة عمل ناجحة.

جلس على كرسيه وأغمض عينيه.

وبدأت الأشياء تتشكل أمامه:

محطة بترول...

استيراد وتصدير...

نساء...

أضواء حمراء...

مال...

سيارات...

ومشاريع لا تنتهي.

كان يبتسم.

وفي تلك الليلة نام الدون منتصرًا.

---

استيقظ في الصباح.

فتح عينيه ونظر حوله.

لا محطة وقود.

لا شركات.

لا سيارات.

لا أموال.

فقط غرفته القديمة، وحذاؤه البالي، وملابسه المهترئة.

نهض، وأصلح طاقيته فوق رأسه، ثم خرج من المنزل.

اتجه إلى بيت جاره.

طرق الباب.

فتح له الرجل.

قال الدون بكل هدوء:

— صباح الخير... هل لديك ظرف قهوة جاهز؟

أعطاه الجار الظرف، وهو يبتسم.

أخذه الدون وعاد إلى كرسيه.

جلس، ووضع رجلًا فوق رجل، وأشعل سيجارته.

كان كل شيء كما كان بالأمس.

إلا شيئًا واحدًا فقط...

كان الدون هذه المرة يبتسم بثقة أكبر. او ربما يستعد لمغامرة أخرى


أجنة الغيث بقلم الشاعرة والقاصة السورية رنيم خالد رجب

 .وجهة غير معلومة 


أجنة الغيث 

باركتها السماء 

جسر  يجمع 

أحلامي بخلجانها 


تسدد هدفها 

 بحجر عين  

دموعه يائسة 


خرجت عن مسارها

تستحوذ علي 

من جهة أشرق القلب بها 

محاولات ضئيلة 

راودتني عن نفسي 


أنانية تتعمد صلبي 

على أعمدة يعبث 

بفيافيها الحظ 


 أبجدية جائعة 

أعددت لها ولائم 

تستلقي على منضدتي

حقيبتها مملوءة بالفرح 

توزعه بالتساوي 

خلعت همومها

على عتبات الخريف 

تروي عطش أيامي 


 شرفة التأمل 

وصلتها تنهداتي 

 بهاراتها ملونة 

بحثت عنها 

بإختلاف أطيافها 

 قارورة تخيلاتي 


استجمعت قواي العقلية 

التقطت أنفاسي

 وضعتها في 

مراكب محملة

 بسنابل شوق 

زينتها قلائد بإبتسامة 


حناجرها التفت على نفسها  

تلهو على سلم موسيقي 

تتناول ألحانها 

بشراهة عاشقة 

ابتلعت نفسها بنفسها 


بترو تحكم قبضتها 

على النغم ثم تسرح 

في متاهات الماضي 

تستحضر خبزها

في فرن شعور يستوي 


مقعده ثقيل 

أقدامه خفيفة 

ارتدى عنفوانه 

خرج من هويته 

ومازال ينادي بوصلته 


يانجمة قبلها صباح

 هل حملتك إلي

 أغصان رياح،؟!!!


هل واكبت شغف

 فصول غياب؟؟


هل مفترق طرق بيننا 

يغيبه حضور؟؟

 ماعاد يعنيه عتاب ؟؟


 هل ماعادت تستهوي عطفه 

حفنة من ندوب؟!  

أم تأقلم مع عذابه .؟   


بقلم الشاعرة والقاصة السورية رنيم خالد رجب

***حسم الورق*** بقلم المنصوري عبد اللطيف

 ***حسم الورق***

​تغفو الحناجر

تغلق الأبواب

ويموج في معتم الصناديق

زئير خفي للعتاب

​ليست حكايات تطوى

ولا أرقاما تضيع بين الأوراق

بل أمنيات أمة

تستشرف الإشراق

​هنا يتكلم الورق الثقيل

ويحسم في دقيقة

مسار عهد طويل

هي الأمانة في الأكف

 تتوق للعدل

لترسم بالحبر 

ملامح الغد

​فإما يمر أذان الفجر

بالبشرى

وإما تظل الوعود

 معلقة

على حبال الريح

 في المساء

المنصوري عبد اللطيف

24/9/2026

المغرب



في المنفى شعر / المستشار مضر سخيطه - السويد

 __________    في المنفى

شعر  / المستشار  مضر سخيطه  -  السويد 


في منفى الغربة يصدف 

أن تبصر أشياءً تلمع كالأيقوناتْ

أبنيةً

أو أسواقٌاً

أو سيقاناً حسناواتٍ

أو خلفيّاتٍ يعجز عن روعتها النحت 

أو اللوحات      ٠  ٠ 

تعرضها أجسادٌ عاريةٌ

أسرابٌ عابرةٌ لاترأف فيك سخافتها 

تستثمر فيك شهيتها 

تلك الشهوانية توشك أن تقفز من عينيك 

كرمحٍ يفتك شطراً من عمرك 

لكأن شؤون المشهد قاطبةً تتحدّث عمّا لايعنيك 

كأنّك محجوزٌ

معزولٌ عن كل أحاسيسك 

شبه مسيسٍ لفضائيين 

تتعمّد رصدك 

بالمجمل تعمل أو تتحرك ضدك 

حيواناتٌ تتشظّى فيك 

في المنفى يصدف أن تجلس فوق المقعد وحدك 

زهقاناً بالساعات

تتوخى من أنفاسك أن تشهد أياماً مكتوبٌ فيها 

ميلادٌ تمّ إضافته 

من ناتج موتٍ قيد الترقين بعيد تجاوز تلك الإجراءات 

طبقاتٌ ومقامات صياحٍ صداحٍ تقرأ طالع برجك 

وتكلم روحُك عزلَتَك المشمولة بالنسيان 

وكحرباءٍ تتكلم 

عن قهرٍ أقدم من نفسك 

أو كبتٍ أطول من عمرٍ الهذيان 

في الشارع 

أو في بيتٍ يشغله غيرك 

أشخاصٌ ولفيفٌ من سكّانٌ 

في منفاك الضيّق جداً 

تحدوك الرغبةُ أن تتنزه في الطلق لتكسر حالة صمتك 

ذاك المتجهم كالحاكورة في الطقس الشتويِّ البارد 

بعضاً من أشجار الغابة عارٍ يطحر كالثور 

حشوٌّ مخدوعٌ  من حزمة أغصانٍ زعران 

بسياطٍ يكتسح الرجلة 

والزعتر 

لنباتات تبدو 

أجمل من قامات السرو الممتد إلى حيث النهر 

أبحث عن معنى يترنح داخل صندوقي 

يتكسّر موشور الألوان فأفتح أكبر زاويةٍ من جفني 

نتهافت كالأملاح على الصخرات الرطبة 

أو كأصابع من قشٍ يابس 

يارب نصوصٍ

أو كلماتٍ تقدح كالبرق 

ليقذفها حلقي 

كنعاماتٍ تكرج هرولةً عكس التيّار وخلف الغيم كسربٍ مذعور 

لتقابل عينايَ المجهدتان خشونةَ صوتي 

أو أنفاق سرابي 

ورعونة إيماءاتي الباهتة التعبير 

بأحاديثٍ لاتزهد منّي 

وحكاياتٍ

يرويها اللامنظور

إلى اللامحدود من الغامض منّي 

وأنا أتقرقف في الغرفة

أتذكّر جلسة بوذيٍ مخروطيّ السحنة 

مسحوقٍ

محروقٍ

سحتوت ْ

من بطن الرمل الى اللاهوت

ببدائيته وتخلّفهِ الميتافيزيِّ سيدخل في المعنى الحرفيِّ للناسوت


_______

شعر   / المستشار مضر سخيطه  -  السويد


هذه الجزائر..التي نحبها) حين غاب الأقارب..حضرت الجزائر كلها..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 هذه الجزائر..التي نحبها)

حين غاب الأقارب..حضرت الجزائر كلها..!


تصدير

-أجمل الأعراس ليست تلك التي تكثر فيها الزغاريد،وإنما تلك التي ينتصر فيها الإنسان للإنسان.


في مروانة الجزائرية،لم يكن صالح ينتظر أكثر من ليلة تشبه ليالي العمر..ليلة يحيط به فيها الأهل والأصدقاء،وتعلو فيها الزغاريد،وتكتمل فرحته بزواجه.

لكنه وجد نفسه،في واحدة من أكثر ليالي حياته انتظارا،شبه وحيد في قاعة أعدت لاستقبال المدعوين.طاولات عامرة بما يلزم للفرح،وقاعة تنتظر أهلها،وعريس فقد والديه في السنوات الأخيرة،وكان أحوج ما يكون إلى وجوه يعرفها وقلوب تسنده.غير أن معظم من كان ينتظر حضورهم غابوا،فتحولت ليلة العمر إلى لحظة موجعة من العزلة والانكسار.!

كان يمكن للقصة أن تنتهي عند حدود الخذلان، وأن يعود صالح إلى بيته حاملا في قلبه جرحا لا تراه العيون.

لكن شيئا جميلا حدث..

انتشرت صور العريس،وانتقلت حكايته من مروانة إلى أماكن أخرى،وكأن وجعه طرق أبوابا كثيرة في وقت واحد.تحرك أهل المدينة،ثم أبناء الولاية، وشارك آخرون من مناطق مختلفة،ليقولوا لهذا الرجل إن غياب بعض الأقارب لا يعني أن الدنيا خالية من أهل الوفاء.

وهكذا أعيد ترتيب الفرح.

لم تعد المناسبة عرسا لصالح وحده،بل تحولت إلى عرس جماعي،شارك فيه الناس بالسيارات والهدايا والمساعدات،وحضر مواطنون من مناطق مختلفة ليصنعوا له ليلة أخرى،أكثر دفئا واتساعا من الأولى.

ما أعمق المفارقة !

في الليلة الأولى،كان صالح يبحث عن أهله بين المقاعد الفارغة..

وفي الليلة الثانية،وجد أهلا لم تجمعه بهم صلة دم،وإنما جمعته بهم صلة إنسانية أرفع: الشهامة والرحمة ونبل الموقف.

ليست القرابة دائما في الدم،كما أن الغربة ليست دائما في البعد.قد يجلس قريب إلى جوارك ولا يشعر بانكسارك،وقد يأتيك غريب من مدينة بعيدة،لا يعرف اسم أمك ولا حكاية طفولتك،لكنه يشعر بأن عليك أن لا تبقى وحيدا في لحظة تحتاج فيها إلى كتف وقلب ويد.

وهنا تكمن عظمة الحكاية.

صالح لم يحصل فقط على زفاف ثان،بل استعاد شيئا من إيمانه بالناس.وربما اكتشف،وسط وجوه لم يعرفها من قبل،أن الحياة قاسية أحيانا في توزيع الأقارب،لكنها عادلة أحيانا في إرسال الغرباء.!

خذلته بعض الوجوه التي كان ينتظرها،فاستدارت إليه وجوه لا يعرفها..وكأن مروانة قالت له،في أبلغ لغة: قد يغيب الأهل،لكن أهل الشهامة لا يغيبون.

وفي زمن كثرت فيه صور الجفاء،جاءت هذه الحكاية لتذكرنا بأن أجمل الأعراس ليست تلك التي تكثر فيها الزغاريد،وإنما تلك التي ينتصر فيها الإنسان للإنسان.

وفي النهاية،لم يكن أجمل ما في حكاية صالح ذلك العرس الذي أعيدت إليه الحياة،بل تلك الرسالة الإنسانية التي خرجت من بين المقاعد الفارغة: أن الدم قد يجمعنا،لكن المواقف هي التي تثبت من ينتمي إلينا حقا.

لقد خذله بعض من كان ينتظرهم،لكن الله عوّضه بقلوب لم يعرفها،جاءت لتقول له إن الإنسان لا يُترك وحيدا ما دام في الدنيا بقية من شهامة. وربما كانت تلك الليلة،بكل وجعها وفرحها،درسا لا ينسى: أحيانا يغلق الأقارب أبوابهم،فيفتح الغرباء أبوابا أوسع..ويصنعون من الخذلان،فرحا لا يموت..


متابعة محمد المحسن



فوق المنابج الشاعرة منى إلبروس

 عاشقة. الخيل

فوق المنابج


كثر العتاب حبيبتي فتعلمي 

أن  الفؤاد   جميله   نبضات 


إن الهوى عتبى إذا جن النهى

وتعلقي  بهواك   منه  عضات 


ياليتني   مثل  الحمامة حائم

فوق   المنابج  والحياة ممات 


فعواذلي  مثل الذباب  طنينها

وأنا   وأنتي    جوهر   وحياة


أفتسمعين     لقولهم     فهراء

عمي   وبكم   دونك     وطغاة 


إنجيلك     وكتابك     وصلاتك

وحي    غدى    لنبيك     ولغاة


أو ؟ آخر الملكات انت مدينتي

وحبيبك   بين   الركام   فتات


يا   فخر أهلي حسبك قلبي به

حر  الجوى من هجرك جمرات 


لا تنبسي تحت الثرى عن خالة

في وجه شمس قد غفت لحظات


يا  فخر أهلي  إنني  في  حبك

مثل   المعري   دربه     عثرات


لا تغفري   ذنبي فذنبي  مترف

ويبيت  شعري  بالفناء  حصاة


عانقت كل الأمنيات وحيده

وشربت كاسات المنى رشفات


فشدى على أعتابك يا منبجي 

أنت المصلى للدعاء هبات 


ياعز اهلي والسيوف قواطع 

والخيل تجري في حماك قطاة


وأنا هنا في غربتي أشدو لك 

كل القوافي في هواك دعاة 


إن الزمان جميله بجمالك 

ونهاره بوصالك نسمات 


مني إليك تحية وسلام 

ولمحفل الشعراء منك حياة


الشاعرة المنبجيه 

منى إلبروس



مطر ... بقلم الكاتبة. أوهام جياد الخزرجي

 مطر


.... أوهام جياد الخزرجي


غافيةٌ لؤلوتي، بينَ لُججِ البحرِ، 

 سحابةُ مطرٍ رسمتْ سحرَها ،

 رياحٌ تجدفني ، ونوارسٌ آتتْ أكلَها ، وسردُ الحزنِ صراخٌ  في ضوضاءِ أشرعتي،و أزيزٌ بحلمها  يؤرقني، ويتعالى صراخَ بينَ الموجِ،كتبتها  أنيناً ومطراً، 

 بعيونٍ ناعساتٍ،

 فللعشقِ أريجُ الوردِ، شهقةٌ وملاذٌ،

 يخبئني الموجُ نداءَ رعدٍ،

و بينَ الفيافي صراخٌ ومطرٌ، 

واهمةٌ دروبي، ولنبضِكِ آهةٌ يعزفها وترٌ، 

تصلٍِّي الروحُ بقِبلتِكِ وأدُها يناديكِ، 

أيَّانَ روحُكِ المشرعةُ باتتْ حلماً وكدر.

24/9/2016



الليل : حين يتحول الزمن إلى معنى !! بقلم الكاتب علي سيف الرعيني

 الليل : حين يتحول الزمن إلى معنى !!

علي سيف الرعيني 


ليس الليل في الأدب العربي مجرد زمن يعقب النهار ولا خلفية محايدة للأحداث إنه في كثير من النصوص فضاء للوعي والكشف والقلق تتبدل داخله علاقة الإنسان بذاته والعالم ولذلك ظل حضوره ممتدا من القصيدة الجاهلية إلى الرواية العربية الحديثة متخذا في كل مرحلة دلالات تتجاوز العتمة إلى ما وراءها

في الشعر العربي القديم  ارتبط الليل بالسفر والاغتراب والانتظار والحنين لكنه لم يكن دائمًا موضوعًا قائمًا بذاته بل كان إطارًا تتكثف فيه تجربة الشاعر ومع تطور القصيدة تحول الليل تدريجيا من مشهد طبيعي إلى رمز نفسي للوحشة حينا وللعشق حينا وللتأمل أوالقلق حينا آخر

وهنا تكمن أهميته الجمالية الليل الموضوعي يتحول إلى ليل نفسي فالزمن واحد لكن معناه يتغير بحسب من يعيشه ساعة الانتظار قد تصبح دهرا  والليل القصير قد يحمل من الذكريات ما يفوق سنوات النهار

وفي الرواية يكتسب الليل وظيفة إضافية فهو زمن تتراجع فيه الأقنعة الاجتماعية وتظهر هشاشة الشخصيات وأسرارها الليل يمنح السرد مساحة للتأمل والمواجهة الداخلية ويتيح للكاتب أن يحول المكان المألوف إلى فضاء مغاير فالمدينة ليلا ليست المدينة نفسها نهارا  والغرفة الصامتة قد تصبح مسرحا لصراع داخلي كامل 

أما في القصة القصيرة فيعمل الليل بكفاءة أكبر بسبب طبيعة هذا الفن القائم على التكثيف نافذة مضاءة شارع خالٍ، هاتف صامت أوشخص ينتظر تفاصيل صغيرة يمكن أن تختصر حياة كاملة لذلك لا تقاس قيمة الليل في القصة بجمال وصفه بل بقدرته على اختزال التجربة

وفي التجربة الصوفية تتغير المعادلة أكثر فالليل الذي يبدو في الظاهر رمزا للعتمة قد يصبح زمنا للكشف والنور الداخلي العزلة هنا ليست انقطاعا عن العالم بقدر ما هي عودة إلى الذات  ولذلك يصبح الليل انتقالا من ضجيج الخارج إلى صمت الروح 

ومع الأدب العربي الحديث خصوصا في نصوص الحرب والمنفى والاحتلال اكتسب الليل دلالات أكثر قسوة لم يعد زمنا للسكينة بل صار زمنا للخوف وانتظار المجهول ومراقبة السماء وغياب الأحبة وهنا يتحول الليل من عنصر جمالي إلى شهادة شعورية على واقع مضطرب 

لكن من الخطأ اختزال الليل في الحزن كما من الخطأ جعل النهار مرادفا للنور والخلاص  فالرمز الأدبي لا يمتلك معنى ثابتا سياق النص هو الذي يمنحه دلالته قد يكون الليل خوفا وقد يكون حرية وقد يكون حبًا أو تأملا أو خلاصًا من ضجيج العالم 

ومن هنا تأتي جدلية الليل والنهار فالنهار يمثل غالبا ما هو ظاهر ومعلن  بينما يتيح الليل ظهور المخفي والمسكوت عنه  غير أن الأدب يستطيع قلب هذه الثنائية قد يكون النهار أكثر عتمة حين يسود الظلم وقد يكون الليل أكثر إشراقا حين يجد الإنسان فيه حقيقة عجز عن رؤيتها وسط الضوء

ولعل الفجر بوصفه الوجه الآخر لليل  يستحق قراءة مماثلة فليس من الضروري أن يكون نهاية سعيدة قد يكون وعدا  أواحتمالا أومجرد رغبة بشرية في تجاوز العتمة وهذا ما يجعل العلاقة بين الليل والفجر أكثر عمقا من مجرد ثنائية الظلام والنور 

إن نجاح الكاتب في توظيف الليل لا يتوقف على كثرة أوصاف القمر والنجوم والظلال وإنما على جعله ضرورة فنية فإذا أمكن حذف الليل من النص دون أن يتغير جوهره  كان حضوره غالبا زخرفيا أما حين يصبح الليل جزءا من بناء الشخصية أوالحدث أو الرؤية فإنه يتحول إلى عنصر من عناصر المعنى 

لهذا ظل الليل حيا في الأدب العربي لأنه يشبه الإنسان في لحظته الأكثر انفرادا بنفسه  حين يهدأ العالم تبدأ أشياء أخرى بالكلام الذاكرة والخوف  والحب والغياب والأسئلة التي يؤجلها النهار

فالليل في الأدب ليس ما يحدث حين تغيب الشمس بل ما يظهر حين يقل الضوء!!



الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

الوجه الآخر للديمقراطية بين بريق الوعد وظلال الممارسة بقلم الكاتب بلعربي خالد

 الوجه الآخر للديمقراطية

بين بريق الوعد وظلال الممارسة 


مقدمة :

الديمقراطية إغراء الروح أم مرآة الإنسان المكسورة؟


ليست الديمقراطية مجرد نظام لتوزيع السلطة، ولا صندوقاً يوضع فيه الورق ثم تُعلن النتيجة. قبل أن تكون مؤسسة سياسية، هي حلم يسكن أعماق الإنسان: حلم أن يكون صوته مسموعاً، وأن لا يعيش ككائن زائد في وطنه، وأن يشعر بأن مصيره ليس قراراً يصنعه آخرون خلف الأبواب المغلقة.


ولهذا كان سحر الديمقراطية أكبر من حدودها القانونية؛ فهي لم تدخل التاريخ كإجراء إداري، بل كقصة خلاص. لقد حملت وعداً يشبه الوعود الدينية القديمة: نهاية الظلم، عودة الكرامة، واستعادة الإنسان لمكانته في عالم يشعر فيه دائماً بأنه مسلوب الإرادة.


لكن كل حلم عظيم يحمل في داخله بذرة أزمته. فحين تتحول الفكرة النبيلة إلى مؤسسة، تبدأ مواجهة صعبة بين صفاء المبدأ وتعقيد الواقع. وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الديمقراطية التي جاءت لتحرير الإنسان قد تصبح أحياناً أسيراً لشروط الإنسان نفسه؛ لرغباته، ومخاوفه، وأنانيته، وقابليته للخداع.


الديمقراطية كحاجة نفسية قبل أن تكون نظاماً سياسياً


ربما لم تُدرس الديمقراطية بما يكفي بوصفها ظاهرة نفسية. فالإنسان لا يطلب الديمقراطية فقط لأنه يريد المشاركة في الحكم، بل لأنه يريد الاعتراف بوجوده. أعمق جرح سياسي ليس فقدان السلطة، بل الشعور بأن الإنسان غير مرئي، وأن صوته لا قيمة له.


من هنا تصبح الديمقراطية نوعاً من البحث الجماعي عن الاعتراف. الناخب لا يذهب دائماً إلى الصندوق باعتباره كائناً عقلانياً يحسب المصالح بدقة؛ بل يذهب أيضاً حاملاً جراحه، وغضبه، وأحلامه، وذكرياته. لذلك فإن السياسة ليست دائماً ساحة للأفكار، بل هي أيضاً مسرح للرغبات الخفية.


وقد يكون الخطر الحقيقي أن الديمقراطية تفترض إنساناً مثالياً: مواطناً مطلعاً، هادئاً، قادراً على التمييز بين الحقيقة والوهم. لكن الإنسان الواقعي أكثر تعقيداً؛ فهو قد يبحث أحياناً عن من يطمئنه لا من يقول له الحقيقة، وعن من يمنحه الشعور بالقوة لا من يقدم له برنامجاً واقعياً.


الوهم الديمقراطي: حين يصبح الاختيار شكلاً بلا تأثير


المشكلة ليست دائماً في غياب الانتخابات، بل في إمكانية وجود اختيار بلا قدرة حقيقية على تغيير المسار. فقد يملك الإنسان حق التصويت لكنه لا يملك القدرة على التأثير في القوى التي تصنع الاقتصاد، والإعلام، وتدفق المعلومات.


وهنا تظهر فجوة عميقة بين "حرية الاختيار" و"حرية صناعة الخيارات". فقد يختار الإنسان بين بدائل جاهزة لم يشارك في تشكيلها. إنه يشبه شخصاً يدخل متجراً فاخراً ويُقال له: اختر ما تشاء، لكنه لا يستطيع تغيير ما عُرض أمامه.


هذه إحدى النقاط التي لم تحظ دائماً بما يكفي من التأمل: الديمقراطية لا تعاني فقط من مشكلة توزيع السلطة، بل من مشكلة إنتاج الرغبات نفسها. فمن يحدد ما يريده الناس؟ ومن يصنع أولوياتهم؟ ومن يملك القدرة على توجيه انتباههم؟


الشعبوية: الوجه الآخر للإغراء الديمقراطي


عندما تفشل الديمقراطية في تحقيق وعودها الاجتماعية، لا يختفي الإغراء السياسي، بل يتغير شكله. يظهر السياسي الذي لا يبيع مشروعاً بقدر ما يبيع إحساساً. يقدم للناس صورة عن ماضٍ مثالي أو مستقبل سريع، ويحوّل التعقيدات إلى إجابات بسيطة.


لكن الشعبوية ليست مجرد خطأ سياسي؛ إنها أعراض مرض أعمق: انفصال الإنسان عن المؤسسات التي يفترض أنها تمثله. فعندما يشعر المواطن بأن اللغة الرسمية لا تعبر عنه، يبحث عن صوت آخر يمنحه الاعتراف، حتى لو كان ذلك الصوت قائماً على الغضب أكثر من الحلول.


الديمقراطية ومشكلتها الخفية: الإنسان قبل المؤسسة


ركز كثير من الباحثين على بناء المؤسسات الديمقراطية، لكن السؤال الأعمق ربما هو: هل يمكن بناء نظام ديمقراطي دون بناء الإنسان الديمقراطي؟


فالديمقراطية ليست فقط دستوراً وقوانين، بل أخلاق يومية: القدرة على قبول الاختلاف، واحترام الآخر، والتخلي عن وهم امتلاك الحقيقة المطلقة. وقد يكون أكبر تهديد للديمقراطية ليس المستبد فقط، بل المواطن الذي يريد الحرية لنفسه ويرفضها لخصمه.


إن المجتمع الذي لا يتعلم ثقافة الحوار قد يستخدم أدوات الديمقراطية لهدم روحها. فالحرية بلا مسؤولية قد تتحول إلى فوضى، والأغلبية بلا ضوابط قد تتحول إلى ضغط على المختلفين.


نحو تصور آخر: الديمقراطية كرحلة لا كمنتج نهائي


ربما كان الخطأ الأكبر هو النظر إلى الديمقراطية كآلة جاهزة يمكن نقلها من مكان إلى آخر. فالديمقراطية ليست سلعة سياسية تُستورد، بل تجربة تاريخية تنمو داخل المجتمع.


وقد يكون الحل في الانتقال من سؤال: "كيف نبني نظاماً ديمقراطياً؟" إلى سؤال أعمق: "كيف نبني إنساناً قادراً على ممارسة الحرية؟"


فالمجتمعات لا تحتاج فقط إلى مؤسسات تمنع الاستبداد، بل تحتاج إلى ثقافة تمنع عودته. تحتاج إلى تعليم يجعل التفكير النقدي عادة، وإعلام لا يحول المواطن إلى متلقٍ سلبي، واقتصاد يمنح الإنسان الحد الأدنى من الاستقلال الذي يسمح له بالمشاركة الفعلية.


خاتمة

الديمقراطية كمرآة للإنسان


الديمقراطية ليست جنة سياسية مفقودة، وليست خدعة كاملة. إنها مرآة تكشف الإنسان كما هو: بحثه عن الحرية، وضعفه أمام الوهم، حاجته إلى الاعتراف، وخوفه من المسؤولية.


ولهذا فإن أزمة الديمقراطية ليست فقط أزمة نظام، بل أزمة علاقة الإنسان بالسلطة وبذاته. فكل مجتمع يحصل على الديمقراطية التي يستطيع حملها، وكل مؤسسة تعكس مستوى الوعي الذي نشأت داخله.


وربما يكون السؤال الأكثر عمقاً ليس: "هل الديمقراطية تحقق وعدها؟" بل: "هل الإنسان مستعد لتحمل ثمن الحرية التي يطلبها؟"


فالديمقراطية ليست نهاية الطريق؛ إنها الطريق نفسه، بكل ما فيه من تناقضات وصراعات وأسئلة مفتوحة.


هذه صياغة تتجه نحو الفلسفة السياسية الوجودية أكثر من المقال الأكاديمي التقليدي، وتحاول فتح زوايا مثل: الديمقراطية كحاجة نفسية، صناعة الرغبات، وهم الاختيار، وأزمة الإنسان لا أزمة النظام فقط.


الكاتب بلعربي خالد