الجمعة، 25 سبتمبر 2026

أَتَدْرِي بِالحَقِيقَةِ دُونَ زَيْفٍ بقلم الشاعر كمال الدين حسين القاضي

 أَتَدْرِي بِالحَقِيقَةِ دُونَ زَيْفٍ

بِمَا فَعَلَ المُدَانُ مِنَ الذُّنُوبِ  


وَقَدْ غَفَلَ الكِتَابَ وَعَيْنَ نُصْحٍ  

كَأَنَّ النُّصْحَ مِنْ شَرِّ العُيُوبِ  


وَأَنْهَى العُمْرَ فِي ظُلْمٍ عَتِيدٍ  

غَدًا يَلْقَى مَكَانًا بِالرُّسُوبِ 

 

وَمَحْكَمَةُ العَدَالَةِ دُونَ رَدٍّ  

وَلَا دَفْعٌ يَجُوزُ مِنَ الجُيُوبِ  


وَقَدْ حَلَّ الحِسَابُ بِلَا نِقَاشٍ  

وَجَاءَ الفَصْلُ مِنْ بَعْدِ الغُرُوبِ  


وَيَأْتِي كُلُّ مَظْلُومٍ مُهَانٍ  

وَلَيْسَ هُنَاكَ مِنْ فُرَصِ الهُرُوبِ  


وَلَا أَهْلُ الدِّفَاعِ بِلَا ضَمِيرٍ  

بِمَا مَلَكُوا عَلَى مَرِّ الدُّرُوبِ 

 

فَيَوْمُ الحَسْمِ تَرْقُبُ كُلَّ عَيْبٍ  

فَلَا كَذِبٌ يَمُرُّ مِنَ الكَذُوبِ  


وَلَا أَحَدٌ يُجَادِلُ فِي فِعَالٍ  

وَهَذَا اليَوْمُ مِنْ أَشْقَى الخُطُوبِ

  

أَمَامَ النَّاسِ مِنْ شَرْقٍ وَغَرْبٍ  

وَمَاتَ المَكْرُ مِنْ جِنْسِ اللُّعُوبِ  


وَلَمْ يَبْقَ العَزِيزُ هُنَا عَزِيزًا  

جَمِيعُ الخَلْقِ مَا بَيْنَ الكُرُوبِ  


سِوَى أَهْلِ النَّجَاةِ بِعَيْنِ فَوْزٍ  

وَجُنْدِ اللهِ فِي كُلِّ الحُرُوبِ


بقلم كمال الدين حسين القاضي


حين تحبّ المرأة بقلم د. قاسم عبدالعزيز الدوسري

 حين تحبّ المرأة

تُصبح يداها

مرفأً لقلبٍ أتعبته الحياة،

وتصير عيناها

نافذتين يطلّ منهما الأمان.

تحبّك

لا لأنها تحتاج إليك،

بل لأنها رأت فيك

شيئًا يشبه حلمًا قديمًا

كانت تخبّئه في قلبها.

تخاف عليك

من نسمةٍ باردة،

ومن حزنٍ عابر،

ومن تلك اللحظات

التي لا تقول فيها شيئًا

لكن عينيك تفضحان التعب.

وإذا أحبّتك امرأة

فلا تبحث عن مقدار حبّها

في الكلمات،

انظر إلى التفاصيل الصغيرة...

إلى سؤالها عنك

حين تغيب،

إلى ارتباك صوتها

حين تشعر أنك متعب،

إلى فرحتها

حين تراك بخير.

هي لا تقول:

ماذا سأربح منك؟

بل تقول في سرّ قلبها:

كيف أجعل أيامك

أكثر دفئًا؟

وحين تضع رأسك

على كتفها

تنسى العالم كله،

وتشعر أن الحياة

للمرة الأولى

لم تعد مكانًا موحشًا.

في قلبها

غرفة لا يدخلها أحد،

لكنها حين تحبك

تفتح لك الباب،

وتضع بين يديك

مفتاحها الأخير.

وحينها فقط

تعرف أن بعض النساء

لا يأتين إلى حياتنا

ليكنَّ حبيبات...

بل ليصبحن

الجهة التي نعود إليها

كلما أرهقنا الطريق.

قاسم عبدالعزيز الدوسري



عنبر الليل بقلم الكاتبة ألفة كشك بوحديدة

 عنبر الليل

أنت تجمع الشموع 

بالعتمة 

تجعل الشوق يفوح 

وسط الحرمان 

أنت من تقرب قلوبنا 

بعد الغياب 

أرسم طيف حبيبي 

على أوراقك 

بأنفاسي 

أنت الوسيط في 

كل الأحوال 

لا تطفىء شموعك 

دع أنوارك ترافق 

أجمل لحظاتنا 

و تتقاسم أحاسيسنا 


ألفة كشك بوحديدة


ذكرى العشق المؤجل . بقلم الكاتبة... أوهام جياد الخزرجي

 ذكرى العشق المؤجل


.... أوهام جياد الخزرجي


تقتربُ الأرضُ فلا تغترب،فالقمرُ تركَ ظلَّهُ، والحروفُ مترنحةٌ 

تدورُ ثملةً مِنْ دارٍ لدارٍ، ودوارُ البحرِ هو الجنونُ عندَ الشاطئِ، واللحظةُ موجعةٌ كالموتِ، في لقاءٍ آثمٍ، والبحرُ طرقَ ابوابَهُ، 

أيُّها البحرُ  صلَِ لجثتي، فالروحُ باقيةٌ تأبى العذابَ، فقفْ عندَ قلبي وأسألَ الشجنَ، على  وجهٍ أتعبَهُ المسيرُ  بثيابٍ متهرِّئةٍ، في ضياعٍ كالمدى، أو كفضاءٍ يطبقُ أنفاسَهُ، على روحٍ شريدةٍ تأبى الرجوعَ، فذكرى العشقِ المؤجَّلِ باتَ صريعاً، ونوارسي تتصارخُ لهطولِ المطرِ، أينَ أنا، 

فأنا في القلبِ أغنيةٌ، أنا في البحرِ ضياع .

25\9\2015



عندما يغزوك ألم ...الطفولة. امضاء. ادريس الجميلي .

 عندما يغزوك ألم ...الطفولة.

شدت ذاكرتي طبيعة غناء تفوح رائحة أزهارها عبيرا يتبخر صوب هتاف السراب .لا شيء ينمي جسدي كي أعقل الطائر البني الذي كان يحوم على مشارف الجبل .إن رحلتي لم أدركها لأنني ما رتبت أحداث طفولة عمياء..كنت أزعم صفة الواحد الجبار ...عفوا يا إلاهي و مغفرة ها أني أردم كل الكلمات فأصحو في كل صباح على سواد الليل .كنت متيما بشدي للعكاز الرمادي حين أذهب لفك الحبل عن عنق بقرتي الحمراء و الابتسامة تجتاح ملامح وجهي دون التنكر في شكل إنسان مرهف المشاعر و قد كسته مساحيق الزينة على تضاريس الجفنين أو بين الحاجبين .هكذا ناديت سيدة الأحلام و قد رسمت ثنايا الأزقة الضيقة .رجعت على نفسي أثرب جاهدا عساني أغنم ببعض الأخبار المخفية وراء قبة الولي الصالح....أمي رحمها الله لم تكن تعلم علوم الحياة و لكنها كانت صادقة لانها تعلم أنها لم تعلم شيئا.

كم مرة أفيق من غفوتي فأنهار باكيا لهول ما أرى. كان كل شيء لا يساوي شيئا بل كنت أرقص رقصات الحائر المحتار .الولاء أم الجود ؟

مرض غثيان جنون ....و رغم ذلك أعلن مرة أخرى قوله تعالى....و قضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه و بالوالدين إحسانا..

الإمضاء. ادريس الجميلي .



لا تختبر مكانتك بقلم سامية برهومي

 لا تختبر مكانتك 

ربما كان الأولى أن تحافظوا على قلوب احتفظت لكم منها بمكان ..

 اللّامبالاة، الردود المتأخرة عمدا والباردة والتي تصل بعد فوات الأوان ،بعدما يتشرب الإحساس بسلبية الصد والهجر وتحفر ساعات منه خندقا بيننا ..

 تعاملات قد لا تليق مقابلتها بشخص يقظ الإحساس، صادق التعامل وواضح في النهاية .

لا تستهينوا بمشاعر هؤلاء لأنهم إذا قرروا الرحيل فستعيى دون إرجاعهم الحيل .

 خيط الود الذي حاكت منه السِّنون ثوبا من جمال قد تنقض غزله ذات اليدين .

 الصداقة زهرة بين شمس وظلال والكرامة صرح من كمال قد ينحني بتواضع مرة التماسا للعذر قصد حفظ الود لكنه أكرم على الله و النفس من أن يبتذل ..

 فاعلم مع من تتعامل

               سامية برهومي



ليل الحروف بقلم: أنغام الهادي

 ليل الحروف

في ليلِ الحروفِ أسيرُ وحدي 

أحملُ قلبي على راحتي قصيدةً 

وألقي بالصمتِ وراءَ ظهري 

فإنَّ للصمتِ إذا استطالَ اختناقا


أكتبُ 

لأنَّ الحبرَ يقرؤني 

ولأنَّ الورقَ لا يضجرُ مني 

ولأنَّ للوجعِ لغةً 

لا يفكُّ طلاسمَها إلا الشعرُ


أكتبُ 

عن أشياءٍ سقطتْ في الطريقِ 

وعن ضحكةٍ يسكنُها دمعٌ 

وعن غيابٍ يشبهُ الحضورَ 

وعن حضورٍ يشبهُ الغيابَ


أكتبُ 

حتى لا أموتَ في صدري 

وحتى لا يلتهمني السكوتُ 

فأنا امرأةٌ 

إذا لم تقُلْ شعراً انكسرتْ 

وإذا انكسرتْ كتبتْ 

حتى تجبَّرتْ


بقلم: أنغام الهادي



الخميس، 24 سبتمبر 2026

قداس الهطول بقلم سعيدة شباح

 قداس الهطول

أيها الورد الذي أضناه الذبول 

شاحبا صرت على مر الفصول

مثل قلب شاخ من قبل الأوان 

لم يعد للملذات يميل

أيها الورد الذي كنت أسقيه بدمعي

فإذا جفت دموعي و شكا القلب العليل 

ذبل الحلم و صار في لون الرماد

و بكى الورد من ظلم و هول

أيها الورد تمهل و أنتظر 

 غيبة الشمس و قداس الهطول 

إنتظر صحوة الروح تعود للحياة 

سنديانا و لوزا و نخيل 

إنتظر قطرة ماء كنور تجعل

مرفأ الروح لطيفا و ظليل

إنتظر رفة الفجر و نورا ساطعا 

لا دوام لظلام و سواد  كل ليل 


سعيدة شباح


مُفَارَقَاتٌ فَلْسَفِيَّةٌ بقلم أيمن أصلتُرك

 بقلم Ayman Asıltürk

مُفَارَقَاتٌ فَلْسَفِيَّةٌ

البَحْرُ لَا يُطِيعُنِي

بَحَثْتُ عَنِ الحُبِّ،

فَلَمْ أَجِدْ إِلَّا فَرَاغًا.

وَبَحَثْتُ عَنِ العِشْقِ،

فَلَمْ أَجِدْ إِلَّا وَجْهِي

حِينَ يَنْهَارُ دَاخِلِي.

ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى البَحْرِ،

كَأَنَّنِي ذَاهِبٌ

إِلَى مَحْكَمَةٍ

لَا تَعْرِفُ الرَّحْمَةَ.

وَقُلْتُ لَهُ:

يَا بَحْرُ،

عَلِّمْنِي الحُبَّ.

فَضَحِكَ المَوْجُ،

وَكَأَنَّ سُؤَالِي

كَانَ قَدِيمًا

إِلَى حَدِّ النِّسْيَانِ.

ثُمَّ قَالَ:

أَنَا لَا أُعَلِّمُ الحُبَّ،

أَنَا أَكْشِفُ

مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يُحِبُّ.

تَرَاجَعْتُ خُطْوَةً،

وَلَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ:

أَأَقِفُ عَلَى الشَّاطِئِ،

أَمْ أَنِّي دَاخِلُ فِكْرَةٍ

تُسَمَّى الشَّاطِئَ؟

كُنْتُ أَظُنُّ

أَنَّنِي إِنْسَانٌ،

فَقَالَ البَحْرُ:

الإِنْسَانُ مَوْجَةٌ

نَسِيَتْ أَصْلَهَا،

فَادَّعَتْ أَنَّهَا يَابِسَةٌ.

صَمَتُّ.

فَقَالَ:

أَنْتَ لَسْتَ عَاشِقًا،

أَنْتَ ارْتِبَاكٌ

يَبْحَثُ عَنْ اسْمٍ

يَحْتَمِلُهُ.

غَضِبْتُ،

فَأَلْقَى عَلَيَّ صَمْتَهُ.

وَعِنْدَهَا فَهِمْتُ:

إِنَّهُ لَا يُجِيبُ،

بَلْ يُغَيِّرُ شَكْلَ السُّؤَالِ.

نَظَرْتُ إِلَيْهِ طَوِيلًا،

فَشَعَرْتُ أَنَّهُ يَنْظُرُ بِي

لَا إِلَيَّ؛

كَأَنَّنِي أَنَا

مَا يَخْفِي،

وَهُوَ مَا يَكْشِفُ.

فَقُلْتُ:

أَيْنَ الإِنْسَانُ إِذَنْ؟

فَارْتَفَعَتْ مَوْجَةٌ،

وَقَالَ:

**الإِنْسَانُ فِكْرَةٌ خَائِفَةٌ

تَتَظَاهَرُ بِالثَّبَاتِ.

أَمَّا أَنَا،

فَلَا أَعْرِفُ الثَّبَاتَ.**

نَظَرْتُ إِلَى المَوْجِ،

فَرَأَيْتُ الحَقِيقَةَ

تَتَحَرَّكُ مَعَهُ.

وَأَدْرَكْتُ أَنَّنِي

لَا أَخَافُ البَحْرَ

لِأَنَّهُ عَمِيقٌ،

بَلْ لِأَنَّهُ

لَا يَعْكِسُنِي…

إِنَّهُ يَكْشِفُنِي.

وَكُلَّمَا اقْتَرَبْتُ مِنْهُ،

ابْتَعَدْتُ عَنْ نَفْسِي.

حَتَّى لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ:

أَأَنَا الَّذِي أَكْتُبُ،

أَمْ أَنَّ البَحْرَ هُوَ الَّذِي يَكْتُبُنِي،

وَيَتْرُكُ لِي وَهْمَ اليَدِ؟

فَقُلْتُ لَهُ:

إِذَنْ، مَنْ أَنَا؟

فَسَكَنَ المَوْجُ قَلِيلًا،

ثُمَّ قَالَ:

أَنْتَ مَنْ يَبْقَى

حِينَ تَسْقُطُ عَنْهُ

كُلُّ الأَسْمَاءِ.

وَسَكَتَ.

وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ

لَمْ أَطْلُبْ مِنْهُ جَوَابًا.

لِأَنِّي فَهِمْتُ

أَنَّ البَحْرَ لَا يُطِيعُنِي،

وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يُطِيعَنِي.

إِنَّهُ لَا يُعَلِّمُنِي

كَيْفَ أُحِبُّهُ،

بَلْ كَيْفَ أَرَى

مَا أَهْرُبُ مِنْهُ فِي نَفْسِي. 


الخَاتِمَةُ

لَيْسَ البَحْرُ مِرْآةً،

بَلْ سُؤَالٌ

بِلَا وَجْهٍ.

وَلَيْسَ الإِنْسَانُ عَاشِقًا دَائِمًا،

بَلْ كَائِنٌ

يَبْحَثُ عَنْ مَعْنًى

يَحْمِي بِهِ وَجُودَهُ.

وَمَا بَيْنَ البَحْرِ وَالإِنْسَانِ

تَسْقُطُ اللُّغَةُ،

وَيَبْقَى الِارْتِبَاكُ.

ذَلِكَ الِارْتِبَاكُ الجَمِيلُ

الَّذِي نُسَمِّيهِ:

الحَيَاةَ. 


بقلم الشاعر والأديب. 

Ayman Asıltürk. 27\011\2022

أيمن أصلتُرك



الانفصام قصة قصيرة بقلم الكاتب أيمن حسن محمد

 الانفصام

قصة قصيرة بقلم أيمن حسن محمد

كان صديقي يُدعى «الدون».

أُطلقت عليه أسماء كثيرة؛ «الراهب الأسود»، و«دون كيشوت». أما أنا فكنت أفضل الاسم الثاني، لكثرة مغامراته العقلية التي كانت أحيانًا مضحكة، وتصرفاته التي لا تخلو من الطرافة.

كان الدون يتمتع بالنشاط والحيوية، وتبدو عليه، حين تراه، علامات الاتزان الجسدي؛ لكن أفكاره كانت تسير في اتجاه آخر تمامًا.

في كل صباح كان يبحث عن ظرف قهوة جاهز، وغالبًا لا يجده عنده، فيستعيره من أحد جيرانه الذين كانوا يحبونه، هو و«نهفاته» التي لا تنتهي.

يجلس على كرسيه، يضع رجلًا فوق رجل، ويثبت طاقيته على رأسه، ثم يحدق في البعيد ورأسه مرفوع، كأنه يرى شيئًا لا نراه.

ربما كان يستعيد ماضيه...

سياراته، أمواله، النساء، الأضواء الحمراء، والمشاريع التي لم تكن تنتهي.

كان جميع أهل القرية يعرفون قصته.

قصة الدون.

أو «الراهب الأسود»، كما أطلقوا عليه بعد أن خسر كل أمواله.

بعدها تغيّر الرجل.

أصبح يتحدث في الدين وأحكامه، والقرآن وتفسيراته، والأنبياء والوجود، ويتنقل من فكرة إلى أخرى كما يتنقل المسافر بين المدن.

لكن كل كلامه كان يشبه مغامراته العقلية؛ غريبًا، مضحكًا أحيانًا، ومربكًا في أحيان أخرى.

وكان أكثر ما يحيرني فيه أنني لم أكن أعرف أين ينتهي الواقع عنده، وأين يبدأ الوهم.

ذات يوم أنهى قهوته بسرعة، ولبس حذاءه القديم، وأشعل سيجارته، ثم خرج بخطوات واثقة.

كان جسده نحيلًا، ورأسه يتقدم إلى الأمام كأنه يعرف تمامًا إلى أين يتجه.

رسم على وجهه علامات النصر؛ أو لعل التجاعيد الكثيرة التي غطته كانت أخاديد حزن قديم يحاول أن يخفيها بابتسامة المنتصر.

كان يمشي وكأنه انتصر للتو على شيطان الفقر.

شاهد صديقه الذي كان يشفق عليه كثيرًا، فناداه:

— إلى أين يا دون؟

لم يجبه، بل تابع سيره.

توقفا أمام محطة وقود.

نظر الدون إلى المحطة وقال بثقة:

— سأشتريها.

نظر صديقه إليه، ثم إلى المحطة، وكأنه لم يفهم شيئًا.

كان ثمنها يقارب ثلاثمئة ألف دولار.

نظر صاحب المحطة إلى الدون من رأسه إلى قدميه: حذاء قديم، وثياب مهترئة، وسيجارة بين أصابعه. ثم نظر إلى الدراجة النارية التي جاءا بها، والتي لا تعمل بالوقود أصلًا، بل تحتاج إلى الدفع كي تتحرك.

نظر إلى صديقه، ثم عاد ببصره إلى الدون.

وقال في نفسه:

«هذا يريد أن يشتري المحطة؟»

ثم قال:

— حسنًا... اتفقنا.

ابتسم الدون.

وفي تلك اللحظة بدا وكأنه استعاد كل شيء دفعة واحدة: العز، والجاه، والمال، والمشاريع التي ضاعت منه.

صافح الرجل، ووعده أن يعود إليه في اليوم التالي لإتمام الصفقة.

خرج الدون من المحطة منتصرًا.

أما صديقه فظل ينظر إليه مصدومًا.

صاح الدون به:

— لم ننتهِ من عملنا بعد!

كان صديقه يعيش حالة من الصدمة، بل شعر أن الدون قد سلبه وعيه.

راح يحدث نفسه:

«أنا المجنون... أم هو؟»

لكن الدون لم يمنحه وقتًا للتفكير، وأجبره على مرافقته إلى المدينة بحجة أن هناك عملًا ضروريًا.

توقفا أمام مبنى ضخم كُتب على واجهته:

شركة أ.س للاستيراد والتصدير.

نظر الصديق إلى المبنى، ثم إلى الدون، وقال متوسلًا:

— أرجوك يا دون... لا تحرجنا أكثر من ذلك.

ابتسم الدون وقال:

— يا أحمق، ستعيش فقيرًا طوال حياتك إذا بقيت تفكر بهذه الطريقة.

دخل الدون إلى الشركة وكأنه صاحبها.

وبعد دقائق كان أمام مديرها يشرح له مشروعه بثقة عجيبة.

انفجر المدير بالضحك عندما سمعه يقول إنه يريد تصدير مادة الزيت عن طريق شركته.

سأله المدير:

— وأنت ماذا تعمل؟

أجابه الدون بكل هدوء:

— أنا صاحب محطة وقود.

نظر المدير إلى صديقه، ثم عاد إلى الدون.

تابع الدون شرح فكرته؛ فهو، بعد أن أصبح صاحب محطة وقود، يحتاج إلى مادة يستطيع من خلالها تحويل الزيت المحروق ومخلفات المواد البترولية إلى مازوت.

كان المدير على موعد مع اجتماع، ولم يكن لديه وقت طويل.

وحين انتهى الدون من كلامه، أخرج المدير دولارًا من جيبه ومدّه إليه:

— خذ، اشترِ لنفسك فنجان قهوة. لدي اجتماع الآن، ونتحدث بهذه الترهات لاحقًا.

أخذ الدون الدولار.

ابتسم.

وشكر المدير بحرارة.

خرج مع صديقه.

قال له صديقه:

— أعطاك دولارًا كي يتخلص منك!

نظر إليه الدون بثقة وقال:

— لا... أعطاني رأس مال أول صفقة.

عمت بشائر الفرح وجه الدون.

عاد إلى منزله بخطوات الواثق، وكأنه عاد من رحلة عمل ناجحة.

جلس على كرسيه وأغمض عينيه.

وبدأت الأشياء تتشكل أمامه:

محطة بترول...

استيراد وتصدير...

نساء...

أضواء حمراء...

مال...

سيارات...

ومشاريع لا تنتهي.

كان يبتسم.

وفي تلك الليلة نام الدون منتصرًا.

---

استيقظ في الصباح.

فتح عينيه ونظر حوله.

لا محطة وقود.

لا شركات.

لا سيارات.

لا أموال.

فقط غرفته القديمة، وحذاؤه البالي، وملابسه المهترئة.

نهض، وأصلح طاقيته فوق رأسه، ثم خرج من المنزل.

اتجه إلى بيت جاره.

طرق الباب.

فتح له الرجل.

قال الدون بكل هدوء:

— صباح الخير... هل لديك ظرف قهوة جاهز؟

أعطاه الجار الظرف، وهو يبتسم.

أخذه الدون وعاد إلى كرسيه.

جلس، ووضع رجلًا فوق رجل، وأشعل سيجارته.

كان كل شيء كما كان بالأمس.

إلا شيئًا واحدًا فقط...

كان الدون هذه المرة يبتسم بثقة أكبر. او ربما يستعد لمغامرة أخرى


أجنة الغيث بقلم الشاعرة والقاصة السورية رنيم خالد رجب

 .وجهة غير معلومة 


أجنة الغيث 

باركتها السماء 

جسر  يجمع 

أحلامي بخلجانها 


تسدد هدفها 

 بحجر عين  

دموعه يائسة 


خرجت عن مسارها

تستحوذ علي 

من جهة أشرق القلب بها 

محاولات ضئيلة 

راودتني عن نفسي 


أنانية تتعمد صلبي 

على أعمدة يعبث 

بفيافيها الحظ 


 أبجدية جائعة 

أعددت لها ولائم 

تستلقي على منضدتي

حقيبتها مملوءة بالفرح 

توزعه بالتساوي 

خلعت همومها

على عتبات الخريف 

تروي عطش أيامي 


 شرفة التأمل 

وصلتها تنهداتي 

 بهاراتها ملونة 

بحثت عنها 

بإختلاف أطيافها 

 قارورة تخيلاتي 


استجمعت قواي العقلية 

التقطت أنفاسي

 وضعتها في 

مراكب محملة

 بسنابل شوق 

زينتها قلائد بإبتسامة 


حناجرها التفت على نفسها  

تلهو على سلم موسيقي 

تتناول ألحانها 

بشراهة عاشقة 

ابتلعت نفسها بنفسها 


بترو تحكم قبضتها 

على النغم ثم تسرح 

في متاهات الماضي 

تستحضر خبزها

في فرن شعور يستوي 


مقعده ثقيل 

أقدامه خفيفة 

ارتدى عنفوانه 

خرج من هويته 

ومازال ينادي بوصلته 


يانجمة قبلها صباح

 هل حملتك إلي

 أغصان رياح،؟!!!


هل واكبت شغف

 فصول غياب؟؟


هل مفترق طرق بيننا 

يغيبه حضور؟؟

 ماعاد يعنيه عتاب ؟؟


 هل ماعادت تستهوي عطفه 

حفنة من ندوب؟!  

أم تأقلم مع عذابه .؟   


بقلم الشاعرة والقاصة السورية رنيم خالد رجب

***حسم الورق*** بقلم المنصوري عبد اللطيف

 ***حسم الورق***

​تغفو الحناجر

تغلق الأبواب

ويموج في معتم الصناديق

زئير خفي للعتاب

​ليست حكايات تطوى

ولا أرقاما تضيع بين الأوراق

بل أمنيات أمة

تستشرف الإشراق

​هنا يتكلم الورق الثقيل

ويحسم في دقيقة

مسار عهد طويل

هي الأمانة في الأكف

 تتوق للعدل

لترسم بالحبر 

ملامح الغد

​فإما يمر أذان الفجر

بالبشرى

وإما تظل الوعود

 معلقة

على حبال الريح

 في المساء

المنصوري عبد اللطيف

24/9/2026

المغرب



في المنفى شعر / المستشار مضر سخيطه - السويد

 __________    في المنفى

شعر  / المستشار  مضر سخيطه  -  السويد 


في منفى الغربة يصدف 

أن تبصر أشياءً تلمع كالأيقوناتْ

أبنيةً

أو أسواقٌاً

أو سيقاناً حسناواتٍ

أو خلفيّاتٍ يعجز عن روعتها النحت 

أو اللوحات      ٠  ٠ 

تعرضها أجسادٌ عاريةٌ

أسرابٌ عابرةٌ لاترأف فيك سخافتها 

تستثمر فيك شهيتها 

تلك الشهوانية توشك أن تقفز من عينيك 

كرمحٍ يفتك شطراً من عمرك 

لكأن شؤون المشهد قاطبةً تتحدّث عمّا لايعنيك 

كأنّك محجوزٌ

معزولٌ عن كل أحاسيسك 

شبه مسيسٍ لفضائيين 

تتعمّد رصدك 

بالمجمل تعمل أو تتحرك ضدك 

حيواناتٌ تتشظّى فيك 

في المنفى يصدف أن تجلس فوق المقعد وحدك 

زهقاناً بالساعات

تتوخى من أنفاسك أن تشهد أياماً مكتوبٌ فيها 

ميلادٌ تمّ إضافته 

من ناتج موتٍ قيد الترقين بعيد تجاوز تلك الإجراءات 

طبقاتٌ ومقامات صياحٍ صداحٍ تقرأ طالع برجك 

وتكلم روحُك عزلَتَك المشمولة بالنسيان 

وكحرباءٍ تتكلم 

عن قهرٍ أقدم من نفسك 

أو كبتٍ أطول من عمرٍ الهذيان 

في الشارع 

أو في بيتٍ يشغله غيرك 

أشخاصٌ ولفيفٌ من سكّانٌ 

في منفاك الضيّق جداً 

تحدوك الرغبةُ أن تتنزه في الطلق لتكسر حالة صمتك 

ذاك المتجهم كالحاكورة في الطقس الشتويِّ البارد 

بعضاً من أشجار الغابة عارٍ يطحر كالثور 

حشوٌّ مخدوعٌ  من حزمة أغصانٍ زعران 

بسياطٍ يكتسح الرجلة 

والزعتر 

لنباتات تبدو 

أجمل من قامات السرو الممتد إلى حيث النهر 

أبحث عن معنى يترنح داخل صندوقي 

يتكسّر موشور الألوان فأفتح أكبر زاويةٍ من جفني 

نتهافت كالأملاح على الصخرات الرطبة 

أو كأصابع من قشٍ يابس 

يارب نصوصٍ

أو كلماتٍ تقدح كالبرق 

ليقذفها حلقي 

كنعاماتٍ تكرج هرولةً عكس التيّار وخلف الغيم كسربٍ مذعور 

لتقابل عينايَ المجهدتان خشونةَ صوتي 

أو أنفاق سرابي 

ورعونة إيماءاتي الباهتة التعبير 

بأحاديثٍ لاتزهد منّي 

وحكاياتٍ

يرويها اللامنظور

إلى اللامحدود من الغامض منّي 

وأنا أتقرقف في الغرفة

أتذكّر جلسة بوذيٍ مخروطيّ السحنة 

مسحوقٍ

محروقٍ

سحتوت ْ

من بطن الرمل الى اللاهوت

ببدائيته وتخلّفهِ الميتافيزيِّ سيدخل في المعنى الحرفيِّ للناسوت


_______

شعر   / المستشار مضر سخيطه  -  السويد


هذه الجزائر..التي نحبها) حين غاب الأقارب..حضرت الجزائر كلها..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 هذه الجزائر..التي نحبها)

حين غاب الأقارب..حضرت الجزائر كلها..!


تصدير

-أجمل الأعراس ليست تلك التي تكثر فيها الزغاريد،وإنما تلك التي ينتصر فيها الإنسان للإنسان.


في مروانة الجزائرية،لم يكن صالح ينتظر أكثر من ليلة تشبه ليالي العمر..ليلة يحيط به فيها الأهل والأصدقاء،وتعلو فيها الزغاريد،وتكتمل فرحته بزواجه.

لكنه وجد نفسه،في واحدة من أكثر ليالي حياته انتظارا،شبه وحيد في قاعة أعدت لاستقبال المدعوين.طاولات عامرة بما يلزم للفرح،وقاعة تنتظر أهلها،وعريس فقد والديه في السنوات الأخيرة،وكان أحوج ما يكون إلى وجوه يعرفها وقلوب تسنده.غير أن معظم من كان ينتظر حضورهم غابوا،فتحولت ليلة العمر إلى لحظة موجعة من العزلة والانكسار.!

كان يمكن للقصة أن تنتهي عند حدود الخذلان، وأن يعود صالح إلى بيته حاملا في قلبه جرحا لا تراه العيون.

لكن شيئا جميلا حدث..

انتشرت صور العريس،وانتقلت حكايته من مروانة إلى أماكن أخرى،وكأن وجعه طرق أبوابا كثيرة في وقت واحد.تحرك أهل المدينة،ثم أبناء الولاية، وشارك آخرون من مناطق مختلفة،ليقولوا لهذا الرجل إن غياب بعض الأقارب لا يعني أن الدنيا خالية من أهل الوفاء.

وهكذا أعيد ترتيب الفرح.

لم تعد المناسبة عرسا لصالح وحده،بل تحولت إلى عرس جماعي،شارك فيه الناس بالسيارات والهدايا والمساعدات،وحضر مواطنون من مناطق مختلفة ليصنعوا له ليلة أخرى،أكثر دفئا واتساعا من الأولى.

ما أعمق المفارقة !

في الليلة الأولى،كان صالح يبحث عن أهله بين المقاعد الفارغة..

وفي الليلة الثانية،وجد أهلا لم تجمعه بهم صلة دم،وإنما جمعته بهم صلة إنسانية أرفع: الشهامة والرحمة ونبل الموقف.

ليست القرابة دائما في الدم،كما أن الغربة ليست دائما في البعد.قد يجلس قريب إلى جوارك ولا يشعر بانكسارك،وقد يأتيك غريب من مدينة بعيدة،لا يعرف اسم أمك ولا حكاية طفولتك،لكنه يشعر بأن عليك أن لا تبقى وحيدا في لحظة تحتاج فيها إلى كتف وقلب ويد.

وهنا تكمن عظمة الحكاية.

صالح لم يحصل فقط على زفاف ثان،بل استعاد شيئا من إيمانه بالناس.وربما اكتشف،وسط وجوه لم يعرفها من قبل،أن الحياة قاسية أحيانا في توزيع الأقارب،لكنها عادلة أحيانا في إرسال الغرباء.!

خذلته بعض الوجوه التي كان ينتظرها،فاستدارت إليه وجوه لا يعرفها..وكأن مروانة قالت له،في أبلغ لغة: قد يغيب الأهل،لكن أهل الشهامة لا يغيبون.

وفي زمن كثرت فيه صور الجفاء،جاءت هذه الحكاية لتذكرنا بأن أجمل الأعراس ليست تلك التي تكثر فيها الزغاريد،وإنما تلك التي ينتصر فيها الإنسان للإنسان.

وفي النهاية،لم يكن أجمل ما في حكاية صالح ذلك العرس الذي أعيدت إليه الحياة،بل تلك الرسالة الإنسانية التي خرجت من بين المقاعد الفارغة: أن الدم قد يجمعنا،لكن المواقف هي التي تثبت من ينتمي إلينا حقا.

لقد خذله بعض من كان ينتظرهم،لكن الله عوّضه بقلوب لم يعرفها،جاءت لتقول له إن الإنسان لا يُترك وحيدا ما دام في الدنيا بقية من شهامة. وربما كانت تلك الليلة،بكل وجعها وفرحها،درسا لا ينسى: أحيانا يغلق الأقارب أبوابهم،فيفتح الغرباء أبوابا أوسع..ويصنعون من الخذلان،فرحا لا يموت..


متابعة محمد المحسن



فوق المنابج الشاعرة منى إلبروس

 عاشقة. الخيل

فوق المنابج


كثر العتاب حبيبتي فتعلمي 

أن  الفؤاد   جميله   نبضات 


إن الهوى عتبى إذا جن النهى

وتعلقي  بهواك   منه  عضات 


ياليتني   مثل  الحمامة حائم

فوق   المنابج  والحياة ممات 


فعواذلي  مثل الذباب  طنينها

وأنا   وأنتي    جوهر   وحياة


أفتسمعين     لقولهم     فهراء

عمي   وبكم   دونك     وطغاة 


إنجيلك     وكتابك     وصلاتك

وحي    غدى    لنبيك     ولغاة


أو ؟ آخر الملكات انت مدينتي

وحبيبك   بين   الركام   فتات


يا   فخر أهلي حسبك قلبي به

حر  الجوى من هجرك جمرات 


لا تنبسي تحت الثرى عن خالة

في وجه شمس قد غفت لحظات


يا  فخر أهلي  إنني  في  حبك

مثل   المعري   دربه     عثرات


لا تغفري   ذنبي فذنبي  مترف

ويبيت  شعري  بالفناء  حصاة


عانقت كل الأمنيات وحيده

وشربت كاسات المنى رشفات


فشدى على أعتابك يا منبجي 

أنت المصلى للدعاء هبات 


ياعز اهلي والسيوف قواطع 

والخيل تجري في حماك قطاة


وأنا هنا في غربتي أشدو لك 

كل القوافي في هواك دعاة 


إن الزمان جميله بجمالك 

ونهاره بوصالك نسمات 


مني إليك تحية وسلام 

ولمحفل الشعراء منك حياة


الشاعرة المنبجيه 

منى إلبروس



مطر ... بقلم الكاتبة. أوهام جياد الخزرجي

 مطر


.... أوهام جياد الخزرجي


غافيةٌ لؤلوتي، بينَ لُججِ البحرِ، 

 سحابةُ مطرٍ رسمتْ سحرَها ،

 رياحٌ تجدفني ، ونوارسٌ آتتْ أكلَها ، وسردُ الحزنِ صراخٌ  في ضوضاءِ أشرعتي،و أزيزٌ بحلمها  يؤرقني، ويتعالى صراخَ بينَ الموجِ،كتبتها  أنيناً ومطراً، 

 بعيونٍ ناعساتٍ،

 فللعشقِ أريجُ الوردِ، شهقةٌ وملاذٌ،

 يخبئني الموجُ نداءَ رعدٍ،

و بينَ الفيافي صراخٌ ومطرٌ، 

واهمةٌ دروبي، ولنبضِكِ آهةٌ يعزفها وترٌ، 

تصلٍِّي الروحُ بقِبلتِكِ وأدُها يناديكِ، 

أيَّانَ روحُكِ المشرعةُ باتتْ حلماً وكدر.

24/9/2016



الليل : حين يتحول الزمن إلى معنى !! بقلم الكاتب علي سيف الرعيني

 الليل : حين يتحول الزمن إلى معنى !!

علي سيف الرعيني 


ليس الليل في الأدب العربي مجرد زمن يعقب النهار ولا خلفية محايدة للأحداث إنه في كثير من النصوص فضاء للوعي والكشف والقلق تتبدل داخله علاقة الإنسان بذاته والعالم ولذلك ظل حضوره ممتدا من القصيدة الجاهلية إلى الرواية العربية الحديثة متخذا في كل مرحلة دلالات تتجاوز العتمة إلى ما وراءها

في الشعر العربي القديم  ارتبط الليل بالسفر والاغتراب والانتظار والحنين لكنه لم يكن دائمًا موضوعًا قائمًا بذاته بل كان إطارًا تتكثف فيه تجربة الشاعر ومع تطور القصيدة تحول الليل تدريجيا من مشهد طبيعي إلى رمز نفسي للوحشة حينا وللعشق حينا وللتأمل أوالقلق حينا آخر

وهنا تكمن أهميته الجمالية الليل الموضوعي يتحول إلى ليل نفسي فالزمن واحد لكن معناه يتغير بحسب من يعيشه ساعة الانتظار قد تصبح دهرا  والليل القصير قد يحمل من الذكريات ما يفوق سنوات النهار

وفي الرواية يكتسب الليل وظيفة إضافية فهو زمن تتراجع فيه الأقنعة الاجتماعية وتظهر هشاشة الشخصيات وأسرارها الليل يمنح السرد مساحة للتأمل والمواجهة الداخلية ويتيح للكاتب أن يحول المكان المألوف إلى فضاء مغاير فالمدينة ليلا ليست المدينة نفسها نهارا  والغرفة الصامتة قد تصبح مسرحا لصراع داخلي كامل 

أما في القصة القصيرة فيعمل الليل بكفاءة أكبر بسبب طبيعة هذا الفن القائم على التكثيف نافذة مضاءة شارع خالٍ، هاتف صامت أوشخص ينتظر تفاصيل صغيرة يمكن أن تختصر حياة كاملة لذلك لا تقاس قيمة الليل في القصة بجمال وصفه بل بقدرته على اختزال التجربة

وفي التجربة الصوفية تتغير المعادلة أكثر فالليل الذي يبدو في الظاهر رمزا للعتمة قد يصبح زمنا للكشف والنور الداخلي العزلة هنا ليست انقطاعا عن العالم بقدر ما هي عودة إلى الذات  ولذلك يصبح الليل انتقالا من ضجيج الخارج إلى صمت الروح 

ومع الأدب العربي الحديث خصوصا في نصوص الحرب والمنفى والاحتلال اكتسب الليل دلالات أكثر قسوة لم يعد زمنا للسكينة بل صار زمنا للخوف وانتظار المجهول ومراقبة السماء وغياب الأحبة وهنا يتحول الليل من عنصر جمالي إلى شهادة شعورية على واقع مضطرب 

لكن من الخطأ اختزال الليل في الحزن كما من الخطأ جعل النهار مرادفا للنور والخلاص  فالرمز الأدبي لا يمتلك معنى ثابتا سياق النص هو الذي يمنحه دلالته قد يكون الليل خوفا وقد يكون حرية وقد يكون حبًا أو تأملا أو خلاصًا من ضجيج العالم 

ومن هنا تأتي جدلية الليل والنهار فالنهار يمثل غالبا ما هو ظاهر ومعلن  بينما يتيح الليل ظهور المخفي والمسكوت عنه  غير أن الأدب يستطيع قلب هذه الثنائية قد يكون النهار أكثر عتمة حين يسود الظلم وقد يكون الليل أكثر إشراقا حين يجد الإنسان فيه حقيقة عجز عن رؤيتها وسط الضوء

ولعل الفجر بوصفه الوجه الآخر لليل  يستحق قراءة مماثلة فليس من الضروري أن يكون نهاية سعيدة قد يكون وعدا  أواحتمالا أومجرد رغبة بشرية في تجاوز العتمة وهذا ما يجعل العلاقة بين الليل والفجر أكثر عمقا من مجرد ثنائية الظلام والنور 

إن نجاح الكاتب في توظيف الليل لا يتوقف على كثرة أوصاف القمر والنجوم والظلال وإنما على جعله ضرورة فنية فإذا أمكن حذف الليل من النص دون أن يتغير جوهره  كان حضوره غالبا زخرفيا أما حين يصبح الليل جزءا من بناء الشخصية أوالحدث أو الرؤية فإنه يتحول إلى عنصر من عناصر المعنى 

لهذا ظل الليل حيا في الأدب العربي لأنه يشبه الإنسان في لحظته الأكثر انفرادا بنفسه  حين يهدأ العالم تبدأ أشياء أخرى بالكلام الذاكرة والخوف  والحب والغياب والأسئلة التي يؤجلها النهار

فالليل في الأدب ليس ما يحدث حين تغيب الشمس بل ما يظهر حين يقل الضوء!!



الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

الوجه الآخر للديمقراطية بين بريق الوعد وظلال الممارسة بقلم الكاتب بلعربي خالد

 الوجه الآخر للديمقراطية

بين بريق الوعد وظلال الممارسة 


مقدمة :

الديمقراطية إغراء الروح أم مرآة الإنسان المكسورة؟


ليست الديمقراطية مجرد نظام لتوزيع السلطة، ولا صندوقاً يوضع فيه الورق ثم تُعلن النتيجة. قبل أن تكون مؤسسة سياسية، هي حلم يسكن أعماق الإنسان: حلم أن يكون صوته مسموعاً، وأن لا يعيش ككائن زائد في وطنه، وأن يشعر بأن مصيره ليس قراراً يصنعه آخرون خلف الأبواب المغلقة.


ولهذا كان سحر الديمقراطية أكبر من حدودها القانونية؛ فهي لم تدخل التاريخ كإجراء إداري، بل كقصة خلاص. لقد حملت وعداً يشبه الوعود الدينية القديمة: نهاية الظلم، عودة الكرامة، واستعادة الإنسان لمكانته في عالم يشعر فيه دائماً بأنه مسلوب الإرادة.


لكن كل حلم عظيم يحمل في داخله بذرة أزمته. فحين تتحول الفكرة النبيلة إلى مؤسسة، تبدأ مواجهة صعبة بين صفاء المبدأ وتعقيد الواقع. وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الديمقراطية التي جاءت لتحرير الإنسان قد تصبح أحياناً أسيراً لشروط الإنسان نفسه؛ لرغباته، ومخاوفه، وأنانيته، وقابليته للخداع.


الديمقراطية كحاجة نفسية قبل أن تكون نظاماً سياسياً


ربما لم تُدرس الديمقراطية بما يكفي بوصفها ظاهرة نفسية. فالإنسان لا يطلب الديمقراطية فقط لأنه يريد المشاركة في الحكم، بل لأنه يريد الاعتراف بوجوده. أعمق جرح سياسي ليس فقدان السلطة، بل الشعور بأن الإنسان غير مرئي، وأن صوته لا قيمة له.


من هنا تصبح الديمقراطية نوعاً من البحث الجماعي عن الاعتراف. الناخب لا يذهب دائماً إلى الصندوق باعتباره كائناً عقلانياً يحسب المصالح بدقة؛ بل يذهب أيضاً حاملاً جراحه، وغضبه، وأحلامه، وذكرياته. لذلك فإن السياسة ليست دائماً ساحة للأفكار، بل هي أيضاً مسرح للرغبات الخفية.


وقد يكون الخطر الحقيقي أن الديمقراطية تفترض إنساناً مثالياً: مواطناً مطلعاً، هادئاً، قادراً على التمييز بين الحقيقة والوهم. لكن الإنسان الواقعي أكثر تعقيداً؛ فهو قد يبحث أحياناً عن من يطمئنه لا من يقول له الحقيقة، وعن من يمنحه الشعور بالقوة لا من يقدم له برنامجاً واقعياً.


الوهم الديمقراطي: حين يصبح الاختيار شكلاً بلا تأثير


المشكلة ليست دائماً في غياب الانتخابات، بل في إمكانية وجود اختيار بلا قدرة حقيقية على تغيير المسار. فقد يملك الإنسان حق التصويت لكنه لا يملك القدرة على التأثير في القوى التي تصنع الاقتصاد، والإعلام، وتدفق المعلومات.


وهنا تظهر فجوة عميقة بين "حرية الاختيار" و"حرية صناعة الخيارات". فقد يختار الإنسان بين بدائل جاهزة لم يشارك في تشكيلها. إنه يشبه شخصاً يدخل متجراً فاخراً ويُقال له: اختر ما تشاء، لكنه لا يستطيع تغيير ما عُرض أمامه.


هذه إحدى النقاط التي لم تحظ دائماً بما يكفي من التأمل: الديمقراطية لا تعاني فقط من مشكلة توزيع السلطة، بل من مشكلة إنتاج الرغبات نفسها. فمن يحدد ما يريده الناس؟ ومن يصنع أولوياتهم؟ ومن يملك القدرة على توجيه انتباههم؟


الشعبوية: الوجه الآخر للإغراء الديمقراطي


عندما تفشل الديمقراطية في تحقيق وعودها الاجتماعية، لا يختفي الإغراء السياسي، بل يتغير شكله. يظهر السياسي الذي لا يبيع مشروعاً بقدر ما يبيع إحساساً. يقدم للناس صورة عن ماضٍ مثالي أو مستقبل سريع، ويحوّل التعقيدات إلى إجابات بسيطة.


لكن الشعبوية ليست مجرد خطأ سياسي؛ إنها أعراض مرض أعمق: انفصال الإنسان عن المؤسسات التي يفترض أنها تمثله. فعندما يشعر المواطن بأن اللغة الرسمية لا تعبر عنه، يبحث عن صوت آخر يمنحه الاعتراف، حتى لو كان ذلك الصوت قائماً على الغضب أكثر من الحلول.


الديمقراطية ومشكلتها الخفية: الإنسان قبل المؤسسة


ركز كثير من الباحثين على بناء المؤسسات الديمقراطية، لكن السؤال الأعمق ربما هو: هل يمكن بناء نظام ديمقراطي دون بناء الإنسان الديمقراطي؟


فالديمقراطية ليست فقط دستوراً وقوانين، بل أخلاق يومية: القدرة على قبول الاختلاف، واحترام الآخر، والتخلي عن وهم امتلاك الحقيقة المطلقة. وقد يكون أكبر تهديد للديمقراطية ليس المستبد فقط، بل المواطن الذي يريد الحرية لنفسه ويرفضها لخصمه.


إن المجتمع الذي لا يتعلم ثقافة الحوار قد يستخدم أدوات الديمقراطية لهدم روحها. فالحرية بلا مسؤولية قد تتحول إلى فوضى، والأغلبية بلا ضوابط قد تتحول إلى ضغط على المختلفين.


نحو تصور آخر: الديمقراطية كرحلة لا كمنتج نهائي


ربما كان الخطأ الأكبر هو النظر إلى الديمقراطية كآلة جاهزة يمكن نقلها من مكان إلى آخر. فالديمقراطية ليست سلعة سياسية تُستورد، بل تجربة تاريخية تنمو داخل المجتمع.


وقد يكون الحل في الانتقال من سؤال: "كيف نبني نظاماً ديمقراطياً؟" إلى سؤال أعمق: "كيف نبني إنساناً قادراً على ممارسة الحرية؟"


فالمجتمعات لا تحتاج فقط إلى مؤسسات تمنع الاستبداد، بل تحتاج إلى ثقافة تمنع عودته. تحتاج إلى تعليم يجعل التفكير النقدي عادة، وإعلام لا يحول المواطن إلى متلقٍ سلبي، واقتصاد يمنح الإنسان الحد الأدنى من الاستقلال الذي يسمح له بالمشاركة الفعلية.


خاتمة

الديمقراطية كمرآة للإنسان


الديمقراطية ليست جنة سياسية مفقودة، وليست خدعة كاملة. إنها مرآة تكشف الإنسان كما هو: بحثه عن الحرية، وضعفه أمام الوهم، حاجته إلى الاعتراف، وخوفه من المسؤولية.


ولهذا فإن أزمة الديمقراطية ليست فقط أزمة نظام، بل أزمة علاقة الإنسان بالسلطة وبذاته. فكل مجتمع يحصل على الديمقراطية التي يستطيع حملها، وكل مؤسسة تعكس مستوى الوعي الذي نشأت داخله.


وربما يكون السؤال الأكثر عمقاً ليس: "هل الديمقراطية تحقق وعدها؟" بل: "هل الإنسان مستعد لتحمل ثمن الحرية التي يطلبها؟"


فالديمقراطية ليست نهاية الطريق؛ إنها الطريق نفسه، بكل ما فيه من تناقضات وصراعات وأسئلة مفتوحة.


هذه صياغة تتجه نحو الفلسفة السياسية الوجودية أكثر من المقال الأكاديمي التقليدي، وتحاول فتح زوايا مثل: الديمقراطية كحاجة نفسية، صناعة الرغبات، وهم الاختيار، وأزمة الإنسان لا أزمة النظام فقط.


الكاتب بلعربي خالد



في طَوْرِ المُرْسَلِ بقلم الكاتب عيسى نجيب حداد

 في طَوْرِ المُرْسَلِ

عَلَى سَاقِيَةِ الشِّتَاءِ

يَهْتَزُّ مَعَ رُفَاتِ الغَيْمِ

جَنِيُّ حَرْفٍ يَجْتَرُّ مَاضِيهِ

يَنْقُشُ عَلَى سَطْحِ وَرَقِ الخَرِيفِ

يَتَسَاقَطُ لِيَتَجَدَّدَ كَبُرْعُمٍ ذَهَبِيٍّ بِالرَّبِيعِ

يُولَدُ بِفَصْلِ الصَّيْفِ لِيَزْهُوَ بَيْرَقُهُ مِنَ النُّورِ

لَعَلَّ مَوَالِيدَ الشُّمُوعِ تَصْقُلُ مِنْ نَسِيجِ العَنْكَبُوتِ سِرَاجًا

يُبَدِّدُ ظُلُمَاتِ المَتَاهَاتِ مِنَ العَثَرَاتِ الَّتِي تَعْصِفُ بِنَا

تُسَاقُ حُلُولٌ لِكُلِّ مُشْكِلٍ يُعَشْعِشُ فِي جَهْلِ الأَفْرَادِ

دَيْدَنٌ مِنْ عِطْرِ الرَّاءِ يُغَانِجُ رُمْحَ الأَوْجَاعِ بِالصَّدْرِ

مُلْتَهِبٌ لِتَلْوِينِ دَفَاتِرِ الأَيَّامِ لِيَرْسُمَ أَشْكَالًا مِنْ بِدَايَةٍ

فِي صُنُوفِهِ رُمُوزٌ لِمَسْحِ دُمُوعِ صِبْيَةٍ مَكْسُورِي الخَوَاطِرِ

لِبَلَاءٍ مُفْجِعٍ عَصَفَتْهَا رِيحُ حَرْبٍ هَوْجَاءَ

وِسَادُهُمُ الأَحْجَارُ وَرَغِيفُهُمْ مَمْزُوجٌ بِسُمُومِ البَارُودِ

بِأَوْطَانٍ مُوجَعَةٍ مُمَزَّقَةِ الأَوْصَالِ بِوَحْلِ الإِغْرَاقَاتِ

مَا مِنْ طُمَأْنِينَةٍ لِلَّيْلِ يُسْكَبُ فِيهِ زَيْتٌ لِغِمَاسٍ بِلُقَمٍ

تَتَقَلَّبُ جَمَاعَاتٌ عَلَى المُمْتَلَكِ وَالقُوشَانُ صَارَ رَهْنًا

خَارِطَةُ البَشَرِ تُبَاعُ قِطَعًا وَلِلضَّوَارِي النَّصِيبُ الأَكْبَرُ

تَتَصَارَعُ الجَوَارِحُ لِيَبْقَى الرِّيشُ لَوْحَةً لِرَسَّامٍ أَعْوَرَ

وَمُؤَرِّخٌ فَاقِدُ الذَّاكِرَةِ عَلَى سُطُورِ التَّوَهَانِ يَبْتَزُّ الأَلَمَ

قِيلَ فِي القَدِيمِ كَثُرَتِ الجَوَائِحُ لَكِنَّ أَكْثَرَهَا بِوَطَنِي

كُلُّ الأَسْرَى عُمْيُ بَصِيرَةٍ وَعُرْسُ العَدُوِّ يَضِجُّ بِصَخَبٍ

نَادَوْا عَلَى المُهَجَّرِينَ هُنَاكَ تَدْوِينٌ عَلَى وَرَقِ صَفْصَافٍ

شَرُّ البَلِيَّةِ مَا يُضْحِكُ بَائِعُو البُلْدَانِ أَصْحَابُهَا بِسُكْرٍ

هُنَا أُجْهِضَتْ قَوَانِينُ التَّمَلُّكِ لِيُصَارَ تَوَارِيخُ جَدِيدَةٌ

مَنْ لَيْسَ لَهُ اسْمٌ هَا هُنَا فَلْيَرْتَحِلْ لِلطَّابُورِ الآخَرِ غَدًا

عَلَى مَتْنِ هَذَا القِطَارِ يُتَوَّجُ مَنْ هُمْ قَنَّاصُونَ رِمَايَةً

حَدَاثَةُ التَّغْيِيرِ تَبْدَأُ بِتَفْتِيتِ المَوْرُوثَاتِ العَتِيقَةِ لَنَا


                         المفكر العربي

                      عيسى نجيب حداد

                  موسوعة راعي الحروف



دناءة... بقلم عبد الصمد السالمي - المغرب

 دناءة...

نزل من سيارته الفارهة، إنغمس حذاؤه الباريسي بالوحل، طفت رائحته الكريهة، إختنق صاحبنا، طلب عطره المنقذ، تقدم للساكنة المهمشة، يتودد إليهم، إستشعروا الرفعة،كأنهم التبر الأحمر، كلامه معسول، ويداه يدا نبي يربت على المستضعفين، صدقوا أنهم بشر معتبر، صوتوا عليه دون تردد .


إستوزر صاحبنا وبصق ذات مرة من سيارته حين اضطر للمرور بحي التبر الأحمر.


عبد الصمد السالمي - المغرب


حين لا يكفي الصبر بقلم د قاسم عبدالعزيز الدوسري

 حين لا يكفي الصبر


اليومَ أعرفُ أنَّ قلبي

لم يَعُدْ

يَقوى على هذا السفرْ

اليومَ أعرفُ

أنَّني خبَّأتُ في صدري

سنينَ من العتابِ

ومن صموتِ المنتظرْ

وأتيتَ أنتَ

كأنَّكَ المطرُ الذي

أخطأ طريقَ الغيمِ

ثمَّ على جراحي قد انهمرْ

ففتحتُ أبوابَ الحنينِ

وأنتَ تعرفُ

أنَّ أبوابَ الحنينِ

إذا انفتحتْ

لا تستشيرُ ولا تفرْ

كم قلتُ: هذا القلبُ لي

لا تقتربْ

فأنتَ تعرفُ أنَّني

إن أحببتُ

لا أستطيعُ أن أعتذرْ

وكم صنعتُ من المسافاتِ

بيننا

جدرانَ خوفٍ

ثمَّ جئتَ

فهدَّمتَ الجدارَ

ولم تذرْ

من أين جئتَ؟

وكيف صرتَ

في تفاصيلِ النهارِ

وفي المساءِ

وفي الملامحِ والسهرْ؟

أراكَ في صوتي

إذا نطقتْ شفاهي

وأراكَ في صمتي

إذا خانَ الكلامُ بيَ البصرْ

وأراكَ في الطرقاتِ

حين أمرُّ وحدي

فألتفتْ

كأنَّ خطوكَ خلفَ خطوي

وانتظرْ

حتى القصائدُ

كلما حاولتُ أن أنجو بها

تأتي إليكَ

وكأنَّ حرفي

لا يرى غيرَكَ مَنَاراً

أو مفرْ

ماذا فعلتَ بقلبي؟

لماذا كلما حاولتُ نسيانَك

عاد إليكَ

كأنَّهُ عادَ إلى وطنٍ

من سفرْ؟

أنا لم أخُنْ قلبي

ولكنَّي تعبتُ

من انتظاري

ومن سؤالٍ

لا يجيءُ له خبرْ

تعبتُ من نصفِ الحضورِ

ومن يدٍ

تمتدُّ حيناً

ثمَّ تهربُ حينَ أقتربْ

وتعبتُ من حبٍّ

أعيشُ تفاصيلَهُ

وحدي

وأنتَ كأنَّ قلبكَ

لا يشعرْ

يا من أحببتُكَ

أكثرَ من احتمالي

كيف أشرحُ للحنينِ

بأنَّني

لم أعدْ أحتملْ؟

أنا لم أطلبْ معجزةً

كنتُ أريدُ يداً

إذا سقطتُ

تقولُ لي:

لا تخفْ... أنا هنا

ولا تتركْ

كنتُ أريدُكَ

حين يضيقُ بيَ الطريقُ

أن تكونَ

الكتفَ الذي

لا ينكسرْ

كنتُ أريدُ الحبَّ

فعلاً لا كلاماً عابراً

فالحبُّ ليسَ قصيدةً

تُروى

ثمَّ تُنسى

عند أولِ منعطفْ

الحبُّ أن تبقى

إذا اشتدَّ الشتاءُ

وأن ترى وجعي

وتجلسَ قربهُ

حتى يمرْ

أما الرحيلُ

فقد تعلّمتُهُ

لكنَّ قلبي

كلما همَّ الرحيلَ

عاد نحوكَ وانكسرْ

واليومَ

لا أطلبْ وعودَكَ كلَّها

ولا أريدُ من الحلمِ

أكثرَ من أثرْ

إن كنتَ تحبُّني

فقلْها دونَ خوفٍ

فالسكوتُ على المحبةِ

ليسَ حباً

إنهُ وجعٌ مستترْ

وإن كنتَ لا تريدُ البقاءَ

فلا تُطِلْ

فأنا تعلّمتُ

أنَّ بعضَ الانتظارِ

موتٌ بطيءٌ مستمرْ

خذْ ما تشاءُ من القصائدِ

والرسائلِ

والسنينَ

وما تبقّى من عُمري

من صورْ

لكنْ أعدْ لي

ذلك القلبَ الذي

أهديتُهُ لكَ

قبلَ أن أعرفَ

أنَّ الهدايا قد تُردُّ

ولا تُستردُّ

إذا انكسرْ

اليومَ

إن شئتَ الرحيلَ

فاذهبْ

ولكنْ لا تقلْ

إنَّي نسيتُكَ

فالنسيانُ ليسَ قراراً

ولا زرّاً

إذا شئنا ضغطناهُ وانتهى الأمرْ

سأمضي...

ربما أتعلمُ المشيَ

دونَ أن أبحثَ عنكَ

في الوجوهِ

وفي المدى

وفي المطرْ

لكنْ سيبقى في دمي

شيءٌ يقولُ:

كان هنا قلبٌ

أحبَّكَ

ثمَّ ماتَ

ولم يندمْ

ولم يعتذرْ.

قاسم عبدالعزيز الدوسري



الذكريات. بقلم/عاطف جمعة

 بقلمى/عاطف جمعة

..........................


           (الذكريات)


 انا  قـلبى  حـن  للى  فــات 


 فقـولت  اعيــد  الذكــريات


 بدأت  باصحــاب الطــفولة


 وجــدت  منــهم اللى مــات


 واللى ضاعــو فى الشــتات


 واللى  أصبــح  مليــونـــير


 واللى مــش  لاقى الفــتات


 واللى قــضى العــمر يجرى


 علــى الولاد وعلـى البــنات


 كان كل هٕـمه ولاده تشــبع


 وهــوا  عــاش ع العــينات


 فيه اللى عاش رهن المرض


 ولف على كل المستشفيات


 فيــه  اللى استمتع بالحياة


 واخــد م الدنيا  مال وجٕـاه


 وفـيه  اللى راضى بقسمته


 وعــاش قنوع ونال رضــاه


 وفيه اللى قضى عمره عابد


 وكــان  بيــعشق المساجـــد


 واشــترى  آخــرته  بدنيــاه


وفيه اللى خدها طول وعرض


ولا عمره صام ولا صلى فرض


وفيه اللى كان شاكر  وحــامد


فيـه اللى عــاش على النــفاق


اللـــى     واصــل     للآفـــاق


وفيه اللى كان ع الحق صامد


فيه اللى كان فى تعامـله  لين


وكان دايـما  عطــوف حنـــين


وفيه اللى قاسى القلب جاحد


ربى  اسـألك  حــسن الخـــتام


واكفنى شــر الآثام واقبضــنى 


            اليك ساجد


قصة قصيرة. الأنثى نجمة الصباح بقلم أيمن حسن محمد

 قصة قصيرة.            الأنثى نجمة الصباح   بقلم أيمن حسن محمد

دخلت أمي إلى البيت نشيطةً ضاحكة، وقد ذهب عنها صداع رأسها.


قالت وهي تبتسم:


— يا الله، ما أجمل الإنسان حين يتمتع بالصحة!


أجابها سمير، وقد وضع قلمه على الصفحات التي كان يكتب فيها مقالًا فلسفيًا لإحدى الجرائد، ضمن زاوية أسبوعية خاصة به:


— الحمد لله على سلامتك يا أمي. هل تشعرين بالراحة الآن؟


— أجل، والحمد لله.


ثم تابعت وهي تضحك:


— والفضل يعود إلى نجمة، ابنة جارتنا. ذهبت إلى أمها لأشرب معها فنجان قهوة، وكعادتها وضعت أغنية راقصة، وجعلتنا نرقص أنا وأمها. لم تنتهِ الأغنية حتى ذهب وجع رأسي!


ضحك سمير وقال:


— آه، فهمت عليكِ... نجمة ضحوكة لعوبة.


ثم أضاف:


— لكنها لا تملك شهادة.


نظرت إليه أمه باستغراب:


— وماذا يعني هذا؟ هل المرأة التي لا تملك شهادة لا يحق لها الزواج؟


صمت سمير، وجمع أوراقه.


— أنا ذاهب إلى الجريدة.


قالت أمه:


— حسنًا يا بني، وفي طريق عودتك أحضر لي دواءً مسكنًا للصداع.


في طريق عودته، دخل سمير الصيدلية.


كانت نجمة هناك، تشتري دواءً لوالدتها.


كان يعرفها من قبل، فقد رآها مرات كثيرة وتحدث إليها أكثر من مرة، لكنه حين التقت عيناه بعينيها في تلك اللحظة شعر كأنه يراها للمرة الأولى.


ألقى عليها السلام.


ردت عليه بابتسامة.


كانت ابتسامة عابرة، لكن عينيها أخفتا شيئًا لم تستطع شفتاها قوله.


تأملها سمير لحظات.


يا إلهي... ما أجملها!


رقيقة، ضحوكة، وفي حضورها شيء يجعل المكان أكثر حياة.


خرجت نجمة من الصيدلية، فناداها:


— يا نجمة، دعينا نذهب معًا.


التفتت إليه وقالت:


— الحمد لله على سلامتك... أنت مريض؟


تذكر سمير فجأة سبب دخوله الصيدلية.


— آه... نسيت أن أشتري الدواء لأمي!


ابتسمت نجمة ومضت في طريقها.


لم تقل شيئًا، لكن عينيها قالتا ما لم تستطع شفتاها قوله.


بقي سمير يفكر فيها.


أصبحت نجمة الصباح ونجمة المساء في تفكيره.


وتكررت اللقاءات بينهما؛ بعضها صدفة، وبعضها بدا وكأن الصدفة نفسها بدأت تبحث عنهما. وفي كل لقاء كان شيء من بريق نجمة الصباح يتسلل إلى داخله.


حتى جاء يوم قال فيه لأمه:


— أمي، اذهبي أنت وأبي واطلبا لي يد نجمة.


ضحكت أمه وقالت:


— والله، إذا وافقت السماء فسوف أزوجك إياها!


بدا على سمير شيء من الارتباك.


— وهل يمكن ألا توافق؟


ضحكت أمه:


— لا تخف يا بني. سأحدثهم عنك بأجمل صورة.


وبالفعل، ذهب والد سمير ووالدته إلى بيت نجمة، وتحدثا مع أهلها في أمر الزواج.


كانت نجمة في الغرفة المجاورة تسترق السمع، وأختها إلى جانبها.


قالت لها أختها:


— أنت ستتزوجين، ولا تعرفين حتى كيف تدبرين أمور البيت! ستبقين كأنك لا تعرفين من أين تؤكل البيضة.


ضحكت نجمة.


تابعت أختها:


— انظري إلى أبي. كلما طلبنا منه نقودًا غضب في وجوهنا. أما أمي، فتذهب إليه وتعرف كيف تستخرج منه المال، بل وتعود بأكثر مما طلبت. وأنت لا تهتمين حتى بالطبخ!


نظرت نجمة إليها مبتسمة، لكنها لم تجب.


كان قلبها مشغولًا بشيء آخر.


كانت تسمع أصوات الرجال في الغرفة المجاورة، وكلما سمعت اسم سمير، شعرت أن قلبها يسبقها إلى الباب.


تمت الموافقة، وتزوج سمير ونجمة الصباح.


كانا أجمل زوجين في نظر من حولهما.


كان سمير بين الجد والكتابة والبحث في سير الفلاسفة وعلومهم، وكانت نجمة الصباح بين مرحها وضحكتها وفيض حبها له.


كانت تمنحه حبًا يدفعه إلى الكتابة، وتشجعه على البحث، حتى أصبح وجودها جزءًا من عالمه الفكري.


لكنها كانت تعرف كيف تنتزعه أحيانًا من عالم الكتب.


كانت تضع له نظارات شمسية سميكة، ثم تضحك قائلة:


— اكتب يا طه حسين!


فيضحك سمير.


وأحيانًا كانت تقف خلفه، تلف ذراعيها حول رقبته وتسحبه من عالمه إلى عالم آخر، فيضحك ويترك قلمه للحظات، ثم يعود إلى مقاله.


وفي أحد الأيام تأخر سمير في الجريدة، ولم يعد إلى البيت إلا في المساء.


استقبلته نجمة بحضن وقبلة، ثم وضعت الطعام أمامه.


لكنها لاحظت أن شيئًا ما يشغل باله.


قالت:


— ما بك يا حبيبي؟ لماذا أنت منزعج؟ هل فعلت شيئًا أزعجك؟


أجاب سمير:


— لا، لا... لكن الوقت تأخر، وأحتاج إلى ساعة أخرى أبحث فيها عن المصادر للمقال الذي سأكتبه غدًا، ولا أعرف أين سأجد الوقت.


ضحكت نجمة وقالت:


— يعني إذا لم تكتب المقال تتوقف سياسات العالم؟ ويتوقف الاقتصاد؟ وينتهي الفقر والجوع في العالم الثالث؟


ابتسم سمير وقال:


— ليس الأمر كذلك. أنا أكسب المال من هذا المقال، وأحصل على نسبة من مبيعات الجريدة.


هزت نجمة رأسها وكأنها فهمت الأمر أخيرًا، ثم قالت بمكر:


— آه، فهمت عليك... حسنًا، اكتب عني. أم أنني لا أعجبك؟


أعجب سمير بالفكرة، لكنه تردد.


ماذا سيقول رئيس التحرير؟ وماذا سيقول القراء؟


ثم قال في نفسه:


سأتحمل الخسارة وحدي... سأجرب.


وجلس يكتب.


الأنثى نجمة الصباح


روضة زهراء، فاتنة جميلة، يفوح منها عطر أبدي لا ينتهي، وتمنحك من عبير حبها إكسيرًا يصعب عليك أن تتخلى عنه.


هي كتاب فلسفي ملغز لشدة وضوحه؛ طيبة، معطاءة، كريمة، ولكن إياك أن تجرحها، فهي لا تنسى الجرح بسهولة.


هي كوكب يضيء غيمة الرجل.


كأنها نجمة الصباح أو نجمة المساء؛ تمنحك الهدوء والسكينة والطاقة. وإن عرفت الأنثى حق معرفتها، أزهر ربيع الوجود من حولك، وتجلى في عينيها فيض الحب لمن تحب، وشرارة غضب الآلهة إن غضبت.


أنثى ملهمة للفلاسفة والأدباء والشعراء.


طفلة لا تكبر.


هي سكون الليل ونسيم الصباح، ياسمين العشاق.


وهي الأم أيضًا؛ أمومتها صدر يضمك بلا قيد، وحضن يجد فيه الطفل أمانه، ودفء تستطيع فيه الروح أن تستريح. تحمل طفلها، وتحمل معه خوفه وفرحه وأحلامه، وكأن قلبها خُلق ليكون وطنًا صغيرًا لمن تحب.


وهي حواء التي حوت في قلبها أشياء كثيرة؛ لا تبخل بما تملك على من تحب، وتمنحه من حنانها ما لا تستطيع الكلمات وصفه.


لكنها ليست الحنان وحده.


هي قوة حين يجب أن تكون قوية، وغضب حين تُمس كرامتها، وصمت حين تعجز الكلمات عن حمل ما في داخلها.


لا أكتب عنها لأنها جميلة، ولا لأنها زوجة أو أم أو حبيبة.


أكتب عنها لأنها أنثى.


لأن فيها سرًا لا تستطيع الكتب أن تحيط به، ولا الفلسفة أن تضع له تعريفًا نهائيًا.


وفي النهاية أقول لك أيتها الأنثى:


لا تضعفي.


أنت لطيفة من لطائف الله...


بل أنت نبيّة.


خرج سمير مسرعًا إلى مبنى الجريدة، وفي يده المقال.


دخل إلى مكتب رئيس التحرير ومدّه إليه.


أخذ رئيس التحرير الأوراق وبدأ يقرأ.


قطّب ما بين عينيه، ثم هز رأسه، وأخذ ينقر القلم على سطح مكتبه.


رفع عينيه إلى سمير وقال:


— ما هذا يا سمير؟ أهذا مقال؟ ماذا سأقول للقراء؟


أجاب سمير بهدوء متوتر:


— لم يبقَ وقت، سيدي. تأخرنا اليوم بسبب الاجتماع، والبحث عن المصادر ليس بالأمر السهل. أنا أتحمل كامل المسؤولية، حتى لو خسرنا بسبب هذا المقال.


صمت رئيس التحرير لحظة، ثم قال:


— حسنًا، سنضطر إلى نشره. لم يبقَ في العدد سوى زاويتك، لكنك ستتحمل مسؤولية أي خسارة تحدث.


خرج سمير من المكتب منزعجًا، وأخذ يحدث نفسه:


الحق ليس عليّ... تأخر الوقت، والبحث عن المصادر صعب. وأنا قلت له إنني أتحمل المسؤولية.


ثم ابتسم فجأة.


لكن يجب ألا تعلم نجمة شيئًا.


قرر أن يعود إلى البيت وكأن شيئًا لم يحدث.


سأضحك معها، وسأمزح، بل سنرقص الليلة... وسأشرب نخب نجاح المقال.


في عصر اليوم التالي، رن هاتف سمير.


كانت نجمة هي التي تتصل.


— سمير، رئيس التحرير على الهاتف.


جاءه صوت رئيس التحرير:


— ألو... سمير؟ تعال إلى الجريدة بسرعة.


ثم أغلق الخط.


وقف سمير لحظات وقد بدأ القلق يتسلل إلى داخله.


ماذا حدث؟


خرج مسرعًا إلى الجريدة، وطوال الطريق كان يضرب أخماسًا بأسداس، ويستعيد في ذهنه كل كلمة قالها رئيس التحرير بالأمس.


وصل إلى مبنى الجريدة.


وما إن دخل حتى فوجئ بزملائه من الصحفيين والصحفيات يستقبلونه بالتهاني.


— مبروك يا سمير!


— أحسنت!


— مقال رائع!


ازداد خوفه بدل أن يطمئن.


ما الذي يحدث؟


نظر حوله، فرأى أمام مكتب رئيس التحرير عددًا من الصحفيين ينتظرون دورهم، وكان كثير منهم يحلمون بالحصول على زاوية أسبوعية في الجريدة.


فتح رئيس التحرير باب مكتبه، وما إن رأى سمير حتى ابتسم ابتسامة عريضة، ومد يده إليه وصافحه بقوة.


— أحسنت يا سمير! لقد نفد العدد كله!


ثم أضاف:


— وهذه أرباحك، بالإضافة إلى مكافأة مالية. كنت أعلم أن مقالك سيُحدث ضجة إعلامية!


نظر إليه سمير لحظة، ثم قال في سره:


بالأمس كنت تقول إنني سأتحمل الخسارة وحدي... واليوم أصبحت صاحب نظرة ثاقبة!


أخذ المال وشكر رئيس التحرير، ثم خرج مسرعًا.


كان يريد أن يصل إلى البيت قبل نجمة.


هذه المرة لم يكن يريد أن يخفي شيئًا.


كان يريد أن يحتفل معها بصدق.


فهي صاحبة الفكرة الأولى، وهي المرأة التي جعلته يكتب ما لم يكتبه من قبل.


رفعت نجمة عينيها عن المقال، ونظرت إلى سمير مبتسمة.


قالت:


— كل هذا وأنا؟


ابتسم سمير وقال:


— بل أنت أكثر مما استطعت أن أكتب.


ضحكت، ثم عادت إلى قراءة المقال.


وفي تلك اللحظة أدرك سمير أن المرأة التي طلبت منه أن يكتب عنها لم تكن تعرف أنها ستدخل عالم الفلسفة من أوسع أبوابه.


كانت نجمة الصباح...


تضيء عالم الفلسفة.


**(( تَفْتِيشٌ )).. قِصَّةٌ: (( مُصْطَفَى الحَاجّ حُسَيْن ))..

 **(( تَفْتِيشٌ ))..

قِصَّةٌ: (( مُصْطَفَى الحَاجّ حُسَيْن ))..


اِنْتَشَرَ الْخَبَرُ فِي خِيَامِنَا... سِيَادَةُ النَّقِيبِ (إِبْرَاهِيم بَرْهُوم)، مَعَ مَجْمُوعِ الضُّبَّاطِ، وَصَفِّ الضُّبَّاطِ، وَالْعَرِيفِ الْوَحِيدِ، فِي دَوْرَتِنَا (خَالِد)، هُمْ فِي جَوْلَةٍ تَفَقُّدِيَّةٍ، عَلَى مُعَسْكَرِنَا، نَحْنُ عَنَاصِرَ دَوْرَةِ الْأَغْرَارِ... يَقُومُونَ بِالتَّفْتِيشِ عَلَى خِيَامِنَا، وَمُصَادَرَةِ كُلِّ شَيْءٍ مُخَالِفٍ... هٰذَا إِلَى جَانِبِ مُعَاقَبَةِ، عَنَاصِرِ الْخَيْمَةِ، إِنْ كَانَتِ الْخَيْمَةُ غَيْرَ نَظِيفَةٍ، أَوْ مُرَتَّبَةٍ.


فَهَرَعْنَا... لِلتَّنْظِيفِ، وَلِلتَّطْبِيقِ، وَلِلتَّرْتِيبِ، وَلِبِسَانَا النِّظَامِيِّ، وَإِلَى حِلَاقَةِ ذُقُونِنَا، وَتَلْمِيعِ (أَبْوَاطِنَا)... وَإِلَى التَّأَهُّبِ، لِاسْتِقْبَالِ جَمِيعِ الْقَادِمِينَ.


سَيَطْلُبُونَ مِنِّي أَنْ أُسْمِعَهُمْ شِعْرًا، لِذٰلِكَ عَلَيَّ أَنْ أَنْتَهِيَ بِسُرْعَةٍ، مِنْ تَنْظِيمِ أَغْرَاضِي، وَتَرْتِيبِ نَفْسِي، ثُمَّ لِأُجَهِّزَ لَهُمْ قَصِيدَةً.


سَمِعْنَا مِنْ زُمَلَائِنَا، أَنَّ التَّدْقِيقَ، وَالتَّفْتِيشَ، كَانَ دَقِيقًا، وَإِنَّ الْمُصَادَرَاتِ كَانَتْ كَثِيرَةً، عَلَى كُلِّ مَا هُوَ مُخَالِفٌ، (كَالرَّادْيُو)، وَ(وَرَقِ الشَّدَّةِ)، وَ(الْمَسَابِحِ)، وَ(الْجِمْدَانَاتِ)... فَصِرْنَا نُخْفِي، أَوْ نَرْمِي، كُلَّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَرِّضَنَا لِلْمَسَاءَلَةِ أَوِ الْعُقُوبَةِ... فَقَدْ كَانَ الْعَرِيفُ (خَالِدٌ)، يُسَجِّلُ أَسْمَاءَ الْمُخَالِفِينَ، فِي قَائِمَةٍ، لِتَتِمَّ مُعَاقَبَتُهُمْ، بَعْدَ الِانْتِهَاءِ مِنَ التَّفْتِيشِ.


الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَنَا إِنْسَانٌ نِظَامِيٌّ، لَا أَمْلِكُ شَيْئًا مُخَالِفًا، إِلَّا كُتُبِي، الَّتِي سَمَحُوا لِي بِهَا... وَهُمْ يَقُومُونَ بِاسْتِعَارَتِهَا مِنِّي.


انْتَصَفَ النَّهَارُ، وَنَحْنُ فِي خَيْمَتِنَا، نَنْتَظِرُ دَوْرَنَا... وَاقْتَرَبَ مَوْعِدُ تَنَاوُلِ الْغَدَاءِ... وَكَانَ الْكَثِيرُ مِنَّا، يَشْعُرُ بِالتَّوَتُّرِ وَالْقَلَقِ، رَغْمَ مَعْرِفَتِنَا بِأَنَّنَا نِظَامِيُّونَ، وَجَاهِزُونَ.


اقْتَرَبَ الدَّوْرُ، وَوَصَلُوا إِلَى الْخَيْمَةِ الْمُجَاوِرَةِ... وَكُنَّا نُرَاقِبُ، وَنُرْهِفُ السَّمْعَ، وَنَسْأَلُ، وَنَسْتَفْسِرُ، وَنَجْلِسُ كُلٌّ فِي مَكَانِهِ، مُنْقَطِعِي الْأَنْفَاسِ، وَالصَّوْتِ، وَالْحَرَكَةِ.


وَأَخِيرًا، وَصَلُوا إِلَى خَيْمَتِنَا... فَنَهَضْنَا وَنَحْنُ فِي أَمَاكِنِنَا، قَدَّمْنَا لَهُمُ التَّحِيَّةَ الْعَسْكَرِيَّةَ... كَانَ عَدَدُهُمْ لَيْسَ بِالْقَلِيلِ، عُيُونُهُمْ تَتَفَحَّصُ الْمَكَانَ... وَكَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا، أَنْ يَخْضَعَ، وَأَغْرَاضُهُ، وَكُلُّ مَا يَحُوزُهُ، لِلتَّفْتِيشِ الدَّقِيقِ، وَالصَّارِمِ، وَالشَّامِلِ... حَيْثُ أَفْرَغَ كُلٌّ مِنَّا أَغْرَاضَهُ، أَمَامَهُ، عَلَى الْأَرْضِ التُّرَابِيَّةِ.


كَانَتْ خَيْمَتُنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، جَمِيعُهَا نِظَامِيَّةً... لَا مُلَاحَظَةَ عَلَيْنَا... لِذٰلِكَ، سُرَّ مِنَّا سِيَادَةُ النَّقِيبِ (إِبْرَاهِيم بَرْهُوم) وَابْتَسَمَ، وَكَلَّمَنِي:


- كَيْفَ حَالُ شَاعِرِنَا؟.. هَلْ تَشْكُو مِنْ شَيْءٍ؟


- الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيِّدِي، أَنَا بِأَلْفِ خَيْرٍ.


- مَا هِيَ آخِرُ كِتَابَاتِكَ؟


- لَا بَأْسَ... وَلَكِنْ، مِنَ الصَّعْبِ، الْكِتَابَةُ فِي مِثْلِ هٰذِهِ الظُّرُوفِ... خَيْمَةٌ، فِيهَا عَشَرَةُ أَشْخَاصٍ، وَبِدُونِ كَهْرَبَاءَ، وَانْقِطَاعٌ عَنِ الْقِرَاءَةِ، وَدُرُوسٌ، وَتَدْرِيبٌ، وَاجْتِمَاعَاتٌ، وَتَفْتِيشٌ... كُلُّ هٰذَا، لَا يَتَنَاسَبُ مَعَ كِتَابَةِ الشِّعْرِ... فَالشِّعْرُ بِحَاجَةٍ إِلَى هُدُوءٍ، وَتَأَمُّلٍ.


- لَكِنَّهَا تَجْرِبَةٌ جَدِيدَةٌ عَلَيْكَ... أَلَمْ تَشْتَقْ لِأَهْلِكَ، وَحَبِيبَتِكَ، وَبَلَدِكَ؟


- بِالتَّأْكِيدِ، سَيِّدِي... وَقَبْلَ قَلِيلٍ كَتَبْتُ قَصِيدَةً... وَأَنْتُمْ تَقُومُونَ بِجَوْلَتِكُمْ.


- جَمِيلٌ... هَاتِ وَأَسْمِعْنَا، مَا كَتَبْتَ.


كَانُوا جَمِيعُهُمْ يَقِفُونَ وَسَطَ الْخَيْمَةِ... وَعِنْدَ بَابِهَا... وَابْتِسَامَاتُهُمْ لَا تُفَارِقُ وُجُوهَهُمْ، كَمَا أَنَّهَا لَا تُفَارِقُ شِفَاهَ رِفَاقِي... فَتَنَاوَلْتُ دَفْتَرِي، وَبَدَأْتُ أَقْرَأُ:


- (عَيْنَانِ)..


تَكَحَّلِي مِنْ رَمَادِ أَدْمُعِي 

مِنْ نَزِيفِ أَحْلَامِي  

مِنْ دَمِي الْمَحْرُوقِ

تَكَحَّلِي مِنْ كَآبَتِي 

مِنْ آهَتِي 

مِنْ نَبْضِي الْمَهْوُوسِ

وَاغْرِزِي رُمُوشَكِ كَالْحِرَابِ

بِبَسْمَتِي 

وَحَدِّقِي بِي طَوِيلًا لِأَسْقُطَ  

مَحْمُومَ الْفُؤَادِ  

مُخَدَّشَ الصَّوْتِ  

رَاعِفَ الْعَيْنَيْنِ  

أُشَاهِدُ أَقْمَارًا تَتَمَسَّحُ بِقَدَمَيْكِ 

وَشُمُوسًا تَشْحَذُ الضَّوْءَ مِنْ عَيْنَيْكِ

سَمْرَاءَ كَالْبَرْقِ 

تَشُقُّ قَلْبِي وَتَدْخُلُ 

لِتَأْمُرَنِي بِالْكِتَابَةِ. *


صَفَّقُوا لِي: النَّقِيبُ وَالضُّبَّاطُ، وَصَفُّ الضُّبَّاطِ وَأَهْلُ خَيْمَتِي... وَهَتَفَ الْمُلَازِمُ أَوَّل (خَضْر)، وَهُوَ يَبْتَسِمُ:


- جَمِيلَةٌ... وَلٰكِنْ، لَوْ تَكْتُبُ عَنِ الْوَطَنِ، وَعَنْ سِيَادَةِ الرَّئِيسِ، يَكُونُ ذٰلِكَ أَفْضَلَ، وَأَحْلَى.


قُلْتُ:


- سَيِّدِي... مَنْ لَا يَكْتُبُ عَنِ الْحُبِّ، مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَطِيعَ الْكِتَابَةَ عَنِ الْوَطَنِ، وَقَائِدِهِ.


بَعْدَ أَنْ غَادَرُوا خَيْمَتَنَا، وَانْتَقَلُوا إِلَى الْخَيْمَةِ الْمُجَاوِرَةِ... جَلَسْتُ فَوْقَ مُخَدَّةِ النَّوْمِ، وَأَشْعَلْتُ سِيجَارَةً، وَسَرَحْتُ فِي خَيَالِي، مِنْ مُعَسْكَرِ (تْسِيلْ)، الْوَاقِعِ عَلَى الْحُدُودِ، مَعَ الْأَعْدَاءِ، إِلَى حَلَب... حَيْثُ الْأَهْلُ، وَالْأَصْدِقَاءُ، وَأَبِي الَّذِي تَرَكْتُهُ يُعَارِكُ الْأَحْجَارَ، بِمُفْرَدِهِ... صِرْتُ أَحِنُّ إِلَى الشُّغْلِ مَعَهُ... وَنَدِمْتُ عَلَى خِلَافَاتِي الْكَثِيرَةِ الَّتِي دَارَتْ بَيْنَنَا... وَأَخَذْتُ أُرَدِّدُ بِدَاخِلِي:


- سَامِحْنِي يَا أَبِي، كُنْتُ لَا أُقَدِّرُ ظُرُوفَكَ.


فَجْأَةً... انْبَعَثَ صَوْتُ النَّقِيبِ (إِبْرَاهِيمَ)، وَكَانَ حَادًّا، وَمُنْفَعِلًا، وَمُسْتَغْرِبًا، وَهُوَ يَصْرُخُ:


- مَا هٰذَا؟!.. قُلْ لِي!.. يَا حَيَوَانُ!


تَرَاكَضَ بَعْضُ رِفَاقِي، لِيَفْهَمُوا مَاذَا يَحْدُثُ، فِي الْخَيْمَةِ الْمُجَاوِرَةِ.


وَأَنَا بَدَوْرِي، نَهَضْتُ، وَرَمَيْتُ بِسِيجَارَتِي، وَوَقَفْتُ عِنْدَ بَابِ خَيْمَتِي، الْمُشْرَعِ عَلَى سَعَتِهِ.


وَاقْتَرَبَ مِنِّي زَمِيلِي (نَوْرَسُ حَمَّادٌ)، الَّذِي عَرَفَ مَعْلُومَاتٍ، عَمَّا يَحْصُلُ فِي الْخَيْمَةِ الْمُجَاوِرَةِ، وَهَمَسَ:


- وَقَعَ الْمِسْكِينُ... كَانَ اللَّهُ فِي عَوْنِهِ.


قُلْتُ مُسْتَفْسِرًا:


- خَيْرٌ!.. مَنْ هُوَ الَّذِي وَقَعَ؟


- (مُحَمَّدٌ حَجُّ عَلِيٍّ)... وَقَعَ فِي وَرْطَةٍ كَبِيرَةٍ.


قُلْتُ، وَأَنَا فِي غَايَةِ الْقَلَقِ، وَالِاسْتِغْرَابِ:


- مَا بِهِ (الْحَجُّ عَلِي)؟!


قَالَ:


- تَعَالَ... اقْتَرِبْ... لِتَفْهَمَ.


خَطَوْتُ نَحْوَ الْخَيْمَةِ الثَّانِيَةِ... نَظَرْتُ مِنْ عَلَى بُعْدٍ، مِنْ خِلَالِ فَتْحَةِ الْبَابِ... الْمُكْتَظَّةِ بِالضُّبَّاطِ، وَصَفِّ الضُّبَّاطِ... وَكَانَ النَّقِيبُ (إِبْرَاهِيمُ)، يَسْأَلُ بِعَصَبِيَّةٍ، وَيَحْمِلُ بِيَدِهِ دَفْتَرًا، يَنْظُرُ إِلَيْهِ:


- مَا هٰذَا يَا جَحْش!.. يَا بَغْل!.. يَا حِمَار!.. يَا حَيَوَان!.. يَا بَهِيم!..  

يَا قَلِيلَ الْفَهْمِ، وَالذَّوْقِ؟!


وَكَانَ (مُحَمَّدٌ حَجُّ عَلِيٍّ)، شَاحِبَ الْوَجْهِ، يَرْتَجِفُ،  

وَيُحَاوِلُ أَنْ يُجِيبَ، بِصَوْتٍ مُرْتَعِشٍ، وَمُضْطَرِبٍ، وَمُتَلَعْثِمٍ:


- سَيِّدِي... أَنَا أُحِبُّ الرَّسْمَ، وَكُنْتُ أَتَسَلَّى.


- تَتَسَلَّى يَا ابْنَ الْحَرَامِ؟!


ثُمَّ خَرَجَ (النَّقِيبُ)، مِنَ الْخَيْمَةِ، وَتَبِعَهُ كُلُّ مَنْ كَانَ بِرِفْقَتِهِ.. وَطَلَبَ مِنَ (الْحَجِّ عَلِيّ) مُرَافَقَتَهُ...  

وَوَقَفُوا فِي السَّاحَةِ، وَأَمَرَ (النَّقِيبُ) بِجَمْعِ عَنَاصِرِ الدَّوْرَةِ،  

وَانْبَعَثَتِ الْأَصْوَاتُ، مِنْ كُلِّ صَوْبٍ، تَهْتِفُ بِقُوَّةٍ:


- اِجْتِمَاع!.. اِجْتِمَاع!


وَخَرَجُوا عَنَاصِرُ الدَّوْرَةِ، وَتَرَاكَضُوا، وَتَزَاحَمُوا، وَاصْطَفُّوا،  

وَبِسُرْعَةٍ... اكْتَمَلَ الِاجْتِمَاعُ.


وَالْتَفَتَ النَّقِيبُ (إِبْرَاهِيمُ) إِلَى الْمُلَازِمِ أَوَّل (خَضَر)، وَقَالَ:


- بَاشِرْ مُهِمَّتَكَ، يَا سِيَادَةَ الْمُلَازِمِ أَوَّل (خَضَر)...  

وَتَرَكَ الِاجْتِمَاعَ، وَانْصَرَفَ.


تَحَرَّكَ الْمُلَازِمُ أَوَّل (خَضَر)، ضَابِطُ أَمْنِ دَوْرَةِ الْأَغْرَارِ... وَأَشَارَ بِيَدِهِ، إِلَى (مُحَمَّدٍ حَجِّ عَلِيٍّ)، قَائِلًا:


- اقْتَرِبْ إِلَى هُنَا... يَا حَقِيرُ!


فَخَطَا، نَحْوَ الْمُلَازِمِ أَوَّل، بِذُلٍّ، وَانْكِسَارٍ، وَرُعْبٍ...  

وَكَانَتْ دَمْعَتُهُ فِي عَيْنَيْهِ، أَكْبَرَ مِنْ جَبَلٍ عَظِيمٍ. 


نَظَرَ إِلَيْهِ الْمُلَازِمُ أَوَّل (خَضَر)... تَأَمَّلَهُ بِشَكْلٍ جَيِّدٍ، وَصَاحَ يَأْمُرُهُ:


- اخْلَعْ ثِيَابَكَ يَا قِرْد!.. وَقِفْ أَمَامِي، وَأَنْتَ فِي (الشَّرْطِ).


وَبَاشَرَ (مُحَمَّدٌ حَجُّ عَلِيٍّ) بِخَلْعِ مَلَابِسِهِ، وَبُوطِهِ الْعَسْكَرِيِّ،  

وَجَسَدُهُ يَرْتَعِشُ، مَعَ أَنَّ الْجَوَّ مُلْتَهِبٌ. وَزَعَقَ الضَّابِطُ:


- عَجِّلْ!.. بِسُرْعَةٍ يَا قَذِرُ.


وَتَسَارَعَتْ وَتِيرَةُ زَمِيلِنَا، بِخَلْعِ مَلَابِسِهِ... حَتَّى فَرَغَ، وَرَمَاهَا إِلَى جِوَارِهِ، عَلَى الْأَرْضِ التُّرَابِيَّةِ، ذَاتِ الْأَشْوَاكِ اللَّاذِعَةِ.


وَوَقَفَ... بِاسْتِعْدَادٍ، أَمَامَ الْمُلَازِمِ أَوَّل، وَعَيْنَاهُ تَتَوَسَّلَانِ، فُرْصَةً لِلْكَلَامِ.


وَلَكِنَّ الْأَمْرَ جَاءَهُ صَارِمًا، وَعَنِيفًا، وَبِلَا شَفَقَةٍ، أَوْ رَحْمَةٍ:


- انْبَطِحْ عَلَى الْأَرْضِ يَا حَيَوَانُ!.. وَضَعْ يَدَيْكَ خَلْفَ ظَهْرِكَ.


وَمَا كَانَ مِنْ (مُحَمَّدٍ حَجِّ عَلِيٍّ)، إِلَّا أَنْ يَمْتَثِلَ لِلْأَوَامِرِ.


ثُمَّ رَاحَ الْمُلَازِمُ أَوَّل (خَضَر)، يُخَاطِبُنَا، نَحْنُ عَنَاصِرَ دَوْرَةِ الْأَغْرَارِ:


- هَلْ تَعْرِفُونَ مَاذَا فَعَلَ هٰذَا الْكَلْبُ؟!..  

إِنَّهُ تَجَرَّأَ، وَبِكُلِّ صَفَاقَةٍ، وَحَقَارَةٍ، وَنَذَالَةٍ، وَقِلَّةِ ذَوْقٍ، وَدُونَ أَيِّ وَازِعٍ، مِنْ ضَمِيرٍ، أَوْ أَخْلَاقٍ، أَوْ شَرَفٍ، أَوْ وِجْدَانٍ، أَوْ مَسْؤُولِيَّةٍ.. قَامَ هٰذَا الْخَائِنُ، وَالْجَبَانُ وَالْعَمِيلُ، وَالْمَأْجُورُ... بِرَسْمِ لِحْيَةٍ لِسِيَادَةِ الْقَائِدِ (الْمُفَدَّى)، عَلَى صُورَتِهِ، الْمَوْجُودَةِ عَلَى الدَّفَاتِرِ.. اُنْظُرُوا كَيْفَ...


وَرَفَعَ يَدَهُ بِالدَّفْتَرِ، الَّذِي كَانَ يَحْمِلُهُ،  

فَشَاهَدْنَا... دَفْتَرًا مَوْجُودًا عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا،  

مِنْ فِئَةِ الْمِائَةِ صَفْحَةٍ، مَطْبُوعٌ عَلَى غِلَافِهِ، صُورَةُ السَّيِّدِ (الرَّئِيسِ)، بِشَكْلٍ دَائِرِيٍّ،  

وَقَدْ قَامَ الْمَدْعُوُّ (مُحَمَّدٌ حَجُّ عَلِيٍّ)، وَبِقَلَمِ الرَّصَاصِ، بِرَسْمِ لِحْيَةٍ عَلَى صُورَةِ الرَّئِيسِ.


وَتَابَعَ سِيَادَةُ الْمُلَازِمِ أَوَّل، كَلَامَهُ الْمُؤَثِّرَ، وَالْمُعَبِّرَ، وَبِصَوْتِهِ الْمِدْفَعِيِّ، الرَّنَّانِ، وَالْهَادِرِ، مُوَجِّهًا كَلَامَهُ إِلَيْنَا:


- مَا رَأْيُكُمْ... يَا جُنُودَ الْوَطَنِ الْأَشَاوِسِ؟!  

هَلْ يَقْتَنِعُ أَحَدٌ مِنْكُمْ، أَنَّ مَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ زَمِيلُكُمْ، الْخِنْزِيرُ هٰذَا... كَانَ بِدَافِعِ التَّسَلِّي، وَصَدَرَ عَنْ نَفْسٍ بَرِيئَةٍ، وَنَبِيلَةٍ؟!..  

أَمْ هٰذَا الَّذِي يَقِفُ قُبَالَكُمْ، هُوَ خَائِنٌ حَقِيرٌ، وَمَأْجُورٌ؟!


الصَّمْتُ كَانَ مَخْبَأَنَا،  

وَالْخَوْفُ يَحْتَضِنُ قُلُوبَنَا،  

وَالدَّمْعُ كَانَ يَنْزِفُ مِنْ أَنْفَاسِنَا.. كُلُّنَا يَعْرِفُ (مُحَمَّدَ حَجَّ عَلِيٍّ)، إِنْسَانًا مُهَذَّبًا، وَمُحْتَرَمًا، وَهُوَ بِالتَّأْكِيدِ، لَا يَقْصِدُ مَا تَوَصَّلَ إِلَيْهِ ضُبَّاطُنَا الْأَكَارِمُ، وَلٰكِنْ... مَنْ يَجْرُؤُ وَيُدَافِعُ عَنْهُ؟!..


الْمِسْكِينُ... وَقَعَ فِي وَرْطَةٍ هَائِلَةِ الْحَجْمُ، وَفَظَاعَةُ مَا يَجْرِي، وَنَحْنُ لَا نَعْرِفُ، مَاذَا سَتَكُونُ نِهَايَتُهَا؟!...


مُنْبَطِحٌ عَلَى الْأَرْضِ، يَدَاهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَوَجْهُهُ مُعَفَّرٌ بِالتُّرَابِ،  

وَمَمْنُوعٌ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَسَّلَ، أَنْ يَرْجُوَ، أَنْ يَتَكَلَّمَ،  

أَنْ يُوَضِّحَ، أَنْ يَشْرَحَ، أَنْ يُبَرِّئَ نَفْسَهُ، أَنْ يُدَافِعَ عَنْ حَالِهِ.


تُرَاهُ بِمَاذَا يُفَكِّرُ الْآنَ؟!.. بِمَاذَا يَحِسُّ وَيَشْعُرُ؟!..  

مُؤَكَّدٌ أَنَّهُ يُنَاجِي اللَّهَ، وَيَرْجُوهُ، وَيَبْتَهِلُ إِلَيْهِ،  

لِيَبْعَثَ لَهُ فَرَجًا...  

لَا أَحَدَ سِوَى اللَّهِ، يَسْتَطِيعُ التَّدَخُّلَ، وَمُسَاعَدَتَهُ.


كَيْفَ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْغَلْطَةِ؟!..  

أَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ أَنَّ هَذَا مَمْنُوعٌ؟!..  

وَلِمَاذَا لَمْ يُمَزِّقْ غِلَافَ الدَّفْتَرِ، أَوْ يَتَخَلَّصْ مِنْ دَفْتَرِهِ، قَبْلَ وُصُولِ التَّفْتِيشِ، إِلَى خَيْمَتِهِ؟!


هَلْ هُوَ غَبِيٌّ؟!.. ضَعِيفُ الذَّكَاءِ؟!.. مُغَفَّلٌ؟!.. أَبْلَهُ؟!.. سَاذَجٌ؟!


أَمْ أَنَّهُ يَنْتَمِي لِلْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ؟!..  

وَبِلَا شُعُورٍ مِنْهُ، رَسَمَ اللِّحْيَةَ لِسِيَادَةِ (الرَّئِيس).. 

وَلَكِنْ لَا... لَا أَظُنُّ أَنَّ لَهُ عِلَاقَةً بِالْإِخْوَانِ.. قَدْ يَكُونُ يَكْرَهُ الرَّئِيسَ، وَلَكِنَّ كُرْهَهُ لَا عِلَاقَةَ لَهُ بِالْإِخْوَانِ، مِثْلَهُ، مِثْلَ مُعْظَمِ الشَّعْبِ.


عَلَى مَرِّ الْأَزْمِنَةِ، وَالْعُصُورِ، وَالتَّارِيخِ، وَالْأَحْقَابِ... وَالْأَيَّامِ... يَكُونُ الطَّاغِيَةُ، وَالدِّكْتَاتُورُ، مَكْرُوهَيْنِ مِنْ

قَبْلِ شَعْبِهِ وَنَاسِهِ، دُونَ أَنْ يَنْتَسِبُوا إِلَى أَحْزَابٍ، أَوْ دِيَانَاتٍ، أَوْ طَوَائِفَ...  

وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْهَمُوا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السِّيَاسَةِ...  

إِنَّهُمْ، بِشَكْلٍ عَفْوِيٍّ، يُحَارِبُونَ الظُّلْمَ، وَالْقَهْرَ،  

وَيَبْحَثُونَ عَنْ حُرِّيَّتِهِمْ، وَكَرَامَتِهِمْ.


ثُمَّ... مَا فَائِدَتُهَا إِنْ أَضَافَ لِسِيَادَةِ الرَّئِيسِ لِحْيَةً؟!..  

هَلْ كَانَ يَتَمَنَّاهُ أَنْ يَكُونَ مِنَ "الْإِخْوَانِ"؟!..  

بِالتَّأْكِيدِ، هَذَا مُسْتَبْعَدٌ، وَغَيْرُ مَعْقُولٍ.


الْمُلَازِمُ أَوَّل (خَضَر)، يَنْظُرُ إِلَيْنَا... يَقْرَأُ صَمْتَنَا، يُحَلِّلُ مَرَارَتَنَا،  

وَيَنْتَظِرُ أَجْوِبَةً عَلَى أَسْئِلَتِهِ...  

وَنَحْنُ غَارِقُونَ بِحَيْرَتِنَا، وَرُعْبَتِنَا.


أَمَرَ بِإِحْضَارِ (دُولَابٍ)، وَ(كَبْلٍ رُبَاعِيٍّ)،  

وَأَشْرَسِ اثْنَيْنِ مِنْ بَيْنِنَا...  

وَ(مُحَمَّد حَجِّ عَلِيٍّ) بِصَوْتِهِ الْبَاكِي، يُحَاوِلُ أَنْ يُخَاطِبَ الْمُلَازِمَ أَوَّل:


- يَا سَيِّدِي... أَرْجُوكَ... أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ... اسْمَعْنِي... أَمْنَحْنِي فُرْصَةً لِلْكَلَامِ.


لَكِنَّ الْعَرِيفَ (خَالِد)، انْحَنَى فَوْقَهُ،  

وَحَشَرَهُ فِي (الدُّولَابِ)،


فَصَارَ رَأْسُهُ إِلَى الْأَسْفَلِ، وَقَدَمَاهُ إِلَى الْأَعْلَى...  

وَبَعْدَ أَنْ أَعْطَاهُ (الْمُلَازِمُ أَوَّل) الْإِذْنَ، تَنَاوَلَ (الْكَبْلَ الرُّبَاعِيَّ)، وَانْهَالَ عَلَى قَدَمَيْهِ.. غَيْرَ عَابِئٍ بِصُرَاخِ (مُحَمَّد حَجِّ عَلِيٍّ)، وَتَوَسُّلَاتِهِ.


وَتَعَالَى صَوْتُ التَّوَجُّعِ، وَالْأَلَمِ، وَالْأَنِينِ..

وَالتَّأَوُّهَاتِ، وَالدَّمْعِ، وَالتَّوَسُّلَاتِ، وَالتَّرَجِّي،  

وَتَجَمُّعِ غَيْمِ أَيْلُولَ فِي السَّمَاءِ، وَانْبِثَاقِ الدَّمِ مِنْ أَقْدَامِ الرَّعْدِ، وَتَمَزُّقِ الْبَرْقِ، وَتَنَاثُرِ الْقَهْرِ.. وَدَمَعَتْ عُيُونُنَا، دُونَ أَنْ يُلَاحِظَهَا الْمُلَازِمُ أَوَّل (خَضَر)، بَيْنَمَا الْعَرِيفُ (خَالِد)، مُنْهَمِكٌ فِي جَلْدِ (مُحَمَّد حَجِّ الْعَلِيِّ)، الْمُغْمَى عَلَيْهِ.


وَتَبَرَّعَ الْعَدِيدُ مِنْ أَبْنَاءِ دَوْرَتِنَا، لِإِحْضَارِ الْمَاءِ، لِرَشِّهِ عَلَى وَجْهِ، وَجَسَدِ، وَقَدَمَيْ زَمِيلِهِمْ (مُحَمَّد حَجِّ عَلِيٍّ)،  

لِيَصْحُوَ وَيَسْتَعِيدَ وَعْيَهُ،  

لِيَتَجَدَّدَ تَعْذِيبُهُ، عَلَى يَدِ، حَضْرَةِ الْعَرِيفِ (خَالِد).


وَصَاحَ الْمُلَازِمُ أَوَّل (خَضَر)، بَعْدَ أَنْ أَشَارَ لِلْعَرِيفِ (خَالِد)، لِيَتَوَقَّفَ عَنْ ضَرْبِ (مُحَمَّد عَلِي)، وَتَوَجَّهَ إِلَيْنَا بِسُؤَالٍ:


- مَنْ مِنْكُمْ، يَقْتَرِحُ عَلَيْنَا، عُقُوبَةً تُنَاسِبُ، جُرْمَ زَمِيلِكُمُ الْخَائِنِ؟!..  

أُرِيدُ عُقُوبَةً يَسْتَحِقُّهَا، عَنْ جَدَارَةٍ، لَا يَنْسَاهَا مَدَى الْعُمْرِ!


وَارْتَفَعَتْ أَيَادٍ كَثِيرَةٌ، مِنْ أَيْدِينَا.. وَبَدَأَتِ الِاقْتِرَاحَاتُ، وَانْهَالَتِ الْأَفْكَارُ الْعَبْقَرِيَّةُ،

وَتَزَاحَمَتِ الْخَيَالَاتُ، وَالتَّصَوُّرَاتُ.. وَصَاحَ الْمُلَازِمُ أَوَّل، وَهُوَ فِي أَوْجِ الْجِدِّيَّةِ:


- كُلُّ وَاحِدٍ فِيكُمْ، يَكُونُ اقْتِرَاحُهُ، حَسَبَ مَحَبَّتِهِ، لِسِيَادَةِ الرَّئِيسِ...  

فَكُلَّمَا كَانَتِ الْمَحَبَّةُ أَكْثَرَ، كَانَتِ الْعُقُوبَةُ، أَشَدَّ، وَأَقْوَى، وَأَقْسَى.


وَكَانَتِ الِاقْتِرَاحَاتُ، عَلَى الشَّكْلِ التَّالِي:


- أَقْتَرِحُ أَنْ نَرْبِطَهُ بِالشَّجَرَةِ، ثُمَّ نَقُومَ بِالْبَصْقِ عَلَيْهِ.


- فِكْرَتِي... أَنْ نَحْفِرَ، حُفْرَةً وَسْطَ الْبَاحَةِ، وَنَدْفِنَهُ إِلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ نَدُوسَ عَلَيْهِ.


- مَا رَأْيُكُمْ سَيِّدِي الْمُلَازِمُ أَوَّل، أَنْ نَطْمُرَهُ فِي دَوْرَةِ الْمِيَاهِ، لِمُدَّةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؟!.. يَأْكُلُ، وَيَشْرَبُ، وَيَنَامُ هُنَاكَ؟!


وَأُعْجِبَ الْمُلَازِمُ أَوَّل بِالْفِكْرَةِ، فَقَالَ:


- أَنْتَ يَا عَسْكَرِيُّ... مَا اسْمُكَ؟!.. لَقَدْ رَاقَتْ لِي فِكْرَتُكَ.


- أَنَا يَا سَيِّدِي، اسْمِي... (نَاظِم مَعَلَّا).


- أَحْسَنْتَ يَا (نَاظِم)... أَنْتَ حَقًّا تُحِبُّ سِيَادَةَ الرَّئِيسِ!


وَصَرَخَ الضَّابِطُ:


- مَجْمُوعُ دَوْرَةِ الْأَغْرَارِ... انْتَبِهْ!


- الْآنَ، سَنَذْهَبُ لِفُرْصَةِ الْغَدَاءِ... ثُمَّ نَعُودُ وَنَجْتَمِعُ هُنَا.


مَا إِنْ دَخَلَ الْمُلَازِمُ أَوَّل (خَضَر) خَيْمَتَهُ لِتَنَاوُلِ الْغَدَاءِ، حَتَّى خَرَجَ الرَّائِدُ (عَاطِفُ الشُّومَرِيّ)، مِنْ مَكْتَبِهِ، وَسَارَ لِعِنْدِ (مُحَمَّدٍ حَجِّ عَلِيٍّ)، الَّذِي ظَلَّ فِي حَالَةِ انْبِطَاحٍ عَلَى الْأَرْضِ،  

وَيَدَاهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، كَمَا كَانَتِ الْأَوَامِرُ... فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ، وَبَقِيَ تَحْتَ الْمُرَاقَبَةِ، إِنْ صَدَرَتْ مِنْهُ أَيَّةُ حَرَكَةٍ...


وَحِينَ وَصَلَ إِلَيْهِ قَائِدُ دَوْرَتِنَا..


وَقَفَ بِالْقُرْبِ مِنْهُ، يَتَأَمَّلُهُ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَنْهَضَ

، وَيَقِفَ عَلَى قَدَمَيْهِ الْمُتَوَرِّمَتَيْنِ،  

وَالنَّازِفَتَيْنِ، دَمًا مُتَفَجِّرًا:


- لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ!.. كَمْ أَنْتَ غَبِيٌّ، يَا عَسْكَرِيُّ!..  

مَاذَا فَعَلْتَ بِنَفْسِكَ؟!.. اُنْظُرْ إِلَى حَالِكَ!..  

صَارَ الْكَلْبُ أَكْثَرَ جَمَالًا مِنْكَ!


- سَيِّدِي... وَاللَّهِ لَمْ أَكُنْ أَقْصِدْ!.. كُنْتُ أَتَسَلَّى، لَا أَكْثَرَ.


- أَخْرَسْ يَا مَغْفَّلُ!.. هَلْ تَتَسَلَّى بِصُورَةِ الرَّئِيسِ؟!..  

لَوْ كَانَتْ صُورَةَ أَبِيكَ... هَلْ كُنْتَ تَسَلَّيْتَ بِهَا هَكَذَا؟!..  

مَهْمَا فَعَلَهُ الْمُلَازِمُ أَوَّل (خَضَر) بِكَ... هَذَا قَلِيلٌ!..  

وَهَذَا مِنِ اخْتِصَاصِهِ، فَهُوَ ضَابِطُ أَمْنِ الدَّوْرَةِ...  

وَأَنَا لَا عِلَاقَةَ لِي بِعَمَلِهِ.


- سَيِّدِي... أَرْجُوكَ... سَامِحْنِي!


- قُلْتُ لَكَ: لَا عِلَاقَةَ لِي بِكَ!.. وَلَكِنْ سَأَسْمَحُ لَكَ بِتَنَاوُلِ الطَّعَامِ.. ثُمَّ عُدْ وَانْبَطِحْ، قَبْلَ مَجِيءِ الْمُلَازِمِ أَوَّل إِلَيْكَ.


ثُمَّ أَمَرَ الْعَنَاصِرَ، الَّذِينَ يَتَحَلَّقُونَ حَوْلَ زَمِيلِهِمُ الْمُعَاقَبِ:


- أَحْضِرُوا لَهُ (قَصْعَتَهُ)، وَقَدِّمُوا لَهُ الطَّعَامَ.. بِسُرْعَةٍ!


ثُمَّ تَرَكَهُ، وَمَشَى، بِاتِّجَاهِ مَكْتَبِهِ.


وَرَكَضَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ خَيْمَتِهِ...  

لِيُحْضِرَ لَهُ، مِنَ الْخَيْمَةِ، (قَصْعَتَهُ)... لِيَمْلَأَهَا لَهُ بِالطَّعَامِ.


كُنَّا وَنَحْنُ نَأْكُلُ، نَنْظُرُ إِلَيْهِ بِأَسًى وَحُزْنٍ،. وَنَتَمَنَّى مُسَاعَدَتَهُ... وَلَكِنَّنَا عَاجِزُونَ،. طَالَمَا قَائِدُ الدَّوْرَةِ بِذَاتِهِ، يَعْجَزُ عَنْ مُسَاعَدَتِهِ.  


طَلَبَ مِنْ زُمَلَائِهِ مَاءً، بَعْدَ أَنْ تَنَاوَلَ بَضْعَ لُقَيْمَاتٍ...  

ثُمَّ عَادَ وَانْبَطَحَ، عَلَى الْأَرْضِ،. وَوَضَعَ يَدَيْهِ خَلْفَهُ، كَمَا كَانَ فِي السَّابِقِ.  


أَشْعَلْتُ سِيجَارَةً، وَأَنَا أَتَدَارَى، مِنْ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ،  

تَحْتَ ظِلِّ الشَّجَرَةِ الضَّخْمَةِ، بَعْدَ أَنْ تَوَقَّفَ الْمَطَرُ عَنِ الْهُطُولِ...  

وَأَخَذْتُ أَدْعُو رَبِّي، أَلَّا يُوقِعَنِي بِغَلْطَةٍ، تَجُرُّنِي لِمِثْلِ هَذَا الْمَصِيرِ.. وَقَرَّرْتُ، أَنْ أُنَافِقَ، طُوَالَ مَا أَنَا فِي الْخِدْمَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ.. هُنَاكَ مَثَلٌ يُرَدِّدُهُ أَبِي كَثِيرًا:  

«عَسْكَرِيَّة؟ دَبِّر رَاسَك»...  

وَأَنَا سَأُدَبِّرُ رَأْسِي...  

وَأُنَافِقُ، وَأَكْذِبُ... وَالشِّعْرُ هُوَ سِلَاحِي. هُنَا لَا أَحَدَ يَعْرِفُنِي، أَوْ يَرَانِي، وَلَنْ أُخْبِرَ أَهْلِي، وَأَصْدِقَائِي، بِمَا فَعَلْتُ،  

ثُمَّ سَأُمَزِّقُ كُلَّ مَا كَتَبْتُهُ مِنْ قَصَائِدَ، كَاذِبَةٍ لَا تُمَثِّلُنِي.  


وَجَاءَتِ اللَّحْظَةُ الْحَاسِمَةُ،

. فَهَا هُوَ الْمُلَازِمُ أَوَّل، وَالْعَرِيفُ (خَالِد)، قَادِمَانِ،  

وَيَحْمِلَانِ بِأَيْدِيهِمَا، السَّوْطَ الرُّبَاعِيَّ.  


- انْتَبِهْ!.. اسْتَرِحْ!.. اسْتَعِدْ!.. إِلَى وَرَاءِ الْخِيَمِ...  

حَيْثُ (مَرَاحِيضُ) الدَّوْرَةِ... سِرْ!  


وَانْهَضُوا (مُحَمَّدَ حَجِّ عَلِيٍّ)... وَسَحَبُوهُ.


عِنْدَنَا (مَرَاحِيضُ) مُتَنَقِّلَةٌ، نَسْتَخْدِمُهَا فِي الدَّوْرَةِ.. نَحْفِرُ حُفْرَةً، وَنُرَكِّبُ عَلَيْهَا (مِرْحَاضًا) خَشَبِيًّا مُتَنَقِّلًا، وَحِينَ تُمْتَلَئُ الْحُفْرَةُ بِالْبِرَازِ، نَطْمُرُهَا بِالتُّرَابِ، وَنَنْتَقِلُ إِلَى حُفْرَةٍ جَدِيدَةٍ.


كَانَ (مُحَمَّدٌ حَجُّ عَلِيٍّ)، يَرْجُو الْمُلَازِمَ أَوَّل، وَيَتَوَسَّلُ، وَيُحَاوِلُ أَنْ يَنْكَبَّ عَلَى بُوطِهِ الْعَسْكَرِيِّ، لَكِنَّ الْمُلَازِمَ أَوَّل (خَضِر)، كَانَ يَزْجُرُهُ، وَيَنْهَاهُ، وَيُبْعِدُهُ عَنْهُ، بِضَرْبَةٍ قَوِيَّةٍ، مِنْ سَوْطِهِ.


قَادُوهُ إِلَى حُفْرَةِ (الْمِرْحَاضِ)، الْمَلِيئَةِ بِالْقَذَارَةِ، كَمَا يُقَادُ الْمُجْرِمُ إِلَى مِقْصَلَةِ الْإِعْدَامِ.


كَانَ الشَّوْكُ يَبْكِي تَعَاطُفًا مَعَهُ، وَالْأَرْضُ تَئِنُّ تَحْتَ وَقْعِ خُطُوَاتِهِ الثَّقِيلَةِ، وَالسَّمَاءُ تَرْمِشُ بِعَيْنَيْهَا الدَّامِعَتَيْنِ.. و(نَاظِمٌ مَعَلَّا)، صَاحِبُ الْفِكْرَةِ الْحَقِيرَةِ، يَمْشِي بَيْنَنَا بِفَرَحٍ وَخُيَلَاءِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَكْثَرُنَا مَحَبَّةً لِسِيَادَةِ الرَّئِيسِ. مَنْ مِنَّا يَجْرُؤُ وَيَبْصُقُ عَلَيْهِ؟!.. مَنْ يَسْتَطِيعُ حَتَّى لَوْمَهُ؟!.. كَيْفَ لَهُ أَنْ يَرْضَى، لِزَمِيلِهِ بِمِثْلِ، هَذِهِ الْعُقُوبَةِ الْفَظِيعَةِ؟!


وَقَفَ عِنْدَ حَافَّةِ (الْجُورَةِ)، تَوَسُّلَاتُهُ لَمْ تَتَوَقَّفْ، دُمُوعُهُ مُسْتَمِرَّةٌ بِالتَّدَفُّقِ، رَعْشَةُ جَسَدِهِ لَا تُفَارِقُهُ...


كَانَتِ الرَّائِحَةُ الْمُنْبَعِثَةُ مِنَ الْحُفْرَةِ، كَرِيهَةً لَا تُطَاقُ...


وَ(الْبَقُّ، وَالْبَرَاغِيثُ، وَالْحَشَرَاتُ، وَالْجُرْذَانُ) الْمُتَلَصِّصَةُ، تَنْتَظِرُ قُدُومَ (مُحَمَّدٍ حَجِّ عَلِيٍّ)، لِتَفْتِكَ بِهِ.


وَصَدَرَ عَنِ الْمُلَازِمِ أَوَّل (خَضِر)، صَوْتٌ غَلِيظٌ، وَخَشِنٌ:


– (مُحَمَّدٌ حَجُّ عَلِيّ)، انْزِلْ إِلَى الْحُفْرَةِ، وَلَا تَخْرُجْ مِنْهَا، إِلَّا بِأَمْرٍ مِنِّي. هَيَّا نَفِّذْ.


– يَا سَيِّدِي... أَرْجُوكَ... (أَبُوسُ) بُوطَكَ...


لَمْ يَتْرُكْهُ الْعَرِيفُ (خَالِد) يُكْمِلْ كَلَامَهُ، فَقَدْ دَفَعَهُ بِيَدِهِ، فَسَقَطَ فِي الْحُفْرَةِ.


وَغَاصَ (مُحَمَّدٌ حَجُّ عَلِيّ) فِي الْحُفْرَةِ الْمُمْتَلِئَةِ (بِالْبِرَازِ وَالْبَوْلِ)، وَحِينَ فَتَحَ فَمَهُ لِيَصْرُخَ، غَرِقَ فَمُهُ، وَتَبَلَّلَ وَجْهُهُ، فَأَخَذَ يَشْهَقُ، وَكَأَنَّهُ يَغْرَقُ، وَتَصَاعَدَتْ رَائِحَةٌ فَظِيعَةٌ بِالْبَشَاعَةِ، وَانْبَعَثَتْ ضِحْكَةٌ قَذِرَةٌ، مِنْ (نَاظِمٍ مَعَلَّا)، وَكَأَنَّهُ يَشْمَتُ بِرَفِيقِهِ...


وَسَدَدْنَا أُنُوفَنَا بِأَصَابِعِنَا، وَحَاوَلْنَا أَنْ نَبْتَعِدَ، مَعَ آلَامِنَا، وَدَمْعِنَا الْمَحْبُوسِ...


وَصَاحَ الْمُلَازِمُ أَوَّل، مُخَاطِبًا (مُحَمَّدَ حَجِّ عَلِيّ):


– الْآنَ... هُنَا يُمْكِنُكَ أَنْ تُمَارِسَ هِوَايَتَكَ، وَتَتَسَلَّى.


وَفَجْأَةً... ظَهَرَ مِنْ خَلْفِ الْخِيَمِ، (الرَّائِدُ عَاطِفُ الشُّومَرِيّ)، قَائِدُ الدَّوْرَةِ، وَمَعَهُ جَمِيعُ الضُّبَّاطِ: النَّقِيبُ (إِبْرَاهِيم)، وَالْمُلَازِمُ أَوَّل (حَسَنُ عَوَضٍ)، وَالْمُلَازِمُ أَوَّل (فَضْلٌ)، وَالْمُلَازِمُ (حُسَامُ الدِّينِ)، وَحَضَرَاتُ صَفِّ الضُّبَّاطِ: (مُصْطَفَى قَاقُو)، وَ(حَيْدَرُ حَيْدَر)، وَالرَّقِيبُ أَوَّل (عَبْدُ الْكَرِيمِ)...

  وَالْمُسَاعِدُ أَوَّل، مَسْؤُولُ الْمَهَامِّ، فِي الدَّوْرَةِ.


كُنَّا نُرَاقِبُ خُطُوَاتِهِم، وَهِيَ تَقْتَرِبُ مِنَّا...  

الْوُجُوهُ كَانَتْ عَابِسَةً، قَاسِيَةً، ذَاتَ نَظَرَاتٍ حَانِقَةٍ...  

وَقَفَ سِيَادَةُ الرَّائِدِ، تَطَلَّعَ إِلَى الْحُفْرَةِ، الَّتِي يَسْبَحُ بِهَا الْمُجَنَّدُ (مُحَمَّدٌ حَجُّ عَلِي)، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْمُلَازِمِ أَوَّل (خَضِر)، وَسَأَلَهُ:


– مَا هَذَا يَا سِيَادَةَ الْمُلَازِمِ أَوَّل؟!.. أَهَذَا مَعْقُول؟!.. أَلَا تَخَافُ مِنْ رَبِّكَ؟!.. هَذَا حَرَامٌ وَاللَّهِ...  

إِنَّ هَذَا الَّذِي تُعَاقِبُهُ، جُنْدِيٌّ فِي الْجَيْشِ الْعَرَبِيِّ السُّورِيِّ...  

وَنَحْنُ هُنَا، جِئْنَا لِنُدَرِّبَ دَوْرَةَ الْأَغْرَارِ... نُعَلِّمُهُمْ، نَشْرَحُ لَهُمْ، نُدَرِّبُهُمْ، نُسَاعِدُهُمْ عَلَى تَجَاوُزِ مَشَاكِلِهِم... لَا أَنْ نُحَطِّمَهُمْ، وَنَجْعَلَهُمْ يَكْرَهُونَ الْوَطَنَ.


كَانَتْ... كَلِمَاتُ الرَّائِدِ، عَلَى الْمُلَازِمِ أَوَّل، لَهَا وَقْعٌ مُزْعِجٌ، وَغَيْرُ مُتَوَقَّع... فَصَاحَ:


– أَلَمْ تَعْرِفْ مَاذَا فَعَلَ يَا سِيَادَةَ الرَّائِدِ؟!  


قَالَ الرَّائِدُ:

– عَرَفْتُ... وَاللَّهِ عَرَفْتُ... وَهُوَ يَسْتَحِقُّ عُقُوبَةً، وَلَكِنْ لَيْسَ بِهَذَا الشَّكْلِ يَا أَخِي... اعْتَبِرْهُ أَخَاكَ الصَّغِير، وَأَخْطَأَ... أَفَنَقْتُلُهُ؟!.. أَمْ عَلَيْنَا أَنْ نُفْهِمَهُ مَدَى غَلَطِهِ، وَنَنْصَحَهُ؟!


– سَيِّدِي.. أَنَا أَرَاهُ، يَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ بِفِعْلَتِهِ، فَهُوَ – مِنَ الْمُؤَكَّدِ – لَهُ عِلَاقَةٌ بِالإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ.


اسْتَدَارَ الرَّائِدُ إِلَى الْعَرِيفِ (خَالِدٍ)، وَأَمَرَهُ:


– أَخْرِجُوهُ مِنَ الْحُفْرَةِ، وَخُذُوا بِهِ لِلِاسْتِحْمَامِ.


وَأَرَادَ الْمُلَازِمُ أَوَّلُ أَنْ يَحْتَجَّ، فَهَتَفَ:


– وَلَكِنْ يَا سَيِّدِي.. أَنَا سَأَكْتُبُ تَقْرِيرًا فِي هَذَا الشَّأْنِ.


وَبَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، وَصَلَتْ دَوْرِيَّةٌ مِنَ الأَمْنِ، وَقَبَضَتْ عَلَى (مُحَمَّدٍ حَجِّ عَلِي)، وَاقْتَادَتْهُ، وَغَابَتْ عَنَّا أَخْبَارُهُ... ثُمَّ، تَمَّ نَقْلُ الرَّائِدِ (عَاطِف)، لا نَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ؟... وَجَاءَنَا قَائِدٌ جَدِيدٌ إِلَى الدَّوْرَةِ، الْعَقِيدُ الرُّكْنُ (عَبُّودْ عَبُّودْ).*


*مُصْطَفَى الْحَاجُّ حُسَيْن*