الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

في طَوْرِ المُرْسَلِ بقلم الكاتب عيسى نجيب حداد

 في طَوْرِ المُرْسَلِ

عَلَى سَاقِيَةِ الشِّتَاءِ

يَهْتَزُّ مَعَ رُفَاتِ الغَيْمِ

جَنِيُّ حَرْفٍ يَجْتَرُّ مَاضِيهِ

يَنْقُشُ عَلَى سَطْحِ وَرَقِ الخَرِيفِ

يَتَسَاقَطُ لِيَتَجَدَّدَ كَبُرْعُمٍ ذَهَبِيٍّ بِالرَّبِيعِ

يُولَدُ بِفَصْلِ الصَّيْفِ لِيَزْهُوَ بَيْرَقُهُ مِنَ النُّورِ

لَعَلَّ مَوَالِيدَ الشُّمُوعِ تَصْقُلُ مِنْ نَسِيجِ العَنْكَبُوتِ سِرَاجًا

يُبَدِّدُ ظُلُمَاتِ المَتَاهَاتِ مِنَ العَثَرَاتِ الَّتِي تَعْصِفُ بِنَا

تُسَاقُ حُلُولٌ لِكُلِّ مُشْكِلٍ يُعَشْعِشُ فِي جَهْلِ الأَفْرَادِ

دَيْدَنٌ مِنْ عِطْرِ الرَّاءِ يُغَانِجُ رُمْحَ الأَوْجَاعِ بِالصَّدْرِ

مُلْتَهِبٌ لِتَلْوِينِ دَفَاتِرِ الأَيَّامِ لِيَرْسُمَ أَشْكَالًا مِنْ بِدَايَةٍ

فِي صُنُوفِهِ رُمُوزٌ لِمَسْحِ دُمُوعِ صِبْيَةٍ مَكْسُورِي الخَوَاطِرِ

لِبَلَاءٍ مُفْجِعٍ عَصَفَتْهَا رِيحُ حَرْبٍ هَوْجَاءَ

وِسَادُهُمُ الأَحْجَارُ وَرَغِيفُهُمْ مَمْزُوجٌ بِسُمُومِ البَارُودِ

بِأَوْطَانٍ مُوجَعَةٍ مُمَزَّقَةِ الأَوْصَالِ بِوَحْلِ الإِغْرَاقَاتِ

مَا مِنْ طُمَأْنِينَةٍ لِلَّيْلِ يُسْكَبُ فِيهِ زَيْتٌ لِغِمَاسٍ بِلُقَمٍ

تَتَقَلَّبُ جَمَاعَاتٌ عَلَى المُمْتَلَكِ وَالقُوشَانُ صَارَ رَهْنًا

خَارِطَةُ البَشَرِ تُبَاعُ قِطَعًا وَلِلضَّوَارِي النَّصِيبُ الأَكْبَرُ

تَتَصَارَعُ الجَوَارِحُ لِيَبْقَى الرِّيشُ لَوْحَةً لِرَسَّامٍ أَعْوَرَ

وَمُؤَرِّخٌ فَاقِدُ الذَّاكِرَةِ عَلَى سُطُورِ التَّوَهَانِ يَبْتَزُّ الأَلَمَ

قِيلَ فِي القَدِيمِ كَثُرَتِ الجَوَائِحُ لَكِنَّ أَكْثَرَهَا بِوَطَنِي

كُلُّ الأَسْرَى عُمْيُ بَصِيرَةٍ وَعُرْسُ العَدُوِّ يَضِجُّ بِصَخَبٍ

نَادَوْا عَلَى المُهَجَّرِينَ هُنَاكَ تَدْوِينٌ عَلَى وَرَقِ صَفْصَافٍ

شَرُّ البَلِيَّةِ مَا يُضْحِكُ بَائِعُو البُلْدَانِ أَصْحَابُهَا بِسُكْرٍ

هُنَا أُجْهِضَتْ قَوَانِينُ التَّمَلُّكِ لِيُصَارَ تَوَارِيخُ جَدِيدَةٌ

مَنْ لَيْسَ لَهُ اسْمٌ هَا هُنَا فَلْيَرْتَحِلْ لِلطَّابُورِ الآخَرِ غَدًا

عَلَى مَتْنِ هَذَا القِطَارِ يُتَوَّجُ مَنْ هُمْ قَنَّاصُونَ رِمَايَةً

حَدَاثَةُ التَّغْيِيرِ تَبْدَأُ بِتَفْتِيتِ المَوْرُوثَاتِ العَتِيقَةِ لَنَا


                         المفكر العربي

                      عيسى نجيب حداد

                  موسوعة راعي الحروف



دناءة... بقلم عبد الصمد السالمي - المغرب

 دناءة...

نزل من سيارته الفارهة، إنغمس حذاؤه الباريسي بالوحل، طفت رائحته الكريهة، إختنق صاحبنا، طلب عطره المنقذ، تقدم للساكنة المهمشة، يتودد إليهم، إستشعروا الرفعة،كأنهم التبر الأحمر، كلامه معسول، ويداه يدا نبي يربت على المستضعفين، صدقوا أنهم بشر معتبر، صوتوا عليه دون تردد .


إستوزر صاحبنا وبصق ذات مرة من سيارته حين اضطر للمرور بحي التبر الأحمر.


عبد الصمد السالمي - المغرب


حين لا يكفي الصبر بقلم د قاسم عبدالعزيز الدوسري

 حين لا يكفي الصبر


اليومَ أعرفُ أنَّ قلبي

لم يَعُدْ

يَقوى على هذا السفرْ

اليومَ أعرفُ

أنَّني خبَّأتُ في صدري

سنينَ من العتابِ

ومن صموتِ المنتظرْ

وأتيتَ أنتَ

كأنَّكَ المطرُ الذي

أخطأ طريقَ الغيمِ

ثمَّ على جراحي قد انهمرْ

ففتحتُ أبوابَ الحنينِ

وأنتَ تعرفُ

أنَّ أبوابَ الحنينِ

إذا انفتحتْ

لا تستشيرُ ولا تفرْ

كم قلتُ: هذا القلبُ لي

لا تقتربْ

فأنتَ تعرفُ أنَّني

إن أحببتُ

لا أستطيعُ أن أعتذرْ

وكم صنعتُ من المسافاتِ

بيننا

جدرانَ خوفٍ

ثمَّ جئتَ

فهدَّمتَ الجدارَ

ولم تذرْ

من أين جئتَ؟

وكيف صرتَ

في تفاصيلِ النهارِ

وفي المساءِ

وفي الملامحِ والسهرْ؟

أراكَ في صوتي

إذا نطقتْ شفاهي

وأراكَ في صمتي

إذا خانَ الكلامُ بيَ البصرْ

وأراكَ في الطرقاتِ

حين أمرُّ وحدي

فألتفتْ

كأنَّ خطوكَ خلفَ خطوي

وانتظرْ

حتى القصائدُ

كلما حاولتُ أن أنجو بها

تأتي إليكَ

وكأنَّ حرفي

لا يرى غيرَكَ مَنَاراً

أو مفرْ

ماذا فعلتَ بقلبي؟

لماذا كلما حاولتُ نسيانَك

عاد إليكَ

كأنَّهُ عادَ إلى وطنٍ

من سفرْ؟

أنا لم أخُنْ قلبي

ولكنَّي تعبتُ

من انتظاري

ومن سؤالٍ

لا يجيءُ له خبرْ

تعبتُ من نصفِ الحضورِ

ومن يدٍ

تمتدُّ حيناً

ثمَّ تهربُ حينَ أقتربْ

وتعبتُ من حبٍّ

أعيشُ تفاصيلَهُ

وحدي

وأنتَ كأنَّ قلبكَ

لا يشعرْ

يا من أحببتُكَ

أكثرَ من احتمالي

كيف أشرحُ للحنينِ

بأنَّني

لم أعدْ أحتملْ؟

أنا لم أطلبْ معجزةً

كنتُ أريدُ يداً

إذا سقطتُ

تقولُ لي:

لا تخفْ... أنا هنا

ولا تتركْ

كنتُ أريدُكَ

حين يضيقُ بيَ الطريقُ

أن تكونَ

الكتفَ الذي

لا ينكسرْ

كنتُ أريدُ الحبَّ

فعلاً لا كلاماً عابراً

فالحبُّ ليسَ قصيدةً

تُروى

ثمَّ تُنسى

عند أولِ منعطفْ

الحبُّ أن تبقى

إذا اشتدَّ الشتاءُ

وأن ترى وجعي

وتجلسَ قربهُ

حتى يمرْ

أما الرحيلُ

فقد تعلّمتُهُ

لكنَّ قلبي

كلما همَّ الرحيلَ

عاد نحوكَ وانكسرْ

واليومَ

لا أطلبْ وعودَكَ كلَّها

ولا أريدُ من الحلمِ

أكثرَ من أثرْ

إن كنتَ تحبُّني

فقلْها دونَ خوفٍ

فالسكوتُ على المحبةِ

ليسَ حباً

إنهُ وجعٌ مستترْ

وإن كنتَ لا تريدُ البقاءَ

فلا تُطِلْ

فأنا تعلّمتُ

أنَّ بعضَ الانتظارِ

موتٌ بطيءٌ مستمرْ

خذْ ما تشاءُ من القصائدِ

والرسائلِ

والسنينَ

وما تبقّى من عُمري

من صورْ

لكنْ أعدْ لي

ذلك القلبَ الذي

أهديتُهُ لكَ

قبلَ أن أعرفَ

أنَّ الهدايا قد تُردُّ

ولا تُستردُّ

إذا انكسرْ

اليومَ

إن شئتَ الرحيلَ

فاذهبْ

ولكنْ لا تقلْ

إنَّي نسيتُكَ

فالنسيانُ ليسَ قراراً

ولا زرّاً

إذا شئنا ضغطناهُ وانتهى الأمرْ

سأمضي...

ربما أتعلمُ المشيَ

دونَ أن أبحثَ عنكَ

في الوجوهِ

وفي المدى

وفي المطرْ

لكنْ سيبقى في دمي

شيءٌ يقولُ:

كان هنا قلبٌ

أحبَّكَ

ثمَّ ماتَ

ولم يندمْ

ولم يعتذرْ.

قاسم عبدالعزيز الدوسري



الذكريات. بقلم/عاطف جمعة

 بقلمى/عاطف جمعة

..........................


           (الذكريات)


 انا  قـلبى  حـن  للى  فــات 


 فقـولت  اعيــد  الذكــريات


 بدأت  باصحــاب الطــفولة


 وجــدت  منــهم اللى مــات


 واللى ضاعــو فى الشــتات


 واللى  أصبــح  مليــونـــير


 واللى مــش  لاقى الفــتات


 واللى قــضى العــمر يجرى


 علــى الولاد وعلـى البــنات


 كان كل هٕـمه ولاده تشــبع


 وهــوا  عــاش ع العــينات


 فيه اللى عاش رهن المرض


 ولف على كل المستشفيات


 فيــه  اللى استمتع بالحياة


 واخــد م الدنيا  مال وجٕـاه


 وفـيه  اللى راضى بقسمته


 وعــاش قنوع ونال رضــاه


 وفيه اللى قضى عمره عابد


 وكــان  بيــعشق المساجـــد


 واشــترى  آخــرته  بدنيــاه


وفيه اللى خدها طول وعرض


ولا عمره صام ولا صلى فرض


وفيه اللى كان شاكر  وحــامد


فيـه اللى عــاش على النــفاق


اللـــى     واصــل     للآفـــاق


وفيه اللى كان ع الحق صامد


فيه اللى كان فى تعامـله  لين


وكان دايـما  عطــوف حنـــين


وفيه اللى قاسى القلب جاحد


ربى  اسـألك  حــسن الخـــتام


واكفنى شــر الآثام واقبضــنى 


            اليك ساجد


قصة قصيرة. الأنثى نجمة الصباح بقلم أيمن حسن محمد

 قصة قصيرة.            الأنثى نجمة الصباح   بقلم أيمن حسن محمد

دخلت أمي إلى البيت نشيطةً ضاحكة، وقد ذهب عنها صداع رأسها.


قالت وهي تبتسم:


— يا الله، ما أجمل الإنسان حين يتمتع بالصحة!


أجابها سمير، وقد وضع قلمه على الصفحات التي كان يكتب فيها مقالًا فلسفيًا لإحدى الجرائد، ضمن زاوية أسبوعية خاصة به:


— الحمد لله على سلامتك يا أمي. هل تشعرين بالراحة الآن؟


— أجل، والحمد لله.


ثم تابعت وهي تضحك:


— والفضل يعود إلى نجمة، ابنة جارتنا. ذهبت إلى أمها لأشرب معها فنجان قهوة، وكعادتها وضعت أغنية راقصة، وجعلتنا نرقص أنا وأمها. لم تنتهِ الأغنية حتى ذهب وجع رأسي!


ضحك سمير وقال:


— آه، فهمت عليكِ... نجمة ضحوكة لعوبة.


ثم أضاف:


— لكنها لا تملك شهادة.


نظرت إليه أمه باستغراب:


— وماذا يعني هذا؟ هل المرأة التي لا تملك شهادة لا يحق لها الزواج؟


صمت سمير، وجمع أوراقه.


— أنا ذاهب إلى الجريدة.


قالت أمه:


— حسنًا يا بني، وفي طريق عودتك أحضر لي دواءً مسكنًا للصداع.


في طريق عودته، دخل سمير الصيدلية.


كانت نجمة هناك، تشتري دواءً لوالدتها.


كان يعرفها من قبل، فقد رآها مرات كثيرة وتحدث إليها أكثر من مرة، لكنه حين التقت عيناه بعينيها في تلك اللحظة شعر كأنه يراها للمرة الأولى.


ألقى عليها السلام.


ردت عليه بابتسامة.


كانت ابتسامة عابرة، لكن عينيها أخفتا شيئًا لم تستطع شفتاها قوله.


تأملها سمير لحظات.


يا إلهي... ما أجملها!


رقيقة، ضحوكة، وفي حضورها شيء يجعل المكان أكثر حياة.


خرجت نجمة من الصيدلية، فناداها:


— يا نجمة، دعينا نذهب معًا.


التفتت إليه وقالت:


— الحمد لله على سلامتك... أنت مريض؟


تذكر سمير فجأة سبب دخوله الصيدلية.


— آه... نسيت أن أشتري الدواء لأمي!


ابتسمت نجمة ومضت في طريقها.


لم تقل شيئًا، لكن عينيها قالتا ما لم تستطع شفتاها قوله.


بقي سمير يفكر فيها.


أصبحت نجمة الصباح ونجمة المساء في تفكيره.


وتكررت اللقاءات بينهما؛ بعضها صدفة، وبعضها بدا وكأن الصدفة نفسها بدأت تبحث عنهما. وفي كل لقاء كان شيء من بريق نجمة الصباح يتسلل إلى داخله.


حتى جاء يوم قال فيه لأمه:


— أمي، اذهبي أنت وأبي واطلبا لي يد نجمة.


ضحكت أمه وقالت:


— والله، إذا وافقت السماء فسوف أزوجك إياها!


بدا على سمير شيء من الارتباك.


— وهل يمكن ألا توافق؟


ضحكت أمه:


— لا تخف يا بني. سأحدثهم عنك بأجمل صورة.


وبالفعل، ذهب والد سمير ووالدته إلى بيت نجمة، وتحدثا مع أهلها في أمر الزواج.


كانت نجمة في الغرفة المجاورة تسترق السمع، وأختها إلى جانبها.


قالت لها أختها:


— أنت ستتزوجين، ولا تعرفين حتى كيف تدبرين أمور البيت! ستبقين كأنك لا تعرفين من أين تؤكل البيضة.


ضحكت نجمة.


تابعت أختها:


— انظري إلى أبي. كلما طلبنا منه نقودًا غضب في وجوهنا. أما أمي، فتذهب إليه وتعرف كيف تستخرج منه المال، بل وتعود بأكثر مما طلبت. وأنت لا تهتمين حتى بالطبخ!


نظرت نجمة إليها مبتسمة، لكنها لم تجب.


كان قلبها مشغولًا بشيء آخر.


كانت تسمع أصوات الرجال في الغرفة المجاورة، وكلما سمعت اسم سمير، شعرت أن قلبها يسبقها إلى الباب.


تمت الموافقة، وتزوج سمير ونجمة الصباح.


كانا أجمل زوجين في نظر من حولهما.


كان سمير بين الجد والكتابة والبحث في سير الفلاسفة وعلومهم، وكانت نجمة الصباح بين مرحها وضحكتها وفيض حبها له.


كانت تمنحه حبًا يدفعه إلى الكتابة، وتشجعه على البحث، حتى أصبح وجودها جزءًا من عالمه الفكري.


لكنها كانت تعرف كيف تنتزعه أحيانًا من عالم الكتب.


كانت تضع له نظارات شمسية سميكة، ثم تضحك قائلة:


— اكتب يا طه حسين!


فيضحك سمير.


وأحيانًا كانت تقف خلفه، تلف ذراعيها حول رقبته وتسحبه من عالمه إلى عالم آخر، فيضحك ويترك قلمه للحظات، ثم يعود إلى مقاله.


وفي أحد الأيام تأخر سمير في الجريدة، ولم يعد إلى البيت إلا في المساء.


استقبلته نجمة بحضن وقبلة، ثم وضعت الطعام أمامه.


لكنها لاحظت أن شيئًا ما يشغل باله.


قالت:


— ما بك يا حبيبي؟ لماذا أنت منزعج؟ هل فعلت شيئًا أزعجك؟


أجاب سمير:


— لا، لا... لكن الوقت تأخر، وأحتاج إلى ساعة أخرى أبحث فيها عن المصادر للمقال الذي سأكتبه غدًا، ولا أعرف أين سأجد الوقت.


ضحكت نجمة وقالت:


— يعني إذا لم تكتب المقال تتوقف سياسات العالم؟ ويتوقف الاقتصاد؟ وينتهي الفقر والجوع في العالم الثالث؟


ابتسم سمير وقال:


— ليس الأمر كذلك. أنا أكسب المال من هذا المقال، وأحصل على نسبة من مبيعات الجريدة.


هزت نجمة رأسها وكأنها فهمت الأمر أخيرًا، ثم قالت بمكر:


— آه، فهمت عليك... حسنًا، اكتب عني. أم أنني لا أعجبك؟


أعجب سمير بالفكرة، لكنه تردد.


ماذا سيقول رئيس التحرير؟ وماذا سيقول القراء؟


ثم قال في نفسه:


سأتحمل الخسارة وحدي... سأجرب.


وجلس يكتب.


الأنثى نجمة الصباح


روضة زهراء، فاتنة جميلة، يفوح منها عطر أبدي لا ينتهي، وتمنحك من عبير حبها إكسيرًا يصعب عليك أن تتخلى عنه.


هي كتاب فلسفي ملغز لشدة وضوحه؛ طيبة، معطاءة، كريمة، ولكن إياك أن تجرحها، فهي لا تنسى الجرح بسهولة.


هي كوكب يضيء غيمة الرجل.


كأنها نجمة الصباح أو نجمة المساء؛ تمنحك الهدوء والسكينة والطاقة. وإن عرفت الأنثى حق معرفتها، أزهر ربيع الوجود من حولك، وتجلى في عينيها فيض الحب لمن تحب، وشرارة غضب الآلهة إن غضبت.


أنثى ملهمة للفلاسفة والأدباء والشعراء.


طفلة لا تكبر.


هي سكون الليل ونسيم الصباح، ياسمين العشاق.


وهي الأم أيضًا؛ أمومتها صدر يضمك بلا قيد، وحضن يجد فيه الطفل أمانه، ودفء تستطيع فيه الروح أن تستريح. تحمل طفلها، وتحمل معه خوفه وفرحه وأحلامه، وكأن قلبها خُلق ليكون وطنًا صغيرًا لمن تحب.


وهي حواء التي حوت في قلبها أشياء كثيرة؛ لا تبخل بما تملك على من تحب، وتمنحه من حنانها ما لا تستطيع الكلمات وصفه.


لكنها ليست الحنان وحده.


هي قوة حين يجب أن تكون قوية، وغضب حين تُمس كرامتها، وصمت حين تعجز الكلمات عن حمل ما في داخلها.


لا أكتب عنها لأنها جميلة، ولا لأنها زوجة أو أم أو حبيبة.


أكتب عنها لأنها أنثى.


لأن فيها سرًا لا تستطيع الكتب أن تحيط به، ولا الفلسفة أن تضع له تعريفًا نهائيًا.


وفي النهاية أقول لك أيتها الأنثى:


لا تضعفي.


أنت لطيفة من لطائف الله...


بل أنت نبيّة.


خرج سمير مسرعًا إلى مبنى الجريدة، وفي يده المقال.


دخل إلى مكتب رئيس التحرير ومدّه إليه.


أخذ رئيس التحرير الأوراق وبدأ يقرأ.


قطّب ما بين عينيه، ثم هز رأسه، وأخذ ينقر القلم على سطح مكتبه.


رفع عينيه إلى سمير وقال:


— ما هذا يا سمير؟ أهذا مقال؟ ماذا سأقول للقراء؟


أجاب سمير بهدوء متوتر:


— لم يبقَ وقت، سيدي. تأخرنا اليوم بسبب الاجتماع، والبحث عن المصادر ليس بالأمر السهل. أنا أتحمل كامل المسؤولية، حتى لو خسرنا بسبب هذا المقال.


صمت رئيس التحرير لحظة، ثم قال:


— حسنًا، سنضطر إلى نشره. لم يبقَ في العدد سوى زاويتك، لكنك ستتحمل مسؤولية أي خسارة تحدث.


خرج سمير من المكتب منزعجًا، وأخذ يحدث نفسه:


الحق ليس عليّ... تأخر الوقت، والبحث عن المصادر صعب. وأنا قلت له إنني أتحمل المسؤولية.


ثم ابتسم فجأة.


لكن يجب ألا تعلم نجمة شيئًا.


قرر أن يعود إلى البيت وكأن شيئًا لم يحدث.


سأضحك معها، وسأمزح، بل سنرقص الليلة... وسأشرب نخب نجاح المقال.


في عصر اليوم التالي، رن هاتف سمير.


كانت نجمة هي التي تتصل.


— سمير، رئيس التحرير على الهاتف.


جاءه صوت رئيس التحرير:


— ألو... سمير؟ تعال إلى الجريدة بسرعة.


ثم أغلق الخط.


وقف سمير لحظات وقد بدأ القلق يتسلل إلى داخله.


ماذا حدث؟


خرج مسرعًا إلى الجريدة، وطوال الطريق كان يضرب أخماسًا بأسداس، ويستعيد في ذهنه كل كلمة قالها رئيس التحرير بالأمس.


وصل إلى مبنى الجريدة.


وما إن دخل حتى فوجئ بزملائه من الصحفيين والصحفيات يستقبلونه بالتهاني.


— مبروك يا سمير!


— أحسنت!


— مقال رائع!


ازداد خوفه بدل أن يطمئن.


ما الذي يحدث؟


نظر حوله، فرأى أمام مكتب رئيس التحرير عددًا من الصحفيين ينتظرون دورهم، وكان كثير منهم يحلمون بالحصول على زاوية أسبوعية في الجريدة.


فتح رئيس التحرير باب مكتبه، وما إن رأى سمير حتى ابتسم ابتسامة عريضة، ومد يده إليه وصافحه بقوة.


— أحسنت يا سمير! لقد نفد العدد كله!


ثم أضاف:


— وهذه أرباحك، بالإضافة إلى مكافأة مالية. كنت أعلم أن مقالك سيُحدث ضجة إعلامية!


نظر إليه سمير لحظة، ثم قال في سره:


بالأمس كنت تقول إنني سأتحمل الخسارة وحدي... واليوم أصبحت صاحب نظرة ثاقبة!


أخذ المال وشكر رئيس التحرير، ثم خرج مسرعًا.


كان يريد أن يصل إلى البيت قبل نجمة.


هذه المرة لم يكن يريد أن يخفي شيئًا.


كان يريد أن يحتفل معها بصدق.


فهي صاحبة الفكرة الأولى، وهي المرأة التي جعلته يكتب ما لم يكتبه من قبل.


رفعت نجمة عينيها عن المقال، ونظرت إلى سمير مبتسمة.


قالت:


— كل هذا وأنا؟


ابتسم سمير وقال:


— بل أنت أكثر مما استطعت أن أكتب.


ضحكت، ثم عادت إلى قراءة المقال.


وفي تلك اللحظة أدرك سمير أن المرأة التي طلبت منه أن يكتب عنها لم تكن تعرف أنها ستدخل عالم الفلسفة من أوسع أبوابه.


كانت نجمة الصباح...


تضيء عالم الفلسفة.


**(( تَفْتِيشٌ )).. قِصَّةٌ: (( مُصْطَفَى الحَاجّ حُسَيْن ))..

 **(( تَفْتِيشٌ ))..

قِصَّةٌ: (( مُصْطَفَى الحَاجّ حُسَيْن ))..


اِنْتَشَرَ الْخَبَرُ فِي خِيَامِنَا... سِيَادَةُ النَّقِيبِ (إِبْرَاهِيم بَرْهُوم)، مَعَ مَجْمُوعِ الضُّبَّاطِ، وَصَفِّ الضُّبَّاطِ، وَالْعَرِيفِ الْوَحِيدِ، فِي دَوْرَتِنَا (خَالِد)، هُمْ فِي جَوْلَةٍ تَفَقُّدِيَّةٍ، عَلَى مُعَسْكَرِنَا، نَحْنُ عَنَاصِرَ دَوْرَةِ الْأَغْرَارِ... يَقُومُونَ بِالتَّفْتِيشِ عَلَى خِيَامِنَا، وَمُصَادَرَةِ كُلِّ شَيْءٍ مُخَالِفٍ... هٰذَا إِلَى جَانِبِ مُعَاقَبَةِ، عَنَاصِرِ الْخَيْمَةِ، إِنْ كَانَتِ الْخَيْمَةُ غَيْرَ نَظِيفَةٍ، أَوْ مُرَتَّبَةٍ.


فَهَرَعْنَا... لِلتَّنْظِيفِ، وَلِلتَّطْبِيقِ، وَلِلتَّرْتِيبِ، وَلِبِسَانَا النِّظَامِيِّ، وَإِلَى حِلَاقَةِ ذُقُونِنَا، وَتَلْمِيعِ (أَبْوَاطِنَا)... وَإِلَى التَّأَهُّبِ، لِاسْتِقْبَالِ جَمِيعِ الْقَادِمِينَ.


سَيَطْلُبُونَ مِنِّي أَنْ أُسْمِعَهُمْ شِعْرًا، لِذٰلِكَ عَلَيَّ أَنْ أَنْتَهِيَ بِسُرْعَةٍ، مِنْ تَنْظِيمِ أَغْرَاضِي، وَتَرْتِيبِ نَفْسِي، ثُمَّ لِأُجَهِّزَ لَهُمْ قَصِيدَةً.


سَمِعْنَا مِنْ زُمَلَائِنَا، أَنَّ التَّدْقِيقَ، وَالتَّفْتِيشَ، كَانَ دَقِيقًا، وَإِنَّ الْمُصَادَرَاتِ كَانَتْ كَثِيرَةً، عَلَى كُلِّ مَا هُوَ مُخَالِفٌ، (كَالرَّادْيُو)، وَ(وَرَقِ الشَّدَّةِ)، وَ(الْمَسَابِحِ)، وَ(الْجِمْدَانَاتِ)... فَصِرْنَا نُخْفِي، أَوْ نَرْمِي، كُلَّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَرِّضَنَا لِلْمَسَاءَلَةِ أَوِ الْعُقُوبَةِ... فَقَدْ كَانَ الْعَرِيفُ (خَالِدٌ)، يُسَجِّلُ أَسْمَاءَ الْمُخَالِفِينَ، فِي قَائِمَةٍ، لِتَتِمَّ مُعَاقَبَتُهُمْ، بَعْدَ الِانْتِهَاءِ مِنَ التَّفْتِيشِ.


الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَنَا إِنْسَانٌ نِظَامِيٌّ، لَا أَمْلِكُ شَيْئًا مُخَالِفًا، إِلَّا كُتُبِي، الَّتِي سَمَحُوا لِي بِهَا... وَهُمْ يَقُومُونَ بِاسْتِعَارَتِهَا مِنِّي.


انْتَصَفَ النَّهَارُ، وَنَحْنُ فِي خَيْمَتِنَا، نَنْتَظِرُ دَوْرَنَا... وَاقْتَرَبَ مَوْعِدُ تَنَاوُلِ الْغَدَاءِ... وَكَانَ الْكَثِيرُ مِنَّا، يَشْعُرُ بِالتَّوَتُّرِ وَالْقَلَقِ، رَغْمَ مَعْرِفَتِنَا بِأَنَّنَا نِظَامِيُّونَ، وَجَاهِزُونَ.


اقْتَرَبَ الدَّوْرُ، وَوَصَلُوا إِلَى الْخَيْمَةِ الْمُجَاوِرَةِ... وَكُنَّا نُرَاقِبُ، وَنُرْهِفُ السَّمْعَ، وَنَسْأَلُ، وَنَسْتَفْسِرُ، وَنَجْلِسُ كُلٌّ فِي مَكَانِهِ، مُنْقَطِعِي الْأَنْفَاسِ، وَالصَّوْتِ، وَالْحَرَكَةِ.


وَأَخِيرًا، وَصَلُوا إِلَى خَيْمَتِنَا... فَنَهَضْنَا وَنَحْنُ فِي أَمَاكِنِنَا، قَدَّمْنَا لَهُمُ التَّحِيَّةَ الْعَسْكَرِيَّةَ... كَانَ عَدَدُهُمْ لَيْسَ بِالْقَلِيلِ، عُيُونُهُمْ تَتَفَحَّصُ الْمَكَانَ... وَكَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا، أَنْ يَخْضَعَ، وَأَغْرَاضُهُ، وَكُلُّ مَا يَحُوزُهُ، لِلتَّفْتِيشِ الدَّقِيقِ، وَالصَّارِمِ، وَالشَّامِلِ... حَيْثُ أَفْرَغَ كُلٌّ مِنَّا أَغْرَاضَهُ، أَمَامَهُ، عَلَى الْأَرْضِ التُّرَابِيَّةِ.


كَانَتْ خَيْمَتُنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، جَمِيعُهَا نِظَامِيَّةً... لَا مُلَاحَظَةَ عَلَيْنَا... لِذٰلِكَ، سُرَّ مِنَّا سِيَادَةُ النَّقِيبِ (إِبْرَاهِيم بَرْهُوم) وَابْتَسَمَ، وَكَلَّمَنِي:


- كَيْفَ حَالُ شَاعِرِنَا؟.. هَلْ تَشْكُو مِنْ شَيْءٍ؟


- الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيِّدِي، أَنَا بِأَلْفِ خَيْرٍ.


- مَا هِيَ آخِرُ كِتَابَاتِكَ؟


- لَا بَأْسَ... وَلَكِنْ، مِنَ الصَّعْبِ، الْكِتَابَةُ فِي مِثْلِ هٰذِهِ الظُّرُوفِ... خَيْمَةٌ، فِيهَا عَشَرَةُ أَشْخَاصٍ، وَبِدُونِ كَهْرَبَاءَ، وَانْقِطَاعٌ عَنِ الْقِرَاءَةِ، وَدُرُوسٌ، وَتَدْرِيبٌ، وَاجْتِمَاعَاتٌ، وَتَفْتِيشٌ... كُلُّ هٰذَا، لَا يَتَنَاسَبُ مَعَ كِتَابَةِ الشِّعْرِ... فَالشِّعْرُ بِحَاجَةٍ إِلَى هُدُوءٍ، وَتَأَمُّلٍ.


- لَكِنَّهَا تَجْرِبَةٌ جَدِيدَةٌ عَلَيْكَ... أَلَمْ تَشْتَقْ لِأَهْلِكَ، وَحَبِيبَتِكَ، وَبَلَدِكَ؟


- بِالتَّأْكِيدِ، سَيِّدِي... وَقَبْلَ قَلِيلٍ كَتَبْتُ قَصِيدَةً... وَأَنْتُمْ تَقُومُونَ بِجَوْلَتِكُمْ.


- جَمِيلٌ... هَاتِ وَأَسْمِعْنَا، مَا كَتَبْتَ.


كَانُوا جَمِيعُهُمْ يَقِفُونَ وَسَطَ الْخَيْمَةِ... وَعِنْدَ بَابِهَا... وَابْتِسَامَاتُهُمْ لَا تُفَارِقُ وُجُوهَهُمْ، كَمَا أَنَّهَا لَا تُفَارِقُ شِفَاهَ رِفَاقِي... فَتَنَاوَلْتُ دَفْتَرِي، وَبَدَأْتُ أَقْرَأُ:


- (عَيْنَانِ)..


تَكَحَّلِي مِنْ رَمَادِ أَدْمُعِي 

مِنْ نَزِيفِ أَحْلَامِي  

مِنْ دَمِي الْمَحْرُوقِ

تَكَحَّلِي مِنْ كَآبَتِي 

مِنْ آهَتِي 

مِنْ نَبْضِي الْمَهْوُوسِ

وَاغْرِزِي رُمُوشَكِ كَالْحِرَابِ

بِبَسْمَتِي 

وَحَدِّقِي بِي طَوِيلًا لِأَسْقُطَ  

مَحْمُومَ الْفُؤَادِ  

مُخَدَّشَ الصَّوْتِ  

رَاعِفَ الْعَيْنَيْنِ  

أُشَاهِدُ أَقْمَارًا تَتَمَسَّحُ بِقَدَمَيْكِ 

وَشُمُوسًا تَشْحَذُ الضَّوْءَ مِنْ عَيْنَيْكِ

سَمْرَاءَ كَالْبَرْقِ 

تَشُقُّ قَلْبِي وَتَدْخُلُ 

لِتَأْمُرَنِي بِالْكِتَابَةِ. *


صَفَّقُوا لِي: النَّقِيبُ وَالضُّبَّاطُ، وَصَفُّ الضُّبَّاطِ وَأَهْلُ خَيْمَتِي... وَهَتَفَ الْمُلَازِمُ أَوَّل (خَضْر)، وَهُوَ يَبْتَسِمُ:


- جَمِيلَةٌ... وَلٰكِنْ، لَوْ تَكْتُبُ عَنِ الْوَطَنِ، وَعَنْ سِيَادَةِ الرَّئِيسِ، يَكُونُ ذٰلِكَ أَفْضَلَ، وَأَحْلَى.


قُلْتُ:


- سَيِّدِي... مَنْ لَا يَكْتُبُ عَنِ الْحُبِّ، مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَطِيعَ الْكِتَابَةَ عَنِ الْوَطَنِ، وَقَائِدِهِ.


بَعْدَ أَنْ غَادَرُوا خَيْمَتَنَا، وَانْتَقَلُوا إِلَى الْخَيْمَةِ الْمُجَاوِرَةِ... جَلَسْتُ فَوْقَ مُخَدَّةِ النَّوْمِ، وَأَشْعَلْتُ سِيجَارَةً، وَسَرَحْتُ فِي خَيَالِي، مِنْ مُعَسْكَرِ (تْسِيلْ)، الْوَاقِعِ عَلَى الْحُدُودِ، مَعَ الْأَعْدَاءِ، إِلَى حَلَب... حَيْثُ الْأَهْلُ، وَالْأَصْدِقَاءُ، وَأَبِي الَّذِي تَرَكْتُهُ يُعَارِكُ الْأَحْجَارَ، بِمُفْرَدِهِ... صِرْتُ أَحِنُّ إِلَى الشُّغْلِ مَعَهُ... وَنَدِمْتُ عَلَى خِلَافَاتِي الْكَثِيرَةِ الَّتِي دَارَتْ بَيْنَنَا... وَأَخَذْتُ أُرَدِّدُ بِدَاخِلِي:


- سَامِحْنِي يَا أَبِي، كُنْتُ لَا أُقَدِّرُ ظُرُوفَكَ.


فَجْأَةً... انْبَعَثَ صَوْتُ النَّقِيبِ (إِبْرَاهِيمَ)، وَكَانَ حَادًّا، وَمُنْفَعِلًا، وَمُسْتَغْرِبًا، وَهُوَ يَصْرُخُ:


- مَا هٰذَا؟!.. قُلْ لِي!.. يَا حَيَوَانُ!


تَرَاكَضَ بَعْضُ رِفَاقِي، لِيَفْهَمُوا مَاذَا يَحْدُثُ، فِي الْخَيْمَةِ الْمُجَاوِرَةِ.


وَأَنَا بَدَوْرِي، نَهَضْتُ، وَرَمَيْتُ بِسِيجَارَتِي، وَوَقَفْتُ عِنْدَ بَابِ خَيْمَتِي، الْمُشْرَعِ عَلَى سَعَتِهِ.


وَاقْتَرَبَ مِنِّي زَمِيلِي (نَوْرَسُ حَمَّادٌ)، الَّذِي عَرَفَ مَعْلُومَاتٍ، عَمَّا يَحْصُلُ فِي الْخَيْمَةِ الْمُجَاوِرَةِ، وَهَمَسَ:


- وَقَعَ الْمِسْكِينُ... كَانَ اللَّهُ فِي عَوْنِهِ.


قُلْتُ مُسْتَفْسِرًا:


- خَيْرٌ!.. مَنْ هُوَ الَّذِي وَقَعَ؟


- (مُحَمَّدٌ حَجُّ عَلِيٍّ)... وَقَعَ فِي وَرْطَةٍ كَبِيرَةٍ.


قُلْتُ، وَأَنَا فِي غَايَةِ الْقَلَقِ، وَالِاسْتِغْرَابِ:


- مَا بِهِ (الْحَجُّ عَلِي)؟!


قَالَ:


- تَعَالَ... اقْتَرِبْ... لِتَفْهَمَ.


خَطَوْتُ نَحْوَ الْخَيْمَةِ الثَّانِيَةِ... نَظَرْتُ مِنْ عَلَى بُعْدٍ، مِنْ خِلَالِ فَتْحَةِ الْبَابِ... الْمُكْتَظَّةِ بِالضُّبَّاطِ، وَصَفِّ الضُّبَّاطِ... وَكَانَ النَّقِيبُ (إِبْرَاهِيمُ)، يَسْأَلُ بِعَصَبِيَّةٍ، وَيَحْمِلُ بِيَدِهِ دَفْتَرًا، يَنْظُرُ إِلَيْهِ:


- مَا هٰذَا يَا جَحْش!.. يَا بَغْل!.. يَا حِمَار!.. يَا حَيَوَان!.. يَا بَهِيم!..  

يَا قَلِيلَ الْفَهْمِ، وَالذَّوْقِ؟!


وَكَانَ (مُحَمَّدٌ حَجُّ عَلِيٍّ)، شَاحِبَ الْوَجْهِ، يَرْتَجِفُ،  

وَيُحَاوِلُ أَنْ يُجِيبَ، بِصَوْتٍ مُرْتَعِشٍ، وَمُضْطَرِبٍ، وَمُتَلَعْثِمٍ:


- سَيِّدِي... أَنَا أُحِبُّ الرَّسْمَ، وَكُنْتُ أَتَسَلَّى.


- تَتَسَلَّى يَا ابْنَ الْحَرَامِ؟!


ثُمَّ خَرَجَ (النَّقِيبُ)، مِنَ الْخَيْمَةِ، وَتَبِعَهُ كُلُّ مَنْ كَانَ بِرِفْقَتِهِ.. وَطَلَبَ مِنَ (الْحَجِّ عَلِيّ) مُرَافَقَتَهُ...  

وَوَقَفُوا فِي السَّاحَةِ، وَأَمَرَ (النَّقِيبُ) بِجَمْعِ عَنَاصِرِ الدَّوْرَةِ،  

وَانْبَعَثَتِ الْأَصْوَاتُ، مِنْ كُلِّ صَوْبٍ، تَهْتِفُ بِقُوَّةٍ:


- اِجْتِمَاع!.. اِجْتِمَاع!


وَخَرَجُوا عَنَاصِرُ الدَّوْرَةِ، وَتَرَاكَضُوا، وَتَزَاحَمُوا، وَاصْطَفُّوا،  

وَبِسُرْعَةٍ... اكْتَمَلَ الِاجْتِمَاعُ.


وَالْتَفَتَ النَّقِيبُ (إِبْرَاهِيمُ) إِلَى الْمُلَازِمِ أَوَّل (خَضَر)، وَقَالَ:


- بَاشِرْ مُهِمَّتَكَ، يَا سِيَادَةَ الْمُلَازِمِ أَوَّل (خَضَر)...  

وَتَرَكَ الِاجْتِمَاعَ، وَانْصَرَفَ.


تَحَرَّكَ الْمُلَازِمُ أَوَّل (خَضَر)، ضَابِطُ أَمْنِ دَوْرَةِ الْأَغْرَارِ... وَأَشَارَ بِيَدِهِ، إِلَى (مُحَمَّدٍ حَجِّ عَلِيٍّ)، قَائِلًا:


- اقْتَرِبْ إِلَى هُنَا... يَا حَقِيرُ!


فَخَطَا، نَحْوَ الْمُلَازِمِ أَوَّل، بِذُلٍّ، وَانْكِسَارٍ، وَرُعْبٍ...  

وَكَانَتْ دَمْعَتُهُ فِي عَيْنَيْهِ، أَكْبَرَ مِنْ جَبَلٍ عَظِيمٍ. 


نَظَرَ إِلَيْهِ الْمُلَازِمُ أَوَّل (خَضَر)... تَأَمَّلَهُ بِشَكْلٍ جَيِّدٍ، وَصَاحَ يَأْمُرُهُ:


- اخْلَعْ ثِيَابَكَ يَا قِرْد!.. وَقِفْ أَمَامِي، وَأَنْتَ فِي (الشَّرْطِ).


وَبَاشَرَ (مُحَمَّدٌ حَجُّ عَلِيٍّ) بِخَلْعِ مَلَابِسِهِ، وَبُوطِهِ الْعَسْكَرِيِّ،  

وَجَسَدُهُ يَرْتَعِشُ، مَعَ أَنَّ الْجَوَّ مُلْتَهِبٌ. وَزَعَقَ الضَّابِطُ:


- عَجِّلْ!.. بِسُرْعَةٍ يَا قَذِرُ.


وَتَسَارَعَتْ وَتِيرَةُ زَمِيلِنَا، بِخَلْعِ مَلَابِسِهِ... حَتَّى فَرَغَ، وَرَمَاهَا إِلَى جِوَارِهِ، عَلَى الْأَرْضِ التُّرَابِيَّةِ، ذَاتِ الْأَشْوَاكِ اللَّاذِعَةِ.


وَوَقَفَ... بِاسْتِعْدَادٍ، أَمَامَ الْمُلَازِمِ أَوَّل، وَعَيْنَاهُ تَتَوَسَّلَانِ، فُرْصَةً لِلْكَلَامِ.


وَلَكِنَّ الْأَمْرَ جَاءَهُ صَارِمًا، وَعَنِيفًا، وَبِلَا شَفَقَةٍ، أَوْ رَحْمَةٍ:


- انْبَطِحْ عَلَى الْأَرْضِ يَا حَيَوَانُ!.. وَضَعْ يَدَيْكَ خَلْفَ ظَهْرِكَ.


وَمَا كَانَ مِنْ (مُحَمَّدٍ حَجِّ عَلِيٍّ)، إِلَّا أَنْ يَمْتَثِلَ لِلْأَوَامِرِ.


ثُمَّ رَاحَ الْمُلَازِمُ أَوَّل (خَضَر)، يُخَاطِبُنَا، نَحْنُ عَنَاصِرَ دَوْرَةِ الْأَغْرَارِ:


- هَلْ تَعْرِفُونَ مَاذَا فَعَلَ هٰذَا الْكَلْبُ؟!..  

إِنَّهُ تَجَرَّأَ، وَبِكُلِّ صَفَاقَةٍ، وَحَقَارَةٍ، وَنَذَالَةٍ، وَقِلَّةِ ذَوْقٍ، وَدُونَ أَيِّ وَازِعٍ، مِنْ ضَمِيرٍ، أَوْ أَخْلَاقٍ، أَوْ شَرَفٍ، أَوْ وِجْدَانٍ، أَوْ مَسْؤُولِيَّةٍ.. قَامَ هٰذَا الْخَائِنُ، وَالْجَبَانُ وَالْعَمِيلُ، وَالْمَأْجُورُ... بِرَسْمِ لِحْيَةٍ لِسِيَادَةِ الْقَائِدِ (الْمُفَدَّى)، عَلَى صُورَتِهِ، الْمَوْجُودَةِ عَلَى الدَّفَاتِرِ.. اُنْظُرُوا كَيْفَ...


وَرَفَعَ يَدَهُ بِالدَّفْتَرِ، الَّذِي كَانَ يَحْمِلُهُ،  

فَشَاهَدْنَا... دَفْتَرًا مَوْجُودًا عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا،  

مِنْ فِئَةِ الْمِائَةِ صَفْحَةٍ، مَطْبُوعٌ عَلَى غِلَافِهِ، صُورَةُ السَّيِّدِ (الرَّئِيسِ)، بِشَكْلٍ دَائِرِيٍّ،  

وَقَدْ قَامَ الْمَدْعُوُّ (مُحَمَّدٌ حَجُّ عَلِيٍّ)، وَبِقَلَمِ الرَّصَاصِ، بِرَسْمِ لِحْيَةٍ عَلَى صُورَةِ الرَّئِيسِ.


وَتَابَعَ سِيَادَةُ الْمُلَازِمِ أَوَّل، كَلَامَهُ الْمُؤَثِّرَ، وَالْمُعَبِّرَ، وَبِصَوْتِهِ الْمِدْفَعِيِّ، الرَّنَّانِ، وَالْهَادِرِ، مُوَجِّهًا كَلَامَهُ إِلَيْنَا:


- مَا رَأْيُكُمْ... يَا جُنُودَ الْوَطَنِ الْأَشَاوِسِ؟!  

هَلْ يَقْتَنِعُ أَحَدٌ مِنْكُمْ، أَنَّ مَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ زَمِيلُكُمْ، الْخِنْزِيرُ هٰذَا... كَانَ بِدَافِعِ التَّسَلِّي، وَصَدَرَ عَنْ نَفْسٍ بَرِيئَةٍ، وَنَبِيلَةٍ؟!..  

أَمْ هٰذَا الَّذِي يَقِفُ قُبَالَكُمْ، هُوَ خَائِنٌ حَقِيرٌ، وَمَأْجُورٌ؟!


الصَّمْتُ كَانَ مَخْبَأَنَا،  

وَالْخَوْفُ يَحْتَضِنُ قُلُوبَنَا،  

وَالدَّمْعُ كَانَ يَنْزِفُ مِنْ أَنْفَاسِنَا.. كُلُّنَا يَعْرِفُ (مُحَمَّدَ حَجَّ عَلِيٍّ)، إِنْسَانًا مُهَذَّبًا، وَمُحْتَرَمًا، وَهُوَ بِالتَّأْكِيدِ، لَا يَقْصِدُ مَا تَوَصَّلَ إِلَيْهِ ضُبَّاطُنَا الْأَكَارِمُ، وَلٰكِنْ... مَنْ يَجْرُؤُ وَيُدَافِعُ عَنْهُ؟!..


الْمِسْكِينُ... وَقَعَ فِي وَرْطَةٍ هَائِلَةِ الْحَجْمُ، وَفَظَاعَةُ مَا يَجْرِي، وَنَحْنُ لَا نَعْرِفُ، مَاذَا سَتَكُونُ نِهَايَتُهَا؟!...


مُنْبَطِحٌ عَلَى الْأَرْضِ، يَدَاهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَوَجْهُهُ مُعَفَّرٌ بِالتُّرَابِ،  

وَمَمْنُوعٌ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَسَّلَ، أَنْ يَرْجُوَ، أَنْ يَتَكَلَّمَ،  

أَنْ يُوَضِّحَ، أَنْ يَشْرَحَ، أَنْ يُبَرِّئَ نَفْسَهُ، أَنْ يُدَافِعَ عَنْ حَالِهِ.


تُرَاهُ بِمَاذَا يُفَكِّرُ الْآنَ؟!.. بِمَاذَا يَحِسُّ وَيَشْعُرُ؟!..  

مُؤَكَّدٌ أَنَّهُ يُنَاجِي اللَّهَ، وَيَرْجُوهُ، وَيَبْتَهِلُ إِلَيْهِ،  

لِيَبْعَثَ لَهُ فَرَجًا...  

لَا أَحَدَ سِوَى اللَّهِ، يَسْتَطِيعُ التَّدَخُّلَ، وَمُسَاعَدَتَهُ.


كَيْفَ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْغَلْطَةِ؟!..  

أَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ أَنَّ هَذَا مَمْنُوعٌ؟!..  

وَلِمَاذَا لَمْ يُمَزِّقْ غِلَافَ الدَّفْتَرِ، أَوْ يَتَخَلَّصْ مِنْ دَفْتَرِهِ، قَبْلَ وُصُولِ التَّفْتِيشِ، إِلَى خَيْمَتِهِ؟!


هَلْ هُوَ غَبِيٌّ؟!.. ضَعِيفُ الذَّكَاءِ؟!.. مُغَفَّلٌ؟!.. أَبْلَهُ؟!.. سَاذَجٌ؟!


أَمْ أَنَّهُ يَنْتَمِي لِلْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ؟!..  

وَبِلَا شُعُورٍ مِنْهُ، رَسَمَ اللِّحْيَةَ لِسِيَادَةِ (الرَّئِيس).. 

وَلَكِنْ لَا... لَا أَظُنُّ أَنَّ لَهُ عِلَاقَةً بِالْإِخْوَانِ.. قَدْ يَكُونُ يَكْرَهُ الرَّئِيسَ، وَلَكِنَّ كُرْهَهُ لَا عِلَاقَةَ لَهُ بِالْإِخْوَانِ، مِثْلَهُ، مِثْلَ مُعْظَمِ الشَّعْبِ.


عَلَى مَرِّ الْأَزْمِنَةِ، وَالْعُصُورِ، وَالتَّارِيخِ، وَالْأَحْقَابِ... وَالْأَيَّامِ... يَكُونُ الطَّاغِيَةُ، وَالدِّكْتَاتُورُ، مَكْرُوهَيْنِ مِنْ

قَبْلِ شَعْبِهِ وَنَاسِهِ، دُونَ أَنْ يَنْتَسِبُوا إِلَى أَحْزَابٍ، أَوْ دِيَانَاتٍ، أَوْ طَوَائِفَ...  

وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْهَمُوا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السِّيَاسَةِ...  

إِنَّهُمْ، بِشَكْلٍ عَفْوِيٍّ، يُحَارِبُونَ الظُّلْمَ، وَالْقَهْرَ،  

وَيَبْحَثُونَ عَنْ حُرِّيَّتِهِمْ، وَكَرَامَتِهِمْ.


ثُمَّ... مَا فَائِدَتُهَا إِنْ أَضَافَ لِسِيَادَةِ الرَّئِيسِ لِحْيَةً؟!..  

هَلْ كَانَ يَتَمَنَّاهُ أَنْ يَكُونَ مِنَ "الْإِخْوَانِ"؟!..  

بِالتَّأْكِيدِ، هَذَا مُسْتَبْعَدٌ، وَغَيْرُ مَعْقُولٍ.


الْمُلَازِمُ أَوَّل (خَضَر)، يَنْظُرُ إِلَيْنَا... يَقْرَأُ صَمْتَنَا، يُحَلِّلُ مَرَارَتَنَا،  

وَيَنْتَظِرُ أَجْوِبَةً عَلَى أَسْئِلَتِهِ...  

وَنَحْنُ غَارِقُونَ بِحَيْرَتِنَا، وَرُعْبَتِنَا.


أَمَرَ بِإِحْضَارِ (دُولَابٍ)، وَ(كَبْلٍ رُبَاعِيٍّ)،  

وَأَشْرَسِ اثْنَيْنِ مِنْ بَيْنِنَا...  

وَ(مُحَمَّد حَجِّ عَلِيٍّ) بِصَوْتِهِ الْبَاكِي، يُحَاوِلُ أَنْ يُخَاطِبَ الْمُلَازِمَ أَوَّل:


- يَا سَيِّدِي... أَرْجُوكَ... أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ... اسْمَعْنِي... أَمْنَحْنِي فُرْصَةً لِلْكَلَامِ.


لَكِنَّ الْعَرِيفَ (خَالِد)، انْحَنَى فَوْقَهُ،  

وَحَشَرَهُ فِي (الدُّولَابِ)،


فَصَارَ رَأْسُهُ إِلَى الْأَسْفَلِ، وَقَدَمَاهُ إِلَى الْأَعْلَى...  

وَبَعْدَ أَنْ أَعْطَاهُ (الْمُلَازِمُ أَوَّل) الْإِذْنَ، تَنَاوَلَ (الْكَبْلَ الرُّبَاعِيَّ)، وَانْهَالَ عَلَى قَدَمَيْهِ.. غَيْرَ عَابِئٍ بِصُرَاخِ (مُحَمَّد حَجِّ عَلِيٍّ)، وَتَوَسُّلَاتِهِ.


وَتَعَالَى صَوْتُ التَّوَجُّعِ، وَالْأَلَمِ، وَالْأَنِينِ..

وَالتَّأَوُّهَاتِ، وَالدَّمْعِ، وَالتَّوَسُّلَاتِ، وَالتَّرَجِّي،  

وَتَجَمُّعِ غَيْمِ أَيْلُولَ فِي السَّمَاءِ، وَانْبِثَاقِ الدَّمِ مِنْ أَقْدَامِ الرَّعْدِ، وَتَمَزُّقِ الْبَرْقِ، وَتَنَاثُرِ الْقَهْرِ.. وَدَمَعَتْ عُيُونُنَا، دُونَ أَنْ يُلَاحِظَهَا الْمُلَازِمُ أَوَّل (خَضَر)، بَيْنَمَا الْعَرِيفُ (خَالِد)، مُنْهَمِكٌ فِي جَلْدِ (مُحَمَّد حَجِّ الْعَلِيِّ)، الْمُغْمَى عَلَيْهِ.


وَتَبَرَّعَ الْعَدِيدُ مِنْ أَبْنَاءِ دَوْرَتِنَا، لِإِحْضَارِ الْمَاءِ، لِرَشِّهِ عَلَى وَجْهِ، وَجَسَدِ، وَقَدَمَيْ زَمِيلِهِمْ (مُحَمَّد حَجِّ عَلِيٍّ)،  

لِيَصْحُوَ وَيَسْتَعِيدَ وَعْيَهُ،  

لِيَتَجَدَّدَ تَعْذِيبُهُ، عَلَى يَدِ، حَضْرَةِ الْعَرِيفِ (خَالِد).


وَصَاحَ الْمُلَازِمُ أَوَّل (خَضَر)، بَعْدَ أَنْ أَشَارَ لِلْعَرِيفِ (خَالِد)، لِيَتَوَقَّفَ عَنْ ضَرْبِ (مُحَمَّد عَلِي)، وَتَوَجَّهَ إِلَيْنَا بِسُؤَالٍ:


- مَنْ مِنْكُمْ، يَقْتَرِحُ عَلَيْنَا، عُقُوبَةً تُنَاسِبُ، جُرْمَ زَمِيلِكُمُ الْخَائِنِ؟!..  

أُرِيدُ عُقُوبَةً يَسْتَحِقُّهَا، عَنْ جَدَارَةٍ، لَا يَنْسَاهَا مَدَى الْعُمْرِ!


وَارْتَفَعَتْ أَيَادٍ كَثِيرَةٌ، مِنْ أَيْدِينَا.. وَبَدَأَتِ الِاقْتِرَاحَاتُ، وَانْهَالَتِ الْأَفْكَارُ الْعَبْقَرِيَّةُ،

وَتَزَاحَمَتِ الْخَيَالَاتُ، وَالتَّصَوُّرَاتُ.. وَصَاحَ الْمُلَازِمُ أَوَّل، وَهُوَ فِي أَوْجِ الْجِدِّيَّةِ:


- كُلُّ وَاحِدٍ فِيكُمْ، يَكُونُ اقْتِرَاحُهُ، حَسَبَ مَحَبَّتِهِ، لِسِيَادَةِ الرَّئِيسِ...  

فَكُلَّمَا كَانَتِ الْمَحَبَّةُ أَكْثَرَ، كَانَتِ الْعُقُوبَةُ، أَشَدَّ، وَأَقْوَى، وَأَقْسَى.


وَكَانَتِ الِاقْتِرَاحَاتُ، عَلَى الشَّكْلِ التَّالِي:


- أَقْتَرِحُ أَنْ نَرْبِطَهُ بِالشَّجَرَةِ، ثُمَّ نَقُومَ بِالْبَصْقِ عَلَيْهِ.


- فِكْرَتِي... أَنْ نَحْفِرَ، حُفْرَةً وَسْطَ الْبَاحَةِ، وَنَدْفِنَهُ إِلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ نَدُوسَ عَلَيْهِ.


- مَا رَأْيُكُمْ سَيِّدِي الْمُلَازِمُ أَوَّل، أَنْ نَطْمُرَهُ فِي دَوْرَةِ الْمِيَاهِ، لِمُدَّةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؟!.. يَأْكُلُ، وَيَشْرَبُ، وَيَنَامُ هُنَاكَ؟!


وَأُعْجِبَ الْمُلَازِمُ أَوَّل بِالْفِكْرَةِ، فَقَالَ:


- أَنْتَ يَا عَسْكَرِيُّ... مَا اسْمُكَ؟!.. لَقَدْ رَاقَتْ لِي فِكْرَتُكَ.


- أَنَا يَا سَيِّدِي، اسْمِي... (نَاظِم مَعَلَّا).


- أَحْسَنْتَ يَا (نَاظِم)... أَنْتَ حَقًّا تُحِبُّ سِيَادَةَ الرَّئِيسِ!


وَصَرَخَ الضَّابِطُ:


- مَجْمُوعُ دَوْرَةِ الْأَغْرَارِ... انْتَبِهْ!


- الْآنَ، سَنَذْهَبُ لِفُرْصَةِ الْغَدَاءِ... ثُمَّ نَعُودُ وَنَجْتَمِعُ هُنَا.


مَا إِنْ دَخَلَ الْمُلَازِمُ أَوَّل (خَضَر) خَيْمَتَهُ لِتَنَاوُلِ الْغَدَاءِ، حَتَّى خَرَجَ الرَّائِدُ (عَاطِفُ الشُّومَرِيّ)، مِنْ مَكْتَبِهِ، وَسَارَ لِعِنْدِ (مُحَمَّدٍ حَجِّ عَلِيٍّ)، الَّذِي ظَلَّ فِي حَالَةِ انْبِطَاحٍ عَلَى الْأَرْضِ،  

وَيَدَاهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، كَمَا كَانَتِ الْأَوَامِرُ... فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ، وَبَقِيَ تَحْتَ الْمُرَاقَبَةِ، إِنْ صَدَرَتْ مِنْهُ أَيَّةُ حَرَكَةٍ...


وَحِينَ وَصَلَ إِلَيْهِ قَائِدُ دَوْرَتِنَا..


وَقَفَ بِالْقُرْبِ مِنْهُ، يَتَأَمَّلُهُ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَنْهَضَ

، وَيَقِفَ عَلَى قَدَمَيْهِ الْمُتَوَرِّمَتَيْنِ،  

وَالنَّازِفَتَيْنِ، دَمًا مُتَفَجِّرًا:


- لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ!.. كَمْ أَنْتَ غَبِيٌّ، يَا عَسْكَرِيُّ!..  

مَاذَا فَعَلْتَ بِنَفْسِكَ؟!.. اُنْظُرْ إِلَى حَالِكَ!..  

صَارَ الْكَلْبُ أَكْثَرَ جَمَالًا مِنْكَ!


- سَيِّدِي... وَاللَّهِ لَمْ أَكُنْ أَقْصِدْ!.. كُنْتُ أَتَسَلَّى، لَا أَكْثَرَ.


- أَخْرَسْ يَا مَغْفَّلُ!.. هَلْ تَتَسَلَّى بِصُورَةِ الرَّئِيسِ؟!..  

لَوْ كَانَتْ صُورَةَ أَبِيكَ... هَلْ كُنْتَ تَسَلَّيْتَ بِهَا هَكَذَا؟!..  

مَهْمَا فَعَلَهُ الْمُلَازِمُ أَوَّل (خَضَر) بِكَ... هَذَا قَلِيلٌ!..  

وَهَذَا مِنِ اخْتِصَاصِهِ، فَهُوَ ضَابِطُ أَمْنِ الدَّوْرَةِ...  

وَأَنَا لَا عِلَاقَةَ لِي بِعَمَلِهِ.


- سَيِّدِي... أَرْجُوكَ... سَامِحْنِي!


- قُلْتُ لَكَ: لَا عِلَاقَةَ لِي بِكَ!.. وَلَكِنْ سَأَسْمَحُ لَكَ بِتَنَاوُلِ الطَّعَامِ.. ثُمَّ عُدْ وَانْبَطِحْ، قَبْلَ مَجِيءِ الْمُلَازِمِ أَوَّل إِلَيْكَ.


ثُمَّ أَمَرَ الْعَنَاصِرَ، الَّذِينَ يَتَحَلَّقُونَ حَوْلَ زَمِيلِهِمُ الْمُعَاقَبِ:


- أَحْضِرُوا لَهُ (قَصْعَتَهُ)، وَقَدِّمُوا لَهُ الطَّعَامَ.. بِسُرْعَةٍ!


ثُمَّ تَرَكَهُ، وَمَشَى، بِاتِّجَاهِ مَكْتَبِهِ.


وَرَكَضَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ خَيْمَتِهِ...  

لِيُحْضِرَ لَهُ، مِنَ الْخَيْمَةِ، (قَصْعَتَهُ)... لِيَمْلَأَهَا لَهُ بِالطَّعَامِ.


كُنَّا وَنَحْنُ نَأْكُلُ، نَنْظُرُ إِلَيْهِ بِأَسًى وَحُزْنٍ،. وَنَتَمَنَّى مُسَاعَدَتَهُ... وَلَكِنَّنَا عَاجِزُونَ،. طَالَمَا قَائِدُ الدَّوْرَةِ بِذَاتِهِ، يَعْجَزُ عَنْ مُسَاعَدَتِهِ.  


طَلَبَ مِنْ زُمَلَائِهِ مَاءً، بَعْدَ أَنْ تَنَاوَلَ بَضْعَ لُقَيْمَاتٍ...  

ثُمَّ عَادَ وَانْبَطَحَ، عَلَى الْأَرْضِ،. وَوَضَعَ يَدَيْهِ خَلْفَهُ، كَمَا كَانَ فِي السَّابِقِ.  


أَشْعَلْتُ سِيجَارَةً، وَأَنَا أَتَدَارَى، مِنْ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ،  

تَحْتَ ظِلِّ الشَّجَرَةِ الضَّخْمَةِ، بَعْدَ أَنْ تَوَقَّفَ الْمَطَرُ عَنِ الْهُطُولِ...  

وَأَخَذْتُ أَدْعُو رَبِّي، أَلَّا يُوقِعَنِي بِغَلْطَةٍ، تَجُرُّنِي لِمِثْلِ هَذَا الْمَصِيرِ.. وَقَرَّرْتُ، أَنْ أُنَافِقَ، طُوَالَ مَا أَنَا فِي الْخِدْمَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ.. هُنَاكَ مَثَلٌ يُرَدِّدُهُ أَبِي كَثِيرًا:  

«عَسْكَرِيَّة؟ دَبِّر رَاسَك»...  

وَأَنَا سَأُدَبِّرُ رَأْسِي...  

وَأُنَافِقُ، وَأَكْذِبُ... وَالشِّعْرُ هُوَ سِلَاحِي. هُنَا لَا أَحَدَ يَعْرِفُنِي، أَوْ يَرَانِي، وَلَنْ أُخْبِرَ أَهْلِي، وَأَصْدِقَائِي، بِمَا فَعَلْتُ،  

ثُمَّ سَأُمَزِّقُ كُلَّ مَا كَتَبْتُهُ مِنْ قَصَائِدَ، كَاذِبَةٍ لَا تُمَثِّلُنِي.  


وَجَاءَتِ اللَّحْظَةُ الْحَاسِمَةُ،

. فَهَا هُوَ الْمُلَازِمُ أَوَّل، وَالْعَرِيفُ (خَالِد)، قَادِمَانِ،  

وَيَحْمِلَانِ بِأَيْدِيهِمَا، السَّوْطَ الرُّبَاعِيَّ.  


- انْتَبِهْ!.. اسْتَرِحْ!.. اسْتَعِدْ!.. إِلَى وَرَاءِ الْخِيَمِ...  

حَيْثُ (مَرَاحِيضُ) الدَّوْرَةِ... سِرْ!  


وَانْهَضُوا (مُحَمَّدَ حَجِّ عَلِيٍّ)... وَسَحَبُوهُ.


عِنْدَنَا (مَرَاحِيضُ) مُتَنَقِّلَةٌ، نَسْتَخْدِمُهَا فِي الدَّوْرَةِ.. نَحْفِرُ حُفْرَةً، وَنُرَكِّبُ عَلَيْهَا (مِرْحَاضًا) خَشَبِيًّا مُتَنَقِّلًا، وَحِينَ تُمْتَلَئُ الْحُفْرَةُ بِالْبِرَازِ، نَطْمُرُهَا بِالتُّرَابِ، وَنَنْتَقِلُ إِلَى حُفْرَةٍ جَدِيدَةٍ.


كَانَ (مُحَمَّدٌ حَجُّ عَلِيٍّ)، يَرْجُو الْمُلَازِمَ أَوَّل، وَيَتَوَسَّلُ، وَيُحَاوِلُ أَنْ يَنْكَبَّ عَلَى بُوطِهِ الْعَسْكَرِيِّ، لَكِنَّ الْمُلَازِمَ أَوَّل (خَضِر)، كَانَ يَزْجُرُهُ، وَيَنْهَاهُ، وَيُبْعِدُهُ عَنْهُ، بِضَرْبَةٍ قَوِيَّةٍ، مِنْ سَوْطِهِ.


قَادُوهُ إِلَى حُفْرَةِ (الْمِرْحَاضِ)، الْمَلِيئَةِ بِالْقَذَارَةِ، كَمَا يُقَادُ الْمُجْرِمُ إِلَى مِقْصَلَةِ الْإِعْدَامِ.


كَانَ الشَّوْكُ يَبْكِي تَعَاطُفًا مَعَهُ، وَالْأَرْضُ تَئِنُّ تَحْتَ وَقْعِ خُطُوَاتِهِ الثَّقِيلَةِ، وَالسَّمَاءُ تَرْمِشُ بِعَيْنَيْهَا الدَّامِعَتَيْنِ.. و(نَاظِمٌ مَعَلَّا)، صَاحِبُ الْفِكْرَةِ الْحَقِيرَةِ، يَمْشِي بَيْنَنَا بِفَرَحٍ وَخُيَلَاءِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَكْثَرُنَا مَحَبَّةً لِسِيَادَةِ الرَّئِيسِ. مَنْ مِنَّا يَجْرُؤُ وَيَبْصُقُ عَلَيْهِ؟!.. مَنْ يَسْتَطِيعُ حَتَّى لَوْمَهُ؟!.. كَيْفَ لَهُ أَنْ يَرْضَى، لِزَمِيلِهِ بِمِثْلِ، هَذِهِ الْعُقُوبَةِ الْفَظِيعَةِ؟!


وَقَفَ عِنْدَ حَافَّةِ (الْجُورَةِ)، تَوَسُّلَاتُهُ لَمْ تَتَوَقَّفْ، دُمُوعُهُ مُسْتَمِرَّةٌ بِالتَّدَفُّقِ، رَعْشَةُ جَسَدِهِ لَا تُفَارِقُهُ...


كَانَتِ الرَّائِحَةُ الْمُنْبَعِثَةُ مِنَ الْحُفْرَةِ، كَرِيهَةً لَا تُطَاقُ...


وَ(الْبَقُّ، وَالْبَرَاغِيثُ، وَالْحَشَرَاتُ، وَالْجُرْذَانُ) الْمُتَلَصِّصَةُ، تَنْتَظِرُ قُدُومَ (مُحَمَّدٍ حَجِّ عَلِيٍّ)، لِتَفْتِكَ بِهِ.


وَصَدَرَ عَنِ الْمُلَازِمِ أَوَّل (خَضِر)، صَوْتٌ غَلِيظٌ، وَخَشِنٌ:


– (مُحَمَّدٌ حَجُّ عَلِيّ)، انْزِلْ إِلَى الْحُفْرَةِ، وَلَا تَخْرُجْ مِنْهَا، إِلَّا بِأَمْرٍ مِنِّي. هَيَّا نَفِّذْ.


– يَا سَيِّدِي... أَرْجُوكَ... (أَبُوسُ) بُوطَكَ...


لَمْ يَتْرُكْهُ الْعَرِيفُ (خَالِد) يُكْمِلْ كَلَامَهُ، فَقَدْ دَفَعَهُ بِيَدِهِ، فَسَقَطَ فِي الْحُفْرَةِ.


وَغَاصَ (مُحَمَّدٌ حَجُّ عَلِيّ) فِي الْحُفْرَةِ الْمُمْتَلِئَةِ (بِالْبِرَازِ وَالْبَوْلِ)، وَحِينَ فَتَحَ فَمَهُ لِيَصْرُخَ، غَرِقَ فَمُهُ، وَتَبَلَّلَ وَجْهُهُ، فَأَخَذَ يَشْهَقُ، وَكَأَنَّهُ يَغْرَقُ، وَتَصَاعَدَتْ رَائِحَةٌ فَظِيعَةٌ بِالْبَشَاعَةِ، وَانْبَعَثَتْ ضِحْكَةٌ قَذِرَةٌ، مِنْ (نَاظِمٍ مَعَلَّا)، وَكَأَنَّهُ يَشْمَتُ بِرَفِيقِهِ...


وَسَدَدْنَا أُنُوفَنَا بِأَصَابِعِنَا، وَحَاوَلْنَا أَنْ نَبْتَعِدَ، مَعَ آلَامِنَا، وَدَمْعِنَا الْمَحْبُوسِ...


وَصَاحَ الْمُلَازِمُ أَوَّل، مُخَاطِبًا (مُحَمَّدَ حَجِّ عَلِيّ):


– الْآنَ... هُنَا يُمْكِنُكَ أَنْ تُمَارِسَ هِوَايَتَكَ، وَتَتَسَلَّى.


وَفَجْأَةً... ظَهَرَ مِنْ خَلْفِ الْخِيَمِ، (الرَّائِدُ عَاطِفُ الشُّومَرِيّ)، قَائِدُ الدَّوْرَةِ، وَمَعَهُ جَمِيعُ الضُّبَّاطِ: النَّقِيبُ (إِبْرَاهِيم)، وَالْمُلَازِمُ أَوَّل (حَسَنُ عَوَضٍ)، وَالْمُلَازِمُ أَوَّل (فَضْلٌ)، وَالْمُلَازِمُ (حُسَامُ الدِّينِ)، وَحَضَرَاتُ صَفِّ الضُّبَّاطِ: (مُصْطَفَى قَاقُو)، وَ(حَيْدَرُ حَيْدَر)، وَالرَّقِيبُ أَوَّل (عَبْدُ الْكَرِيمِ)...

  وَالْمُسَاعِدُ أَوَّل، مَسْؤُولُ الْمَهَامِّ، فِي الدَّوْرَةِ.


كُنَّا نُرَاقِبُ خُطُوَاتِهِم، وَهِيَ تَقْتَرِبُ مِنَّا...  

الْوُجُوهُ كَانَتْ عَابِسَةً، قَاسِيَةً، ذَاتَ نَظَرَاتٍ حَانِقَةٍ...  

وَقَفَ سِيَادَةُ الرَّائِدِ، تَطَلَّعَ إِلَى الْحُفْرَةِ، الَّتِي يَسْبَحُ بِهَا الْمُجَنَّدُ (مُحَمَّدٌ حَجُّ عَلِي)، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْمُلَازِمِ أَوَّل (خَضِر)، وَسَأَلَهُ:


– مَا هَذَا يَا سِيَادَةَ الْمُلَازِمِ أَوَّل؟!.. أَهَذَا مَعْقُول؟!.. أَلَا تَخَافُ مِنْ رَبِّكَ؟!.. هَذَا حَرَامٌ وَاللَّهِ...  

إِنَّ هَذَا الَّذِي تُعَاقِبُهُ، جُنْدِيٌّ فِي الْجَيْشِ الْعَرَبِيِّ السُّورِيِّ...  

وَنَحْنُ هُنَا، جِئْنَا لِنُدَرِّبَ دَوْرَةَ الْأَغْرَارِ... نُعَلِّمُهُمْ، نَشْرَحُ لَهُمْ، نُدَرِّبُهُمْ، نُسَاعِدُهُمْ عَلَى تَجَاوُزِ مَشَاكِلِهِم... لَا أَنْ نُحَطِّمَهُمْ، وَنَجْعَلَهُمْ يَكْرَهُونَ الْوَطَنَ.


كَانَتْ... كَلِمَاتُ الرَّائِدِ، عَلَى الْمُلَازِمِ أَوَّل، لَهَا وَقْعٌ مُزْعِجٌ، وَغَيْرُ مُتَوَقَّع... فَصَاحَ:


– أَلَمْ تَعْرِفْ مَاذَا فَعَلَ يَا سِيَادَةَ الرَّائِدِ؟!  


قَالَ الرَّائِدُ:

– عَرَفْتُ... وَاللَّهِ عَرَفْتُ... وَهُوَ يَسْتَحِقُّ عُقُوبَةً، وَلَكِنْ لَيْسَ بِهَذَا الشَّكْلِ يَا أَخِي... اعْتَبِرْهُ أَخَاكَ الصَّغِير، وَأَخْطَأَ... أَفَنَقْتُلُهُ؟!.. أَمْ عَلَيْنَا أَنْ نُفْهِمَهُ مَدَى غَلَطِهِ، وَنَنْصَحَهُ؟!


– سَيِّدِي.. أَنَا أَرَاهُ، يَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ بِفِعْلَتِهِ، فَهُوَ – مِنَ الْمُؤَكَّدِ – لَهُ عِلَاقَةٌ بِالإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ.


اسْتَدَارَ الرَّائِدُ إِلَى الْعَرِيفِ (خَالِدٍ)، وَأَمَرَهُ:


– أَخْرِجُوهُ مِنَ الْحُفْرَةِ، وَخُذُوا بِهِ لِلِاسْتِحْمَامِ.


وَأَرَادَ الْمُلَازِمُ أَوَّلُ أَنْ يَحْتَجَّ، فَهَتَفَ:


– وَلَكِنْ يَا سَيِّدِي.. أَنَا سَأَكْتُبُ تَقْرِيرًا فِي هَذَا الشَّأْنِ.


وَبَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، وَصَلَتْ دَوْرِيَّةٌ مِنَ الأَمْنِ، وَقَبَضَتْ عَلَى (مُحَمَّدٍ حَجِّ عَلِي)، وَاقْتَادَتْهُ، وَغَابَتْ عَنَّا أَخْبَارُهُ... ثُمَّ، تَمَّ نَقْلُ الرَّائِدِ (عَاطِف)، لا نَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ؟... وَجَاءَنَا قَائِدٌ جَدِيدٌ إِلَى الدَّوْرَةِ، الْعَقِيدُ الرُّكْنُ (عَبُّودْ عَبُّودْ).*


*مُصْطَفَى الْحَاجُّ حُسَيْن*



أبدا ... لن تعودي بقلم الأديب سعيد تلشابي

 أبدا ... لن تعودي

لا ... لا ... لن تعودي

فانا ،... قد نسيت

من أنت؟

ومن تكوني !!!

نسيت التراب الذي وطأت 

ونسيت الاسم ، نسيت البلاد

نسيت أن اعود اليك

أن أبحث في ذاكرة ثكلى

طلقها أمس قبل الموت

مات فيها الانتشاء ...

ومات فيها الكبرياء

ومات فيها اللهو

مات فيها الصلف 

واختنق في حلقها المجون

فلا عودة ولا سلام

مهما عصف بوجداني الجنون

ثقي أن القلب الذي

كان بالامس نبضا بقلبك 

مات اليوم 

وأصبح نقطة سوداء

تحطم ما كان كوكبا مشرقا

فلا الحياة حياة 

ولا الوجود وجود 

ولا انت كنت

ولا انا مررت بربعك المنفوش

وانا ... للعدم عدت 

فلا تنتظريني

سعيد تلشابي


يا مُنْهَكينَ قولوا: هَيِّيْه قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ لِلْكاتِبِ المِصْرِيِّ: م. مَحْمُود عَبْدِ الفَضِيل

 يا مُنْهَكينَ قولوا: هَيِّيْه

قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ

لِلْكاتِبِ المِصْرِيِّ: م. مَحْمُود عَبْدِ الفَضِيل

بَعْدَ حُصُولِي عَلَى الدِّبْلُومِ، قَرَّرْتُ تَرْكَ قَرْيَتِي الصَّغِيرَةِ، وَالتَّوَجُّهَ إِلَى القَاهِرَةِ لِلْعَمَلِ هُنَاكَ، حامِلًا أَحْلَامًا لَا حَصْرَ لَهَا.

وَكَمْ كَانَ مِنَ الصُّعُوبَةِ، فِي البِدَايَةِ، الحُصُولُ عَلَى عَمَلٍ وَسَطَ تِلْكَ الأَمْوَاجِ البَشَرِيَّةِ المُتَلَاحِمَةِ، الَّتِي تَزْدَحِمُ بِهَا الشَّوَارِعُ وَالطُّرُقَاتُ! إِلَّا أَنَّ قُرْبِي مِنَ العَتَبَةِ سَهَّلَ لِي التَّجَوُّلَ بَيْنَ المَطَاعِمِ الشَّعْبِيَّةِ، وَالسُّؤَالَ عَنْ فُرْصَةٍ لِأَكْلِ العَيْشِ.

مَرَّتِ السَّاعَاتُ وَأَنَا أَتَجَوَّلُ، وَأَشِعَّةُ الشَّمْسِ تَلْتَهِمُ جَسَدِي، وَتَصْبَغُ بَشَرَتِي، حَتَّى وَصَلْتُ إِلَى مَسْمَطٍ يُسَمَّى «حَلَالِي»، لِصَاحِبِهِ الحَاجِّ عَكْوَةَ. وَبِخُطًى ثَابِتَةٍ، سَأَلْتُهُ عَنْ فُرْصَةٍ لِلْعَمَلِ.

نَظَرَ إِلَيَّ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ، مُسْتَفْسِرًا عَنْ خِبْرَتِي فِي مَجَالِ «فَوَاكِهِ اللُّحُومِ» مِنْ فِشَّةٍ وَمُخٍّ وَكَلَاوِي، وَعِنْدَمَا أَخْبَرْتُهُ بِعَدَمِ خِبْرَتِي فِي هَذَا المَجَالِ، أَشَارَ إِلَيَّ بِالدُّخُولِ إِلَى المَسْمَطِ، وَالعَمَلِ مُسَاعِدًا لِلْعَمِّ شَنْخَرَ، الرَّجُلِ كَبِيرِ السِّنِّ، الَّذِي يَعْمَلُ فِي المَسْمَطِ مُنْذُ نَشْأَتِهِ.

وَقَرَّرَ الحَاجُّ عَكْوَةُ تَوْفِيرَ مَبِيتٍ لِي دَاخِلَ المَسْمَطِ، لِحِينِ الحُصُولِ عَلَى حُجْرَةٍ فِي أَحَدِ أَسْطُحِ المَنَازِلِ المُجَاوِرَةِ.

وَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّامٌ قَلِيلَةٌ حَتَّى تَمَّ تَوْفِيرُ حُجْرَةٍ مُفَرَّشَةٍ لَدَى الحَاجِّ مُحَمَّدٍ سُكُونْدُو، جَزَّارِ المِنْطَقَةِ، الَّذِي يَمْلِكُ عَقَارًا قَدِيمًا بِجِوَارِ المَسْمَطِ، وَكَانَ مُتَزَوِّجًا مِنِ امْرَأَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا تَقْطُنُ فِي غُرْفَةٍ عَلَى السَّطْحِ.

كَانَ السَّطْحُ يَتَكَوَّنُ مِنْ عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ الحُجُرَاتِ الصَّغِيرَةِ المُتَلَاصِقَةِ وَالضَّيِّقَةِ، الَّتِي يَتِمُّ تَأْجِيرُهَا لِلْمُغْتَرِبِينَ، وَكَانَ مُعْظَمُهُمْ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّعِيدِ، الَّذِينَ قَرَّرُوا، مِثْلِي، الهِجْرَةَ إِلَى القَاهِرَةِ لِبِدَايَةِ حَيَاتِهِمْ.

كَانَ جَمِيعُهُمْ تَقْرِيبًا لَمْ يُكْمِلُوا تَعْلِيمَهُمْ، وَيَعْمَلُونَ فِي مِهَنٍ بَسِيطَةٍ؛ مِنْهُمُ الصَّيْعَةُ، بَائِعُ الشَّرْبَاتِ، وَحُسَيْنُ سِكْس، بَائِعُ الوُرُودِ، وَخَالِدُ السَّامْبُو، بَائِعُ العَرَقْسُوسِ.

كَانَ الجَمِيعُ يَتَّجِهُ إِلَى عَمَلِهِ صَبَاحًا، وَلَا يَعُودُ إِلَّا فِي المَسَاءِ، تَارِكِينَ زَيْنَاتَ، الزَّوْجَةَ الثَّانِيَةَ لِصَاحِبِ العَقَارِ، بِمُفْرَدِهَا عَلَى السَّطْحِ، بَيْنَمَا كَانَ زَوْجُهَا العَجُوزُ يَزُورُهَا فِي ذَلِكَ الوَقْتِ.

وَفِي المَسَاءِ، كَانَ الجَمِيعُ يَجْلِسُ أَمَامَ حُجْرَتِهِ، يَتَسَامَرُونَ أَوْ يُجَهِّزُونَ مُسْتَلْزَمَاتِ عَمَلِ اليَوْمِ التَّالِي.

مَرَّتِ الأَيَّامُ سَرِيعَةً وَمُتَشَابِهَةً، حَتَّى جَاءَ يَوْمٌ صَدَرَ فِيهِ قَرَارٌ بِإِزَالَةِ المَنْزِلِ، لِخُطُورَةِ حَالَتِهِ وَتَعَرُّضِهِ لِلسُّقُوطِ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ.

حِينَئِذٍ، اجْتَمَعَ الحَاجُّ سُكُونْدُو بِالسُّكَّانِ، وَخَاصَّةً أَهْلَ السَّطْحِ، وَقَرَّرَ أَنْ يَمْنَحَ الجَمِيعَ عُقُودَ إِيجَارٍ دَائِمَةً مُقَابِلَ مَبْلَغٍ مِنَ المَالِ.

وَبِالفِعْلِ، رَحَّبَ الجَمِيعُ بِالفِكْرَةِ، بِاعْتِبَارِهَا مُحَاوَلَةً أَخِيرَةً لِلضَّغْطِ عَلَى الحَيِّ مِنْ أَجْلِ تَعْدِيلِ قَرَارِ الإِزَالَةِ وَتَحْوِيلِهِ إِلَى قَرَارٍ بِالتَّرْمِيمِ.

وَظَلَّ الجَمِيعُ فِي حَالَةِ انْتِظَارٍ وَتَأَهُّبٍ، وَالقَلَقُ يُسَيْطِرُ عَلَيْهِمْ؛ فَالجَمِيعُ يَرَى فِي هَذَا المَنْزِلِ مَأْوًى آمِنًا بَعْدَ يَوْمِ عَمَلٍ طَوِيلٍ وَمُرْهِقٍ، وَمُعْظَمُ السُّكَّانِ يَعِيشُونَ فِي حُجُرَاتِ السَّطْحِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، بِإِيجَارٍ بَسِيطٍ، فَضْلًا عَنْ قُرْبِ المَكَانِ مِنْ أَمَاكِنِ عَمَلِهِمْ.

وَفِي صَبَاحِ أَحَدِ الأَيَّامِ، حَضَرَ مَنْدُوبُ الحَيِّ، بِرِفْقَةِ قُوَّةٍ مِنَ الشُّرْطَةِ، لِتَنْفِيذِ قَرَارِ الإِزَالَةِ.

لَكِنَّ مَا لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُهُ هُوَ رَفْضُ أَهْلِ السَّطْحِ تَنْفِيذَ القَرَارِ، وَقِيَامُهُمْ بِتَشْكِيلِ حَائِطٍ بَشَرِيٍّ حَوْلَ المَنْزِلِ، بَيْنَمَا بَدَأَ بَعْضُ أَهْلِ المِنْطَقَةِ وَشَبَابِهَا فِي تَصْوِيرِ الأَحْدَاثِ وَبَثِّهَا عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ.

وَمَا هِيَ إِلَّا سَاعَاتٌ قَلِيلَةٌ حَتَّى حَضَرَتِ القِيَادَاتُ التَّنْفِيذِيَّةُ إِلَى المَكَانِ، وَعُقِدَ اجْتِمَاعٌ مَعَ السُّكَّانِ بِقِيَادَةِ الحَاجِّ مُحَمَّدٍ سُكُونْدُو.

وَبَعْدَ نِقَاشٍ طَوِيلٍ، تَمَّ الاتِّفَاقُ عَلَى مَنْحِ كُلِّ مَنْ يَحْمِلُ عَقْدَ إِيجَارٍ شَقَّةً فِي مَسَاكِنِ المُحَافَظَةِ، وَنَقْلِ جَمِيعِ السُّكَّانِ إِلَى المَسَاكِنِ الجَدِيدَةِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي إِزَالَةِ المَنْزِلِ.

وَقَبْلَ انْصِرَافِ المَسْؤُولِ الرَّئِيسِيِّ، طَلَبَ مِنَ السُّكَّانِ تَصْوِيرَ لَحَظَاتِ قِرَاءَةِ القَرَارِ، وَبَثِّهَا عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ، وَالتَّعْبِيرِ عَنْ فَرْحَتِهِمْ بِنِهَايَةِ الأَزْمَةِ.

وَقَفَ سُكَّانُ المِنْطَقَةِ جَمِيعًا فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدِ امْتَزَجَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِالضَّحِكَاتِ وَالزَّغَارِيدِ، ثُمَّ ارْتَفَعَ الهُتَافُ مِنَ الحَنَاجِرِ الَّتِي أَنْهَكَهَا العَمَلُ وَالانْتِظَارُ:

هَيِّيِيييييه!



وشوشة العصافير بقلم محمد الهادي صويفي تونس

 وشوشة العصافير 

وشقشقة المعني 

أنا وعصافيري

وبعض من تدا بيري.

وحيدان نحن.

كما  القمر

وجيكور المطر.

أنا  ووشوشات العصافير.

وظلال الشجر

عادت عصافيري

زرقاء 

كلون البحر.

سمائي صافية.

وأحلامي ليست مزعجة

أعيش في سكوني وهدوئي

أنا وعصفوري و القمر.

صرنا وحيدين

هربنا من البشر

من خان ومن غدر

أحيانا أهرب إلى الطبيعة.

طعم الخذلان مر

أنا اعول على نفسي

ولا أطمع في غيري

واعيد ترتيب ذاتي

 لعل القدر.

يمنحني فرصة العمر


محمد الهادي صويفي تونس



مما علمتني الحياة... بقلم بقلمي رشا القمحاوي

 مما علمتني الحياة...


«الياسمينة السابعة»


 تعلمت أن التغيير سنة الحياة، وأن لكل شتاء ربيعاً. لابد وأن يأتي...


ففي أحد الفصول الدراسية في المرحلة الثانوية، كنت أجلس بجوار النافذة، وكانت تطل على شجرة كبيرة وارفة الأغصان، ممتلئة بالأوراق.


وكان الفصل الدراسي يبدأ كعادته مع الخريف، فأراها يوماً بعد يوم تفقد أوراقها.


ورقة تلو الأخرى...


حتى إذا جاء الشتاء، فأجدها خالية تماما، لا يبقى منها سوى سيقان جافة تقف في صمت.


كان المشهد يصيبني بحزن غريب، لم أكن أفهم سببه. حتى إنني كنت أتجنب النظر إليها، وكأنني لا أحتمل أن أرى شيئاً كان بالأمس ممتلئا بالحياة، وقد أصبح اليوم مختلفا إلي هذا الحد.


ولم أكن أفهم وقتها أن ما أراه أمام عيني كان درسا من دروس الحياة.


ولما كبرت وتغيرت أشياء كثيرة في حياتي، فهمت ما لم أفهمه في ذلك الوقت...


فهمت أن الحياة لا تبقي على حال. وأن بعض ما نحبه سيتغير، وأن بعض ما نتمسك به سيسقط من أيدينا، وبعض الفصول التي أحببناها ستنتهي مهما تمنينا بقاءها.


وتعلمت أن السلام لا يأتي من أن تسير الحياة كما نريد، بل من أن نمضي معها حين تسير في اتجاه آخر.


فليس كل تبدل معناه الخسارة، وليس كل سقوط نهاية.


فتلك الشجرة التي كنت أحزن لرؤيتها عارية في الشتاء، كانت تعرف شيئا لم أكن أعرفه.


وهو أن فقدان الأوراق ليس موتا، بل استعدادا لموسم جديد.


أما الآن فقد أصبحت لا أخاف من التغيير لمجرد أنه يؤلمني.


فبعض الأشياء لا ترحل لتؤذينا، بل ترحل لأن وقتها قد انتهي.


وبعض ما نظنه نهاية، قد يكون مجرد شتاء طويل... 

يعقبه ربيع يعوض كل شيء.


غصن عار...

في صمت الجذر

سر أخضر.


عقد الياسمين 

بقلمي رشا القمحاوي



الزوجة الصالحة بقلم: أنغام الهادي

 الزوجة الصالحة

هي السَّكَنُ إذا تَضيقُ مَسالِكُنا  

ودُعاؤُها في الغَيبِ يَجلُبُ رِزقَنا  

بالرِّفقِ تَمسَحُ عن جَبينِ كُروبِنا  

وبالبِشرِ تُطفِئُ لَوعَةَ إعيائِنا  


هي الأَمانَةُ في الرِّقابِ وَعَهدُنا  

والأُنسُ في الدَّربِ الطَّويلِ إلى الهُدى  

إن نَظرَةٌ مِنها تَسُرُّ خَواطِرَنا  

وإذا أُمِرَت أَطاعَت بِحُسنِ هُداها  

وإذا غِبنا حَفِظَت لَنا حُرماتِنا  

في بَيتِنا وَمَعاشِنا وَغِنى يَدِنا  


هي النَّخيلُ الشَّامِخاتُ ظِلالُها  

رِضوانُها ثَمَرٌ وَبُشرى حَولَنا  

وهي الصَّديقَةُ تَفهَمُ إيماءَنا  

تَضحَكُ لِلبُشرى وَتَحمِلُ عِبأَنا  


ليسَت كَمالاً لا يُنالُ وَإِنَّما  

وُدٌّ وَرَحمَةٌ وَصَبرٌ سَرمَدا  

تَجعَلُ مِن البَيتِ اليَسيرِ جَنَّةً  

وَمِنَ القَليلِ نَعيمَ عُمرٍ أَخلَدا  


فَطوبى لِمَن رُزِقَ الصَّلاحَ بِزَوجَةٍ  

فازَ الحَياةَ وَنالَ في الآخِرَةِ المُنى  


بقلم: أنغام الهادي



حين توارى مهجة الروح..خلف الغيوم..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 حين توارى مهجة الروح..خلف الغيوم..!

مذ تواريت خلف الغيوم يا إبني،تغيّر كل شيء في داخلي..

مات شيء جميل في القلب،وانطفأت مصابيح كثيرة كنت أظنها لا تنطفئ.صرت أمضي في الحياة بوجه الرجل الذي أثقلته الخسارات،وأحمل في صمتي ما تعجز الكلمات عن حمله.

منذ رحيلك،لم تعد الأشياء كما كانت.الأماكن التي كانت تمنحني الألفة صارت تذكّرني بالغياب، والأيام التي كانت تمر خفيفة أصبحت ثقيلة كأنها تعرف أن في القلب مقعدا شاغرا لا يجلس عليه أحد.

يا غسان..

كنت أظن أن الإنسان يتعلم من الخسارة كيف يكون أكثر صلابة،لكنني اكتشفت أن بعض الخسارات لا تعلّمنا الصلابة،بل تعلّمنا كيف نواصل السير ونحن نحمل كسرا لا يراه أحد.!

أصبحت،بعدك،رجل الخسارات الكبرى..أما أرباحي، فـ"سقط متاع"..

أشياء صغيرة لا تساوي في ميزان القلب شيئا أمام غيابك.فما قيمة ما نملك حين يغيب من كان وجوده يمنح لكل الأشياء معناها ؟!

ومع ذلك،لا أريد لرحيلك أن يكون خاتمة الحكاية. سأظل أكتبك،لا لأستجدي الشفقة،ولا لأستعيد ما لا يعود،وإنما لأن الكتابة أصبحت طريقتي في أن أضع يدي على موضع الوجع،وأن أقول للعالم إن وراء كل أب صامت حكاية لا يعرفها أحد.!

يا مهجة الروح..

لقد أخذ الرحيل جسدك،لكنه لم يأخذ أثرك.تركت في القلب فراغا لا يملؤه أحد،وفي الذاكرة ضوءا لا تطفئه السنوات.وسأظل،ما بقي في العمر بقية، أبحث عنك بين الكلمات والغيوم،لعل الحروف تمنحني بعضا مما عجزت الحياة عن منحي إياه: لحظة أخرى معك..!

أصعب ما في رحيلك أنك لم تترك لي حتى فرصة الوداع التي تليق بمن أحببت.مضيتَ إلى الغياب، وتركتني هنا أتعلم وحدي كيف يعيش الإنسان بنصف قلب،وكيف يبتسم وفي داخله جنازة لا تنتهي..!

وسيظل أقسى ما في الحكاية أنني،كلما اشتقت إليك،لن أملك سوى أن أرفع عيني إلى الغيوم..ثم أتذكر أنك هناك،وأنني هنا،وأن المسافة بيننا لم تعد طريقا يمكن قطعه،بل موتا لا سبيل إلى عبوره.

رحمك الله يا غسان..فقد رحلتَ مرة،لكنني منذ رحيلك أموت فيك ألف مرة..!


محمد المحسن 


-اعتذار إلى قرائي الكرام

أعتذر إليكم عن هذا الإيغال في المراثي،وعن كثرة ما أثقلت به صفحاتي من نصوص الفقد والوجع،فما كنت يوما من عشاق الحزن،ولا اخترت أن أجعل من الكتابة مأتما مفتوحا.

لكن بعض الأوجاع لا تستأذننا حين تأتي،وبعض الفقد لا يترك للمرء ترف اختيار ما يكتب.وما أكتبه هذه الأيام ليس نزوعا إلى الحزن،بل قسر إرادة، ومحاولة لاستبقاء شيء من روح إبني بالكلمة، بعدما غاب جسده إلى الأبد.

أعرف أنكم شركاء في ما أكتب،وأقدر صبركم ومحبتكم،وأرجو أن تلتمسوا لي العذر..فهذه مرحلة أثقل من قدرتي على الصمت.

مودتي وامتناني لكم جميعا.



هُدنة… بقلم مريم الصامت من تونس الخضراء

هُدنة…

يقتربُ ببطءٍ وما يكادُ يصلُ حتى يختفي بمهارةِ

ثم يظهرُ من جديدٍ و يضحكُ في وجهي بسخريةِ

سرابٌ في صحراءِ قلبي الخاليةِ

يمرُّ بسلامٍ في النهارِ و يُشعِلُ حربا باردةً كلَّ ليلةِ

سلاحي الوحيدُ فيها غطائيِ و وِسادتي

و في وجه الظلامِ أشهرُ بكلِّ شجاعةٍ دمعتيِ

فيتراجعُ الشبحُ رِفقًا بحالتي

و أستسلمُ أنا و ألوّحُ بِرايتِي

نامي الآن ولا تخافي يا صغيرتي

هي فقط فوضى مِن صُنعِ مخيلتي

أو ربما وجعٌ قديمٌ تجدّد في ذاكرتي

هل مِنْ ممحاةٍ للماضي أو عصاً سحريةِ؟  

 أو حبةُ دواءٍ للنسيانِ تُشفي عِلّتي؟

ما أسعدني لو ما سعيتُ لأكونَ مختلفةِ 

و ما أشقاني لو ما تجرأتُ على التجربةِ

كيف أجِدُ حلاّ جذريا لهذهِ المعادلةِ؟

وبينما أنا أحاسب نفسي في قاعةِ المحكمةِ

إذْ بقاضٍ خفيٍّ يتنزّلٌ و يَحكم ببرائتي 

فأغفو أخيرا مسلّمةً للأقدارِ غيرَ مُباليةِ 

واعيةً بآكتئابيِ الخَجولِ، مُستأنِسةً بوحدتِي


بقلمي،

مريم الصامت من تونس الخضراء

على ضوء المصباح بقلم عبد اللطيف ناجم فؤاد

 على ضوء المصباح

ونجوم في السماء


جلست يحتوى الأقلام


بين زاهية الألوان


فرحة شادية


وشاحبة الأبدان


هزيلة فانية .


سألها في وهن :


المصباح و النور واحد ،


فلماذا الشنآن ؟


طأطأ الجمع الرأس،


واستكان كأنه الخذلان .


أستغاظ في عنفوان :


أليست الزاهية والشاحبة


من ذات الأفنان ؟


لماذا التعالي والنكران؟


زاهية خائفة من صدإ الألوان،


طامعة في أحلى الألحان .


هزيلة راجية صحة الأبدان


شرهة حالمة بحسن القوام .


عبد اللطيف ناجم فؤاد



عفوًا أيامي الباقية بقلم عزه كامل

 عفوًا أيامي الباقية

قلم عزه كامل 

عفوًا أيامي الباقيةُ،

فقد أتعبتِ القلبَ أعوامًا وسنينْ،

وأثقلتِ الروحَ بما لا يُحتمل،

وأرهقتِ خطوي في دروبِ الحائرينْ.


فمُرّي بسلامٍ يا أيامي،

ومُرّي هادئةً دونَ ضجيجْ،

فأنا ما عدتُ أطلبُ فرحًا،

ولا أبحثُ عن حلمٍ بعيدٍ أو بريقْ.


لا أطلبُ من الدنيا كثيرًا،

ولا أرجو من العمرِ المستحيلْ،

كلُّ ما أرجوهُ لحظةُ أمنٍ،

وسكينةُ قلبٍ، وهدوءٌ جميلْ.


لقد تعبتُ من الوقوفِ طويلًا،

وصار الوقوفُ على القلبِ مؤلمًا،

وصارت خُطايَ تثقلُها السنينْ،

وصار التعبُ في الروحِ مقيمًا.


فإن كان لا بدَّ أن تمضي،

فمُرّي برفقٍ، دونَ صخبٍ أو عناءْ،

دونَ وجعٍ يُثقلُ صدري،

ودونَ تعبٍ يُطفئُ آخرَ الرجاءْ.


كوني لي يا أيامي شفاءً،

وكوني هدوءًا بعد طولِ اضطرابْ،

امنحيني سكينةَ قلبٍ،

وأمانًا يضمُّ الروحَ بعدَ اغترابْ.


فأنا أقاومُ منذ زمنٍ طويلْ،

وأخفي تعبي خلفَ الصمتِ واليقينْ،

وما بقيَ في الروحِ إلا إنسانٌ،

مُتعبٌ يحلمُ بالسكينةِ لحظاتٍ،

وبقلبٍ هادئٍ… لا يعرفُ الأنينْ.


عفوًا أيامي الباقية،

إن أثقلني منكِ المسيرْ،

فرفقًا بقلبٍ أضناهُ العمرُ،

ولم يعدْ يحتملُ المزيدَ من المصيرْ.


اللهم اجعل ما تبقّى من العمرِ

رحمةً وسلامًا وأمانْ،

واكتب لنا في آخر الطريقِ

نورًا يطمئنُّ به القلبُ،

وسكينةً تُغلقُ أبوابَ الأحزانْ.


اللهم أحسن خاتمتنا،

واختم لنا بالخيرِ يا ربَّ العالمينْ،

واجعل آخرَ أيامنا

طمأنينةً ورضًا،

وقلبًا هادئًا…

ونفسًا آمنةً بين يديك.

عزه كامل


غفوة حلم بقلم الكاتبة صفاء قرقوط

 غفوة حلم 

******

وقبل  

أن يسرقك الحلم  ..  

من حضن غفوة  ..  

أترك لي رشفة  

من همساتك  

في قعر كأس الكلمات  ..  

أسكر بها حنيني  

إلى حين صحوتك  ..  

صفاء قرقوط



قصيدة عمرى منساه بقلم د/ حسن الشوان/ مصر

 قصيدتى    عمرى منساه 

كان نفسى البس أبويا الجذمه 

واقعد أأكله على السرير 

مخلنيش يوم أعيش فى أزمه

وكبرنى على العزه أمير

يوم رحيله كان مفاجأة وصدمه

وانا كنت لسه عيل صغير 

شيلت الشيله ذى ما علمنى الهمه 

وعشان اثبتله انى كبير 

من صغرى علمنى الأبوة 

وشربت منه نصايح كتير 

كان شامخ فى كل كبوة

واقف صامد بعزه ونخوه

و هيبه وثبات بكل القوه

 ويكره الظلم الغاشم والغرور

كان نفسى اتصور معاه

واقف  جنبه  فى  حماه

طبعا فاكره وعمرى منساه

ايامه معايا جميلة وحلوه

وكان ليا طاقه  امل ونور

وسند لضهرى وعزم وعزوة

الرجولة اصاله وعزه ووراثه

ودين وتربيه وطيبه وأخلاق

بصماته جووايا  فى الكراسه

وكان حكيم ف الفعل بكياسه 

وهبه الله  الحكمه  والفراسه 

وفى نطق الحق  كان  عملاق

    د/ حسن الشوان/ مصر



وَعْدُ الْحُبِّ بقلم الكاتبة خديجة شاطر الجزائر

 وَعْدُ الْحُبِّ

يَا هُوَ

يَا نُورَ الدُّنْيَا

يَا

مَنْ لَا تُغْرِيهِ

مَبَاهِجُهَا

يَا

يَا رُوحَهُ

يَا

يَا سَيِّدَ الْأَخْلَاقِ

يَا

يَا مَنْ لَا تُكَدِّرُهُ

أَهْوَالُهَا

يَا

يَا مَنْ يَحُفُّ الْكُلَّ

بِجَنَاحَيْهِ

يَا

يَا مَنْ يُحِيطُهُمْ بِكَفِّ الرَّحْمَةِ

يَا

يَا مَنْ لَا يَحِيدُ

عَنِ الْحَقِّ

يَا

يَا مَنْ بِالصِّدْقِ

يَنْطِقُ

يَا

يَا قَلْبَهُ الْمَلَائِكِيَّ

يَا

يَا وَعْدَ الْحُبِّ

يَا

يَا مَنْ يُظِلُّ الْكُلَّ بِظِلِّهِ

يَا

يَا مَنْ يَسْكُنُهُ الْحُبُّ

يَا

يَا هُوَ

الْحُبُّ يَا

يَا هَذَا الْإِنْسَانُ

يَا

يَا رَوْعَةَ مَا أَخْرَجَتْ

تِلْكَ الرَّحِمُ

يَا

يَا زُمْرَةَ مَنْ أَحَسَّ الْخَلْقِ

يَا

يَا هَذِهِ الرُّوحُ الْمُتَسَامِيَةُ

يَا

يَا هُوَ

يَا

نَبْعَ الصَّفَاءِ

يَا هُوَ يَا

يَاسِرَ النَّقَاءِ

يَا

يَا دُرًّا مَكْنُونًا

يَا هُوَ

يَا

يَا حُبُّ

يَا

يَا أَنْتَ

يَا

مُذْ عَرَفْتُكَ

يَا

فَرَّقْتُ نَفْسِي فِي

كُلِّ الْجِهَاتِ

يَا

ضَيَّعْتُ بُوصَلَتِي

يَا

تَخَلْخَلَ كِيَانِي

يَا

يَا رَيَّانَ الْقَلْبِ

يَا أَنْتَ

يَا حَفِظَكَ

اللَّهُ

يَا جَنَّةَ

الْعُمْرِ

يَا

طَوَّعْتُ قَلْبِي

لِيَسْتَقِيمَ لَكَ

يَا أَنْتَ

يَا

 مَتَى سَكَنْتَ

رُوحِي

يَا

يَا مَوْطِنَ الْأَفْرَاحِ

يَا

خديجة شاطر الجزائر



الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

طعنة الأقرباء والمحافظة على النفس بقلم الكاتب عبدالرحيم الهيكي

 طعنة الأقرباء والمحافظة على النفس

___(--) ___(--) ___


_ المقدمة.. 


تعد طعنة الأقرباء من أكثر المواقف إيلاما للإنسان لأن الألم لا يأتي من شخص بعيد وإنما من أشخاص تربطنا بهم صلة وذكريات ومعرفة طويلة. وقد تكون الكلمة الجارحة أو الموقف المؤذي أو محاولة التقليل من نجاح الإنسان أشد تأثيرا عندما تصدر من أحد الأقرباء.

فالإنسان بطبيعته يسعى إلى بناء حياته وإثبات ذاته وتحقيق أهدافه إلا أن بعض النفوس قد لا تتقبل نجاح الآخرين فيظهر الحقد والغل والغيرة في صورة تجريح أو تشويه للحقائق أو محاولة لإفشال العمل الناجح.

ولا يعني القرب أن جميع الناس يحملون النيات نفسها فلكل إنسان طبيعته ومشاعره ولذلك ينبغي للإنسان أن يحافظ على نفسه من التأثر المستمر بالكلمات والمواقف السلبية وأن يجعل نجاحه وعلمه وأخلاقه وسيلة للرد على من يحاول التقليل منه.


_ إشكالية البحث.. 


تتمثل إشكالية البحث في محاولة فهم الأسباب التي تجعل بعض الأقرباء يتحولون من مصدر دعم إلى مصدر أذى ومن أهم هذه الأسباب.. 


_الحقد ودوره في التجريح والتقليل من الآخرين.

_الغل وأثره في تغيير الحقائق ونقل الكلام بصورة غير صحيحة.

_الطعن من الخلف خاصة ممن يعرفون تفاصيل حياة الإنسان.

_محاولة إسقاط الأعمال الناجحة أو التقليل من قيمتها.

_تأثير هذه المواقف في نفس الإنسان وثقته بنفسه.


_؛مفهوم طعن الأقرباء.. 


يقصد بطعن الأقرباء تعرض الإنسان للأذى النفسي أو الاجتماعي من أشخاص تجمعه بهم صلة قرابة ويظهر ذلك في صور متعددة منها التجريح ونشر الكلام السلبي وتشويه الحقائق والتقليل من النجاح أو تجاهل كل ما يحققه الإنسان من إنجاز.

وقد يكون طعن القريب أكثر تأثيرا من طعن الغريب لأن القريب يعرف الكثير عن حياة الإنسان وقد يعرف نقاط ضعفه وما مر به من ظروف ولذلك فإن استخدام هذه المعرفة في الإساءة قد يترك أثرا عميقا في النفس.


_ الحقد وتغيير الحقائق.. 


عندما يدخل الحقد إلى العلاقات الإنسانية قد تتغير نظرة الإنسان إلى نجاح غيره فيرى الإنجاز صغيرا مهما كان ويبحث عن العيوب بدلا من رؤية الجوانب الإيجابية.. 

وقد يؤدي ذلك إلى نقل الحقائق بصورة ناقصة أو مشوهة وإلى تفسير المواقف بطريقة سلبية.. ولهذا ينبغي للإنسان ألا يجعل كلام الآخرين معيارا لقيمته بل يعتمد على الحقيقة والعمل والإنجاز.


_؛الطعن من الخلف.. 


من أصعب صور الطعن أن يظهر الإنسان أمامك بصورة مختلفة عما يقوله أو يفعله في غيابك. وقد يكون هذا الأمر أكثر إيلاما عندما يأتي من قريب يعرف ظروفك وحياتك.. 

لكن مواجهة ذلك لا تكون بالانتقام أو الدخول في صراعات مستمرة وإنما بالمحافظة على الهدوء ووضع حدود واضحة في العلاقات وعدم منح الآخرين فرصة للتحكم في النفس أو إيقاف مسيرة النجاح.


_ المحافظة على النفس.. 


المحافظة على النفس لا تعني الابتعاد عن الناس أو سوء الظن بالجميع وإنما تعني أن يعرف الإنسان قدر نفسه وألا يسمح للكلمات الجارحة أن تهدم ثقته بذاته.


_ ومن أهم وسائل المحافظة على النفس.. 


١_عدم جعل كلام الآخرين مقياسا لقيمة الإنسان.

٢_الاستمرار في طلب العلم والعمل وتطوير الذات.

٣_الابتعاد عن الجدال الذي لا يؤدي إلى نتيجة.

٤_عدم الرد على الإساءة بإساءة مماثلة.

٥_اختيار الأشخاص الذين يمنحون الدعم والنصيحة الصادقة.

٦_وضع حدود واضحة مع من يتعمد الأذى أو التقليل من الآخرين.

٧_التركيز على المستقبل بدلا من الانشغال بمحاولات الإسقاط... 


_ النجاح ومواجهة المحبطين..


النجاح بطبيعته يحتاج إلى صبر واستمرار وقد يواجه الإنسان في طريقه من يحاول التقليل من جهده أو التشكيك في قدراته. ولذلك يجب ألا ينظر الإنسان دائما إلى نصف الكوب الفارغ بل يبحث عن الجوانب التي يستطيع من خلالها تطوير نفسه.. 

وعلى الإنسان أن يجعل نجاحه قائما على العلم والعمل والأخلاق وأن يدرك أن قيمة الإنسان لا تتحدد بكلام من يحاول إسقاطه وإنما بما يقدمه لنفسه ومجتمعه.


_ التوصيات.. 


_المضي قدما في طريق النجاح وعدم التراجع بسبب كلام الآخرين.

_الاعتماد على العلم والعمل لإثبات الذات.

_عدم الاستسلام للحقد أو الغل أو الرغبة في الانتقام.

_المحافظة على الثقة بالنفس مع قبول النقد البناء.

_عدم السماح للمواقف السلبية بأن تتحول إلى كراهية لجميع الناس.

_التعامل مع الأقرباء بالحكمة مع وضع حدود عند تكرار الأذى.

_النظر إلى المستقبل والعمل على تطوير القدرات بدلا من الانشغال بمحاولات الإسقاط.

_جعل الأخلاق والنجاح والعمل الجاد أفضل رد على من يحاول التقليل من الإنسان.


_الخاتمة..


إن طعن الأقرباء ليس أمرا جديدا في حياة البشر فقد عرف التاريخ صورا من الصراع والحسد والغيرة منذ القدم ومن أشهر الأمثلة قصة ابني آدم قابيل وهابيل التي تذكرها النصوص الدينية باعتبارها مثالا مبكرا على خطورة الحسد عندما يتحول إلى عدوان.

والإنسان لا يستطيع أن يغير نفوس جميع من حوله لكنه يستطيع أن يحافظ على نفسه وأن يختار طريقة تعامله مع المواقف المؤذية. فإذا كان لديه هدف أو موهبة أو مشروع يسعى إلى تحقيقه فعليه أن يحافظ عليه وأن يستمر في تطوير نفسه دون أن يجعل طعن الآخرين سببا في توقفه.

فالنجاح يحتاج إلى صبر والنفس تحتاج إلى وعي والعلاقات تحتاج إلى حكمة. ولذلك فإن أفضل مواجهة لطعن الأقرباء هي المحافظة على النفس والاستمرار في العمل والتمسك بالأخلاق وترك النتائج تتحدث عن صاحبها.


المراجع 


_القرآن الكريم سورة المائدة الآيات ( ٢٧  _٣١) قصة ابني آدم قابيل وهابيل.


_القرآن الكريم سورة الفلق الآيتان (٥_٦)في الاستعاذة من شر الحاسد إذا حسد.


_ القرآن الكريم سورة الحجرات الآيات (١١_١٢) في النهي عن السخرية واللمز والغيبة وسوء الظن.


_صحيح البخاري كتاب الأدب أبواب حسن الخلق وصلة الرحم.


_صحيح مسلم  كتاب البر والصلة والآداب أبواب تحريم الظلم والهجران والحسد.


الكاتب عبدالرحيم الهيكي 

التاريخ ٢٣/٩/٢٠٢٦@@

نظرة إغواء بقلم ..غانم ع الخوري..

 .             نظرة إغواء


 لحظٍ جارح  رماني

و سحره ما إلو ثاني

لمحت الحور بعيونو 

 زايد جمالو الفتاني


قرب مني و لفاني

عمرو  بربيع الثاني

بادرني بغمزة سحر

غمزني بس ماحكاني


بألوان الظل يكحلونو

النعس باين ع جفونو

لو بسمع ناس ينادونو

يشعل قلبي ب نيراني


ع جبينو اشراقة أمل

بورد خدود في خجل

وشفافاً تكنز بالعسل

 بثغرو  لولو وجماني

 

شفتو يتغاوى بمشيتو

ياشبه البدر في طلتو

هادي الخطوه ونقلتو

 متقنها على الدوزاني


يامحلا هاالقد المياس

والشال مزين ع الراس

يسعدو قلب الحساس

عفة وأدب منصانه'ي


طير وجاي من الجني

كفو منقش ب الحني

ثقلو م الجوهر  وزني

مايعدلها الميزاني


سواد الليل ف شعرو

وثلج كانون ف صدرو

الذهب تا يزين عنقو

مخمس مع صلباني


بستانو  تفاح و عنب

ثمار  نوزنها بالذهب

قربت شفت العجب

نارنج  وعقد الرماني


لبس الحرير بيلبقلو

خلخال مزين رجلو

محلا القامة مشقتو

يا طول رمح رداني


خصرا خيزران يلوي

ينثني بليونة و قوي

عمل ب مخي بلوي

صابني بمس جناني


يامحلا رنة الحجال

يتغاوى بقدٍ ميال

لم تعثر علييّ مال

وقع في ل حضاني


راقلو ضم ل حضاني

عصير الشفة سقاني

ذوقني شهد العسل

خدرني لحظة احياني


سقاني نبيذاً احمر

دوخ راسي واختمر

خلاني بحالة سكر

غني أمان والأماني


صبلي نبيذ معتق

أجمل منو ماخلق

ما فيّ عنو افترق

بحالة عشق خلاني


بالميّة كسر العرق

جوف قلبي يحترق

ضعت بأول مفترق

تهت بداري وعنواني


..غانم ع الخوري..

مرافئ الغياب بقلم الكاتبة محجوبة بن حميدة

 مرافئ الغياب 


في ليلِ الغياب

مفتاحُ وردةٍ

يفتحُ نافذة البحر،

فتذوبُ ساعةٌ في الرمادِ،

ويقودُ العطرُ خُطايَ إلى الطريق،

حيثُ ينامُ الشوقُ

على رصيفِ الانتظار،

وحيثُ كلُّ موجةٍ

تُخبِّئُ سرًّا من الحنين.


أمضي،

والليلُ ينسجُ من صمتي

حكايةَ قلبٍ

ما زالَ يبحثُ عنكَ،

بينَ مرافئِ الغيابِ

وظلِّ وردةٍ

لم تذبلْ بعدُ.


بقلمي محجوبة بن حميدة



رَعَشٌ . . يطارد ظله شعر / المستشار مضر سخيطه - السويد

 ______     رَعَشٌ  .  . يطارد ظله

شعر   /  المستشار  مضر  سخيطه  -  السويد 


أشعلت شيئا  كاد يبدو  هامداً  كالأرض  بعد الزهز  والإنبات 

كحمامةٍ  سألت على جيرانها  وتذكّرتْ  طيفاً  من  النغمات 

جسمٌ  كما  الأملود يقطر  رقةً ويذوب سُكّره  مع  النَهَدات

الغصنٌ يضفي فيؤه وظلاله خدَرَاً وطائفةً من الإسقاطات

ضوّأت في الأعماق قنديلاً

على كتف الطريق 

أضاء منحدراتي 

وأهبت  بالأغصان فانقلبت  إلى  أرجوحةٍ غجريّة الخُصُلات 

وفتحت نافذةً  فطال حديثنا  بعد احتدام الشوق والسلامات 

بيني وبين السطر خيطٌ نسجه الحرمانٌ حال الطقس والغيمات 

كدنا  نشيخ  ونحن  ننشد  حلمنا  شَبَهَ  النقاط  بحضرة  الكلمات

صبري الضعيف يُلِح أن أجتازه 

ويُلِح أن أنساق للذات 

رَعَشٌ كمغرومٍ يطارد 

ظله 

والخوف في الجنبين والنَظَرات 

شجرٌ من الراتنج ينضح فوحه وتزيد وجّ النار  تهويماتي

منّيتُ نفسي وانغمستُ مع المنى وخذلتُ ذاكرتي وأمنيّاتي 

هذي الشفاه شفاه ثغرك وردةٌ

وقرنفلٌ

كم ساورا فرشاتي 

إني أقرّ بما يؤرق أحرفي 

والمفردات 

وأسطري الغزلات 

مابين أنساق الحروف ورِتمِها للسرد لاتُحكى وللأدوات 

شاهت عناويني 

وشاه بريدها 

ونضت رسائلنا على فترات 

الأرجوانيُّ اللذيذ 

ووحيه 

كم فجّرا أوضاع بال دواتي 

عنّابها أجرى دموعي مذ غدى عضّ الأصابع معجمي ولغاتي 

وهمستُ واستدللتُ أني واحدٌ عُدّت مشاعره كممنوعات 

كان اعتزالي غفلةً عن قاربٍ مجذافه 

استولى على مرآتي 

لم  أدر إلا والنهار قد  انتهى  والبحر شخصانٌ 

على اللوحات 

فوق الرمال 

على الشواطي عالمٌ كم يبتدي أو ينتهي مرّات 

كان اختياري 

صدفةٌ من خاطري 

نظراً لأني حرتُ في رغباتي 

تتسارع الرغبات حتى هامتي 

أو بين يأفوخي 

وإيقاعاتي 

الآن نجمات الليالي بيننا والغوص في بحرٍ  من الظلمات 

الهاجس الملعون طاش 

.وحينما 

أضحى يحاسبني على شهقاتي 

لاشخبطات الحلم تصلح عالمي 

أو دربي المثقوب 

أو ساعاتي 

أنا حين أنهض سوف ينهض خاطري ويتوب وقتئذٍ عن السوءات 

لأصالح الدنيا لأجل هنيهةٍ تأتي على كيفي وإمكاناتي 

لاعربداتٌ بعدها تجتاحني 

لا 

ولا غصصٌ على فوتاتي 

أمشي بأقدامي الطريقَ

كمتعبٍ ضلّ الطريق إليك 

للمرساة  

قزحيّة الأجفان 

ماأخبارنا      ؟    ٠   ٠

وهي المقيمة في جوارح ذاتي 

أوبي لعلك تظفرين بمخرجٍ لاموضعاً فيه لرمز الشاة 

لربحت نفسك فالمواقف إنما محض اختيارٍ رائع المشكاة

 


______

شعر  / المستشار مضر سخيطه  -  السويد


***نشيد الحرية والضوء*** بقلم المنصوري عبد اللطيف

 ***نشيد الحرية والضوء***

​أيها القمر

هلا هزمت

سواد ليلنا

الحالك

فغدا ليلنا

نهارا

ساطعة أنواره

باسمة كائناته

أيها القمر

طارد ليلنا

القاتم

أنر دروبنا

المظلمة

دعنا نرقص

لحظة

نردد نشيد

الحرية

نبتسم ابتسامة

أمل

نهزم جبروت

المحتل

نكتب رسائل

عشق

نطرد الظالم

حيثما تخندق

أيها القمر

فالليل مهما

طغى وتجبر

أمام بصيص

شعاعك

سيندحر

المنصوري عبد اللطيف

ابن جرير 22/9/2026

المغرب



فسيفساء ... بقلم : معز ماني . تونس

 فسيفساء ...

أنا لست أنا ..

أنا ما تبقّى من شظاياي حين

تكسّر المعنى على عتبات السؤال ..

أنا ذلك الكائن المعلّق بين

كنت التي أكل التراب ملامحها

وسأكون التي لم تولد بعد

وبينهما ..

يمشي الحاضر حافيا

فوق زجاج الاحتمال ..

في داخلي

مدينة لا تنام ..

شوارعها أسماء الذين عبروا

وأبوابها وجوه الذين

أحببتهم ثم أضعتهم

في ازدحام الوقت والزحام ..

أنا ابن ما نسيت

وما عجزت عن نسيانه

ابن الخسارات التي

لم أفهم حكمتها

إلا بعدما انطفأت

في آخر الليل

مصابيح الملام ..

ما من جرح جاء عبثا

ولا من سقوط

لم يكن وراءه

درج خفيّ

إلى جهة أخرى

من الجهات ..

حتى الخطيئة

حين أعبرها

تترك في روحي

ندبة تشبه البوصلة ..

تقول لي هنا أخطأت

وهنا كنت أنت

أكثر صدقا

حين لم تكن تعرف

كيف تكون أنت ..

نحن لا نعيش حياة واحدة

بل نعيش حيوات

تتناوب على أجسادنا

طفل يريد أن يصدّق

ورجل يخشى أن يخدع

وشيخ يحدّق في المرآة

كأنّه يسألها ..

أيّنا وصل أولا

إلى النهاية ؟

هناك ..

تنام وجوه احتمالاتنا

تلك الحيوات التي

لم نعشها ..

والأبواب التي

لم نطرقها ..

والحبّ الذي

خفنا عليه من الحبّ

فتركناه يموت

قبل أن يبدأ ..

أنا مجموع ما حدث لي

وما قاومته ..

وما انكسر فيّ

وما رفضت أن يموت ..

أنا لوحة ..

ما زالت الحياة

تضع حجرها الأخير فيها

أنا فسيفساء

لا تكتمل إلا حين

أتوقف عن كراهية شظاياي ...

                                              بقلم : معز ماني . تونس .