قضايا إجتماعية :
مقال إجتماعي عن الظاهرة الإجتماعية :
( بيت الأب أمان البنات بعد رحيله - بيت الأب بعد الوفاة من يحمي البنات من فقدان المأوى ؟ )
بقلمي/ فريحه سليمان المريمي
هناك قضايا إجتماعية لا يجوز أن تمرّ علينا بإعتبارها خلافات عائلية عابرة ، لأن وراءها نساءً قد يجدن أنفسهن في مواجهةِ الحياةِ بلا سند ، ولا مأوى آمن ، ولا قدرة على البدء من جديدِ .
ومن هذه القضايا قضية رفض بيع بيت الأب بعد وفاتهِ ، حفاظاً على حقِ البناتِ في السكنِ والإستقرار ، خصوصاً إذا كانت إحداهن لم تتزوج ، أو كانت مُطلقة ، أو أرملة ، ولديها أطفال أو ليس لديها أطفال .
فبيت الأب ليس جدراناً وسقفاً فحسب ، إنه ذاكرة العمر ، ودفء الطفولة ، والمكان الذي أعتادت فيه البنت أن تجد باباً مفتوحاً حين تضيق بها الأبواب .
وبعد رحيل الأب ، قد يصبح هذا البيت آخر ما تبقّى لها من شعورِ بالأمانِ والإنتماء .
لكن المؤلم أن تتحول بعض البيوت ، بعد وفاة الأب ، إلى ساحة نزاع على الميراثِ ، وأن تجد البنت نفسها مهددة بفقدانِ بيتها ، لا لشيء سوى أن ظروف الحياة لم تمنحها زوجاً ، أو أن زواجها أنتهى بالطلاقِ ، أو أنها فقدت زوجها وأصبحت مسؤولة عن أطفالها وحدها .
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا : هل من العدل أن تجد المرأة نفسها مُهددة بالتشرّدِ ، أو فقدان الإستقرار لمجرد أن والدها رحل ، أو لأن إخوتها قرروا بيع البيت وتقسيم ثمنه ؟.
إن الأم ، ما دامت على قيدِ الحياةِ ، قد تكون مصدراً للحمايةِ والإحتواء ، وقد تكون هي الأخرى بحاجةِ إلى من يحميها .
وإذا كانت الأم قد رحلت كذلك ، فإن مسؤولية حماية البنات لا ينبغي أن تُترك للظروفِ ، أو لحُسنِ نوايا الأقارب ، أو لإجتهادات العائلة التي قد تختلف من بيتِ إلى آخرِ .
ليس المقصود هنا إلغاء حق أي وارث ، أو مُصادرةِ نصيب أحد ، أو إنكار أحكام الميراث ، وإنما الدعوة إلى مُعالجةٍ إنسانية وقانونية متوازنة ، تضمن الحقوق المالية للورثةِ ، ولا تجعل السكن والإستقرار ثمناً يدفعه الطرف الأضعف داخل الأسرة .
فكم من بنتٍ أفنت سنوات عمرها في خدمةِ والديها ، وكم من إمرأة عادت إلى بيت أبيها بعد طلاق ، وكم من أرملةِ وجدت نفسها مسؤولة عن أطفالها بلا مأوى بديل .
هؤلاء لا يحتجن إلى الشفقةِ ، بقدرِ ما يحتجن إلى حمايةِ حقوقهن وصون كرامتهن .
إن المطالبة بحمايةِ البنات في بيتِ الأسرة ليست دعوة إلى حرمان بقية الورثة من حقوقهم ، بل هي نداء لإيجاد حلول قانونية تحفظ كرامة المرأة ، وتمنع أن يتحول تطبيق الحق في الميراثِ إلى سبب لفقدانِ المأوى ، لا سيما عندما تكون المرأة بلا دخل كافٍ ، أو تعول أطفالاً ، أو لا تجد بديلاً سكنياً .
وفي وطننا ، توجد بالفعلِ تشريعات تتعلق بحمايةِ حقِ النساء في الميراثِ ، فقد تناول القانون رقم 6 لسنة 1959 بشأن حماية حق النساء في الإرث منع الإمتناع عن تسليم المرأة نصيبها المستحق .
كما تناولت دار الإفتاء حالة الأخت المُطلقة المُقيمة في بيت أبيها ، وأوضحت أن مسألة بقائها وقسمة العقار ترتبط بحقوقِ جميع الورثة ، وإمكان قسمة البيت دون ضرر .
ومن هنا ، فإن دعوتنا ليست إلى إلغاء حقوقِ الورثةِ ، وإنما إلى تطوير حماية قانونية وإجتماعية للسكنِ الأسري ، تدرس حالات النساء اللاتي لا يملكن مأوى بديلاً ، وتتيح حلولاً مثل الإنتفاع المُنظم بالمسكنِ ، أو التعويض العادل ، أو توفير بديل سكني مُناسب ، وفق ضوابط واضحة لا تنتقص من الحقوقِ الشرعيةِ والقانونية لأي وارث .
ونحن بحاجةِ إلى فتح هذا الملف أمام الجهات التشريعية والإجتماعية ، بمشاركةِ المُختصين في القانونِ وشؤون المرأة والأسرة ، من أجل بحث آليات واقعية تمنع التشرد والتفكك الأسري ، وتضمن ألا تُترك المرأة الضعيفة إجتماعياً وحدها في مواجهةِ نزاعات الميراث .
فليس من المقبولِ أن تتحول وفاة الأب إلى بداية رحلة خوف للبناتِ ، ولا أن يُصبح الطلاق أو الترمل أو تأخر الزواج سبباً لفقدانِ الأمان .
إن بيت الأب قد يكون عقاراً في وثائقِ الورثةِ ، لكنه في حياة بعض البنات آخر حصون الأمان .
وحماية الإنسان لا تتعارض مع حفظ الحقوقِ ، بل تكتمل به .
































