أَدَبُ الطِّفْلِ: سِلْسِلَةُ «حِكَايَاتُ فَارِسٍ وَالوَقْتِ»
القِصَّةُ: فَارِسٌ وَمَرْحَلَةُ المُرَاهَقَةِ
____««»»____
فِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ، وَقَفَ فَارِسٌ أَمَامَ المِرْآةِ طَوِيلًا.
المِرْآةُ نَفْسُهَا، وَلَكِنَّ الوَجْهَ لَمْ يَعُدْ هُوَ نَفْسَهُ.
كَانَ فَارِسٌ قَدْ دَخَلَ عَامَهُ الثَّالِثَ عَشَرَ، وَدَخَلَتْ مَعَهُ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهَا، وَلَمْ يَسْتَأْذِنْهُ أَحَدٌ قَبْلَ أَنْ تَحْدُثَ.
فَجْأَةً اِرْتَفَعَ طُولُهُ طُولًا لَافِتًا، حَتَّى صَارَتْ ثِيَابُهُ تَقْصُرُ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ، وَتَغَيَّرَ صَوْتُهُ، صَارَ يَخْرُجُ خَشِنًا مُتَهَدِّجًا، مَرَّةً نَاعِمًا كَصَوْتِ الطِّفْلِ، وَمَرَّةً غَلِيظًا كَأَنَّهُ صَوْتُ كَهْلٍ، فَيَضْحَكُ أَصْدِقَاؤُهُ وَيَضْحَكُ هُوَ مَعَهُمْ وَهُوَ مُحْرَجٌ.
وَذَاتَ صَبَاحٍ وَهُوَ يَغْسِلُ وَجْهَهُ، لَمَحَ شُعَيْرَاتٍ سَوْدَاءَ خَفِيفَةً فَوْقَ شَفَتِهِ وَعَلَى ذَقْنِهِ، فَفَرِحَ بِهَا أَوَّلًا، ثُمَّ تَحَسَّسَ وَجْهَهُ، وَإِذَا بِحُبُوبٍ صَغِيرَةٍ تَظْهَرُ هُنَا وَهُنَاكَ، وَرَائِحَةُ عَرَقِهِ صَارَتْ أَقْوَى.
وَفِي لَيْلَةٍ، تَفَاجَأَ فَارِسٌ بِشَيْءٍ جَدِيدٍ، وَجَدَ كُتْلَتَيْنِ صَغِيرَتَيْنِ تَحْتَ حَلَمَتَيْهِ، إِذَا لَمَسَهُمَا وَجَدَهُمَا قَاسِيَتَيْنِ قَلِيلًا.
فَذَهَبَ إِلَى أُمِّهِ مُضْطَرِبًا وَقَالَ:
ـ مَامَا، هُنَاكَ شَيْءٌ تَحْتَ صَدْرِي، هَلْ أَنَا مَرِيضٌ؟
فَابْتَسَمَتِ الأُمُّ وَأَجْلَسَتْهُ بِجَانِبِهَا بِهُدُوءٍ وَقَالَتْ:
ـ لَا يَا حَبِيبِي، أَنْتَ لَسْتَ مَرِيضًا، أَنْتَ دَخَلْتَ مَرْحَلَةَ البُلُوغِ، وَصِرْتَ شَابًّا، سَتُغَادِرُ الطُّفُولَةَ قَرِيبًا يَا حَبِيبِي، وَكُلُّ مَا يَحْدُثُ مَعَكَ طَبِيعِيٌّ.
لَكِنَّ فَارِسًا لَمْ يَفْهَمْ، وَاسْتَعْجَلَ الأَمْرَ، فَظَنَّ نَفْسَهُ قَدْ صَارَ كَهْلًا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُغَادِرِ الطُّفُولَةَ بَعْدُ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الكُهُولَةِ بَعْدُ، هُوَ فِي الوَسَطِ، فِي جِسْرٍ بَيْنَ عَالَمَيْنِ.
وَبَدَأَتِ الأَسْئِلَةُ تَتَفَجَّرُ فِي رَأْسِهِ كَالنَّبْعِ، أَسْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ، بَعْضُهَا مُحْرِجٌ، وَبَعْضُهَا كَبِيرٌ.
كَانَ يَمْشِي فِي البَيْتِ وَيَسْأَلُ:
ـ لِمَاذَا أَطُولُ بِسُرْعَةٍ وَغَيْرِي لَا يَزَالُ قَصِيرًا؟
ـ لِمَاذَا يَتَغَيَّرُ صَوْتِي وَيَتَقَطَّعُ أَحْيَانًا؟
ـ مَا سَبَبُ حُبُوبِ الوَجْهِ وَكَثْرَةِ التَّعَرُّقِ؟
ـ لِمَاذَا يَظْهَرُ شَعْرٌ جَدِيدٌ فِي جِسْمِي؟
ـ هَلْ ظُهُورُ كُتْلَةٍ صَغِيرَةٍ تَحْتَ الحَلَمَةِ طَبِيعِيٌّ؟ وَمَتَى تَزُولُ؟
ـ هَلْ وَزْنِي وَشَكْلِي طَبِيعِيَّانِ مُقَارَنَةً بِأَصْدِقَائِي؟
ثُمَّ يَجْلِسُ وَحْدَهُ فِي الشُّرْفَةِ وَيَسْأَلُ أَسْئِلَةً أُخْرَى أَعْمَقَ:
ـ لِمَاذَا مِزَاجِي يَتَقَلَّبُ بِسُرْعَةٍ، أَفْرَحُ وَأَحْزَنُ بِدُونِ سَبَبٍ وَاضِحٍ؟
ـ لِمَاذَا أَشْعُرُ بِالخَجَلِ وَالِارْتِبَاكِ وَأُرِيدُ أَنْ أَبْقَى وَحْدِي أَحْيَانًا؟
ـ لِمَاذَا أَتَعَلَّقُ بِأَصْدِقَائِي أَكْثَرَ مِنْ عَائِلَتِي الآنَ؟
ـ هَلْ مِنَ الطَّبِيعِيِّ أَنْ أَشْعُرَ أَنَّ لَا أَحَدَ يَفْهَمُنِي؟
ـ كَيْفَ أَتَعَامَلُ مَعَ المُقَارَنَةِ وَالغَيْرَةِ وَالتَّنَمُّرِ؟
وَفِي اللَّيْلِ، حِينَ يَهْدَأُ البَيْتُ، تَأْتِي الأَسْئِلَةُ الكُبْرَى:
ـ لِمَاذَا بَدَأْتُ أُشَكِّكُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَأَسْأَلُ كَثِيرًا عَنِ الحَيَاةِ وَالدِّينِ وَالقِيَمِ؟
ـ كَيْفَ أَعْرِفُ مَا أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ فِي المُسْتَقْبَلِ؟
ـ لِمَاذَا أُرِيدُ أَنْ أُقَرِّرَ بِنَفْسِي وَأَكْرَهُ أَنْ يُعَامِلَنِي أَحَدٌ كَطِفْلٍ؟
ـ كَيْفَ أَتَعَامَلُ مَعَ الضَّغْطِ الدِّرَاسِيِّ وَالخَوْفِ مِنَ الفَشَلِ؟
ـ كَيْفَ أَبْنِي ثِقَتِي بِنَفْسِي وَأَجِدُ هُوِيَّتِي؟
ـ مِنْ أَيْنَ جِئْتُ؟ وَلِمَاذَا خَلَقَنَا اللهُ؟ وَأَيْنَ اللهُ؟
كَانَ وَالِدَاهُ يَسْمَعَانِ كُلَّ ذَلِكَ بِصَبْرٍ عَجِيبٍ، وَلَا يَغْضَبَانِ، بَلْ كَانَا يُجِيبَانِهِ كُلَّ مَرَّةٍ:
ـ كُلُّ هَذِهِ التَّغَيُّرَاتِ مُؤَقَّتَةٌ وَمُتَدَرِّجَةٌ، وَلَيْسَتْ بِنَفْسِ السُّرْعَةِ عِنْدَ الجَمِيعِ، المُقَارَنَةُ لَيْسَتْ مِقْيَاسًا، وَالجِسْمُ وَالعَقْلُ يَحْتَاجَانِ وَقْتًا مِثْلَ البَذْرَةِ لِتَسْتَوِيَ وَتَنْضَجَ، فَمَا يَحْصُلُ مَعَكَ طَبِيعِيٌّ، وَكُلُّ البَشَرِ يَمُرُّونَ بِهَذِهِ المَرْحَلَةِ، وَنَحْنُ نَتَفَهَّمُ ذَلِكَ جَيِّدًا وَسَتَجِدُ مِنَّا كُلَّ الرِّعَايَةِ وَالمُسَاعَدَةِ، لَا تَقْلَقْ وَلَا تَسْتَعْجِلِ الأَمْرَ، فَكُلُّ شَيْءٍ يَعِيشُ وَقْتَهُ اللَّازِمَ.
لَكِنَّ فَارِسًا دَخَلَ فِي مَا يُسَمَّى اسْتِعْجَالَ الكُهُولَةِ وَالنُّضْجِ الزَّائِفِ.
صَارَ يَتَعَمَّدُ تَضْخِيمَ صَوْتِهِ وَمِشْيَتِهِ، وَيَلْبَسُ مَلَابِسَ أَكْبَرَ مِنْ سِنِّهِ، يَضَعُ نَظَّارَاتِ وَالِدِهِ وَسَاعَتَهُ، لِيَبْدُوَ رَجُلًا، وَتَرَكَ أَلْعَابَهُ الَّتِي كَانَ يُحِبُّهَا بِالأَمْسِ وَقَالَ:
ـ هَذَا عَيْبٌ عَلَى الكِبَارِ!
وَفِي الكَلَامِ، صَارَ يُقَاطِعُ الكِبَارَ وَيَقُولُ:
ـ أَنَا أَعْرِفُ، أَنَا فَاهِمُ الحَيَاةَ!
وَيَسْتَخْدِمُ كَلِمَاتٍ كَبِيرَةً لَا يَفْهَمُ مَعْنَاهَا، وَيُكْثِرُ مِنْ:
ـ أَنَا حُرٌّ، هَذَا قَرَارِي، لَا أَحَدَ يَتَدَخَّلُ فِي حَيَاتِي!
وَفِي السُّلُوكِ، أَصْبَحَ يَرْفُضُ نَصِيحَةَ الأُمِّ وَالأَبِ بِحُجَّةِ:
ـ أَنَا لَمْ أَعُدْ صَغِيرًا!
يَسْهَرُ لِوَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ، وَيَطْلُبُ أَنْ يُجَرِّبَ مَا يُجَرِّبُهُ الكِبَارُ لِيُثْبِتَ رُجُولَتَهُ، وَيُرِيدُ أَنْ يُدِيرَ البَيْتَ وَيُحَاسِبَ إِخْوَتَهُ الصِّغَارَ كَأَنَّهُ الأَبُ.
وَفِي القَرَارَاتِ، صَارَ يَقُولُ مُسْتَعْجِلًا:
ـ أُرِيدُ أَنْ أُصْبِحَ غَنِيًّا اليَوْمَ، مَشْهُورًا اليَوْمَ!
وَفِي الانْفِعَالِ، كَانَ حَالُهُ عَجِيبًا، إِذَا عُومِلَ كَطِفْلٍ غَضِبَ بِشِدَّةٍ، وَإِذَا كُلِّفَ بِمُهِمَّةِ كَهْلٍ فَشِلَ وَحَزِنَ، لِأَنَّهُ فِي مِنْطَقَةٍ وُسْطَى لَا تُرَى.
وَذَاتَ مَسَاءٍ، بَيْنَمَا كَانَ فَارِسٌ غَاضِبًا لِأَنَّ أُمَّهُ طَلَبَتْ مِنْهُ تَرْتِيبَ غُرْفَتِهِ، جَاءَتْهُ أُمُّهُ وَجَلَسَتْ بِجَانِبِهِ وَقَالَتْ لَهُ بِلُغَةِ البَذْرَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا:
ـ يَا حَبِيبِي، أَنْتَ لَا تَحْتَاجُ أَنْ تَقْفِزَ فَوْقَ سِنِّكَ، بَلْ أَنْ تَحْتَرِمَ وَقْتَكَ وَأَلَّا تَسْتَعْجِلَ الأَمْرَ، اِلْعَبْ وَقْتَ اللَّعِبِ، وَتَعَلَّمْ وَقْتَ التَّعَلُّمِ، وَتَحَمَّلِ المَسْؤُولِيَّةَ بِالتَّدْرِيجِ، مِثْلَ البَذْرَةِ الَّتِي تَنْزِلُ جُذُورُهَا أَوَّلًا تَحْتَ التُّرَابِ قَبْلَ أَنْ تَرْتَفِعَ سَاقُهَا، ثُمَّ تُوْرِقُ وَتَمْتَدُّ أَغْصَانُهَا شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى أَنْ تُصْبِحَ شَجَرَةً كَامِلَةَ النُّمُوِّ فَتُعْطِينَا ثِمَارَهَا النَّاضِجَةَ.
سَكَتَ فَارِسٌ طَوِيلًا، وَتَذَكَّرَ بَذْرَتَهُ الصَّامِتَةَ، تَذَكَّرَ كَيْفَ تَعَفَّنَتِ البَذْرَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ كَثْرَةِ المَاءِ، وَكَيْفَ نَجَتِ الثَّالِثَةُ لِأَنَّهَا أَخَذَتْ وَقْتَهَا.
وَفَهِمَ فَارِسٌ أَخِيرًا مَا يَحْصُلُ مَعَهُ جَسَدِيًّا وَنَفْسِيًّا وَعَقْلِيًّا، بِفَضْلِ مُسَاعَدَةِ وَالِدَيْهِ وَصَبْرِهِمَا عَلَيْهِ وَتَفَهُّمِهِمَا الدَّقِيقِ لِلْمَرْحَلَةِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا.
وَمُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ، سَعَى جَاهِدًا إِلَى التَّعْدِيلِ فِي سُلُوكَاتِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ المُتَقَلِّبَةِ وَالمُنْفَعِلَةِ، فَلَمْ يَعُدْ يَسْتَعْجِلُ أَنْ يُصْبِحَ كَهْلًا، بَلْ قَرَّرَ أَنْ يَكُونَ مُرَاهِقًا يَحْتَرِمُ وَقْتَهُ، يَنْمُو كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا، بِصَمْتٍ، تَحْتَ الشَّمْسِ، حَيْثُ تَرَاهُ عَيْنُ اللهِ وَقَلْبُ أُمِّهِ.
_النِّهَايَةُ_
الكاتب: الكيلاني بن عبدالله بوستة
البلد: الجمهورية التونسية