شُمُوسٌ بَارِدَة
بقلم: أ. حسناوي سيلمي
في قلب حي شعبي عتيق، حيث تتشابك أزقة المدينة وترتسم على جدرانها حكايا السنين، كانت مريم طفلة تبيع خبز المطلوع الساخن.
في كل أصيل، كانت تقف عند زاوية السوق أو قرب محطة الحافلات، تضع أمامها مائدة خشبية صغيرة مغطاة بمنديل أبيض نقي، وفوقها أكوام الخبز المدوّر كأنه شموس دافئة. كانت تنادي بصوتها الطفولي المخنوق بغبار الشارع: المطلوع.. مطلوع سخون يا المؤمنين، والناس يمرون بها مسرعين، يلفهم الضباب، يسيرون وراء شؤونهم والروائح الزكية تنبعث من سلتها لتداعب أنوفهم الجائعة.
كان الجميع يشترون منها الرغيف الساخن ليزينوا به موائدهم خلف الأبواب المغلقة، بينما تظل هي في العراء، تقتات على بقايا الدفء المنبعث من عجين الخبز قبل أن يبرد.
مع حلول الليل، اشتدت العاصفة وهجر الناس الشوارع، وبقيت مريم وحيدة تحت مظلة دكان مغلق، وقد تجمدت أطرافها تماماً داخل "قشابيتها" الصوفية الواسعة والمهترئة. لم يتبقَ معها سوى رغيف واحد، برد كالحجر، ولم تعد تقوى على المشي إلى الحوش البعيد خوفاً من قسوة زوجة أبيها إن عادت بجيوب خاوية.
من شدة الصقيع والجوع، ضمت مريم ذلك الرغيف البارد إلى صدرها, وأغمضت عينيها، فصارت تلتمس الدفء من بقايا رائحة الخميرة والقمح الصافي.
استنشقت رائحة الخبز العميقة.. فانبعث من خيالها وهجٌ دافئ!
رأت نفسها في الكوزينة الطينية القديمة ببيت جدهم في الريف، حيث الطاجين الفخاري يتربع فوق نار الحطب المشتعلة، وأمها الراحلة تقلب الخبز بيديها المباركتين، والوعاء يفيض بـ "اللبن" البارد والزبدة العربية الذائبة. شعرت بروحها تشبع وبأطرافها تدفأ تحت شمس تشرين الدافئة. ولكن، ما إن فتحت عينيها حتى صدمتها الريح الباردة، واختفت صورة الأم والبيت الدافئ.
ضمت الرغيف بقوة أكبر واستنشقت شذاه مرة ثانية..
فانفتحت أمامها الرؤية عن صباح يوم العيد في قريتهم؛ رأت الجيران يتبادلون أطباق المسمن والسفنج الساخن، وصوت التكبيرات يملأ المآذن، ورأت نفسها ترتدي فستاناً جديداً زاهي الألوان، وتضحك ملء فيها وهي تتناول قطرات العسل الصافي مع خبز المطلوع الساخن. كانت رؤية تفيض بالرحمة والتكافل اللذين افتقدتهما في غربة المدينة.
وفي المرة الأخيرة، عندما أحست أن أنفاسها تكاد تتوقف من شدة زمهرير الليل، قبلت الرغيف ورفعته إلى جبهتها إجلالاً لنعمة الله، ونامت مستسلمة..
هنا، انشقت عتمة الليل عن طيف أمها الراحلة، وهي ترتدي ملحفة بيضاء كالثلج، تنبعث منها رائحة طيبة تشبه رائحة المطر على الأرض العطشى. اقتربت منها الأم بابتسامة حانية، ولم تلم مريم على الرغيف الباقي، بل بسطت كفيها وضمّت ابنتها الصغيرة إلى صدرها الواسع. لفتها بحنانها الذي حُرمت منه طويلاً، وطارتا معاً فوق السحب، وفوق قمم الجبال المكسوة بالثلج، نحو ملكوت لا يجوع فيه صبي، ولا يبيت فيه فقير في العراء، وحيث يُكرم الساعون وراء لقمة العيش الحلال.
مع تباشير الفجر الأولى، وجد عمال النظافة الطفلة مريم نائمة سلاماً أبدياً مستندة إلى جدار الدكان. كانت على وجهها النحيل مسحة من طمأنينة لا توصف، وفي حجرها قفص الخبز، ويدها الصغيرة لا تزال تقبض على ذلك الرغيف البارد.. الرغيف الذي عجز أن يمنح جسدها الدفء، لكن رائحته الطيبة قادت روحها الطاهرة إلى دفء الجنان.


























