قراءة نقدية: " صراع القلب بين كبرياء النفس وشوق المشاعر".
القصيدة: "حدثني قلبي قال:"
الشاعرة:آمال بوحرب(تونس)
الناقدة :جليلة المازني (تونس)
القراءة النقدية: " صراع القلب بين كبرياء النفس وشوق المشاعر".
1- المقدمة:
تندرج القصيدة ضمن حديث القلب وحديث القلب يحيل على المشاعر فالقلب حسب الدراسات يمثل تاريخيا وثقافيا مركز العواطف والحب وحسب أحد الشعراء فان حديث القلب هو :
لغة لا يعرفها أي انسان
لغة صامتة... تخرج في هيئة
مشاعر..طوفان ..اعصار..
وفي هذا السياق بم حدّث الشاعرة قلبُها؟
2- التحليل: " صراع القلب بين كبرياء النفس وشوق المشاعر".
استهلت الشاعرة حديث قلبها بمفارقة بين اعتزام الفراق وبين شعور القلب بالعذاب الشديد
والشاعرة هنا تُوهِمُ القارئ وهي تردّ على قلبها أنها منفصلة ومستقلة عنه وهي في الحقيقة الشق الثاني للقلب وكأني بالشاعرة تستجيب الى شقّيْ القلب الفيزيولوجي الأيمن والأيسر .
ولئن كان الشق الأيسر حسب الدراسات هو موطن المشاعر الحقيقية والرومانسية حيث يشاع أن النبض يزداد عند رؤية المحبوب وهو ما يربطه الناس عاطفيا بالحب فان الجانب الأيمن يفرز الهرمونات التي تزيد من مشاعر الحب والتوتر.
وفي هذا الاطار فان الدراسات العلمية تؤكد أن الحب ينشأ في الدماغ وليس في القلب والقلب يستجيب فقط لهذه المشاعر بزيادة ضرباته.
وحديث القلب فيه نبرة استنكارية ويحيل على ثنائية الرغبة والتمنع في الحبّ.
فالقلب الذي هو مصدر الحب والمشاعر تصوّره الشاعرة قلبا راغبا مُتمنعا .
والقلب الراغب المتمنع يعيش صراعا عاطفيا حيث يسكن الحب الوجدان (وأنا ثمل أتعذّب) بينما يفرض العقل أو الخوف قيودا تمنع الانصياع الكامل للمشاعر.
انه صراع بين كبرياء النفس وشوق المشاعر.
والشاعرة تردّ عليه قائلة: وكيف السبيل الى لقاء أنت
منه تتهرّب
كم تجبرت وتعاليت
ان هذا القلب بشقيْه يعيش معركة داخلية مؤلمة بين الاعتزام على الفراق(التمنع) وعذابه لو حصل الفراق (الرغبة) وبين اللقاء والتهرّب والجبروت والتعالي.
ان القلب يعيش صراع الراغب المتمنع وصراعا بين كبرياء النفس وشوق المشاعر.
ان هذا الصراع حسب علماء النفس هو" آلية دفاعية كمحاولة لحماية الذات من خذلان محتمل رغم وجود لهفة دفينة وشوق صادق ..إنه قلب محبّ يخشى التهوّر ويوازن بين عاطفة الحب ورغبة الهدوء "..
انه صراع بين:
- برود الظاهر: يظهر لا مبالاة في التصرفات (اعتزام الفراق/ التهرب / التجبر/ التعالي) .
- حرارة الباطن يشتعل القلب حبا وشوقا( وأنا ثمل أتعذّب/ كيف السبيل الى لقاء.)
ان الانسان يجاهد للموازنة بين حنين قلبه الجارف وحفظ كرامته وغالبا يتغلب الكبرياء لحماية النفس من الذل(كم تجبرت وتعاليت) واضعا عزة النفس فوق كل عاطفة رغم قسوة البعد والألم النفسي ..هو قرار برأس مرفوع ضامن للكرامة.
بيْد أن الشاعرة التي تقمّصتْ الشق الثاني لقلبها تحاملت على الشق الاول من قلبها منتصرة للعاطفة وللحب لان قلبها يشتعل حبا وشوقا فانبرت تدافع عن حبيبها الذي تهواه وهو فوق أنواع من الغزل فتقول: لا أكتفي
فيه
غزل جرير وأخطل
وهو المدح والثناء
وكل الصور
ان رغبتها في حبه فاقت تمنّعها وشوق مشاعرها تغلب على كبرياء نفسها وحبّها انتصر لقلبها على حساب عقلها وتجاهلت كرامتها لصالح حبها ..انها مُتيمة بحبيبها.
وباستخدام أسلوب انزياحي دلالي قائم على الاستعارة اعتبرت في أحد شقّيْ قلبها أن حبيبها نجم والشق الآخر اعتبر نفسه قمرا: (كأنك ترى حبيبي نجما وأنت القمر).
والشاعرة قد عبّرت بامتياز لإقناع القارئ بانتصارها لعاطفة الحب على حساب كبرياء النفس بان جعلت حبيبها نجما مُشعّا بالضياء بدل أن يكون مجرد قمر يستمدّ نوره من النجم
وكأني بالشاعرة باستخدام التجسيد والصورة الشعرية تسعى الى اقناع القارئ بأن المشاعر هي مصدر الحياة كما النجم هو مصدر الضوء ساخرة من القمر والشاعرة في ذلك تستند الى حقيقة علمية وهي أن النجم جسم مضيء وان القمر جسم منير يستمد نوره من النجم.
وأكثر من ذلك لقد استدعت الشخصية الأدبية المتمثلة في شاعرين من شعراء النقائض لتجعل هواها للحبيب يفوق غزل الشاعرين الشهيرين بالغزل وهما جرير والأخطل وهي بذلك جمعت بين رقة غزل جرير وعذوبة العذرية لديه و التزام الأخطل بالتقاليد الشعرية الجاهلية المتينة ذات السبك القوي في الغزل.
وقد حصرت فيه المدح والثناء وكل الصور دون غيره.
وفي هذا الاطار من انتصار الشاعرة للشق الراغب في الحب من القلب يتدخل الشق المتمنع من القلب وكأني به يحاول أن يوقظ فيها كبرياء النفس قائلا :"حسبك"
وتستأنف الشاعرة باستخدام المصادر (السخاء/ الجود/ الكرم/ الثناء) التي هي أبلغ من أسماء الفاعل أو الصفة المشبهة (السخي/الجواد/ الكريم/ المثنى عليه).لتقارن بين شقيْ قلبها والانتصار لشقّ المشاعر والرغبة في الحب على حساب شقّ التمنع.
ولا تكتفي بذلك بل تستدعي الشخصية الثقافية والفكرية لتعتبرالحبيب هُويتها تماما كما يُجسّد تراث النجفي هوية الموصل الفكرية والتراثية.
وتستدعي أيضا المذاهب الدينية المختلفة (الشيعة والسنة) لتجعل الحبيب وجهتها الدينية (شيعتي وسنتي ) ولتدين بدينه .
وانتصارها لشوق المشاعر جعلها تحاول أن تقنع القارئ أيضا أن حبّها هو راحة النفس من الهموم التي قد تثقل صدر المحبّ.
وبالتالي فانها تنتصر لشق القلب الراغب في الحب و الذي يشتعل بحرارة المشاعر محاولة اقناع القارئ من وجهات نظر متعددة:
- وجهة نظرأخلاقية (الجود / الكرم/ الثناء..)
- وجهة نظر فكرية ثقافية ( هو لي تراث النجفي بالموصل)
- وجهة نظر دينية ( وهو شيعتي وسنتي)
- وجهة نظر نفسية:(هو راحة مهموم مثقل )
- وجهة نظر وجدانية:(هو الذي أثار انتباهي وحرّك مفصلي)
ان الشاعرة استخدمت أسلوبا حجاجيا حتى لا يلومها القارئ في التفريط في كرامتها لصالح مشاعرها وفي الانتصار لرغبتها على حساب تمنّعها واتباع نبضات قلبها دون تعليمات عقلها .
ثم تتجه الشاعرة الى القلب باستخدام أسلوب انزياحي تركيبي قائم على النهي ((لا تجارها الايام) والأمر(و كفاك تمنعا).
انها بازدواجية تركيب النهي والأمر تقلب الطاولة على كبرياء النفس لصالح شوق وحرارة المشاعر.
ولدعم ذلك تضرب مثل رياح الحياة والشمس التي لا تشرق بعد خل والاقمار التي لا يزينها التجمل
وتعود الى مناداة قلبها بترك حرية نسبية له في الاختيار بين كبرياء النفس وشوق المشاعر:
يا قلب افعل ما تشاء
من أجله
وتختم بقفلة مدهشة تتحدّى فيها القلب بحسم اختيارها فتقول:
انا أحببت مقتلي.
وكأني بالشاعرة هنا تنهزم وتلعب على اللغة لتجمع بين الحياة والموت لتجعل القتل هو حياتها.
ولعل الشاعرة في هذه القصيدة تعانق بطل رواية فيكتور هيغو"سيدة باريس" او" كاتدرائية نوتردام" فالبطل فروللو وهو قسّ لمّا وقع في علاقة حبّ مع " ازمرلدا" عاش صراعا بين صوت العقل وصوت القلب وانتهى به الامر الى درجة مدمرة ورجّح صوت القلب على صوت العقل.
ولعل الشاعرة آمال بوحرب بهذا التناص مع فيكتور هيغو قد ارتقت بقصيدتها "حدثني قلبي قال:" نحو العالمية.
شكرا للشاعرة المتميزة في طرح قضية صراع القلب بين كبرياء النفس وشوق المشاعر شعرا وقد أتاحت لي متعة التأويل.
بتاريخ 10/ 02/ 2026
قصيدة: "حدثني قلبي قال" للشاعرة آمال بوحرب:
حدثني قلبي قال:
أتعتزمين الفراق
وأنا ثمل أتعذب
قلت:
وكيف السبيل الى لقاء أنتَ
منه تتهرّب
كم تجبرت وتعاليت
كأنك ترى حبيبي
نجما وانت القمر..
تدري أني أهواه ولا أكتفي
فيه
غزل جرير وأخطل
وهو المدح والثناء
وكل الصور
قال حسبك
حل المساء وذابت ملامحي
قلت مهلا يا قلب
انت السخاء
وهو الجود والكرم
وهو الثناء
وهو لي
تراث النجفي في الموصل
وهو شيعتي وسنتي
هو راحة مهموم مثقل
هو الذي أثار انتباهي وحرّك
مفصلي,
يا قلب لا تجار ها الايام
وكفاك تمنعا
فرياح الحياة تعبث
ان أكرمتها زادت من التدلل
ولا الشمس تشرق بعد خل
ولا الأقمار يزينها التجمّل
يا قلب افعل ما تشاء
من أجله
أنا أحببت مقتلي
د/ آمال بوحرب