الأحد، 21 يونيو 2026

▪︎ في صالون الرواق للفنون بسوسة الفنانة التشكيلية: درة بالامين تصنع حدثها الإبداعي بقلم الكاتب: جلال باباي

 ▪︎ في صالون الرواق للفنون بسوسة

الفنانة التشكيلية: درة بالامين تصنع حدثها الإبداعي


-- " تمفصلات " هرتوس"  و استعارة لأرض الذاكرة " -


     تعتبر تمفصلات " هورتوس" من الأعمال الفنية البارزة التي وفٌقت الفنانة التشكيلية : درة بالأمين في ابتداعها و هي خامات متشكلة من وسائط متعددة (جص، طلاء زيتي، أكريليك، راتنج)، وذات أبعاد متغيرة، منجزة سنة 2026 في تمفصلات " هورتوس"  تعكس باقتدار استعارة لأرض الذاكرة. 


● هشاشة الحفظ وخلود الذاكرة:


        هنا، تتحول المادة المُعدّلة إلى لغة؛ فهي تحفظ آثار التجربة المعيشة وعلامات التعرية. هذا الاستكشاف للمادية جزء من تأملات جان فوترييه وفنانين ماديين آخرين، الذين يرون أن المادة تحمل في طياتها ذاكرة حساسة. يظهر الشكل كشاهد صامت، ينبثق من أعماق الحديقة المهجورة ليذكرنا بهشاشة الحفظ وخلود الذاكرة. 


●نبذة عن سيرة الفنانة: درة بالأمين:


-  حاصلة على دكتوراه في الفنون والمعلومات وعلوم الاتصال من المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس، ضمن برنامج مشترك مع جامعة باريس 8.

 - حاصلة على ماجستير في الفنون البصرية  و في الرسم، وتمارس فنًا متعدد الاختصاصات. بعد مشاركتها في معرض مدينة الثقافة بتونس عام 2023.

- طورت بحثًا يركز على البيئة الإدراكية، والصور الذهنية، وذاكرة المكان. يتجلى عملها من خلال الرسم، والنحت البارز، والتجميع، وعروض الفيديو.


                            الكاتب: جلال باباي



السقوط في متاهة المعنى !! بقلم الكاتب علي سيف الرعيني

 السقوط في متاهة المعنى !!

علي سيف الرعيني 


في مشوار الحياة لايكون الانكشاف الحقيقي للإنسان حدث عادي، بل لحظة فارقة تشبه سقوط ستارٍ ثقيل كان يحجب المشهد كاملا فكم من أشخاص أبهرتنا كلماتهم  وأعجبتنا هيئاتهم، وجذبتنا ثقتهم المفرطة بأنفسهم، حتى ظننا أنهم نماذج مكتملة لا يعتريها نقص ولا تناقض. لكن الأيام، تلك الخبيرة في كشف المستور، لا تلبث أن تزيح الأقنعة واحدًا تلو الآخر، فتظهر الحقائق كما هي، دون زينة أورتوش 

إن بعض الوجوه المتعالية تبدأ رحلتها بالجذب  تمتلك قدرة كبيرة على صناعة الصورة التي تريد للناس أن يروها، فتبدو قوية، حكيمة، ناجحة، وربما مثالية لكنها تنشغل كثيرًا بتلميع المظهر حتى تنسى بناء الجوهر. وحين تأتي لحظة الاختبار، لا تصمد الصورة أمام الحقيقة، لأن ما لم يُبنَ على أساس متين لا يمكنه مقاومة العواصف.

وفي كثير من الأحيان، لا يكون السقوط بسبب خطأ واحد، بل نتيجة تراكم طويل من الادعاء والتصنع والابتعاد عن الذات الحقيقية. فالإنسان الذي يعيش عمره مرتديا الأقنعة ينسى تدريجيًا ملامحه الأصلية ويصبح أسيرا للصورة التي صنعها للآخرين. وعندما تتصدع تلك الصورة، يجد نفسه وحيدًا أمام سؤال باهت من أنا حقًا؟

هنا تبدأ متاهة فقدان المعنى  فالشخص الذي ربط قيمته بإعجاب الناس أو مكانته أومظهره الخارجي، يكتشف فجأة أن كل ذلك هش وقابل للزوال. وعندما تختفي التصفيقات وتنطفئ الأضواء، يشعر بفراغ داخلي كبير، لأنه لم يتعلم أن يستمد قيمته من صدقه مع نفسه، بل من نظرات الآخرين إليه.

ولعل أكثر ما يؤلم في هذا الانكشاف أنه لا يفضح الإنسان أمام الناس فحسب، بل يفضحه أمام نفسه. فهناك لحظات يدرك فيها المرء أن السنوات التي قضاها في مطاردة الصورة كانت على حساب الحقيقة، وأنه أهمل بناء روحه وهو منشغل ببناء انطباعاته 

ومع ذلك، فإن سقوط الأقنعة ليس دائمًا نهاية مأساوية أحيانا يكون بداية نجاة حقيقية  فالإنسان لا يستطيع أن يبدأ حياة صادقة إلا بعد أن يتصالح مع حقيقته، بكل ما فيها من ضعف ونقص وأخطاء. وعندما يتوقف عن التظاهر، يكتشف أن البساطة أكثر راحة من التصنع، وأن الصدق أكثر قوة من التظاهر بالكمال 

إن الحياة لا تحاكم الناس على الأقنعة التي ارتدوها، بل على ما تبقى منهم بعد سقوطها. فالأقنعة قد تخدع العيون لبعض الوقت، لكن الزمن يمتلك قدرة مذهلة على كشف الوجوه الحقيقية وعندها لا يبقى للإنسان سوى جوهره، فإن كان صادقًا نجا، وإن كان فارغًا تاه في متاهة فقدان المعنى، يبحث عن نفسه بين أنقاض صورةٍ صنعها بيديه ثم صدّقها حتى سقطت فوقه!!



بَهَاءُ الْحَضْرَةِ الْخَضْرَاء بقلم محمد كركوب الجزائر

 بَهَاءُ الْحَضْرَةِ الْخَضْرَاء

بقلمي محمد كركوب الجزائر 


فِي حَضْرَةِ النُّورِ، تِيجَانُ الْهُدَى اتَّحَدَتْ    فِي رَوْضَةٍ مِنْ زَبَرْجَدٍ، زَهَتْ غُرَفُ


بِالْأَخْضَرِ السَّاحِرِ، الْجُدْرَانُ قَدْ نُقِشَتْ    وَ مِنْ نُجُومِ الذَّهَبِ، الدَّقِيقُ يَنْصَرِفُ


يَمْشِي السَّكِينَةَ، حَكِيمٌ بِرِدَائِهِ    مِنْ صَدْرِهِ، كَوْكَبُ الْأَنْوَارِ يَنْكَشِفُ


كَبَحْرِ مَاسٍ، تَدَفَّقَ مِنْ مَبَخَّرَةٍ    أَلْوَانُ طَيْفٍ، لَهَا الْأَرْوَاحُ تَعْتَرِفُ


تُحِيطُهُ صَفْوَةُ الشِّيوخِ، قَدْ وَقَفُوا    بَيْنَ الثَّنَايَا، بِأَيِّ الْحُبِّ قَدْ شُغِفُوا


وَالْعُقَابُ الْأَبِيُّ، فِي الْأُفُقِ مُلْتَفِتًا    عَيْنٌ بَصِيرَةٌ، لِلْكُؤُوسِ تَكْتَنِفُ


هُنَاكَ كَأْسٌ، مِنَ الذَّهَبِ، قَدْ سُكِبَتْ    مَاءَ الْحَيَاةِ، تَرْوِي مَنْ بِهِ ضَعَفُ


فَلْتَهْنَؤُوا أَيُّهَا الزُّوَّارُ، فِي رَحَبٍ    هُنَا السَّكِينَةُ، وَالنُّورُ، قَدْ زَهَفُوا

حقوق التأليف محفوظة



**عَلَى حَافَّةِ الْوُجُودِ** بقلم ناجي الجويني الشاعر

 **​عَلَى حَافَّةِ الْوُجُودِ**

مِنْ شُرْفَةِ الْمَسَاءِ أُطِلُّ عَلَى غُرْبَتِي كَمَا

أُرِيدُ...

أَرَى كُلَّ أَنْوَاعِ الدَّهْشَةِ تَتَرَاقَصُ

حِينَ تَنْشُرُ مَقَالَاتِ السُّخْرِيَةِ مِنَّا...

وَامْرَأَةً تُعَلِّقُ أَسْبَابَ الْحُبِّ فِينَا

كَمْ كُنَّا طُلَقَاءَ بِبَرَاءَتِنَا...

قَبْلَ تَغَلْغُلِ وَحْشَةِ الزَّمَنِ بِنَا...

كُنَّا نَلْعَبُ، نَجْرِي..

نُطْلِقُ عِنَانَ طُفُولَتِنَا

وَنَنْسِجُ أَلْحَانًا لِأَحْلَامِنَا...

الْيَوْمَ، يَبْنِي الِانْكِسَارُ فِينَا

قَلْعَتَهُ..

نَشْرَبُ مِنَ التِّيهِ مَوَاوِيلَا..

وَنُغَنِّي مِثْلَمَا نُغَنِّي..

ثُمَّ نَزْهَقُ مِنَ اللُّغَةِ

نَسْتَعِيدُ أَرْكَانَ الصَّمْتِ الْجَارِفِ

لِوُرُودِ أَحْلَامِنَا...

مِنْ شُرْفَةِ الْمَسَاءِ..

أَرَى لُغَتِي..

وَحِيدَةً كَمَا أَنَايَ

لَا تُؤَسِّسُهَا الْمَعَاجِمُ..

كَصَبِيَّةٍ عَذْرَاءَ

لَمْ تَتَزَوَّجْهَا الْعُيُونُ..

تَغْتَسِلُ بِفَضَاعَةِ الْأَحْوَالِ

وَلَا حَوْلَ لِي إِلَّا كَلَامًا...

مِنْ شُرْفَةِ الْمَسَاءِ...

تَتَجَلَّى رُؤَى الْحُلْمِ الْمُتَبَقِّي

وَتَزْرَعُ فِي صَحْرَائِنَا نَخِيلَا...

وَتَنْتَظِرْ..

غَيْمَةَ الْآتِي لَعَلَّ غَيْثَهَا يَنْزِلُ..

لِتَبْتَلَّ عُرُوقُ الْأَمَلْ...

وَالْأَمَلُ فِيكَ يَا اللهُ...

كَمِ اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُنَا وَالرَّجَاءُ وَاحِدٌ

كَمِ افْتَرَقْنَا فِينَا وَمَا عُدْنَا

إِلَّا إِلَيْكَ...

مِنْ شُرْفَةِ الْمَسَاءِ

أُعِدُّ طَبَقًا لِلْعَشَاءِ...

وَفَاكِهَةَ لُغَتِي أَنْتَقِيهَا مِنْ،

أَطْرَافِ السَّمَاءِ...


ناجي الجويني الشاعر


سلطان زمانى بقلم محمد الخولى

 (سلطان زمانى )

عايش سلطان زمانى

ولا بحد شاغل بالى

المكتوب هتشوفه 

خلى مزاجك عالى 

لا باصص لحد غيرى

علشان مرتاح ضميرى

لكل واحد رزقه

والمكتوب هيجلى 

وهى دى السعادة 

ما هو الرضا عباده

متعكرش مزاجك

وحب الخير للناس 

ربك مقسمها

وهو ده الأساس 

ناس رزقها صحة

مش مال ولا ماس

وناس رزقها

محبة من كل الناس

هتاخد من القيراط 

تمام اربع وعشرين 

صدقنى مش ناقصين 

عيش يا صاحبى لحالك 

ومتشغلش بالك

برزق ناس تانين

ومنى أحلى تحيه

لكل المتابعين 

بقلمى محمد الخولى 

21/6/2026



هاذي أنا... بقلم الكاتبة حياة بنت محمد بن علي/تونس

 هاذي أنا...

أجلس مع نفسي. 

تحيط بي الطفولة من كل حدب.

كتبي مبعثرة تنتظر بشغف لمستي.

و قهوتي الوفية دائما تضع ساقا على ساق بجواري. 

و أفكاري آه من أفكاري..ترقص ببن الماضي و الحاضر و الغد القريب. 

بين الصمت و الثرثرة سأظل رغم صمتك الكئيب..

حياة بنت محمد بن علي/تونس



AMB. DR. POET SUJI MADESH

 AMB. DR. POET SUJI MADESH

INDIA


Poetry title:


فاكهة جديدة

@@@@@@@


توجد في كل مكان في التربة الرطبة


أفضل الأشجار هي الشجرة الجديدة


تنمو قوية وغزيرة الإنتاج


فاكهة لا تتوفر إلا مرة واحدة في السنة


طويلة حتى وإن كانت سوداء


فاكهة جديدة

غنية بالفوائد الطبية


مهمتها عظيمة في الطب الأيورفيدي


تتميز بمذاق متوازن بين المرارة والحلاوة


غنية بالعناصر الغذائية وتعزز الصحة


يمكن للجميع تناولها وإهدائها


تحافظ على برودة الجسم ونشاطه


تقدم فوائد عديدة للجسم


خاصةً في السيطرة على مرض السكري


يمكن طحن البذور وتناولها كمسحوق


تعالج اضطرابات الجهاز الهضمي والإمساك


تعالج الأمعاء وتنظفها تمامًا


تعالج فقر الدم

تقضي على السموم


تحمي القلب لاحتوائها على البوتاسيوم


تساعد على طرد حصى الكلى


تعزز المناعة


تعالج مشاكل الجلد وتساقط الشعر تمامًا


لا ينبغي تناولها في أيام العطلات معدة فارغة


إنها فاكهة يعشقها الناس في جميع أنحاء العالم


فاكهة جديدة

فلنتناولها بشغف


فلنأكلها إلى الأبد ونعيش حياة صحية


كتبت هذه القصيدة لأنفسنا



عاشق الغرور بقلم كمال الدين حسين القاضي

 عاشق الغرور.                                                                               قلْ للذي عَشِقَ الغُرُوْرَ تَكَبُّرًا

مَا عُدْتَ تَمْلِكُ للأمُورِ زِمَامَا

فالْفَكُرُ مَهْزوزٌ بِغَيْرِ رَزَانةٍ

والْحقُّ صَرْتَ هشاشةً وحِطَاما

فالأرضُ ليْسَتْ في مزادٍ تَرَبحٍ

والأرضُ صَارَتْ بالقلوبِ لزاما

فالموتُ أهونُ منْ مساسِ تُرَابها

فالكلُّ يَحْمِلُ مَدْفَعَا وَصِمَاما

أن المنيَّةَ للجميعِ شهادةٌ

والنصرُ يأتي عِزَّةً وَمَقَاما

سَنَزودُ عنَّها في أشَّدِ حرارةٍ

حتىَّ وإنْ ذُقْنَا اللهيبَ غَرَاما

العزمُ يولدُ منْ خلالِ شَهَامَةٍ

ونعدُّ نفْسًا للقاءِ دَوَاما

ماَ فوقَ أشواكٍ وعينِ حرائقٍ

سَنَخُوْضُ يَوْمًا جَبْهةً وَصِدَاما

منْ أجْلِ كُلِّ تَحَرُرٍ وَمَعَزَّةٍ

والجندُ هَبُّوا قُوَّةً  وَحِمَاما

أنَّ الشَهَادَةَ في سَبيلِ كرامةٌ

كالشهدِ طَعْمٌ إذْ رأيتَ قياما

وَمَنَازِلٌ بينَ الجنانِ عظيمةٌ

 وَلَقَدْ غَدَتْ للْفَائِزينَ وِسَاما    


بقلم كمال الدين حسين القاضي


هذا الرجل أحبه بقلم عبد الفتاح حموده

 هذا الرجل أحبه

منذ اللحظة الأولى التي علمتُ فيها أنه قد عاد إلى مقر عمله، وجدتُ نفسي في غاية اللهفة لرؤياه، وقد غاب عنا بضعة أيام ظننتها سنوات طوالًا.

قمتُ إلى دولاب ملابسي أختار أفضل ثوب أرتديه عند لقائي به، بل وكنت أعرف اللون الذي يحبّه، وهو اللون البني الغامق، فاخترت ثوبًا بهذا اللون. ليس هذا فحسب، بل كنت أعرف أنه يفضل أن يكون شعر المرأة منسدلًا على جانبي وجهها، فحرصتُ على أن أفعل ذلك.

وهرولتُ إليه... ولكن!

ماذا جرى لي؟

ماذا فعل هذا الرجل بي لأتلهف إلى لقائه وأحرص على أن أبدو أمامه في أفضل صورة؟

فأنا مديرة في مركز الدراسات المصرفية، ويحيط بي العديد من الرجال، والكثير منهم يترقب أن أسايره في إعجابه بي، وأن أُعير نظراته المتلاحقة جلَّ اهتمامي.

فهل أعود إلى حيث جئت؟

هل أخفي مشاعري نحوه؟

هل حقًّا له منزلة في قلبي جعلتني أتصرف بهذا الشكل؟

رغم أن مركزي الوظيفي جعلني أبدو جادة في التعامل مع الناس... صحيح أن ذلك يخالف طبيعتي، لكن مع مرور الأيام وجدتُ نفسي أتغلب على طبعي، وأتقمص صورة الجدية.

غير أنني اليوم فقط، وبعد عودة هذا الرجل، وجدتُ نفسي أعود إلى طبيعتي التي افتقدتها منذ توليت هذا المنصب.

شعرتُ بالخجل من لقائه، وأحسست بأنني لن أستطيع الحديث معه، وأن الكلمات ستتعثر في فمي.

ولكي أتغلب على هذا الإحساس، وجدتُ أنه من الأفضل أن أعرف مسبقًا ماذا سأقول له، وكيف يكون الحوار بيننا؟

نظرتُ إلى المرآة وتساءلت:

هل سيُعجبه مظهري العام؟

هو الآخر يحيط به عدد من النساء بحكم عمله محاميًا مشهورًا، وتضطره طبيعة عمله إلى التعامل مع كثيرات منهن.

وهنا سألتُ نفسي: أين أنا عنده؟

هل أنا على هامش حياته؟ أم أن لي مكانة خاصة في قلبه؟

لقد كان اهتمامه بي، ومتابعته لأحوالي، وقلقه إن تأخرتُ في الحضور إليه، بل وحرصه الأكبر إن مرضتُ، مما يسعدني غاية السعادة. فقد قلَّ أن أجد من يهتم لأمري حتى من أقرب الناس إليّ!

احتَرتُ في أمري: ماذا أفعل؟ ماذا أقول؟ وكيف أتصرف؟

وأخيرًا، تجرأتُ وطرقتُ طرقاتٍ خفيفة على الباب...

كم بلغ بي الشوق لرؤياه، وكم أثقلت الدقائق وهي تمر بي!

كنتُ أحترق شوقًا لرؤية هذا الرجل.

ولم أصدق عينيَّ حين رأيته... هو بنفسه أمامي، بابتسامة تضيء وجهه، بل وتضيء نفسي فرحًا وطربًا.

رحب بي ودعاني إلى الدخول، ومن شدة إحساسي بالخجل كدتُ أن أسقط، فأمسك بيدي...

نفس اليد التي أمسكت بي ذات يوم ونحن نمر في طريق يعج بالسيارات، فشعرت يومها بخوفه وقلقه عليّ.

جلستُ على أحد المقاعد في الغرفة، ولا يزال الخجل يعتصرني، ويزيد حيرتي: كيف أبدأ الحديث؟ وكيف أتجاوب معه؟

وبينما أنا على هذا الحال، دخلت امرأة إلى المكتب، أعربت عن اشتياقها له، وسعادتها بعودته من السفر.

كدتُ أضيق غيظًا وأشعر بالغيرة، وازداد وجهي احمرارًا من شدة الخجل، فأدرتُ وجهي بعيدًا عنه حتى لا يراني على هذا الحال.

وما إن انصرفت المرأة حتى قال لي بعبارات هادئة:

«إنها من عملاء المكتب، ولها قضية عندي».

هذا يعني أنه شعر بغيرتي، وأراد أن يخفف عني ما بي من ضيق.

ساد الصمت بيننا قليلًا، ولعله تعمد ذلك حتى تهدأ نفسي.

وبعدها وقعت المفاجأة التي كدتُ أرقص لها من الفرح...

إذ أخرج من جيبه علبة قطيفة ذات لون غاية في الجمال، فتحها، وطلب مني أن أمد يدي، ثم أخرج خاتمًا في منتهى الروعة، وأدخله في إصبعي... و...

مع تحياتي

عبد الفتاح حموده


رأيـت الــجـمـال كلمات محمود خلف بيومى أحمد

 ،         رأيـت الــجـمـال         ،

رأيـت الـجـمـال فـيك تـجـسـدا

عـزةٌ واحـياء واعـفتٌ واكـرامه

وأنت الذي حذت الـجـمال جُلَّهُ

وافـيك أغـلىٰ وأسـمىىٰ خِـصَالهْ

كـم شاعر لـحـسـنك قـد وصـف

وتسابقوا كلٌ بقدر تصوّْره وأفكاره 

فَـعْــطـفْ عـلى القــلـب الغَـريـر 

ظـن الـهوا سـهـل المنال وصاله 

وارفـق بـصـب مـذ رأك تـلـعـثـم

واصــام عــن الـــكـلام لــسـانـه 

سـمعت صـوتك ناعم كـالـحرير

تـهيم الـروح  نشوة في غـرامه 

وإن تـــنـفـس مــسـكٌ واطـيـب 

وان تـبـسـم تـفـتــحـت أزهــآره 

يا قاضي العشاق واكاتب التاريخ

أكـــتـب فـي طـي صَــفْــحَـاتــه 

إن الـقتيل قد جـنىٰ عـلي نفسه 

فـهـوا  الـذي عـــشــق الـجـمـال 

وا هـوا  الـذي  بـإرادة اخــتـاره 

كلمات 

محمود خلف بيومى أحمد


مهر الحرية الذي لم يرتو: شهداء تونس..وسؤال الدم في زمن "الإشراقات".. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 مهر الحرية الذي لم يرتو: شهداء تونس..وسؤال الدم في زمن "الإشراقات"..

"علمني وطني أنّ حروف التاريخ مزوّرة.. حين تكون بدون دماء.. "(مظفر النواب)


تصدير :

-الحرية يا-سادتي الكرام-شجرة لا تتغذّى بغير الدّماء..إمرأة ميثولوجية تسكن الرّيح،وتعوي مع ذئاب الفيافي..قمر في بلاد ليس فيها ليال مقمرة ولا أصدقاء..أحلام ثوار سقطت أوهامهم في خريف العمر..-بيوت تونسية-تعبق بعطر الشهداء.. رجف يستبدّ -بتونس-قبيل إنبلاج الصباح..كلمة حق ترفرف في الآقاصي لتعلن أنّ الصبح قد بان..( الكاتب)


دماء غزيرة أريقت من أجساد شبابية غضة في سبيل أن تتحرّر تونس من عقال الإستبداد الذي إكتوت بلهيبه عبر عقدين ونيف من الزمن الجائر..

و من هنا،لا أحد بإمكانه أن -يزايد-على مهر الحرية الذي دفعت البراعم الشبابية أرواحها ثمنا له،ولا أحد كذلك يستطيع الجزم بأنّ ما تحقّق في تونس من إنجاز تاريخي عظيم تمثّل في سقوط نظام مستبد جائر،إنما هو من إنجازه..لا أحد إطلاقا،فكلنا تابعنا المشاهد الجنائزية التي كانت تنقلها الفضائيات في خضم المد الثوري الذي أطاح -كما أسلفت-برأس النظام مضرجا بالعار،ومنح الشعب التونسي تذكرة العبور إلى"ربيع الحرية"..

تلك المشاهد الجنائزية كان ينضح من شقوقها نسيم الشباب.. شباب وضع حدا لهزائمنا المتعاقبة، قطع مع كل أشكال الغبن والإستبداد،خلخل حسابات المنطق،جسّد هزّة عنيفة مخلخلة للوعي المخَدّر والمستَلب،وصنع بالتالي بدمائه الطاهرة إشراقات ثورية قدر الطغاة فيها هو الهزيمة والإندحار..

هؤلاء الشباب عزفوا نشيد الحرية فتمايلت أغصان المجد طربا.. هؤلاء الشباب هم من قالوا للطاغية: إرحل..قالوها بملء الفم والعقل والقلب والدّم..لم ينل منهم الخوف ولا أثناهم عن عبور درب الألم،والرصاص المنفلت من العقال..لقد رسموا بمواقفهم الشجاعة دربا مضيئا يعرف آفاقه جيدا عظماء التاريخ وكل الذين سلكوا درب الحرية من الأبطال والشهداء منذ فجر الإنسانية:صدام حسين،سبارتكوس،عماربن ياسر، عمرالمختار،يوسف العظمة،شهدي عطية،الأيندي، غيفارا وديمتروف..وقد تجلّت في شجاعتهم كما في رفضهم الصارخ لكل أشكال الإستبداد،بطولة الإستشهاد وتجسّدت في نضالاتهم آسمى معاني الفعل الإنساني النبيل..

كان محمد البوعزيزي أوّلهم حين إرتدى لحافا ملتهبا بحجم الجحيم وخرّ صريعا كي تكتحل الأرض بدمائه ويتبرعم الربيع في بساتين الحرية.. ثم إرتقى الآخرون بقرارهم إلى منصة الإستشهاد بجسارة من لا يهاب الموت في سبيل التحرّر والإنعتاق..

واليوم..

ها هي تونس اليوم تغني نشيد الحرية فتتناغم القاهرة مع لحنها العذب،ويرقص الشباب في كل من طرابلس..ودمشق..والمنامة..وصنعاء.. رقصة"زوربا اليوناني".. تلك الرقصة التي تعانق برمزيتها سماوات المجد والخلود..

هوذا "الربيع العربي" وقد أشرقت شمسه البهيّة على ربوعنا في الرابع عشر من شهر جانفي 2011،وها نحن نعيش في فيض "إشراقاته الخلابة"..!

لا تحيدوا بثورتكم المجيدة عن مسارها الصحيح.. هكذا قالت أم الشهيد..ولا تنحرفوا بأهدافكم النبيلة عن الخط الذي رسمه الشهداء باللون الأحمر القرمزي..هكذا-أوصتني-جارتي التي إكتوت بلهيب الفراق حين لبّ إبنها الوحيد نداء الحرية وقدّم نفسه مهرا سخيا-لعرس الدم-..

الحرية يا-سادتي الكرام-شجرة لا تتغذّى بغير الدّماء..إمرأة ميثولوجية تسكن الرّيح،وتعوي مع ذئاب الفيافي..قمر في بلاد ليس فيها ليال مقمرة ولا أصدقاء..أحلام ثوار سقطت أوهامهم في خريف العمر..-بيوت تونسية-تعبق بعطر الشهداء.. رجف يستبدّ -بتونس-قبيل إنبلاج الصباح..كلمة حق ترفرف في الآقاصي لتعلن أنّ الصبح قد بان..

هل صادفتم هذه الأيقونة المبتغاة (الحرية) في منعطفات الدروب؟!

هل استنشقتم عطرها إلا في جيوب الشهداء المحشوّة بالرصاص،إلا في حقائب المهاجرين الذين شردتهم أوطانهم وأوهام الشعراء..؟!

هل سمعتم بإسمها إلا في الخطابات الرنانة، روايات المعارك والملاحم والبطولات؟..!

من عرفها إلا تمثالا وبيارق،شعارا ونشيدا..من دقّ ب"اليد المضرجة"بابها ففتحت له ودخل ملكوتها؟..!من شارك الحشود في أعراسها قبل أن يعود إلى بيته متخما بالمواجع..؟!

وإذن؟

لست أدري إذا،لماذا ينسب للحرية غالبا لون الدّم، مع أنّه أصلا الدليل القاطع على غيابها !..ولماذا يقترن إسمها بأحداث ملفقة وأفكار مزوّرة،كأنّ الواقع المترجرج وحده لا يكفي؟!..

إننا لا نستحقها،إلا حين ندفع مهرها،وحين ندفع الثمن لا نعود نستحقها،فالحرية رهان خاسر على مستقبل البشرية،الذين يبشرون بها هم الذين اعتادوا على غيابها،فلو تحقّقت بطل مبرّر وجودهم..!

-اسألوا الشهداء-كم كتبوا إسمها سدى في كل مكان..اسألوا الفقيد محمد البوعزيزي حين عانقها للمرّة الأخيرة،واسألوا سيزيف هل بوسعه الإنعتاق من لعنة الآلهة..اسألوا السجانين ونزلائهم عنها..

الحرية خيانة دائمة للذات،فمن يجرؤ على مخاصمة نفسه وزعزعة قناعاته والتخلّص من عاداته والتنازل عن إمتيازاته..!

أعرف أنّ المقاومين يعيشون من أجلها،ولهذا فمصير معظمهم-الإستشهاد-وأنّ الفدائين يعطونها زهرة أعمارهم، لكنها لا ترتوي!

انظروا كتب التّاريخ،أعرف أنّه لا مفر من مواصلة سعينا،من دحرجة الصخرة نفسها على درب تسوياتنا اليومية وتنازلاتنا..

ولكن..

الحرية أمنية مشتهاة..هكذا قيل،ولكنّها أيضا مكلفة،هكذا أرادت-أم البوعزيزي-أن تقول،لكن يقال أنّ هناك من لمسها بيده في لحظة إشراق، هناك من لمس استحالتها،فقرّر أن يستشهد في سبيلها،عساها تكون..وحتما ستكون،وعلينا جميعا -في مثل فجر بهيج كهذا-أن نرقى بقرارنا إلى منصّة الصمود والتحدي..وقطعا سننتصر..ذلك هو الممكن الوحيد..

.. فالحرية صراع لا ينتهي.

-ولن تنحني تونس ولا شعبها.

لست أحلم

ولكنّه الإيمان،الأكثر دقّة في لحظات الثورة التونسية العارمة،من حسابات راكبي سروج الثورة في الساعة الخامسة والعشرين..

وتبقى الحرية..سؤالا مفتوحا على جراحنا،ونشيدا لا يكتمل إلا بأرواح تتدفق كالأنهار.وكلما ظننا أننا أمسكنا بها،تفلت من أيدينا كالسراب،وكلما ارتوينا من دمائنا،عطشنا إليها أكثر.إنها ليست محطة نصلها،بل طريق نمشيه بأجسادنا وأحلامنا وشهدائنا.

و في تونس التي صنعت المستحيل،يبقى السؤال الأصعب: هل نحن أحرار حقا،أم أننا ما زلنا ندفع المهر؟ الشهداء رحلوا وهم يهمسون لنا أن الحرية لا تُورث،بل تُستحق كل يوم من جديد.فإما أن نكون حراسا لهذه الإشراقة،أو نموت ألف مرة في جحيم الخنوع.وإليهم،أولئك الذين لم يرتو مهرهم، نهدي نبضنا وعنادنا..لأن تونس،بتعبها ونقائها، تستحق أكثر من ذكرى،تستحق حرية لا تشيخ ولا تموت..


محمد المحسن



يصيح بين جنبيا بقلم د محروس فرحات ...مصر

 يصيح بين جنبيا

يصيح بين جنبيا وكم يصرخ

أنا القلب الذي هام ولم يجني


أنا العين التي سهرت الى السحر

وكل الدنيا كم عابت على عيني


فإن أغمضت لي طرفا فلم أسطع

وكيف الغمض والأوهام في جفني


ولون هواك مطبوع على جدري

أنا قلب  به الاحلام  لا تغني


أنا شوق على شوق وكم ظل

حديث الروح إليك يزيد في أني


سيحكي بعض ما دار وكم كان

أنينا لست أخفيه بما يعني


عن الكمد الذي عشت نوائبه

وذا كبدي فسله حاله يضني


وأصوات تحدثنا وما غاب 

لها أثر لعين الهجر كم تفني


ومازالت وإن غابت هنا تبقى

تعيش بين أضلاعي بلا سجن


كأني حين أذكرها تعاودني

تظل العطر مبثوثا بلا من


وتحكي بين أوردتي حكايات

ونبض القلب ينقلها إلى العين


وأحفظ كل ما قالت من القول

يفوق جماله حسنا على حسن


وإن غابت ولم تأت   أناجيها

وأرسم شوقها عجبا على جفني


وأخشى منها أن مرت ولم تلقي

سلاما منها إن تنسى فذا يفني


يظل القلب مشغوفا  لها يهوى

فإن نسي فذا بالله ما يضني 


فذيل الاشواق احملها وكم غنت

بألحان غدت في العشق يا لحني


فأسمع منه ما ترضى به النفس

وما يؤذي أواريه عن الأذن


وأحبس بين أنفاسي من الألم 

وألم النفس عن حالي لها يغني


ورغم البعد عن عيني هنا قامت

وكم حملت اشواقا بها وهني


د محروس فرحات ...مصر

((( يا دُنيا ))) بقلم الشاعر / بشار إسماعيل

 (((   يا دُنيا   )))

===============


يا دُنيا .. قَلبي أنا تَعبان 

أرْهَقَتني الدُّنيا وبَلاها 


كُلَّما أشُدُّ على   أزري 

تَهبُّ رياح السّموم فَأَراها


أنا عبدُ اللهِ   وَها حالي 

لا يسُرُّ أُمّي   وَما أتاها


مِن الشرقِ والغربِ تَأتيني

عِلَلٌ عَلَّني أحتمِل أساها


وَكَّلْتُ أمري لِواحدٍ أحدٍ 

قالَ اصبِرْ سَتنال جَزاها


وَقَفتُ على بابِكَ أُناجيكَ

أطلبُ الرّحمةَ مِن سَماها 


كلُّ مَن عليها   زائِلٌ 

تَحت التُّرابِ نَلتقي وَنَنْساها


لا أسَفاً عليها بِما جادَت

فَما خُلِقْتُ لِأَلهو مَعاها


كُن معَ اللهِ   وَلا تُبالي 

لا يَغُرّنَّكَ مَركَبَها وَمَرْساها 


أبانا آدمٌ   وَأُمّنا حوّاءٌ 

ما داما لَها .. فَقَد تَرَكاها


وعِزَّة وجَلال ربّي سَأَصبِرُ 

وَربّ الأرضِ وَمن طَحاها


هِيَ الدُّنيا   كَما نَعرِفُها 

آخِرها مُزعِجٌ   وأولاها


زَمَنٌ اشتدَّ فيهِ الكَربُ 

بِأُناسٍ جَحَدوا بِأُخراها


لا بأسَ   فيمَن آمَنوا 

فَتحيّتهُم سَلامٌ في عُقْباها


مَهما جَرى   وَمهما صارَ 

هِيَ الدُّنيا تَسيرُ على هَواها

=================

الشاعر /  بشار إسماعيل


حين يغيب الابن في الماوراء..ولا يعود إلا عطرا..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 حين يغيب الابن في الماوراء..ولا يعود إلا عطرا..!

تصدير:

الحنين هو أن تتخيل عطر إبنك الذي رحل إلى الماوراء..وتلتفت خلفك ولا تراه..! ( الكاتب)


ليس الحنين مجرد ذاكرة تستدعيها،بل هو جرح لا يلتئم على هيئة غياب.فالحنين هو ذلك الشعور الذي يتملكك فجأة،وأنت تمشي في شارع عادي، أو تشم رائحة خبز طازج،أو تمر بجوار مدرسته القديمة.إنه لحظة ارتعاش الروح حين تظن أنك رأيته للحظة،أو سمعت ضحكته من خلف الباب.

الحنين هو أن تتخيل عطر ابنك الذي رحل إلى الماوراء.. وتلتفت خلفك ولا تراه..!

هذه العبارة تحمل في طياتها قمة العذاب الصامت. لأن العطر هو أكثر الحواس التصاقا بالذاكرة، وأسرعها في استدعاء الجسد كاملا.فحين تشم رائحة قميصه القديم،أو بقايا عطر كان يستعمله، أو حتى رائحة المطر التي كان يحبها-فإنك تعيش لحظة عبثية: أن تفتش بعينيك وراء ظهرك، متوقعا أن تقع على شبحه،أن تلمس يده،أن تسمع كلمة "أبي" أو "أمي".لكنك لا تجد سوى الفراغ. ذلك الفراغ الذي يصبح أثقل من كل الجبال.

لكن الأكثر إيلاما ليس أن تلتفت ولا تراه..الأكثر إيلاما أن تظل لسنوات تحتفظ داخل رئتيك بذلك العطر الوهمي،وكأن خلايا أنفك رفضت أن تصدق رحيله.فتصحو صباح كل يوم،وتستنشق الهواء كمن يبحث عن مفتاح فقدانه.وحين يمر شاب يسير مثله،تتوقف نبضات قلبك لثوان،وتهمس لنفسك: "لعلّه"...ثم يكمل العالم طريقه،وأنت تبتلع غصة جديدة.

 الحنين إذن ليس مجرد تذكر،بل هو إدمان على ألم لا يشبهه ألم: أن تعيش في زمنين معا،في عالم الأحياء وعالم من رحل،وأن تزرع وردا على قبر لا تراه، وتسقيه بدموع لن تجف أبدا..

وهكذا يصير الحنين وطنا لا يُرى،نعيش فيه حيث لا نعيش،ونحب فيه من لا يموت.فلا تظن أن الحنين يمر،فهو المقيم الذي لا يرحل،والرفيق الذي لا يفارق،والنبض الذي لا يخفت أبدا.

وهكذا يصير الحنين وطنا لا يُرى،نعيش فيه حيث لا نعيش،ونحب فيه من لا يموت.فلا تظن أن الحنين يمر،فهو المقيم الذي لا يرحل،والرفيق الذي لا يفارق،والنبض الذي لا يخفت أبدا.

وإذا اشتدَّ بنا الحنين،فاعلموا أنَّا لم نفقده يوما،بل صرنا نحمله في نبضٍ لا ينام،وفي عطرٍ لا يتبدَّد، وفي انتظار لا ينتهي.

الحنين هو أن نعرف أنَّ الرحيل لم ينه القصة،بل حوَّلها إلى سؤال أبديٍّ في الروح: كيف لأحدهم أن يغيب هكذا،ولا تغيب عنه السماء..؟!

وهنا،على حافة ذلك السؤال العاري،نُدرك أن الحنين ليس مجرد ألمٍ نحمله،بل هو اللغة الوحيدة التي لا تموت حين يموت الحبيب.إنه جسر معلّق بين اليقين والترقب،نعبر عليه كل يوم لنُثبت لأنفسنا أن الوداع لم يكن سوى ولادة أخرى للذكرى في قلوب لا تعرف الكلل.فلتكن دمعتنا إذا شهادة على أنّ الحبّ إذا تمكّن من الروح،صار الحنين نبضه الأبدي،والسؤال الخالد لم يعد عذابا، بل صار همسا يتجدّد مع كل صباح: يا غائبا لا تغيب عنه السماء،هل تسمعنا حين نُحبّك في غيابك؟!

ويظل السؤال حافيا،عاريا..ينخر شفيف الروح..


محمد المحسن



النص الأدبي بين الدراية والموهبة بقلم الكاتب الحبيب المغاري الادريسي

 النص الأدبي بين الدراية والموهبة


       دائما ما يحضر للقارئ وهو ينبهر من ابداع أدبي نصا نثريا كان أم قريضا سؤال عريض ينحصر في كون هذا الإبداع صادر عن موهبة دفينة أم من خلال تمكن في أدوات وعلم مسبق بمشروع الكتابة الناضجة ؟

      هذا السؤال العريض هو أحد أقدم الأسئلة النقديّة التي فتحت سجالات عميقة  في تاريخ الأدب؛ ويُعرف في النقد العربي القديم بـ "جدلية الطبع والصنعة"، وفي النقد الغربي بـ "الموهبة والحرفة" (Don naturel vs Savoir-faire)

وسأقدم الموضوع في ثلاث مناحي هامة.

​أولا:  من حيث"الطبع والموهبة" (الإلهام الفطري)

     ​يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الأدب الحقيقي ينبع من عاطفة جياشة، وموهبة فطرية يولد بها المبدع، وتتدفق على لسانه دون عناء كبير. الأدب هنا هو "إلهام" مفاجئ وليس "طبخاً" في مختبر لغوي.

     ​يقول الشاعر الأموي جرير مُتحدثاً عن شاعريته الفطرية: ​​"أنا لستُ بصانعٍ للشعر، ولكنه شيءٌ يقعُ في قلبي فيجري على لساني."

     ولنا مثال في شهر ​أبي تمام (في بداياته) أو البحتري: كان البحتري يُعدّ ممثلاً لـ "الطبع" لسهولة شعره وعذوبته الفطرية.

    وكذلك ​الشاعر الفرنسي "رامبو": الذي كتب أروع أشعاره السريالية وهو في سن المراهقة (قبل العشرين) مدفوعاً بموهبة جنونية خارقة.

​ثانيا : من حيث "الصنعة والأدوات" (المعرفة والمِراس)

     ​وهنا  يرى نقاد ومبدعون أن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن النص الناضج هو ثمرة وعي حاد بأدوات الكتابة، وقراءة موسوعية، وجهد جهيد في التنقيب والصقل والتهذيب.

      ​وفي ذلك يقول الكاتب الفرنسي الشهير غوستاف فلوبير ـ عن عذاب الكتابة

والصنعة  : ​"الأسلوب لا يأتي هكذا، إنّه يتطلب عملاً شاقاً، إنني أمضي أياماً كاملة لأعثر على كلمة واحدة أو لأضبط إيقاع جملة."

     أما ​زهير بن أبي سلمى (شاعر الحوليات): كان يكتب القصيدة في شهر، ويهذبها في سنة، فسميت قصائده "الحوليات" (أي التي تستغرق حولاً كاملاً من التنقيب والصنعة).

     أما ​محمود درويش: في مرحلته المتأخرة (مثل "جدارية")، تحول من الشاعر المندفع بالعاطفة الفطرية إلى "فني  لغوي" يبني النص بوعي معرفي وفلسفي دقيق.

      ​ثالثا : من حيث التركيب (الخلاصة والاندماج) ​

في هذا الجانب  نرى أن الواقع النقدي الحديث يميل إلى  الإبداع الناضج وهو زواج شرعي  بين الموهبة والأدوات، فلا وجود لنص عظيم قائم على الصنعة الجافة بلا روح، فيصبح تمرينا لغويا باردا، ولا وجود لنص ناضج قائم على موهبة خام بلا ثقافة وأدوات، فيبقى عاجزاً عن التطور .

      ومما سبق نستشف أن الموهبة (الطبع)

هي الشرارة الأولى، والبصمة الوراثية الفريدة، والقدرة على التقاط المشاعر والصور.أما الأدوات (الصنعة) هي المِعمار الذي يرفع البناء، ويشمل: البلاغة، الموسيقى، الثقافة، والضبط والتعديل المستمر.

      ​وكخلاصة أقول : "إن الموهبة تولد مع الأديب، لكن "المشروع الأدبي الناضج" يُصنع في محترَف القراءة والوعي بالأدوات.

والموهبة  كذلك  تعتبر كالنفط الكامن في الأرض، أما الأدوات فهي كآلات التكرير التي تحوله إلى طاقة تُبهر القارئ.

    ​والجمع بين الاثنين هو عين الصواب، وهو الموقف الذي استقر عليه كبار نقاد الأدب وعمالقته عبر العصور. فالجمع بين طاقة الموهبة وحكمة الأدوات هو الذي يمنح النص ذلك البريق الذي لا ينطفئ؛ فلا تشعر بجفاف الصنعة وتكلفها، ولا تضيع في عفوية الموهبة وتشتتها.

      ​وكما يقول الناقد والشاعر الأديب ابن رشيق القيرواني في كتابه الشهير العمدة:​"الموهبة كالأصل والصنعة كالفروع، ولا يثبت فرع إلا بأصل، ولا يكمل أصل إلا بفرع."

​ولهذا  فالنص الذي يُبهرنا حقاً هو الذي نلمس فيه "عاطفة تتدفق بفطرة، وتمسك بزمامها هندسة لغوية واعية وثرية ".

    إن  هذا المذهب  يدل على ذائقة أدبية رفيعة ونظرة نقدية ثاقبة، وهي النظرة التي تجعل من قراءاتنا  للنصوص على هذا الأساس  متعة واكتشافاً مستمراً. فالقارئ الذي يملك هذا الوعي لا يمر على الإبداع مروراً عابراً، بل يتأمله كلوحة فنية يمتزج فيها سحر الألوان العفوي بذائقة ومهارة فرشاة تشكيلي متمكن .

إعداد

الحبيب المغاري الادريسي

المملكة المغربية



أَجْنِحَةُ الْوَجْدِ الطَّليقِ بقلم الشاعر فايز حميدي

 قصيدة" أجنحة الوجد الطليق" تنتمي الى المدرسة الصوفية الرمزية ، وتتقاطع أدبياً مع المدرسة الرمزية التعبيرية ( الرومانسية ) ..

نص صوفي حداثي وجداني يفيض بالرموز والدلالات الفلسفية والروحية ...

    قصيدة تأخذ القارئ في رحلة من الظلمة والأسر الى الأنوار والحرية ...

    قصيدة تعتمد على شعر التفعيلة " الوزن الحر" مع تنويع القوافي ... اتمنى لكم قراءة ممتعة .


 تَهْوٍيماتٌ في السَّاعةِ الْهَامِدَةِ مِنَ اللَّيلِ 

** أَجْنِحَةُ الْوَجْدِ الطَّليقِ 

                         - ١ -

بِتَرانيمي السِّريَّة أمْضِي لِلمَسيرْ 

وَبهمسَاتِ نَفْسٍ نَقيةٍ 

أستعيدُ النُّور من حُجُبِ الْهَجيرْ 

ثَملٌ بطَلعةِ بَدرٍ تَفوقُ الخَيالْ 

صَوتُها نايٌ شَجيٌ مَدَّ في الأفُقِ النِّداءْ 

يَحنُّ للجذرِ السَّليبْ !!

جَبينُها مِشْكاةُ الأزَلْ ... 

نُورٌ تَسامَى ، عَرْشُ بَهاءْ !!

رُوحُهَا تَمزّقَ فيها الفَنَاء 

لإشْرَاقةٍ تُحيي الوجُود ، وَتطردُ الظَّلماءْ !!

                     - ٢ - 

سَأعتَلي عُبابَ الجَنُوبِ الطَّليق 

على أجْنحةِ الوَجد العَميقْ 

أسْمُو فوقَ شَتاتِ الْمدَاركِ والحواسِّ 

بِبصيرةٍ شَهِدتْ تَباشيرَ الشُّروقْ 

فهلْ ثمَّ فَرقٌ بينَ أفولِ عَدَمٍ تَوارَى 

وَتشظِّي وَهْمٍ على عَتبَاتِ الطَّريقْ ؟!

                      - ٣ -

هُناكَ ... 

عنْدَ التُّخومِ القَصّيةِ في الهُيُولَى البَعيدْ

يَقْفِرُ بَحرُ الظّنُونْ  

يَنعتقُ الزَّمانُ 

ينكفئُ المَكانُ 

وَيتلاَشَى المدَى في هَيبةِ الملكوتْ 

فَهبَّ الوجودُ حيَّاً من رَقدةِ العَدَمْ !!

نُورُ طَيفَها السَّامي 

كَانَ الهَادي

كَانَ الرَّفيقْ 

مَدَّ كَفَّ الخَلاصَ لِيجْمَعني 

لَملَمَ الشَّتاتَ 

دَاوَى الجِراحَ 

وَأهْدَى مُهْجَتي السَّكنا 

مُطَهَّراً بماءِ الكشْفِ منْ دَنَسِ الفَنَاءْ !!

مَغْسُولاً بصفوِ الوَجْدِ في غَيمِ الضّيَاءْ !!

مُتَّحداً بِطيفٍ بَدِيعِ الخَلقِ 

في مَدَاراتِ الخَفَاءْ !!


" القدس الموحدة عاصمة فلسطين الأبدية "

  الشاعر فايز حميدي



حديثُ الوطن.. بقلم عماد الخذري

 حديثُ الوطن.. 


لَهْفَى عَلَى وَطَنٍ

يَتَهَاوَى بَيْنَ الْمِحَنِ


الْكُلُّ يَبْكِي عَلَى

لَيْلَاهُ

وَلَا أَحَدٌ يَبْكِي

عَلَى هَذَا الْوَطَنِ


حَتَّى فِي كَأْسِ

الْقَدَمِ

لَمْ يَعُدْ لَنَا حِسٌّ

وَلَا سُنَنٌ


أَوْ صُور

جَمِيلَةٌ تُرْسَمُ

فِي ذَاكِرَةِ الْمُدُنِ


مَتَى نَسْتَفِيقُ

مِنْ غَفْلَةِ هَذَا

الزَّمَنِ


وَنُشَمِّرُ كَمَا يُشَمَّرُ

عَلَى سَاعِدِ الْجِدِّ

وَالْعَمَلِ


فَلَا مَجْدَ الْيَوْمِ

يُبْنَى

بِالْعَوِيلِ

وَالشَّجَنِ


وَلَا نَصْرٌ الْيَوْمَ

يُرْجَى

مِنْ ظُلْمَةِ ذَاكَ

الْعَدَمِ


وَلَا غُرْبَةَ الْيَوْمَ

لِمَنْ قَلْبُهُ

يَسْكُنُهُ الْوَطَنُ


 عماد الخذري

 برج السدرية

21 جوان 2026



عقوقُ الأيّام بقلم الكاتبة جميلة مزرعاني

 عقوقُ الأيّام


يسري بنا اللّيلُ كقطارٍ يزعقُ،ماضٍ يعزفُ سمفونيّة الألم.جلبة قاتمة تعكِّرُ هناءةَ السّكون،تعيقُ شغفَ الأحلامِ للنّور.عيونٌ تغشّاها الأرقُ،هائمة في دائرةِ شجونٍ،تهيّجُ الأحداقَ َبركانَ دمعٍ.قلوبٌ ثكلى بين فكّي سوادٍ دامسٍ يُريها طيفَ احتضار.صخبُ جنون يعطّلُ فراملَ الحياة، يغذّي زوابع الإحباطِ، ويمضي زمنه على عجلٍ،تاركًا على فاهِ الغصص ألف سؤالٍ.ألا من عاقلٍ يعتقُ سبيلَ الفراشاتِ العالقةِ في نفقِ ظلامٍ يعوقُ ملاحتها؟ وليلٌ بهيم يفضحُ عنفَ السّكون.هسيسٌ خافتٍ موجعٍ ينفثُ من بطانةِ عقوقِ الأيّام.ملاحم تقضُّ المضاجعَ،فمتى يلوحُ انقشاعُ فجرٍ جديد؟.


جميلة مزرعاني

لبنان الجنوب 

ريحانة العرب 20/6/2026



Ne tends pas la main à celui qui ne la voit pas… // Qasim Abdulaziz Al-Dossari

 Ne tends pas la main à celui qui ne la voit pas…

N’offre pas la chaleur de ton cœur à celui qui ignore ton absence comme si tu n’avais jamais existé…


N'embrasse pas une ombre qui ignore la valeur de la lumière,


N’ouvre pas une porte qui ne veut pas entendre tes pas…


Car en toi réside une cité nommée dignité ; si ses murs s'écroulent, la patrie est perdue.


Garde ton cœur… Car tous ceux que tu as aimés n’étaient pas dignes d’amour,


Et tous ceux qui sont partis ne furent pas une perte…


Car celui qui se protège marche sur ses blessures la tête haute,


Et gravit les sommets que seuls ceux qui connaissent leur propre valeur peuvent atteindre.


Qasim Abdulaziz Al-Dossari



وهم ويقين بقلم الأديبة سامية خليفة/ لبنان

 وهم ويقين

أدركُ أنّك رحلت فأمسيت السراب

أنت الآن في حلمي غيمة مستقرة

لا تزحزحها الرياح

أعلمُ أنك طيفٌ 

تسلّلَت ألوانه إلى وريدي

أنت أنفاس فجرٍ أنتظره بشغف عاشقة

خنقني الغياب

أعلمُ أنك لست اكثر من سراب

عشّش بين جنبات روحي

استوطنني فاستوطنتُ مداه

لتكون طريق النجاة

لتنفض عني غبار الوهم

كن لي قصيدة لأكون المعنى

كن لي ضوءًا أبيضَ كعمر الأزل

كن عالمي الحقيقي وأعتقني

من لغة اليأس 

كن لي بريق الأمل

انهض... لا يليق بمقامك

أن تشبه السكينة، الموت لا يليق بك

تحرك..لا تبق مسجى كجثة محنطة

جئ إليّ ناعما كندى الورد

كمركب تاه ثم وجد شاطئه

ككابوس اختفى

استقال من نزوته

وتوج حياتي بحلم شفيف 

لأبحر فيه معك

نحو مرافئ اليقين

وإن في حلم دفين

في أعماق مرقدك

حيث هناك 

الصدى يحكي

الصمتُ يتنفس

اللاوجودُ يأتلق

اللاحدودُ تتسع

ما دمنا

في مَدارِ الخيال

الموشى بيقين زهري

من حلمي

سأشدو ترانيمَ الخلود

ما دمنا معا

في مدارِ الخيال

نرفرف على جناح اليقين.


سامية خليفة/ لبنان

٢١/ حزيران/ ٢٠٢٦



**بَعثٌ مُؤجّل** بقلم ناجي الجويني الشاعر

 **​بَعثٌ مُؤجّل**

كُلَّ صَباحٍ أَنهَضُ عَلى مَضَضٍ..

أَستَعِدُّ لِضَياعٍ مُتَتالٍ

كُلَّ يَومٍ يُشرِقُ الغِيابُ

عَلى طَريقي..

مُجبَرٌ تُقَيِّدُني صِراعاتُ الأَيّامِ..

وَلا أَنِيسَ لي غَيرُ جُرحٍ..

يُعَتِّقُ امتِدادَهُ عَلى صُحُفي

لِتَندَثِرَ أَحلامُ الغابِرينَ مِن

كُتُبي...

​أُفَتِّشُ عَن صُورَتي كُلَّ مَساءٍ

لا أَجِدُ سِوى فُتاتٍ لِبَقايا هامِشِ

قَصيدَةٍ، كَتَبَتها عَثَراتُ خُطايَ..

لِأَعودَ مُكرَهاً أَنبُشُ تَقاسيمَ الوَقتِ

مِن أَجلِ حَبَّةِ قَمحٍ أَو ذَرَّةْ...

أَنبُشُ ما تَبَقَّى مِن أَمَلٍ

لِأَجلِ رَغيفٍ..

​انهارَ جِداري وَرَأَيتُ انهِياري

وَكُنتُ الشّاهِدَ الوَحيدَ عَلى قَتلي..

حينَ تَسارَعَت أَقوامُ العابِثينَ

عَلى تَأجيلِ بَعثي...

​قُلتُ ها أَنايَ هِيَ مِنكُم

التَفَتوا ثُمَّ عادوا

إِلى حَيثُ مَنَعوني مِنَ الحَياةِ

سَدُّوا كُلَّ المَنافِذِ

وَتَرَكوا وَقائِعي حَيثُ الاختِفاءِ

تَرَكوني حَيثُ لا صَدىً يَسمَعُني

مُتَعَثِّرٌ في فِكرَتي تَكَلَّمُني امرأةٌ

دَع عَنكَ أَثقالَكَ وَامضِ حَيثُ،

سَتَستَقبِلُكَ أَحلامُكَ لِتُخرِجَها مِنَ العَدَمِ

خُذ خُطايَ..

لِتَزيدَ خُطاكَ أَمامَا..

​تَتَوَقَّفُ يَدايَ عَن نَبشِ اليَمامَةْ

أَتَذَكَّرُ..

لي ريشَةُ الفينِيقِ تُعيدُ انبِعاثي

وَتُؤَجِّلُ انتِهاءَ رِحلَتي وَتُرجِعُني،

إِلى عَبَثِيَّةِ الشِّعرِ مِن رَمادي...

تُعيدُني حَيثُ التَّجَلّي

قالَت لي.. أُكتُبْ..

سَأَلتُ.. ما الَّذي سَأَكتُبُ؟؟

قالَت ..

ما يُمليهِ شاعِرُكَ الأَزَلِيُّ فيكَ

أُكتُبْ..

فَقُلتُ..

لا نَقيسُ وَقتَ الصَّدى

إِلّا إِن أَتى مِن عَدَمْ.


ناجي الجويني الشاعر


حين يكتب القلب قبل العروض جدلية الوجدان والعروض في الكتابة الشعرية دراسة في نشأة القصيدة بين الطبع والصن بقلم : فرحات نزيه شاعر المحبة والسلام الروحي.

 حين يكتب القلب قبل العروض 


جدلية الوجدان والعروض في الكتابة الشعرية 


دراسة في نشأة القصيدة بين الطبع والصنعة من خلال تجربة شعرية 


بقلم: فرحات نزيه

شاعر المحبة والسلام الروحي  


مقدمة 


منذ فجر الأدب العربي والشعراء والنقاد يتساءلون عن سر ميلاد القصيدة: هل يولد الشعر من الموهبة أم من العلم؟ وهل يبدأ الشاعر من الوزن والقافية أم من الإحساس والتجربة؟ وهل العروض هو الذي يصنع القصيدة أم أن القصيدة تسبق العروض؟ 


هذه الأسئلة القديمة المتجددة دفعتني إلى التأمل في تجربتي الشعرية الخاصة، فوجدت أن القصيدة في كثير من الأحيان لا تبدأ ببحر شعري ولا بتفعيلة عروضية، بل تبدأ بنبضة شعور أو ومضة وجدان أو حالة روحية تفرض نفسها على النفس، ثم تبحث بعد ذلك عن الكلمات التي تحملها، وعن الموسيقى التي تليق بها. 


ومن هنا نشأت فكرة هذا البحث الذي يحاول أن يقرأ العلاقة بين الوجدان والعروض، وبين الطبع والصنعة، وبين الإلهام الفني والبناء الموسيقي للقصيدة. 


أولًا: الشعر بين الموهبة والصناعة 


عرف النقد العربي القديم مفهومين أساسيين هما: الطبع والصنعة. 


فالطبع هو الموهبة الفطرية التي تجعل الشاعر قادرًا على التقاط الصور والمعاني والتعبير عنها بصورة تلقائية. 


أما الصنعة فهي ما يكتسبه الشاعر من معرفة باللغة والعروض والبلاغة وأساليب التعبير. 


وقد أدرك النقاد العرب منذ وقت مبكر أن الشعر العظيم لا يقوم على أحد هذين العنصرين منفردًا، بل على اتحادهما. 


فالموهبة وحدها قد تمنح القصيدة حرارة وصدقًا، لكنها قد تفتقر أحيانًا إلى الإحكام الفني. 


والصنعة وحدها قد تمنح النص دقة وانتظامًا، لكنها قد تعجز عن بث الحياة فيه. 


ومن هنا كان الشعر الحق هو ما جمع بين حرارة الوجدان وجمال الصنعة. 


وقد أشار في كتاب عيار الشعر إلى أن الموهبة أصل الشعر، وأن الصنعة فرع عنها، فالشاعر لا يصنع الموهبة، وإنما يهذبها ويقويها. كما فرّق بين شعر الطبع وشعر الروية، ورأى أن بعض الشعراء تجود قرائحهم عفوًا ثم تأتي المراجعة بعد ذلك لتقويم النص وصقله. 


ثانيًا: مدرستان في كتابة الشعر 


يمكن التمييز بين مدرستين رئيسيتين في بناء القصيدة. 


المدرسة الأولى: البناء المسبق 


وفيها يختار الشاعر البحر والقافية منذ البداية، ثم يبدأ في صياغة المعاني داخل هذا الإطار الموسيقي المحدد. 


ويمتاز هذا المنهج بالدقة والانضباط، ويمنح الشاعر قدرة أكبر على التحكم في البناء الفني للنص. 


المدرسة الثانية: الانبثاق الوجداني 


وفيها تنطلق القصيدة من تجربة شعورية خالصة، فيكتب الشاعر ما يشعر به دون أن يجعل الوزن شغله الأول. 


وبعد اكتمال النص يعود إلى مراجعته وصقله وتقويمه. 


وهذه المدرسة هي الأقرب إلى تجربتي الشعرية، حيث أجد أن المعنى يسبق الوزن، وأن الشعور يقود القلم قبل أن تتدخل القواعد. 


وهذا التصور يجد ما يؤيده عند الذي عدّ الشعر جبلة وطبعًا وغريزة، ثم أشار إلى حاجة هذه الجبلة إلى شيء من الصنعة. فالطبع عنده سابق، والصنعة لاحقة، وهو ما ينسجم مع فكرة انبثاق القصيدة من الشعور قبل إخضاعها للمراجعة الفنية. 


ثالثًا: التجربة الشعورية أصل القصيدة 


لا تبدأ القصيدة الحقيقية من التفعيلات، وإنما تبدأ من الإنسان. 


فقد يكون السبب موقفًا عابرًا، أو لحظة حب، أو شوقًا، أو تأملًا، أو انفعالًا روحيًا، أو فكرة تستقر في القلب حتى تطلب التعبير. 


وفي تلك اللحظة لا يفكر الشاعر في البحر أو القافية، بل يفكر في كيفية نقل ما يشعر به. 


ومن هنا تتولد الصور الشعرية والتراكيب والمعاني. 


فالوجدان هو المادة الخام الأولى للقصيدة، أما العروض فهو البناء الذي يحتضن هذه المادة ويمنحها مزيدًا من التماسك. 


ولهذا فإن القصيدة التي تولد من تجربة صادقة تكون أقرب إلى النفوس من القصيدة التي تولد من مجرد التزام شكلي. 


ولعل تجارب كبار الشعراء تؤكد ذلك؛ فكم من قصيدة بدأت بومضة شعورية خاطفة أو معنى هجم على صاحبه، ثم نمت بعد ذلك حتى اكتمل بناؤها الفني. إن لحظة الإلهام ليست بديلًا عن الصنعة، لكنها الشرارة الأولى التي تمنح القصيدة روحها وحياتها. 


رابعًا: الموسيقى الداخلية قبل الموسيقى العروضية 


من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الموسيقى الشعرية تبدأ مع البحر الخليلي. 


فالواقع أن هناك موسيقى خفية تسبق العروض، وهي ما يمكن تسميته بالموسيقى الداخلية. 


وتنشأ هذه الموسيقى من: 


• انسجام الأصوات. 


• تكرار الحروف. 


• توازن العبارات. 


• حركة المعاني. 


• الإيقاع النفسي للشاعر أثناء الكتابة. 


ولهذا قد يشعر القارئ بانسياب بعض النصوص قبل أن يعرف وزنها أو بحرها. 


إن الأذن الشعرية تسمع الإيقاع قبل أن تتعرف إلى اسمه. 


وقد لاحظ في حديثه عن الشعر الجاهلي أن العرب كانت تنشد الشعر على سجيتها قبل تدوين علم العروض، مما يدل على أن الإيقاع كان حاضرًا في الذائقة قبل أن يتحول إلى قواعد مدونة. 


كما يؤكد أن للشاعر موسيقى خاصة تنبع من روحه قبل أن تتجسد في الأوزان المعروفة. 


ومن هنا يمكن القول إن الخليل بن أحمد لم يخلق الموسيقى الشعرية، وإنما كشف نظامها ودوّن قوانينها، تمامًا كما يكتشف العالم قانونًا من قوانين الطبيعة دون أن يكون قد أوجده. 


خامسًا: حين يسبق القلب البحر 


من خلال التجربة يتبين أن الشاعر حين يكتب بعفوية لا يكتب خارج الإيقاع، بل تتحرك أذنه الداخلية داخل نسق موسيقي معين دون وعي مباشر به. 


وعندما تكتمل القصيدة يمكن إخضاعها للتقطيع العروضي لمعرفة البحر الأقرب إليها. 


وقد يتبين أن معظم الأبيات تنتمي بالفعل إلى بحر واحد أو تدور في فلكه، وأن ما يحتاج إلى التصحيح ليس سوى مواضع محدودة. 


ومن هنا نشأت لدي قناعة مفادها أن بعض القصائد لا تُبنى على البحر، بل يُكتشف البحر فيها بعد اكتمالها. 


فالوزن في هذه الحالة لا يكون نقطة الانطلاق، وإنما يصبح أداة للكشف والتنظيم. 


سادسًا: العروض أداة صقل لا أداة إلغاء 


لا يعني الدفاع عن الوجدان التقليل من أهمية العروض. 


فالعروض من أعظم العلوم التي حفظت موسيقى الشعر العربي عبر القرون. 


غير أن دوره في هذا المنهج ليس فرض شكل جديد على القصيدة، بل المحافظة على روحها الأصلية. 


وهنا يحسن أن نستحضر الصورة البديعة التي ضربها حين شبّه العمل الأدبي بالشجرة التي تنبت نضرة من الأرض، ثم يأتي البستاني بعد ذلك ليقلمها ويهذبها. 


فالشجرة هي الوجدان، والبستاني هو الصنعة. 


والقصيدة تولد حية من القلب، ثم يأتي العروض ليزيدها حسنًا وجمالًا دون أن يسلبها حياتها. 


فالشاعر يكتب أولًا بقلبه، ثم يعود بعقله ليهذب ما كتب. 


وبذلك يصبح العروض أداة صقل وتجميل، لا أداة إلغاء أو استبدال. 


سابعًا: بين الشاعر والناظم 


يمكن القول إن الشاعر يبدأ غالبًا من التجربة، ثم يبحث عن الوزن المناسب لها. 


أما الناظم فيبدأ من الوزن، ثم يبحث عن المعنى الذي يملأ به هذا الوزن. 


ولا يحمل هذا التمييز أي انتقاص من أحد الطرفين، لكنه يوضح اختلاف نقطة البداية. 


فالشاعر ينطلق من الحياة إلى القصيدة. 


أما الناظم فينطلق من القالب إلى المعنى. 


ويقترب هذا من تحليل الذي فرّق بين الشاعر والناظم، فالشاعر يجعل اللفظ تابعًا للمعنى، بينما قد ينطلق الناظم من القالب اللفظي ثم يبحث له عن المعنى المناسب. 


ومن هنا كانت التجربة الحية أصل الشعر، بينما يبقى الوزن وسيلة من وسائل التعبير عنها. 


وأجمل ما يكون الشعر حين يلتقي صدق التجربة مع جمال البناء. 


ثامنًا: منهج عملي لكتابة القصيدة 


من خلال هذه الرؤية يمكن اقتراح منهج عملي للكتابة الشعرية يقوم على المراحل الآتية: 


• التقاط اللحظة الشعورية الصادقة. 


• كتابة القصيدة بحرية كاملة. 


• عدم الانشغال المؤقت بالعروض. 


• مراجعة الصور والمعاني. 


• قراءة النص بصوت مرتفع. 


• اكتشاف الإيقاع الغالب فيها. 


• تحديد البحر الأقرب لذلك الإيقاع. 


• إصلاح الكسور بأقل قدر من التعديل. 


• مراجعة اللغة والأسلوب. 


• الحفاظ على روح النص الأصلية. 


النتائج 


يمكن تلخيص نتائج هذه الدراسة في النقاط الآتية: 


• الشعر يبدأ من الشعور قبل القواعد. 


• الموهبة هي البذرة الأولى للقصيدة. 


• الصنعة ضرورة لإتمام العمل الفني. 


• الموسيقى الداخلية تسبق الوزن الظاهر. 


• يمكن اكتشاف البحر بعد اكتمال النص. 


• العروض وسيلة لصيانة القصيدة لا لإخمادها. 


• أجود الشعر ما جمع بين حرارة الوجدان وجمال الصنعة. 


خاتمة 


إن القصيدة ليست مجرد تفعيلات موزونة، كما أنها ليست انفعالًا عابرًا بلا نظام. 


إنها لقاء بين القلب والعقل، وبين الإلهام والصنعة، وبين الوجدان والعروض. 


فالقصيدة تولد أولًا من شعور صادق يهز الروح، ثم تأتي المعرفة لتمنح ذلك الشعور صورة أكثر إحكامًا وجمالًا. 


وإذا كانت آراء النقاد القدماء قد أكدت أهمية الطبع، وتجارب الشعراء قد كشفت عن دور الإلهام، فإن ذلك لا يلغي قيمة العروض والصنعة، بل يضعهما في موضعهما الصحيح: خادمين للقصيدة لا بديلين عن روحها. 


ولهذا أؤمن أن الشاعر لا ينبغي أن يجعل القواعد حاجزًا بينه وبين لحظة الإبداع، كما لا ينبغي أن يهمل القواعد بعد اكتمال القصيدة. 


فالكتابة الشعرية رحلة تبدأ من القلب، وتعبر عبر اللغة، وتستضيء بالعروض، ثم تعود إلى القلب من جديد. 


ولعل خير ما يختصر هذه الرؤية هو القول: 


اكتب بقلبك أولًا، ثم صحح بعقلك ثانيًا، ولا تسمح للعقل أن يطفئ النار التي أشعلها القلب. 


بقلم : فرحات نزيه

شاعر المحبة والسلام الروحي. 


حين يكتب القلب قبل العروض 


جدلية الوجدان والعروض في الكتابة الشعرية 


دراسة في نشأة القصيدة بين الطبع والصنعة من خلال تجربة شعرية 


بقلم: فرحات نزيه

شاعر المحبة والسلام 


مقدمة 


منذ فجر الأدب العربي والشعراء والنقاد يتساءلون عن سر ميلاد القصيدة: هل يولد الشعر من الموهبة أم من العلم؟ وهل يبدأ الشاعر من الوزن والقافية أم من الإحساس والتجربة؟ وهل العروض هو الذي يصنع القصيدة أم أن القصيدة تسبق العروض؟ 


هذه الأسئلة القديمة المتجددة دفعتني إلى التأمل في تجربتي الشعرية الخاصة، فوجدت أن القصيدة في كثير من الأحيان لا تبدأ ببحر شعري ولا بتفعيلة عروضية، بل تبدأ بنبضة شعور أو ومضة وجدان أو حالة روحية تفرض نفسها على النفس، ثم تبحث بعد ذلك عن الكلمات التي تحملها، وعن الموسيقى التي تليق بها. 


ومن هنا نشأت فكرة هذا البحث الذي يحاول أن يقرأ العلاقة بين الوجدان والعروض، وبين الطبع والصنعة، وبين الإلهام الفني والبناء الموسيقي للقصيدة. 


أولًا: الشعر بين الموهبة والصناعة 


عرف النقد العربي القديم مفهومين أساسيين هما: الطبع والصنعة. 


فالطبع هو الموهبة الفطرية التي تجعل الشاعر قادرًا على التقاط الصور والمعاني والتعبير عنها بصورة تلقائية. 


أما الصنعة فهي ما يكتسبه الشاعر من معرفة باللغة والعروض والبلاغة وأساليب التعبير. 


وقد أدرك النقاد العرب منذ وقت مبكر أن الشعر العظيم لا يقوم على أحد هذين العنصرين منفردًا، بل على اتحادهما. 


فالموهبة وحدها قد تمنح القصيدة حرارة وصدقًا، لكنها قد تفتقر أحيانًا إلى الإحكام الفني. 


والصنعة وحدها قد تمنح النص دقة وانتظامًا، لكنها قد تعجز عن بث الحياة فيه. 


ومن هنا كان الشعر الحق هو ما جمع بين حرارة الوجدان وجمال الصنعة. 


وقد أشار في كتاب عيار الشعر إلى أن الموهبة أصل الشعر، وأن الصنعة فرع عنها، فالشاعر لا يصنع الموهبة، وإنما يهذبها ويقويها. كما فرّق بين شعر الطبع وشعر الروية، ورأى أن بعض الشعراء تجود قرائحهم عفوًا ثم تأتي المراجعة بعد ذلك لتقويم النص وصقله. 


ثانيًا: مدرستان في كتابة الشعر 


يمكن التمييز بين مدرستين رئيسيتين في بناء القصيدة. 


المدرسة الأولى: البناء المسبق 


وفيها يختار الشاعر البحر والقافية منذ البداية، ثم يبدأ في صياغة المعاني داخل هذا الإطار الموسيقي المحدد. 


ويمتاز هذا المنهج بالدقة والانضباط، ويمنح الشاعر قدرة أكبر على التحكم في البناء الفني للنص. 


المدرسة الثانية: الانبثاق الوجداني 


وفيها تنطلق القصيدة من تجربة شعورية خالصة، فيكتب الشاعر ما يشعر به دون أن يجعل الوزن شغله الأول. 


وبعد اكتمال النص يعود إلى مراجعته وصقله وتقويمه. 


وهذه المدرسة هي الأقرب إلى تجربتي الشعرية، حيث أجد أن المعنى يسبق الوزن، وأن الشعور يقود القلم قبل أن تتدخل القواعد. 


وهذا التصور يجد ما يؤيده عند الذي عدّ الشعر جبلة وطبعًا وغريزة، ثم أشار إلى حاجة هذه الجبلة إلى شيء من الصنعة. فالطبع عنده سابق، والصنعة لاحقة، وهو ما ينسجم مع فكرة انبثاق القصيدة من الشعور قبل إخضاعها للمراجعة الفنية. 


ثالثًا: التجربة الشعورية أصل القصيدة 


لا تبدأ القصيدة الحقيقية من التفعيلات، وإنما تبدأ من الإنسان. 


فقد يكون السبب موقفًا عابرًا، أو لحظة حب، أو شوقًا، أو تأملًا، أو انفعالًا روحيًا، أو فكرة تستقر في القلب حتى تطلب التعبير. 


وفي تلك اللحظة لا يفكر الشاعر في البحر أو القافية، بل يفكر في كيفية نقل ما يشعر به. 


ومن هنا تتولد الصور الشعرية والتراكيب والمعاني. 


فالوجدان هو المادة الخام الأولى للقصيدة، أما العروض فهو البناء الذي يحتضن هذه المادة ويمنحها مزيدًا من التماسك. 


ولهذا فإن القصيدة التي تولد من تجربة صادقة تكون أقرب إلى النفوس من القصيدة التي تولد من مجرد التزام شكلي. 


ولعل تجارب كبار الشعراء تؤكد ذلك؛ فكم من قصيدة بدأت بومضة شعورية خاطفة أو معنى هجم على صاحبه، ثم نمت بعد ذلك حتى اكتمل بناؤها الفني. إن لحظة الإلهام ليست بديلًا عن الصنعة، لكنها الشرارة الأولى التي تمنح القصيدة روحها وحياتها. 


رابعًا: الموسيقى الداخلية قبل الموسيقى العروضية 


من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الموسيقى الشعرية تبدأ مع البحر الخليلي. 


فالواقع أن هناك موسيقى خفية تسبق العروض، وهي ما يمكن تسميته بالموسيقى الداخلية. 


وتنشأ هذه الموسيقى من: 


• انسجام الأصوات. 


• تكرار الحروف. 


• توازن العبارات. 


• حركة المعاني. 


• الإيقاع النفسي للشاعر أثناء الكتابة. 


ولهذا قد يشعر القارئ بانسياب بعض النصوص قبل أن يعرف وزنها أو بحرها. 


إن الأذن الشعرية تسمع الإيقاع قبل أن تتعرف إلى اسمه. 


وقد لاحظ في حديثه عن الشعر الجاهلي أن العرب كانت تنشد الشعر على سجيتها قبل تدوين علم العروض، مما يدل على أن الإيقاع كان حاضرًا في الذائقة قبل أن يتحول إلى قواعد مدونة. 


كما يؤكد أن للشاعر موسيقى خاصة تنبع من روحه قبل أن تتجسد في الأوزان المعروفة. 


ومن هنا يمكن القول إن الخليل بن أحمد لم يخلق الموسيقى الشعرية، وإنما كشف نظامها ودوّن قوانينها، تمامًا كما يكتشف العالم قانونًا من قوانين الطبيعة دون أن يكون قد أوجده. 


خامسًا: حين يسبق القلب البحر 


من خلال التجربة يتبين أن الشاعر حين يكتب بعفوية لا يكتب خارج الإيقاع، بل تتحرك أذنه الداخلية داخل نسق موسيقي معين دون وعي مباشر به. 


وعندما تكتمل القصيدة يمكن إخضاعها للتقطيع العروضي لمعرفة البحر الأقرب إليها. 


وقد يتبين أن معظم الأبيات تنتمي بالفعل إلى بحر واحد أو تدور في فلكه، وأن ما يحتاج إلى التصحيح ليس سوى مواضع محدودة. 


ومن هنا نشأت لدي قناعة مفادها أن بعض القصائد لا تُبنى على البحر، بل يُكتشف البحر فيها بعد اكتمالها. 


فالوزن في هذه الحالة لا يكون نقطة الانطلاق، وإنما يصبح أداة للكشف والتنظيم. 


سادسًا: العروض أداة صقل لا أداة إلغاء 


لا يعني الدفاع عن الوجدان التقليل من أهمية العروض. 


فالعروض من أعظم العلوم التي حفظت موسيقى الشعر العربي عبر القرون. 


غير أن دوره في هذا المنهج ليس فرض شكل جديد على القصيدة، بل المحافظة على روحها الأصلية. 


وهنا يحسن أن نستحضر الصورة البديعة التي ضربها حين شبّه العمل الأدبي بالشجرة التي تنبت نضرة من الأرض، ثم يأتي البستاني بعد ذلك ليقلمها ويهذبها. 


فالشجرة هي الوجدان، والبستاني هو الصنعة. 


والقصيدة تولد حية من القلب، ثم يأتي العروض ليزيدها حسنًا وجمالًا دون أن يسلبها حياتها. 


فالشاعر يكتب أولًا بقلبه، ثم يعود بعقله ليهذب ما كتب. 


وبذلك يصبح العروض أداة صقل وتجميل، لا أداة إلغاء أو استبدال. 


سابعًا: بين الشاعر والناظم 


يمكن القول إن الشاعر يبدأ غالبًا من التجربة، ثم يبحث عن الوزن المناسب لها. 


أما الناظم فيبدأ من الوزن، ثم يبحث عن المعنى الذي يملأ به هذا الوزن. 


ولا يحمل هذا التمييز أي انتقاص من أحد الطرفين، لكنه يوضح اختلاف نقطة البداية. 


فالشاعر ينطلق من الحياة إلى القصيدة. 


أما الناظم فينطلق من القالب إلى المعنى. 


ويقترب هذا من تحليل الذي فرّق بين الشاعر والناظم، فالشاعر يجعل اللفظ تابعًا للمعنى، بينما قد ينطلق الناظم من القالب اللفظي ثم يبحث له عن المعنى المناسب. 


ومن هنا كانت التجربة الحية أصل الشعر، بينما يبقى الوزن وسيلة من وسائل التعبير عنها. 


وأجمل ما يكون الشعر حين يلتقي صدق التجربة مع جمال البناء. 


ثامنًا: منهج عملي لكتابة القصيدة 


من خلال هذه الرؤية يمكن اقتراح منهج عملي للكتابة الشعرية يقوم على المراحل الآتية: 


• التقاط اللحظة الشعورية الصادقة. 


• كتابة القصيدة بحرية كاملة. 


• عدم الانشغال المؤقت بالعروض. 


• مراجعة الصور والمعاني. 


• قراءة النص بصوت مرتفع. 


• اكتشاف الإيقاع الغالب فيها. 


• تحديد البحر الأقرب لذلك الإيقاع. 


• إصلاح الكسور بأقل قدر من التعديل. 


• مراجعة اللغة والأسلوب. 


• الحفاظ على روح النص الأصلية. 


النتائج 


يمكن تلخيص نتائج هذه الدراسة في النقاط الآتية: 


• الشعر يبدأ من الشعور قبل القواعد. 


• الموهبة هي البذرة الأولى للقصيدة. 


• الصنعة ضرورة لإتمام العمل الفني. 


• الموسيقى الداخلية تسبق الوزن الظاهر. 


• يمكن اكتشاف البحر بعد اكتمال النص. 


• العروض وسيلة لصيانة القصيدة لا لإخمادها. 


• أجود الشعر ما جمع بين حرارة الوجدان وجمال الصنعة. 


خاتمة 


إن القصيدة ليست مجرد تفعيلات موزونة، كما أنها ليست انفعالًا عابرًا بلا نظام. 


إنها لقاء بين القلب والعقل، وبين الإلهام والصنعة، وبين الوجدان والعروض. 


فالقصيدة تولد أولًا من شعور صادق يهز الروح، ثم تأتي المعرفة لتمنح ذلك الشعور صورة أكثر إحكامًا وجمالًا. 


وإذا كانت آراء النقاد القدماء قد أكدت أهمية الطبع، وتجارب الشعراء قد كشفت عن دور الإلهام، فإن ذلك لا يلغي قيمة العروض والصنعة، بل يضعهما في موضعهما الصحيح: خادمين للقصيدة لا بديلين عن روحها. 


ولهذا أؤمن أن الشاعر لا ينبغي أن يجعل القواعد حاجزًا بينه وبين لحظة الإبداع، كما لا ينبغي أن يهمل القواعد بعد اكتمال القصيدة. 


فالكتابة الشعرية رحلة تبدأ من القلب، وتعبر عبر اللغة، وتستضيء بالعروض، ثم تعود إلى القلب من جديد. 


ولعل خير ما يختصر هذه الرؤية هو القول: 


اكتب بقلبك أولًا، ثم صحح بعقلك ثانيًا، ولا تسمح للعقل أن يطفئ النار التي أشعلها القلب. 


بقلم : فرحات نزيه

شاعر المحبة والسلام الروحي.

فِنْجَانِي بقلم د. غَسَّانُ الصَّيْفِي

 فِنْجَانِي

مَعَكَ أَعِيشُ لَحَظَاتٍ مِنْ عُمْرِي

وَأَرْتَشِفُ مِنْكَ هُدُوئِي وَقَهْوَتِي


يَا مَنْ تُعْطِي الرَّاحَةَ لِنَفْسِي

أَنْتَ عِشْقِي وَصَدِيقِي وَأَمَلِي


أَرْتَشِفُ مِنْكَ رَشْفَةً وَأَخُطُّ بِقَلَمِي

عِبَارَاتٍ تُشَافِي الْعَلِيلَ قَبْلَ نَفْسِي


أَسْتَمِدُّ مِنْكَ الرَّاحَةَ فِي كُلِّ وَقْتٍ

وَأَعِيشُ مَعَكَ لَحَظَاتِ عِشْقِي وَأَمَلِي


أَنْتَ الصَّاحِبُ الَّذِي لَا يَخُونُ صَاحِبَهُ

مِنْكَ الْوَفَاءُ وَأَنْتَ عُمْرِي وَقَدَرِي


أَكْتُبُ وَصْفَكَ بِجُمَلٍ مِنْ حَرْفِي

وَأَهْمِسُ لِلرُّوحِ نَغَمَ عِشْقِي


د. غَسَّانُ الصَّيْفِي



لحظة تحدي بقلم حسين الفيلي الملكشاهي

 لحظة تحدي

@@@@@@@


القاك في جزيرة الهجر  ... اذ رميتني  ... 

و لا اشكو صبري و العويل  ..

الوجع صار انيسي و توامي  ... 

و لا ارجو منه الرحيل  ... 

بت ا تارجح بين نبض قلبي و جرح المشاعر  ... 

نبضات لم تنطق الا بعشقك  ... 

مشاعر تتطاير مع صفوة السما  ...

قلبي العطشى سيزوره الودق يوما  ... 

صبري المرير سيلوح شهده  ...

هجرك مهما طال لن ينل من شموخي  ... 

و لن تشهد سقوطي من علياء كبرياىي  ...

مهما دق جرس الشوق  ...

مهما تاق الفؤاد  ... 

صدقني يا خلي  ... 

فجزيرة الهجر خير لي من لحظة لقاء جديد  ...

ساعلن لحظة التحدي  ...

و للتحدي رجال  ... 


حسين الفيلي الملكشاهي  ... 

بقلمي  ...



مقال أدبي عندما يفقد النص الشعري هويته بقلم طاهر مشي

 مقال أدبي

عندما يفقد النص الشعري هويته

اااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا 

تُعدُّ الهوية الشعرية البصمةَ الخاصة التي تميز النص عن غيره، وهي ذلك النسيج المتكامل الذي يجمع بين الفكرة واللغة والصورة والإيقاع والرؤية. وعندما يفقد النص الشعري هويته، يتحول إلى كلمات متجاورة تفتقر إلى الروح الجامعة التي تمنحه خصوصيته وتجعله قادرًا على التأثير في المتلقي.


أولًا: أهمية عنوان النص الشعري


العنوان ليس زينة خارجية تُضاف إلى القصيدة، بل هو العتبة الأولى التي يدخل منها القارئ إلى عالم النص. إنه المفتاح الذي يضيء بعض مسارات القراءة ويهيئ المتلقي لاستقبال التجربة الشعرية. فالعنوان الناجح يختزل جوهر الفكرة أو يثير سؤالًا أو يفتح أفقًا تأويليًا ينسجم مع مضمون القصيدة.


وعندما يكون العنوان منفصلًا عن مضمون النص أو لا يعكس روحه، يحدث نوع من القطيعة بين العتبة والمتن، فتتراجع وحدة البناء الفني ويضيع جزء من هوية النص. لذلك فإن العلاقة بين العنوان والقصيدة علاقة عضوية، لا تكتمل التجربة الشعرية إلا بتكاملها.


ثانيًا: قيمة توقيع النص باسم كاتبه باللغة العربية الثنائية


يحمل توقيع الشاعر اسمه الأدبي وهويته الثقافية، وهو ليس مجرد إجراء شكلي، بل يمثل ارتباط النص بصاحبه وبمرجعيته اللغوية والحضارية. وعندما يُكتب الاسم باللغة العربية الثنائية، أي الاسم الشخصي واللقب، فإنه يمنح النص وضوحًا توثيقيًا ويؤكد انتماءه إلى فضائه الثقافي واللغوي.


كما أن التوقيع الكامل يحفظ الحقوق الأدبية ويمنح القارئ فرصة التعرف إلى صاحب التجربة، خاصة في ظل الانتشار الواسع للنصوص عبر المنصات الرقمية. فالاسم جزء من هوية النص، مثلما أن الأسلوب جزء من شخصية الشاعر.


ثالثًا: الجوهر والترابط بين الأفكار


لا تقوم القصيدة على جمال المفردات وحده، بل على وجود جوهر فكري أو شعوري يشكل مركز الثقل فيها. فالقصيدة الناجحة تمتلك فكرة أو إحساسًا محوريًا تتفرع منه الصور والمعاني، بحيث تبدو جميع عناصر النص متآلفة ومتجهة نحو هدف جمالي واحد.


وعندما تتناثر الأفكار دون رابط، أو تنتقل القصيدة من موضوع إلى آخر دون مبرر فني، يفقد النص وحدته الداخلية، ويشعر القارئ بالتشظي والارتباك. إن الترابط بين الأفكار هو الخيط الخفي الذي يجمع أجزاء القصيدة ويمنحها انسجامها العضوي، بينما يمثل الجوهر النواة التي تدور حولها جميع التفاصيل.


 خاتمة


إن هوية النص الشعري لا تتشكل من عنصر واحد، بل من منظومة متكاملة تبدأ بعنوان معبر، وتتجلى في توقيع يحفظ الانتماء والخصوصية، وتترسخ من خلال جوهر واضح وترابط محكم بين الأفكار. وكلما اختل أحد هذه العناصر، تراجع حضور النص وفقد شيئًا من فرادته وتأثيره. أما حين تتكامل هذه المكونات، فإن القصيدة تتحول إلى كيان فني متماسك يحمل بصمته الخاصة ويترك أثره في وجدان القارئ.


اااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا 

الوجدان الثقافية

طاهر مشي 



كلنا غرباء بقلم الكاتبة رفيقة بن زينب ***** تونس الخضراء

 كلنا غرباء

كل منا يشتاق 

إلى وطن  حين يساق

إلى  ديار الهجرة لحياة بلا مذاق


كل منا غريب حين تروح

أنفس بريئة و لا تبوح

بسرها و مصابها  بقروح

و آلامها و جروح

أصابتها حتى غادرت الروح 

تحت الركام أو فوق السطوح

وبين السفوح


كل منا غريب حين يلاحظ الغلاء

لبضاعة أو منتوج وطنه أيام البلاء

لموت ضمائر المطبعين و العملاء

أيام الشدة و الابتلاء

لأنانية  أفراد تشعرنا  بالازدراء 

و الضياع في الخلاء


كلنا يشعر بالاغتراب

حين يكون من أصحاب الشهائد بعد أتعاب

السنين والعذاب

لعدم تطبيق قانون   يستجاب

فيه لمعايير الإنسانية حتى يكتمل النصاب 

وانتداب غير الجديرين  لأسباب

يطول شرحها للأصحاب

و ضحيتها من الشباب

المهمش و الطلابت


سنظل في اغتراب

 إذا صرنا كأننا في غاب

الغلبة فيه للأقوياء و المصاب

له الله رغم الانتساب

لخير  أمة و دين خلاب

أمرنا بالصدق لتفتح لنا أبواب

جنة الرحمان الكريم الوهاب

منزل الكتاب

و مجري السحاب 

و به المستعان آمين ببركة أحب الأحباب 

رسولنا الأمين عليه وعلى الآل و الأصحاب

 السلام مع كل صلاة و أذان يجاب

إلى يوم الحساب 


رفيقة بن زينب    *****  تونس الخضراء


وعودا مؤجلة !! بقلم الكاتب علي سيف الرعيني

 وعودا مؤجلة !!

علي سيف الرعيني 


لعل أكثر ما يثير التأمل أن الإنسان في حالة معينة  يبدأ بالتعلق بالرموز والأرقام والتكرارات الغامضة. يلاحظ رقمًا معينًا يتكرر أمامه، أو ساعة متشابهة تظهر له كل يوم، أوتاريخًا يعود إليه مرارًا. لا لأن الأرقام تملك قوة سحرية، بل لأن النفس المنهكة تبحث عن أي إشارة تؤكد أن النجاة ما زالت ممكنة.

تصبح الأرقام في وعيه أشبه برسائل غير مكتملة، وعودًا مؤجلة بالخروج من النفق. لكنها كثيرًا ما تتحول إلى طقس حزين يرمز لنجاة تُجهض قبل اكتمالها. فكلما ظن أنه اقترب من تجاوز أزمته، عاد الواقع ليذكره بثقل الخسارات، وكأن الأمل نفسه يتعثر عند خط النهاية 

إن فقدان الصوت الداخلي لا يعني فقدان العقل أو القدرة على التفكير، بل يعني فقدان ذلك الحوار الصادق بين الإنسان ونفسه. حينها يصبح الضجيج الخارجي أعلى من الحكمة الكامنة في الداخل. تتكاثر النصائح من كل اتجاه، بينما يزداد الإنسان غربة عن ذاته. يسمع الجميع إلا نفسه.

وفي عالم اليوم، حيث تتدفق الأخبار والصور والكلمات بلا توقف، أصبح الوصول إلى هذا الصوت أكثر صعوبة. فالكثيرون يعرفون ما يقوله الآخرون عنهم، لكنهم لا يعرفون ما تقوله أرواحهم لهم. يلاحقون الإجابات في الخارج، بينما السؤال الحقيقي ينتظر في الداخل 

ومع ذلك، فإن الصوت الداخلي لا يموت تمامًا. إنه يختبئ فقط خلف طبقات التعب والخوف والخذلان. قد يعود في لحظة تأمل صادقة، أو في دعاء عابر، أو أثناء السير وحيدًا في طريق هادئ، أو عندما يقرر الإنسان أخيرًا أن يصغي لنفسه بدلًا من الهروب منها

إن النجاة الحقيقية لا تأتي من رقم يتكرر، ولا من علامة ننتظرها من العالم، بل من القدرة على استعادة ذلك الصوت الذي يخبرنا بأننا ما زلنا قادرين على البدء من جديد. فحين يستعيد الإنسان صلته بذاته، تتحول الأرقام من رموز للحزن إلى مجرد تفاصيل عابرة، ويصبح الأمل قرارًا داخليًا لا حدثًا ننتظره من الخارج 

وهكذا يبقى أعظم انتصار يحققه الإنسان ليس على الظروف ولا على الآخرين، بل على ذلك الصمت الذي يحاول أن يفصله عن نفسه. لأن من يجد صوته الداخلي مرة أخرى، يجد الطريق مهما اشتدت العتمة، ويكتشف أن النجاة لم تكن مفقودة أبدا، بل كانت تنتظر منه أن يسمعها من جديد!!



إشراقةُ الفنّ بقلم الأستاذ محمد كركوب الجزائر

 إشراقةُ الفنّ

بقلمي الأستاذ محمد كركوب الجزائر 


إِشْرَاقَةُ الفَنِّ الجَمِيلِ تُنِيرُنا *** وَ تُذِيبُ فِي صَدْرِ الحَيَاةِ ظَلامَا


وَ تَسِيرُ مِثْلَ المَاءِ بَيْنَ قُلُوبِنَا *** فَتُعِيدُ لِلرُّوحِ الشَّقِيَّةِ سَلامَا


تَنْعَشْ عَطُوشَ الحُسْنِ فِي أَغْوَارِنَا *** كَالفَجْرِ يَسْكُبُ فِي المَدَى إِلْهَامَا


وَ تَفُكُّ أَسْرَ الحِسِّ حِينَ تَمُرُّ بِنَا *** فَيَصِيرُ نَبْضُ الكَوْنِ فِينَا نَغَامَا


كَالعُودِ يَصْدَحُ فِي الضُّلُوعِ بِسِرِّهِ *** وَ الأُوتَرُ الحُسْنَى تُرَدِّدُ سَلامَا


وَالرُّوحُ تَسْكُنُ فِي تَرَانِيمِ الهَوَى *** كَالطَّيْرِ يَرْقُبُ فِي السَّمَاءِ مَقَامَا


فَتَعَالَ يَا فَنَّانُ صُغْ لَحْنَ الرُّؤَى *** وَاجْعَلْ جَمَالَكَ فِي الحَيَاةِ دَوَامَا


وَانْثُرْ شُعَاعَكَ فِي المَدَى قَصِيدَةً *** تَحْيَا بِهَا الأيَّامُ عِزًّا وَسَامَا


إِنَّ الفُنُونَ إِذَا تَسَامَتْ أَشْرَقَتْ *** وَ غَدَتْ لِرُوحِ العَالَمِينَ خِتَامَا



حين تُقيِّدُنا الأوهام بقلم: عزه كامل

 حين تُقيِّدُنا الأوهام

يا من خُلِقتَ على الفطرةِ حُرًّا

وسارَ الضياءُ بقلبِكَ بَرًّا

وجادَ الإلهُ عليكَ بنعمٍ

فأصبحتَ في الكونِ عِزًّا وفخرًا

فكيفَ رضيتَ بقيـدِ الظنونِ؟

وكيفَ اتخذتَ الأسى لكَ جسرًا؟

وأغلقتَ بابَ الرجاءِ طويلًا

وجعلتَ للخوفِ في الروحِ قصرًا؟

تُطاردُ طيفًا من المستحيلِ

وتحملُ في الصدرِ همًّا ووزرًا

وتبني الجدارَ بيديكَ حزنًا

فتسكنُ فيه، وتزدادُ قهرًا

إذا ما تعثّرتَ اليومَ يومًا

رأيتَ التعثّرَ بحرًا وخطرًا

ونسيتَ بأنَّ الليالي تدورُ

وأنَّ العسيرَ سيُعطيكَ يُسرًا

فكم من عقولٍ غفتْ في سرابٍ

وراحتْ تُغذّي الخيالَ المُضرّا

وكم من قلوبٍ أضاعتْ طريقًا

فعاشتْ أسيرةَ وهمٍ مُكرَّا

فلا تجعلِ الناسَ مرآةَ ذاتٍ

ولا تجعلِ القولَ في النفسِ أمرًا

فأنتَ القويُّ إذا ما نهضتَ

وأنتَ الذي يصنعُ المجدَ فجرًا

وإن ضاقَ دربُ الحياةِ قليلًا

فربُّ السماواتِ يُهديكَ صبرًا

ويزرعُ في الروحِ نورًا جليلًا

ويجعلُ بعدَ العناءِ لكَ بشرى

فحطّم قيودَ الخوفِ وانهضْ

ودعْ عنكَ أوهامَ ماضٍ تعثّرا

فما خُلِقَ الإنسانُ عبدًا لظنٍّ

ولكنْ خُلِقَ للحياةِ مُنوَّرَا

فإنَّ السعادةَ نورُ يقينٍ

وإنَّ الرجاءَ يُبدِّدُ عُسرًا

ومن علّقَ القلبَ بالله دومًا

رأى في ظلامِ الليالي لهُ بدرًا.

لا تجعلِ الوهمَ سجنًا طويلًا

ولا تجعلِ الحزنَ في النفسِ قبرًا

فأجملُ ما في الوجودِ إنسانٌ

إذا آمنَ الحقَّ، عاشَ مُحرَّرًا.

حين تُقيِّدُنا الأوهام ليست نهاية الطريق، بل بداية العودة إلى نور الحقيقة، فمن انتصر على خوفه، انتصر على كل القيود.

ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ-ـ

بقلم: عزه كامل 🖋️


الى أحدهم بقلم الكاتبة نجية مهدي

 الى أحدهم

لستُ جبلا


ولا نهرا


ولا هضبة

أنا أنسان

لي روح ومشاعر


لا تدمرني

وأرحم كبوتي

 ولا غير


لا اتصنع لأجل أحد

ولا اتجمل لأجل أحد

يحملني الخريف

لألا أنكسر

فأني أدنو من نهايتي

لكن صوت الخريف

يذكرني بدارسات الأيام

في وقتها كنتُ نجمة

احاطتني الغيوم

في شتاء ماطر

لمْ يثني عزمي

سرتُ تحت المطر مسيرا

 وغيرتْ

 مجرى مسيري

أعاصيرا


كنتُ الاقوى بين قريناتي

اسمعوني نشيدا

وكان أخر يوم

 حين طار عصفوري

الى أقاصي الصحراء

ظننته حلما كبيرا

أخذ التعب مني كلّ مأخذ

نمت على الرمضاء

أنتظر أحدهم يهديني

حصيرا

قال قومٌ: نحن أحقّ

واكثر عددا منْ تلك المحمولة

على أجنحة الغيم

كيف تذكرتَ؟

تلك كانت لحظة

اتحسدني

فقد كانت سيقاني لا تحملني

يا لك من شخص مغرورا

خيوط الفجر لاحت

تحمل سُعدا  بشيرا

أنطلق الركب

ولِذتُ برهة 

اتنشق رائحةَ ريحاصرصريرا

قلتُ يا قوم تمهلوا

 وقتا شره يبدو مستطيرا

لمْ ينتبهوا لنجواي

فكانت جوفاءً

تحمل في طياتها

شرّا  وكانت مصيرا

أين المتاع وأين الربع

صارواكالعهن منثورا

بعض الكلام موعظة

وبعضه بلاغة

فأجعل من الموعظة

لك دليلا.

نجية مهدي


ناي الفراق بقلم الشاعر: حليم محمود أبوالعيلة

 ناي الفراق

غزلت توب الصبرمن أسايا 

ومن حُرقةأنيني وجراحي

ورويـت  صحاري  القـلوب

بدموع  أوجاعي  ونواحي

طفيت  نار  الهوىٰ بشوقي

وشعري  اتغزل ف ألواحي

وناي  الفراق  دندن  شجن

ف غربة روحي ومرواحي

وشربت  من  خمر  الأهات

ومليت  كفوفي  وأقداحي

وتعبـت  من  كلمة  بحـبك

وغُنـايا  تكراري  والحاحي

قلبي  حمامة سلام وجالك

نارحرقت ريشي وجناحي

وأعلنت  الحب  علىٰ قلبك

وعيونك  سهامي ورماحي

ورقة قلبك تملي تشفع لك 

ورموشك عتادي وسلاحي

                  كلماتي:

الشاعر: حليم محمود أبوالعيلة 

مصر



أمانة الشعر..وارتعاش الروح: وقفة مع " وصية*" الشاعر التونسي الكبير محمد الهادي الجزيري بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 أمانة الشعر..وارتعاش الروح:

وقفة مع " وصية*" الشاعر التونسي الكبير محمد الهادي الجزيري 


متى نكون في أبهى طيبنا،ونحن نرتوي عشقا للصدق والجمال،بشهوة المحبين،وكأنهما يعقدان قران أرواحنا على إيقاع واحد-فذاك هو الأجمل، ذاك هو الأوفى.

وهنا،لا أُخفي ارتعاش روحي،ولا أكتم ابتهاجها بما اكتشفتُه آنفا في قصائد شاعرنا التونسي الكبير محمد الهادي الجزيري.

قصائد أوصاني بها،كأنما يستودعني روحه،إن حلّ به مكروه-لا سمح الله.لكنني،إذ أقلّبها بين يدي،كدت أقول إني "خنت الأمانة"،فقد عجزتُ عن حبسها تحت الثرى أو فوق السماء،من فرط ما توهّجت وما تلألأت.فاعذرني يا شاعرنا العظيم،فما خنتك يوما،لكنني هذه المرة أخونك من أجل قارئ أراه يمدّ خطاه نحوي عبر الآفاق،وأنا على يقين أنه سينتزع مني قصائدك انتزاعا-لا سطوا،بل شوقا جارفا إلى مائدة شعرية دسمة،أزعم أن العالم العربي بأسره يعرف مذاقها.

وقبل أن أطأ عتبة عالمك الشعري،يا محمد،لا بد من الوقوف في حضرة القصيدة،والإصغاء بكل كياننا أمام هذا البوح العابق الباذخ.فالجديد ليس في المضمون وحده،ولا في الشكل وحده،بل في تلك الوحدة المتكاملة،وفي ما بينهما من تناغم وتناسق وانسجام،ليؤديا معا إلى ما رمَت إليه القصيدة من معنى.

قطعتان من قلبي:

-الأولى:

نظر المنجم في دمي

سقط المنجم في السؤال

يا كل سكان الفتى، هل من سبيل للحوار؟

تكاد تنقرض التحية بين أشجار البلاد

تكاد تنقرض الظلال، وحر شمسك يا حمى

سيظل ظلي للدواب، وللزواحف، والحمام.

-الثانية:

إن لاح نجمك في السماء

وهوَت نجومي كلها

وركضت تبحث عن دمي المطلوب، فاقتلني بحب

كم فرقت بين الأحبة فكرة

ولكم تزاحم بالمناكب توأمان

ولكم تبدد في الولادة من جنين.

هنا،حيث تنبض الكلمات بروح الخلق،تتجسّد الرؤيا في أبهى حللها،فتتجاوز حدود السطر إلى آفاق الإدهاش.ذلك الشاعر التونسي الكبير،الذي همست قصائده في مسمعي أن الجمال ليس مرآة للعين،بل هو نشوة الوجدان عندما يرتعش بين ثنايا النص.وإذ أُصغي إلى تلك الأصداء،أجدني أناجي القارئات والقراء: إن الرؤيا الجمالية لا تُولد من فراغ،بل من رحم منتج يحمل وهج الإبداع، وشكل يأسر القلوب قبل الأبصار.وهذا التلاقح بين الذائقة والصياغة،هو ما يرفع الشعر إلى مدارات السحر،وهو ما يتجلى كالشمس في كل قصيدة لمحمد الهادي الجزيري،فلا تكاد عين البصيرة تخطئ وهجها.

أما الآن،وأنا أستند إلى نافذة الروح،أدرك أن الشعر ليس وليد الصحة،بل هو ابن الجرح النازف.فها هو -محمد-يصبر على مرض عضال بصبر الأنبياء،وبقريحة شعرية فذة كأنها تتغذى من وجعه لتنتج هذا الضوء.وكأن القصيدة،في حضرته،تأبى إلا أن تكون دعوة مستجابة،وطهورا لا يغادر سقما.فلنتسلق ذائقته الشعرية الشاهقة-بحذر شديد-ولنصل من أجله بدم يفيض حياة،وبحرف يشفي ما في الصدور.

أيها الشاعر التونسي الفذ،محمد الهادي الجزيري،

ليس المرض في جسد ينحني،بل في روح تنسى كيف تتعلق بالضوء.وأنت،يا من جعلت من القصيدة سريرا لا يتزعزع،ومن النبض مددا لا ينقطع،تعلمنا أن العمر ليس سنوات تمر،بل لحظات تتوقد.فكل بيت كتبته هو نفس آخر لا يموت،وكل قصيدة أهديتها للعالم هي جناح يحملك فوق الزمن.

اشف يا محمد،لا لأن الموت هزيمة،بل لأن الحياة،في حضرتك،تصير قصيدة أجمل،وعطرا لا يغادره سقم.وكما أودعتني أمانتك،أودعك الآن في قلب كل من يقرأ،وكل من يحلم،وكل من يعلم أن الحرف،حين يكون من دم،يكون خلودا.

وحين يكون الحرف من دم،فلا موت بعده.فأنت يا محمد،لست في غياب،بل في كل نبضة تقرأك، وفي كل لحظة تتذكر فيها الروح كيف تتعلق بالضوء.

هكذا،تنتهي القصيدة لتُولد من جديد،وتُختتم الأمانة لتُفتح في قلوبنا على مصراعيها،فلا تسأل بعدها عن الخلود،فهو هذا الصدى الذي لا يخبو، وهذا العشق الذي لا ينضب.

طهورا بإذن الله،أيها الفذ الصابر،فذكراك ستظل محفورة في كل بيت شعر نظمته.

وهنا،في لحظة لا تخلو من وجع يترنّح،ولا تخلو من نور يتعالى،ندرك أن محمد الهادي الجزيري ليس في انتظار خلود آت من بعيد،بل هو يعيش خلوده الآن،في هذه اللحظة التي يسطّر فيها الألم قصيدة،والمرض طهورا.هو لم يرحل،بل تضاعف حضوره في كلّ بيت قاله،وكأنّه يكتب وصيّته للدنيا وهو يمسك بروحها بيديه.

أيها الفذّ الصابر،أنت هنا،تنبض في شرايين الكلمة، وتتمدّد في مساحات الحرف،والمرض في جسدك لم يزلزل سكنك،بل زادك توهّجا،كالقنديل الذي لا يخاف الريح.فما دمتَ تقول الشعر،فأنت الحيُّ الأبدي،وما دام حرفك يُناجي القلوب،فالغيب لا سلطان له عليك. 

طهورا بإذن الله،وشفاء قريبا،فأنت اليوم،وفي كل يوم،قصيدة لا تُختتم،وعطر لا يفنى،وحياة تتمادى رغم كلّ المنافي.


محمد المحسن


*في خضم معركته مع المرض،يقف الشاعر التونسي محمد الهادي الجزيري كقلعة لا تهزم، متسلحا بصبر الأنبياء وروح شاعر لا تعرف الانكسار.شعره قمة شامخة،أدعوكم لتسلقها بروية، ففي كل حرف منها نبض روح تقاوم الرحيل. 

وقبل أن يغمض عينيه-لا قدر الله-حملني أمانة ثقيلة: أوصاني أن أحتفظ بقصائده كنوزا لا تموت، وأن أنشرها بعد غيابه،لتبقى كلماته شاهدة على عبقرية لم تخضع للزمن.