**((حَتَّى الآنَ))..
قِصَّةٌ: مُصْطَفَى الْحَاجِّ حُسَيْنِ.
كَانَ سَبُ انْتِقَالِي، مِنْ (قَلَمِ) قِيَادَةِ الْكَتِيبَةِ، هُوَ حِلَاقَةَ شَعْرِي.. حِينَ أَقْدَمَ، الْمُسَاعِدُ أَوَّلُ (أَبُو رَشِيدٍ)، بِحِلَاقَةِ شَعْرِي، انْتِقَامًا مِنِّي، عَلَى ذَنْبٍ، كُنْتُ بَرِيئًا مِنْهُ.. لَكِنَّ الْكَلْبَ (غَسَّانَ الْجَلَّابَ)، الَّذِي اخْتَرْتُهُ مِنْ بَيْنِ الْأَغْرَارِ، الْمَفْرَزِينَ، إِلَى قِيَادَةِ كَتِيبَتِنَا، فَنَحْنُ كُنَّا فِي (الْقَلَمِ)، بِحَاجَةٍ إِلَى عُنْصُرٍ، لِكَيْ أَقُومَ بِتَدْرِيبِهِ، عَلَى الْآلَةِ الْكَاتِبَةِ، وَتَعْلِيمِهِ تَدْوِينَ الْبَرِيدِ، (الصَّادِرِ وَالْوَارِدِ)، وَتَوْقِيعَ الْبَرِيدِ، مِنْ سِيَادَةِ الْعَقِيدِ، قَائِدِ الْكَتِيبَةِ، وَتَبْلِيغَ الْحَرَسِ، وَرُؤَسَاءِ الْحَرَسِ، وَعُرَفَاءِ الْحَرَسِ، وَالضُّبَّاطِ الْمُنَاوِبِينَ، وَإِعْدَادَ الْجَدَاوِلِ
، وَالْإِجَازَاتِ، وَالْعُقُوبَاتِ، وَالْمُرَاسَلَاتِ مَعَ السَّرَايَا، وَقِيَادَةِ اللِّوَاءِ، وَتَسْلِيمَ وَإِحْضَارَ الْبَرِيدِ الْيَوْمِيِّ، مِنْ (ذَاتِيَّةِ) قِيَادَةِ اللِّوَاءِ، وَاسْتِلَامَ (الْجَرَائِدِ وَالْمَجَلَّاتِ)، وَتَوْزِيعَهَا، عَلَى ضُبَّاطِ الْكَتِيبَةِ، وَتَوْزِيعَ كَلِمَةِ السِّرِّ الْيَوْمِيَّةِ، وَالْإِشْرَافَ عَلَى حَمَّامِ الْكَتِيبَةِ، وَإِشْعَالِهَا، فِي كُلِّ يَوْمِ عُطْلَةٍ أُسْبُوعِيَّةٍ.
مَهَامٌّ كَثِيرَةٌ، عَلَيَّ أَنْ أَقُومَ بِتَدْرِيبِهِ عَلَيْهَا، وَتَجْهِيزِهِ، قَبْلَ أَنْ أُسَرَّحَ.. وَلَقَدْ أَوْكَلَ لِي (أَبُو رَشِيدٍ)، مُعَلِّمِي، وَرَئِيسُ (الْقَلَمِ)، مُهِمَّةَ اخْتِيَارِ عُنْصُرٍ مُنَاسِبٍ، وَأَنَا اخْتَرْتُ (غَسَّانَ الْجَلَّابَ)، لِهَذِهِ الْمُهِمَّةِ، لِأَنِّي أَحْبَبْتُهُ، وَتَوَسَّمْتُ بِهِ الْخَيْرَ، مِنْ بَيْنِ عِشْرِينَ عُنْصُرًا، كَانُوا مُفْرَزِينَ إِلَيْنَا، مِنْ دَوْرَةِ الْأَغْرَارِ.
فِي الْبِدَايَةِ، كَانَ (غَسَّانُ)، مِثْلَ الْخَاتَمِ فِي إِصْبَعِي.. يُطِيعُنِي فِي كُلِّ شَيْءٍ، أَطْلُبُهُ مِنْهُ، لَا يَعْصَى لِي أَمْرًا.. وَكُنْتُ أَنَا أُعَلِّمُهُ، وَأَشْرَحُ لَهُ، وَأَقُومُ بِتَدْرِيبِهِ، وَتَشْجِيعِهِ، وَبَثِّ الثِّقَةِ بِنَفْسِهِ، فَقَدْ كُنَّا فِي (قَلَمِ) الْكَتِيبَةِ، لَنَا هَيْبَةٌ وَمَكَانَةٌ مَرْمُوقَةٌ، فَنَحْنُ لِسَانُ حَالِ قِيَادَةِ الْكَتِيبَةِ، بِيَدِنَا جَمِيعُ الْأُمُورِ، نُعَيِّنُ الضُّبَّاطَ الْمُنَاوِبَ، وَرَئِيسَ الْحَرَسِ، وَعَرِيفَ الْحَرَسِ، وَعَنَاصِرَ الْحَرَسِ.. وَهَذَا وَحْدَهُ كَفِيلٌ أَنْ يَكُونَ لَنَا قِيمَةٌ، وَيَجْعَلَ الْجَمِيعَ، يَطْلُبُونَ رِضَاءَنَا، فَكَيْفَ إِنْ كَانَتِ، الْإِجَازَاتُ، وَالْعُقُوبَاتُ، بِيَدِنَا أَيْضًا؟.
كَانَ عَدَدُنَا أَرْبَعَةَ أَشْخَاصٍ.. مُعَلِّمُنَا الْمُسَاعِدُ أَوَّلُ (أَبُو رَشِيدٍ)، وَهُوَ مِنْ (دَيْرِ الزَّوْرِ)، وَالْعَرِيفُ (جَبْر الْيُوسُف)
، وَهُوَ الْمَسْؤُولُ عَنِ التَّوْجِيهِ السِّيَاسِيِّ، وَعَنِ الْمَكْتَبَةِ الْحِزْبِيَّةِ وَالْعَسْكَرِيَّةِ، وَكَانَ هَذَا مِنْ حُسْنِ حَظِّي، حَيْثُ انْدَفَعْتُ لِقِرَاءَتِهَا، وَكَانَ (جَبْر) مَدْعُومًا جِدًّا، فَهُوَ مِنَ السَّاحِلِ، يَتَعَامَلُ مَعَ الضُّبَّاطِ، بِفَوْقِيَّةٍ، وَتَعَالٍ.. وَلَا أَحَدَ يَجْرُؤُ عَلَى إِغْضَابِهِ، أَوْ مُخَاصَمَتِهِ.. وَكُنْتُ أَنَا مِنْ (حَلَبَ) وَثُمَّ (غَسَّان الْجَلَّاب)، ابْنُ (النَّبْكِ).
كُنَّا نُنَادِي الْمُسَاعِدَ أَوَّلَ، رَئِيسَ (الْقَلَمِ)
، بِكَلِمَةِ (عَمِّي أَبُو رَشِيدٍ)، وَكَانَ هُوَ يَتَعَامَلُ مَعَنَا، وَكَأَنَّنَا أَوْلَادُهُ.. يَجْلِبُ لَنَا مِنْ (دِمَشْقَ)، الْخُبْزَ، بَدَلَ أَنْ نَأْكُلَ خُبْزَ (الصَّمُّونِ) الْعَسْكَرِيِّ.. وَكَانَ يَرْفُضُ وَبِشِدَّةٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنَّا ثَمَنَهُ، يَقُولُ لَنَا:
- أَنْتُمْ مِثْلُ أَوْلَادِي.
يَنْزِلُ مَبِيتًا إِلَى بَيْتِهِ فِي (دِمَشْقَ)، يَوْمًا بِيَوْمٍ، وَيَنَامُ فِي مَهْجَعِ (الْقَلَمِ)، مَعَنَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي.
وَكَانَ حِينَ يَنَامُ مَعَنَا، يَسْتَيْقِظُ قَبْلَنَا، فَيَنْهَضُ، وَيَكْنُسُ أَرْضِيَّةَ (الْقَلَمِ)، وَيَأْخُذُ إِلَى (النَّبْعَةِ)، الْقَرِيبَةِ جِدًّا مِنَّا، صُحُونَ وَطَنَاجِرَ (الْجَلِيِّ)، يَغْسِلُهُمْ.. ثُمَّ يَصْنَعُ لَنَا الْفُطُورَ الشَّهِيَّ، وَيَأْخُذُ بِإِيقَاظِنَا بِلُطْفٍ، لِنُشَارِكَهُ الْفُطُورَ.
وَكَانَ الْعَرِيفُ (جَبْر)، لَا يَعْمَلُ شَيْئًا سِوَى غَلْيِ وَتَحْضِيرِ (الْمَتَّةِ)، الَّتِي لَا يُطِيقُهَا، الْمُسَاعِدُ أَوَّلُ (أَبُو رَشِيدٍ)، وَيَقْرَفُ مِنْ شَكْلِهَا.
وَكُنَّا أَنَا وَ(غَسَّان)، نَتَكَفَّلُ بِعَمَلِ كُلِّ شَيْءٍ، عَلَى مَدَارِ الْيَوْمِ.
مُنْذُ مَجِيئِهِ، كَانَ (غَسَّانُ)، يُنَافِقُ (لِأَبُو رَشِيدٍ).. صَارَ يَخْدِمُهُ عَلَى مَدَارِ الْوَقْتِ، يَسْتَيْقِظُ قَبْلَهُ، وَيَشْتَغِلُ مَا كَانَ يَشْتَغِلُهُ (أَبُو رَشِيدٍ)، مِنْ تَكْنِيسٍ، وَجَلِيٍّ، وَإِعْدَادِ فُطُورٍ.. وَصُنْعِ الشَّايِ، وَالْقَهْوَةِ، عَلَى مَدَارِ الْيَوْمِ.. وَتَلْمِيعِ (بُوطِهِ) الْعَسْكَرِيِّ.. وَحَمْلِ حَقِيبَتِهِ إِلَى سَيَّارَةِ (الْمَبِيتِ)، عِنْدَ الذَّهَابِ، وَعِنْدَ الْمَجِيءِ صَبَاحًا، حَيْثُ يَكُونُ فِي انْتِظَارِهِ، مَكَانَ وُصُولِ سَيَّارَةِ (الْمَبِيتِ).
وَكَانَ فِي طَرِيقِهِ، وَهُوَ يَحْمِلُ الْحَقِيبَةَ، يُعْطِي الْمُسَاعِدَ أَوَّلَ، تَقْرِيرًا مُفَصَّلًا، عَمَّا فَعَلْنَاهُ فِي غِيَابِهِ، أَنَا وَ(جَبْر).
تَحَوَّلَ (غَسَّانُ) إِلَى جَاسُوسٍ عَلَيْنَا، صَارَ يُوصِلُ لِلْمُسَاعِدِ أَوَّلَ (أَبُو رَشِيدٍ) كُلَّ أَخْبَارِنَا، وَأَفْعَالِنَا، وَحَرَكَاتِنَا، وَكَلَامِنَا.
وَحَدَثَ أَنْ أَرَادَ (أَبُو رَشِيدٍ)، تَزْوِيجَ ابْنَتِهِ، فِي بَلَدِهِ (دَيْرِ الزَّوْرِ)، لِذَلِكَ اقْتَضَى مِنْهُ أَنْ يَطْلُبَ إِجَازَةً، مِنْ سِيَادَةِ الْعَقِيدِ (قَائِدِ الْكَتِيبَةِ)، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَغِيبَ عَنْ (قَلَمِ) الْكَتِيبَةِ، عَشَرَةَ أَيَّامٍ.. لِذَلِكَ صَارَتْ مُهِمَّتِي، أَنْ أُسَيِّرَ أُمُورَ (الْقَلَمِ)، لِأَنَّ الْعَرِيفَ (جَبْر)، كَانَ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِشُؤُونِ (الْقَلَمِ)، هُوَ مَسْؤُولٌ فَقَطْ عَنِ التَّوْجِيهِ (السِّيَاسِيِّ)، وَ(الْمَكْتَبَةِ الْحِزْبِيَّةِ).
وَوَصَلَ مِنْ (قِسْمِ الْأَفْرَادِ)، قِيَادَةِ اللِّوَاءِ، أَمْرٌ مِنْ سِيَادَةِ (الْعَمِيدِ)، قَائِدِ اللِّوَاءِ، كِتَابٌ.. يَقُولُ فِيهِ (لَاحِقًا قَرَارَنَا رَقْم كَذَا.. تَارِيخ كَذَا..)، وَكَانَ عَلَيَّ أَنْ أَعْرِفَ مَا هُوَ ذَاكَ الْقَرَارُ؟!.. وَأَنْ أُصْحِبَهُ مَعَ الْبَرِيدِ، إِلَى قَائِدِ الْكَتِيبَةِ.. وَبَحَثْتُ عَنْهُ، وَلَمْ أَجِدْهُ.. فَذَهَبْتُ إِلَى مَكْتَبِ، قَائِدِ الْكَتِيبَةِ، وَقَدَّمْتُ لَهُ الْبَرِيدَ.. وَحِينَ قَرَأَ كِتَابَ، قَائِدِ اللِّوَاءِ.. سَأَلَنِي:
- وَمَا هُوَ الْقَرَارُ؟.. وَأَيْنَ هُوَ؟.. وَلِمَاذَا لَمْ تُحْضِرْهُ مَعَكَ؟. قُلْتُ:
- سَيِّدِي.. بَحَثْتُ عَنْهُ وَلَمْ أَجِدْهُ. قَالَ:
- هُوَ فِي صُنْدُوقِ الْمُسَاعِدِ أَوَّلَ، فِي مُصَنَّفِ عَام - 1982 - هَلْ أَعْطَاكَ الْمُسَاعِدُ أَوَّلَ، مَفَاتِيحَ الصُّنْدُوقِ؟.
أَجَبْتُهُ:
- لَا سَيِّدِي.. لَمْ يُعْطِنِي الْمِفْتَاحَ. قَالَ:
- عَلَيْنَا أَنْ نَعْرِفَ مَا هُوَ الْقَرَارُ الْمَقْصُودُ.
ثُمَّ طَلَبَ مِنِّي:
- اذْهَبْ.. وَاكْسِرِ الْقُفْلَ.. وَأَحْضِرْ لِي هَذَا الْقَرَارَ. قُلْتُ:
- وَلَكِنْ سَيِّدِي.. اكْتُبْ لِي أَمْرًا بِذَلِكَ.. أَوْ شَكِّلْ لَجْنَةً تَفْتَحُ الصُّنْدُوقَ وَتُغْلِقُهُ بِإِشْرَافِهَا.. حَتَّى لَا أَتَحَمَّلَ الْمَسْؤُولِيَّةَ
.. فَفِي دَاخِلِ الصُّنْدُوقِ، سِلَاحٌ، وَذَخِيرَةٌ، وَقَنَابِلُ، وَمُصَنَّفَاتٌ، وَأَخْتَامٌ.
وَعَلَى الْفَوْرِ.. أَخَذَ سِيَادَةُ (الْعَقِيدِ الرُّكْنِ)، يَكْتُبُ لِي الْأَمْرَ.. وَكَانَ عَلَى هَذَا النَّحْوِ:
- (( أَمْرٌ إِدَارِيٌّ ))
بِأَمْرٍ مِنْ قَائِدِ الْكَتِيبَةِ، (الْعَقِيدِ الرُّكْنِ)، تُكَلَّفُ لَجْنَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْخَاصٍ، وَهُمْ:
1 - الْمُسَاعِدُ (مُحَمَّد الْعَاشِق)، رَئِيسُ قِسْمِ (الْآلِيَّاتِ).
2 - الرَّقِيبُ أَوَّلُ (خَلِيل الشِّعْر)، رَئِيسُ قِسْمِ (الْإِشَارَةِ).
3 - الْعَرِيفُ (جَبْر الْيُوسُف)، مَسْؤُولُ (التَّوْجِيهِ السِّيَاسِيِّ، وَأَمِينُ الْمَكْتَبَةِ الْحِزْبِيَّةِ).
4 - الْمُجَنَّدُ (غَسَّان الْجَلَّاب).
عَلَيْهِمْ فَتْحُ صُنْدُوقِ الْمُسَاعِدِ أَوَّلَ، رَئِيسِ (قَلَمِ) الْكَتِيبَةِ.. وَإِخْرَاجُ مُصَنَّفِ عَام /1983/، وَإِعْطَاؤُهُ لِلْمُجَنَّدِ (مُصْطَفَى الْحَاج حُسَيْن)، لِأَخْذِ مِنْهُ مَا يَلْزَمُ.. ثُمَّ عَلَيْهِمْ إِعَادَةُ قَفْلِ الصُّنْدُوقِ، بِشَكْلٍ مُحْكَمٍ وَمُؤَكَّدٍ.
التَّوْقِيعُ
قَائِدُ الْكَتِيبَةِ.. الْعَقِيدُ الرُّكْنُ.
وَبَعْدَ ذَلِكَ نَاوَلَنِي الْوَرَقَةَ.. وَأَمَرَنِي بِالذَّهَابِ وَالْعَجَلَةِ.
وَعَلَى الْفَوْرِ تَحَرَّكْتُ، وَمَرَرْتُ عَلَى مَكْتَبِ رَئِيسِ قِسْمِ (الْإِشَارَةِ) وَرَئِيسِ قِسْمِ (الْآلِيَّاتِ).. فَقَدْ كَانَا الْمَكْتَبَيْنِ، تَابِعَيْنِ (لِمَهْجَعِنَا)، (قَلَمِ) الْكَتِيبَةِ.
وَبِسُرْعَةٍ تَمَّ تَنْفِيذُ الْأَمْرِ.. وَوَجَدْتُ الْقَرَارَ الْمَطْلُوبَ.. وَقَدَّمْتُهُ لِقَائِدِ الْكَتِيبَةِ.. وَظَنَنْتُ أَنَّ الْأَمْرَ انْتَهَى.
بَعْدَ عِدَّةِ أَيَّامٍ، وَحِينَ انْتَهَتْ إِجَازَةُ الْعَمِّ (أَبُو رَشِيدٍ)، وَذَهَبَ كَالْعَادَةِ (غَسَّان)، لِمُلَاقَاتِهِ، وَحَمْلِ حَقِيبَتِهِ، وَتَقْدِيمِ تَقْرِيرٍ شَامِلٍ عَنَّا أَنَا وَ(جَبْر).. دَخَلَ الْمُسَاعِدُ أَوَّلُ، عَلَيْنَا الْمَهْجَعَ، وَنَارُ الْغَضَبِ تَسْتَعِرُ فِي عَيْنَيْهِ.. وَلَمَّا اقْتَرَبْتُ مِنْهُ لِأُسَلِّمَ عَلَيْهِ، صَرَخَ بِي:
- كَسَرْتَ لِي قُفْلَ الصُّنْدُوقِ؟!.. وَأَنَا الَّذِي كُنْتُ أَثِقُ بِكَ!!.. لَقَدْ أَقْسَمْتُ (بِالطَّلَاقِ)، أَنْ أَحْلِقَ لَكَ شَعْرَكَ، عَلَى (الزِّيرُو)، لَوْ كَانَ (وَاسِطَتُكَ) هُوَ وَزِيرُ (الدِّفَاعِ).. وَكَانَ يَرْتَجِفُ، مِنْ شِدَّةِ انْفِعَالِهِ، وَغَضَبِهِ مِنِّي.
شَرَحْتُ لَهُ الْأَمْرَ.. وَأَخْبَرْتُهُ بِأَنَّ قَائِدَ الْكَتِيبَةِ، شَكَّلَ لَجْنَةً لِفَتْحِ الصُّنْدُوقِ.. وَأَخْرَجْتُ لَهُ الْأَمْرَ الْإِدَارِيَّ.. ثُمَّ اتَّصَلْتُ بِسِيَادَةِ (الْعَقِيدِ الرُّكْنِ)، وَأَخْبَرْتُهُ عَنْ غَضَبِ، سِيَادَةِ الْمُسَاعِدِ أَوَّلَ مِنِّي.. وَتَكَلَّمَ قَائِدُ الْكَتِيبَةِ مَعَ (أَبُو رَشِيدٍ)، عَبْرَ الْهَاتِفِ، وَأَفْهَمَهُ بِدَوْرِهِ أَنَّهُ، هُوَ مَنْ أَمَرَ بِفَتْحِ صُنْدُوقِهِ، بَعْدَ أَنْ شَكَّلَ، لَجْنَةً مُؤَلَّفَةً، مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْخَاصٍ.. وَكُلُّ هَذَا وَلَمْ يَهْدَأْ بَعْدُ.. رَغْمَ فِنْجَانِ الْقَهْوَةِ، الَّذِي أَعْدَدْتُهُ لَهُ بِنَفْسِي.
تَضَاعَفَتْ نِقْمَتِي، وَكُرْهِي، وَحِقْدِي، وَاحْتِقَارِي، عَلَى (غَسَّان).. حَتَّى أَنَّ (جَبْر) تَوَعَّدَ بِأَنَّهُ، سَيَعْمَلُ عَلَى نَقْلِهِ، مِنْ بَيْنِنَا.. وَطَلَبَ مِنِّي أَنْ أَصْبِرَ عَلَيْهِ.
وَصَدَفَ أَنْ يَذْهَبَ إِجَازَةً، سِيَادَةُ قَائِدِ الْكَتِيبَةِ.. وَحَلَّ مَحَلَّهُ، الرَّائِدُ الرُّكْنُ (إِبْرَاهِيم بَرْهُوم)، رَئِيسُ أَرْكَانِ (الْكَتِيبَةِ) وَهُوَ ظَالِمٌ، وَمُتَعَجْرِفٌ، وَلَا يُحِبُّنِي كَمَا كَانَ يُحِبُّنِي، (قَائِدُ الْكَتِيبَةِ).
وَوَقْتَ الْمَسَاءِ.. وَكَانَ (أَبُو رَشِيدٍ)، قَدْ نَزَلَ إِلَى الْمَبِيتِ، وَكُنْتُ أَنَا خَلْفَ الْآلَةِ الْكَاتِبَةِ، أَنْسَخُ الْبَرَامِجَ الشَّهْرِيَّةَ.. رَنَّ الْهَاتِفُ الْمَوْجُودُ بِالْقُرْبِ مِنِّي عَلَى الطَّاوِلَةِ الْمُجَاوِرَةِ.. رَفَعْتُ السَّمَّاعَةَ، وَإِذْ بِقِسْمِ (الْأَفْرَادِ)، يُرِيدُ أَنْ يُعْطِيَنِي بَرْقِيَّةً.. وَعَلَى الْفَوْرِ، أَمْسَكْتُ وَرَقَةً وَقَلَمًا، وَأَخَذْتُ أَسْتَمِعُ وَأَكْتُبُ.. وَحِينَ وَصَلْتُ، لِمُنْتَصَفِ اسْتِلَامِ الْبَرْقِيَّةِ.. وَكُنْتُ أَكْتُبُ جُمْلَةَ (وَحَتَّى الآنَ).. حَدَثَ وَانْقَطَعَ خَطُّ الْهَاتِفِ.. فَصَرَخْتُ:
- أَلُو.. أَلُو..
وَلَمْ يَعُدْ، يُجِيبُنِي أَحَدٌ.. فَوَضَعْتُ السَّمَّاعَةَ مِنْ يَدِي، وَجَلَسْتُ خَلْفَ الْآلَةِ الْكَاتِبَةِ.. وَبَعْدَ لَحْظَةٍ عَادَ (التِّلِفُونُ) إِلَى الرَّنِينِ، فَنَهَضْتُ، وَأَخَذْتُ أُكْمِلُ، (وَحَتَّى الآنَ لَمْ يَلْتَحِقْ)، إِلَى أَنْ فَرَغْتُ مِنِ اسْتِلَامِ الْبَرْقِيَّةِ.. وَكَانَ عَلَيَّ أَنْ أَنْتَظِرَ، قُدُومَ الْعَمِّ (أَبُو رَشِيدٍ)، لِيَأْتِيَ فِي صَبَاحِ الْغَدِ، وَيَأْخُذَ الْبَرْقِيَّةَ، مَعَ الْبَرِيدِ الصَّبَاحِيِّ، إِلَى سِيَادَةِ الرَّائِدِ الرُّكْنِ، (إِبْرَاهِيم بَرْهُوم).
فِي الصَّبَاحِ.. وَبَعْدَ أَنْ جَاءَ، الْمُسَاعِدُ أَوَّلُ، (أَبُو رَشِيدٍ)، وَأَخَذَ الْبَرِيدَ الْوَارِدَ، إِلَى قِيَادَةِ الْكَتِيبَةِ.. وَكُنْتُ جَالِسًا خَلْفَ الْآلَةِ الْكَاتِبَةِ.. وَإِذْ بِالْهَاتِفِ يَرِنُّ.. وَحِينَ رَدَدْتُ كَانَ الْمُتَّصِلُ، هُوَ (أَبُو رَشِيدٍ)، مِنْ عِنْدِ سِيَادَةِ الرَّائِدِ (إِبْرَاهِيم)، وَكَانَ يَقُولُ لِي، غَاضِبًا:
- مَنِ اسْتَلَمَ هَذِهِ الْبَرْقِيَّةَ؟. قُلْتُ:
- أَنَا الَّذِي اسْتَلَمْتُهَا.. مَا بِهَا؟.. لِمَاذَا تَسْأَلُ؟. رَدَّ بِانْزِعَاجٍ:
- أَنْتَ إِلَى مَتَى، سَتَبْقَى لَا مُبَالِيًا، وَدُونَ تَرْكِيزٍ فِي عَمَلِكَ؟!.. وَتَقَعُ بِالْأَخْطَاءِ!. قُلْتُ:
- عَنْ أَيِّ أَخْطَاءٍ تَتَكَلَّمُ؟!.. وَمَتَى أَنَا كُنْتُ، لَا مُبَالِيًا فِي عَمَلِي؟!. قَالَ:
- كَيْفَ تَكْتُبُ فِي الْبَرْقِيَّةِ مَرَّتَيْنِ، عِبَارَةَ (حَتَّى الآنَ.. حَتَّى الآن).. أَنْتَ بِحَاجَةٍ لِعُقُوبَةٍ.. حِلَاقَةِ شَعْرٍ، جَهِّزْ نَفْسَكَ الْآنَ.. لِتَصْحُوَ عَلَى حَالِكَ.. وَهَتَفْتُ:
- بِالْأَمْسِ وَأَنَا أَتَلَقَّى الْبَرْقِيَّةَ، انْقَطَعَ الْهَاتِفُ، وَأَنَا أَكْتُبُ (حَتَّى الآنَ).. وَحِينَ عَادَ الِاتِّصَالُ، أَكْمَلْتُهَا دُونَ أَنْ أَنْتَبِهَ.
وَأَغْلَقَ الْهَاتِفَ بِوَجْهِي.. دُونَ أَنْ يَسْمَعَنِي.
وَبَعْدَ دَقَائِقَ مَعْدُودَةٍ، دَخَلَ (أَبُو رَشِيدٍ) الْمَهْجَعَ، وَكَانَ بِصُحْبَتِهِ حَلَّاقُ الْكَتِيبَةِ، فَنَظَرَ إِلَيَّ قَائِلًا بِعُبُوسٍ:
- انْهَضْ.. وَاحْلِقْ عَلَى (الصِّفْرِ)، ثُمَّ اذْهَبْ إِلَى سِيَادَةِ (الرَّائِدِ)، وَقُلْ لَهُ نُفِّذَ الْأَمْرُ سَيِّدِي.
صُعِقْتُ.. زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيَّ.. يَا اللَّهُ!!.. مَعْقُولٌ مَا أَسْمَعُ؟!.. أَحْلِقُ شَعْرِي، عَلَى (الصِّفْرِ)؟!.. بِسَبَبِ غَلْطَةٍ بَسِيطَةٍ وَتَافِهَةٍ!!.. وَعَلَى يَدِ (أَبُو رَشِيدٍ)، الَّذِي يُحِبُّنِي، وَيُقْسِمُ لِي، أَنِّي بِمَعَزَّةِ ابْنِهِ (رَشِيدٍ)!!.. لَا.. هَذَا غَيْرُ مَعْقُولٍ!!.. مُؤَكَّدٌ أَنِّي فِي حُلْمٍ مُزْعِجٍ، كَابُوسٍ ثَقِيلٍ.. مُؤْلِمٍ.. صَعْبٍ.. مُرْعِبٍ.. قَاتِلٍ.. قُلْتُ بِانْكِسَارٍ:
- مَاذَا؟!.. مَاذَا يَا عَمِّي (أَبُو رَشِيدٍ)؟،.. تُرِيدُ أَنْ تَحْلِقَ شَعْرِي، عَلَى (الصِّفْرِ)، بِسَبَبِ خَطَأٍ بَسِيطٍ؟!. رَدَّ عَلَيَّ بِقَرَفٍ:
- أَنَا لَا عَلَاقَةَ لِي بِالْأَمْرِ.. إِنَّهَا أَوَامِرُ سِيَادَةِ الرَّائِدِ الرُّكْنِ (إِبْرَاهِيم).. نَفِّذْ وَاذْهَبْ إِلَيْهِ حَالًا.
طَارَ صَوَابِي.. تَرَنَّحَتْ رُوحِي.. مَادَتْ بِيَ الْأَرْضُ.. وَطَفَرَتْ مِنْ عَيْنَيَّ دَمْعَةٌ.. مَاذَا أَفْعَلُ؟.. مَاذَا أَقُولُ؟.. مَنْ يَتَشَفَّعُ لِي عِنْدَ سِيَادَةِ الرَّائِدِ؟.. الْجَمِيعُ يَهَابُهُ، وَيَخَافُهُ، وَلَا يَجْرُؤُ أَنْ يَعْصِيَ لَهُ أَمْرًا.. الْأَنْظَارُ مُتَوَجِّهَةٌ إِلَيَّ.. عُيُونُ (جَبْر)، وَعُيُونُ الْكَلْبِ (غَسَّان)، وَعُيُونُ الْحَلَّاقِ، الَّذِي يَحْمِلُ عُدَّتَهُ فِي حَقِيبَتِهِ، وَعُيُونُ (أَبُو رَشِيدٍ)، وَبَعْضُ عُيُونِ الْمُرَاجِعِينَ.. رَبَّاهُ!! مَاذَا أَفْعَلُ؟.
لَيْتَ سِيَادَةَ (الْعَقِيدِ الرُّكْنِ) هُنَا.. (أَبُو رَشِيدٍ) لَاسْتَغَلَّ غِيَابَهُ.. هُوَ أَقْسَمَ بِالطَّلَاقِ، أَنْ يَحْلِقَ لِي شَعْرِي، بِسَبَبِ صُنْدُوقِهِ.. اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ وَعَلَى صُنْدُوقِهِ.. وَ(غَسَّان)، قَسَمًا بِاللَّهِ سَأَنْتَقِمُ مِنْهُ، أَشَرَّ انْتِقَامٍ.. سَأُدَمِّرُهُ.. أَوْ أَقْتُلُهُ.. وَلَكِنْ الْآنَ مَا بِيَدِي لِأَفْعَلَهُ؟.. هَلْ أَهْرُبُ مِنْ عَسْكَرِيَّتِي؟.
وَصَرَخَتْ أَعْمَاقِي الْمَجْرُوحَةُ:
- آهٍ أَبِي.. أَيْنَ أَنْتَ الْآنَ، تَرَانِي؟.. كُنْتَ تَدْفَعُ لِي مَبْلَغَ (خَمْسِمِائَةِ لِيرَةٍ)، مُقَابِلَ أَنْ أُخَفِّفَ مِنْ شَعْرِي، أَوْ أُقَصِّرَ (زَوَالِفِي) وَلَمْ كُنْتُ أُوَافِقُ.. وَالْآنَ أَنْظُرْ مَنْ يَأْمُرُنِي مِثْلَ (كَلْبٍ)، لِأَحْلِقَ عَلَى (الزِّيرُو)، وَأَنَا لَا أَسْتَطِيعُ الرَّفْضَ.
أَنَا الَّذِي كُنْتُ.. إِنْ دَخَلُوا رِفَاقِي الْعَسَاكِرُ، عَلَيْنَا إِلَى (الْقَلَمِ)، يُؤَدُّونَ لِي التَّحِيَّةَ الْعَسْكَرِيَّةَ، لِأَنَّهُمْ يَظُنُّونَنِي ضَابِطًا.. بِسَبَبِ مَكَانَتِي، وَ(بَدْلَتِي) الْعَسْكَرِيَّةِ، وَ(بُوطِي) الْعَسْكَرِيِّ الْجَدِيدِ وَاللَّامِعِ، وَطُولِ شَعْرِي.. الْآنَ سَوْفَ أَتَحَوَّلُ، إِلَى أُضْحُوكَةٍ وَسُخْرِيَةٍ لِلْجَمِيعِ، بِسَبَبِ ابْنِ الزَّانِيَةِ، (غَسَّان) هَذَا، الَّذِي يُحَاوِلُ أَنْ يُخْفِيَ فَرْحَتَهُ بِي، وَأَنَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ.
وَقُلْتُ بِيَأْسٍ، أُخَاطِبُ (أَبُو رَشِيدٍ):
- سَيِّدِي.. (أَبُو رَشِيدٍ).. أَرْجُوكَ اسْمَحْ لِي أَنْ أَذْهَبَ لِعِنْدَ سِيَادَةِ الرَّائِدِ.
قَالَ بِصَرَامَةٍ:
- لَا لَنْ أَسْمَحَ.. طَلَبَ سِيَادَتُهُ، أَنْ تَحْلِقَ شَعْرَكَ، ثُمَّ تَذْهَبَ إِلَيْهِ.
قُلْتُ بِتَوَسُّلٍ:
- إِذًا اسْمَحْ لِي، أَنْ أُكَلِّمَهُ (بِالتِّلِفُونِ).
صَاحَ بِصَوْتٍ عَالٍ:
- مَمْنُوعٌ أَيْضًا.. عَلَيْكَ أَنْ تُنَفِّذَ الْأَمْرَ.
وَبِصَوْتٍ مَبْحُوحٍ، وَمَقْهُورٍ.. تَضَرَّعْتُ:
- أَرْجُوكَ يَا سَيِّدِي.. اللَّهَ يَحْفَظُ لَكَ أَوْلَادَكَ.
تَقَدَّمَ نَحْوَ الطَّاوِلَةِ، رَفَعَ سَمَّاعَةَ الْهَاتِفِ، طَلَبَ مِنَ الْمَقْسَمِ، أَنْ يُوصِلَهُ بِالرَّائِدِ.. قَالَ:
- سَيِّدِي.. الْمُجَنَّدُ (مُصْطَفَى)، يَرْفُضُ أَنْ
يَحْلِقَ شَعْرَهُ، قَبْلَ أَنْ يَتَحَدَّثَ مَعَكَ، فِي التِّلِفُونِ.
بَعْدَ ذَلِكَ.. تَجَهَّمَ وَجْهُهُ الْقَرِيبُ مِنَ السَّوَادِ، وَالْغَلِيظُ الْمَلَامِحِ.. وَنَاوَلَنِي السَّمَّاعَةَ..
تَنَاوَلْتُهَا.. وَيَدِي، وَكُلِّي يَرْتَعِشُ.. وَقُلْتُ بِصَوْتٍ يَكَادُ لَا يُسْمَعُ:
- أَلُو.. احْتِرَامِي سَيِّدِي.
وَجَاءَنِي صَوْتُهُ، كَقَذِيفَةٍ انْطَلَقَتْ بِقُوَّةٍ:
- وَلَكْ حَيَوَانُ.. احْلِقْ شَعْرَكَ.. وَتَعَالَ لِعِنْدِي، قَبْلَ أَنْ آمُرَ بِزَجِّكَ فِي السِّجْنِ.
أَجَبْتُهُ.. وَأَنَا أَرْتَجِفُ:
- حَاضِرٌ سَيِّدِي.. أَمْرُكَ.
وَابْتَسَمَ الْمُسَاعِدُ أَوَّلُ (أَبُو رَشِيدٍ)، وَأَنَا أَضَعُ السَّمَّاعَةَ بِمَكَانِهَا، وَيَدِي تَهْتَزُّ مِنْ شِدَّةِ الِارْتِعَاشِ.
وَمِنْ دُونِ تَفْكِيرٍ، وَوَعْيٍ مِنِّي، وَجَدْتُنِي أَنْدَفِعُ نَحْوَ الْعَمُودِ (الْإِسْمَنْتِيِّ)، الْمَوْجُودِ فِي مُنْتَصَفِ الْمَهْجَعِ، وَأَخْبِطُ رَأْسِي بِهِ، بِقُوَّةٍ، وَشِدَّةٍ، وَعُنْفٍ، ضَرَبَاتٍ مُتَتَالِيَةً.. حَتَّى انْبَثَقَ الدَّمُ، وَتَدَفَّقَ، وَسَالَ عَلَى وَجْهِي.. هَرَعَ الْجَمِيعُ نَحْوِي، وَحَاوَلَتِ الْأَيَادِي أَنْ تُوقِفَنِي، أَنْ تَمْنَعَنِي، أَنْ تُبْعِدَنِي، أَنْ تَجُرَّنِي.. وَكَانَتْ أَصْوَاتُهُمْ تَأْتِينِي، مَذْعُورَةً، وَخَائِفَةً:
- تَوَقَّفْ.. تَوَقَّفْ يَا مَجْنُونُ.. مَاذَا فَعَلْتَ بِنَفْسِكَ.. حَرَامٌ عَلَيْكَ.. الشَّعْرُ يُعَوَّضُ.. غَدًا يَطُولُ.. وَيَكُونُ أَقْوَى وَأَجْمَلَ.
حَضَنَنِي (أَبُو رَشِيدٍ)، كَانَ وَجْهُهُ شَاحِبًا، وَلَمَحْتُ دَمْعًا فِي عَيْنَيْ (غَسَّانَ)، بَيْنَمَا كَانَ (جَبْر)، قَدْ أَحْضَرَ مَنَادِيلًا وَرَقِيَّةً، وَأَخَذَ يَمْسَحُ عَنْ وَجْهِي، وَجَبِينِي، الدَّمَ الْمُنْهَمِرَ بِغَزَارَةٍ.. وَشَعَرْتُ بِالدُّوَارِ، وَارْتَمَيْتُ عَلَى الْأَرْضِ.
وَرَأَيْتُ عَدَدًا مِنَ الْعَنَاصِرِ، مُجْتَمِعِينَ عِنْدَ بَابِ الْمَهْجَعِ، يَتَفَرَّجُونَ، وَيَتَهَامَسُونَ.
أَنْهَضَنِي (أَبُو رَشِيدٍ)، وَقَبَّلَنِي مِنْ رَأْسِي، وَكَانَ يَتَمْتِمُ، بِنَدَمٍ شَدِيدٍ:
- اللَّعْنَةُ عَلَى الشَّيْطَانِ.. حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
قَادُونِي إِلَى سَرِيرِي، وَأَرْسَلَ (أَبُو رَشِيدٍ) خَلْفَ، الرَّقِيبِ أَوَّلَ (مِدْحَت عَوْن)، مُمَرِّضِ الْمُسْتَوْصَفِ.. الَّذِي كُنْتُ أُحِبُّهُ.. فَهُوَ رَفِيقٌ (لِجَبْر)، وَلِي.
كُنْتُ أُدَمْدِمُ بِصُعُوبَةٍ، وَهُمْ يَمْسَحُونَ عَنْ جَبِينِي وَوَجْهِي الدَّمَ النَّازِفَ:
- أَنَا جِئْتُ أَخْدُمُ وَطَنِي.. لَا لِأُذَلَّ وَأُهَانَ، وَأَكُونَ ضَحِيَّةً، لِلْحِقْدِ، وَالْغَيْرَةِ، وَالِانْتِقَامِ.
وَكَانُوا يَطْلُبُونَ مِنِّي الصَّمْتَ، وَعَدَمَ التَّحَدُّثِ وَالْحَرَكَةِ.
وَوَصَلَ الرَّقِيبُ أَوَّلُ (مِدْحَت عَوْن)، يَحْمِلُ حَقِيبَتَهُ الطِّبِّيَّةَ.. وَعَلَى الْفَوْرِ وَسَّعُوا لَهُ.. وَفَتَحَ حَقِيبَتَهُ، أَخْرَجَ مِنْهَا، (الشَّاشَ وَالْقُطْنَ)، وَزُجَاجَةَ (التَّعْقِيمِ)، أَخَذَ يَمْسَحُ دَمِي، وَيُضَمِّدُ جِرَاحِي، ثُمَّ ضَرَبَنِي إِبْرَةً.. وَجَلَسَ جَانِبِي عَلَى سَرِيرِي.. يَتَحَسَّبُ رَبَّهُ وَيَسْتَغْفِرُهُ.
فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.. أَنْهَى الْعَرِيفُ (جَبْر)، اتِّصَالَهُ مَعَ رَئِيسِ أَرْكَانِ الْكَتِيبَةِ، الرَّائِدِ (إِبْرَاهِيم بَرْهُوم).. وَجَاءَ لِيَقُولَ:
- سِيَادَةُ (الرَّائِدِ)، غَضِبَ مِنْ (مُصْطَفَى) أَكْثَرَ.. وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى أَنْ يَحْلِقَ شَعْرَهُ، وَيَذْهَبَ لِعِنْدَهُ فَوْرًا، قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَ بِزَجِّهِ فِي سِجْنِ الْكَتِيبَةِ.
قَالَ فِي ضِيقٍ، الرَّقِيبُ أَوَّلُ (حِكْمَت عَوْن):
- يَا جَمَاعَةُ.. لَمْ يَعُدْ بِإِمْكَانِهِ، حِلَاقَةُ شَعْرِهِ.. الْجُرُوحُ كَثِيرَةٌ وَعَمِيقَةٌ، فِي رَأْسِهِ وَجَبِينِهِ.
رَدَّ الْعَرِيفُ (جَبْر):
- قُلْتُ لَهُ هَذَا الْكَلَامَ.. فَأَمَرَ أَنْ يَحْلِقَ لَهُ الْخَلَّاقُ، الْأَمَاكِنَ غَيْرَ الْجَرِيحَةِ، فِي رَأْسِهِ.. الْمُهِمُّ أَنْ يُشَوِّهَ لَهُ شَعْرَهُ، وَرَأْسَهُ.
حَاوَلْتُ أَنْ أَرْفُضَ التَّنْفِيذَ.. كُنْتُ أَصْرُخُ بِوَجْهِ (أَبُو رَشِيدٍ):
- أَنَا مَظْلُومٌ.. مَاذَا يَعْنِي أَنْ أُكَرِّرَ كِتَابَةَ (حَتَّى الآنَ)، مَرَّةً ثَانِيَةً؟!.. هَلْ كَفَرْتُ؟!.. هَلْ خُنْتُ الْوَطَنَ؟!.. هَلْ بِعْتُ (الْجُولَانَ)
؟!.. وَلَكِنِّي أَعْرِفُ السَّبَبَ وَالدَّوَافِعَ، وَمَنْ هُوَ ابْنُ الْحَرَامِ، الَّذِي يَقِفُ وَرَاءَ هَذِهِ الْمَكِيدَةِ.. أُقْسِمُ بِاللَّهِ سَأَنْتَقِمُ.. غَدًا تَنْتَهِي إِجَازَةُ سِيَادَةِ الْعَقِيدِ.. وَيَعُودُ لِلْكَتِيبَةِ.
وَكَانَ النَّدَمُ بَادِيًا، عَلَى قَسَمَاتِ وَجْهِ (أَبُو رَشِيدٍ).. كَانَ يَقْتَرِبُ مِنِّي.. يُحَاوِلُ أَنْ يُهَدِّئَنِي.. يُمَسِّدُ شَعْرِي.. وَيَقُولُ:
- سَامِحْنِي يَا ابْنِي.. لَمْ يَعُدْ بِمَقْدُورِي فِعْلُ أَيِّ شَيْءٍ.. أَنْتُمْ تَعْرِفُونَ سِيَادَةَ الرَّائِدِ ( إِبْرَاهِيم بَرْهُوم).. هُوَ صَعْبٌ وَعَنِيدٌ، وَأَوَامِرُهُ لَا تَتَرَاجَعُ.. يَجِبُ تَنْفِيذُ أَمْرِهِ فِي الْحَالِ.. قَبْلَ أَنْ تَتَضَاعَفَ عُقُوبَتُكَ.
الْجَمِيعُ.. أَخَذُوا يَطْلُبُونَ مِنِّي الْمُوَافَقَةَ.. وَتَنْفِيذَ الْأَمْرِ.. بَلْ وَالْإِسْرَاعَ بِالتَّنْفِيذِ.. وَنَادَوْا عَلَى الْحَلَّاقِ.. وَأَجْلَسُونِي مِنْ سَرِيرِي.. وَأَحْضَرُوا لِي كُرْسِيًّا، لِأَجْلِسَ عَلَيْهِ.. أَثْنَاءَ الْحِلَاقَةِ.
كُنْتُ أَبْكِي.. شَعْرِي خَفِيفٌ.. مُهَدَّدٌ بِالصَّلَعِ.. عِنْدَمَا حَلَقْتُ شَعْرِي.. بِدَايَةَ الْتِحَاقِي فِي (دَوْرَةِ الْأَغْرَارِ).. تَأَخَّرَ كَثِيرًا حَتَّى طَالَ وَأَخَذَ يَنْمُو.. وَلِهَذَا أَنَا مُرْتَعِبٌ الْآنَ.. وَأَسْتَصْعِبُ حِلَاقَتَهُ.
وَضَعْتُ (سِيدَارَتِي) فَوْقَ رَأْسِي الْحَلِيقِ، وَقَصَدْتُ قِيَادَةَ الْكَتِيبَةِ، حَيْثُ مَكْتَبُ سِيَادَةِ الرَّائِدِ (إِبْرَاهِيم بَرْهُوم).. دَخَلْتُ عَلَيْهِ بَاكِيًا، ذَلِيلًا، مَكْسُورَ الْخَاطِرِ، تَنْتَابُنِي رَعْشَةٌ قَوِيَّةٌ، مِنَ الْخَوْفِ وَالْهَيْبَةِ.
أَخَذْتُ التَّحِيَّةَ الْعَسْكَرِيَّةَ.. وَهَتَفْتُ:
- نُفِّذَ الْأَمْرُ.. سَيِّدِي الرَّائِدُ الرُّكْنُ.
وَجْهُهُ مُخِيفٌ وَمُرْعِبٌ.. عَيْنَانِ ثَاقِبَتَانِ.. وَخَدَّانِ بَارِزَانِ وَمُشَوَّهَانِ، بِسَبَبِ انْفِجَارِ قُنْبُلَةٍ بِالْقُرْبِ مِنْهُ، أَثْنَاءَ مُشَارَكَتِهِ (بِحَرْبِ تِشْرِينَ)، وَصَرَامَةٌ، وَقَسْوَةٌ تَعْتَلِي مَلَامِحَهُ.
كَادَتْ نَظَرَاتُهُ تَثْقُبُنِي.. كَانَ يُحَدِّقُ بِي بِشَذَرٍ وَحَنَقٍ.. قَالَ:
- أَتَرْفُضُ أَوَامِرِي أَيُّهَا الشَّاعِرُ الْمُبَجَّلُ؟!.. قَالُوا لَكَ (شَاعِرُ اللِّوَاءِ)، فَصَدَّقْتَ وَكَبُرَ رَأْسُكَ؟!.. أَنَا بِمَقْدُورِي أَنْ أُنْسِيَكَ كِتَابَةَ الشِّعْرِ، وَمَعْرِفَةَ الْقِرَاءَةِ.
وَسَارَعْتُ أَقُولُ، وَأَنَا أَرْتَعِدُ:
- لَا.. لَا سَيِّدِي.. مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَعْصِيَ أَوَامِرَكَ.. أَنَا طَلَبْتُ مُقَابَلَتَكَ.. أَوْ السَّمَاحَ لِي أَنْ أُكَلِّمَكَ فِي (التِّلِفُونِ).. لِأَشْرَحَ لَكَ الْأَمْرَ.
وَصَرَخَ:
- مَاذَا سَتَشْرَحُ لِي يَا حَيَوَانُ؟. قُلْتُ:
- سَيِّدِي.. هُنَاكَ مَكِيدَةٌ.. بِسَبَبِ فَتْحِي لِلصُّنْدُوقِ، الَّذِي أَمَرَ سِيَادَةُ الْعَقِيدِ الرُّكْنِ، الَّذِي شَكَّلَ (لَجْنَةً) لِفَتْحِهِ، وَإِخْرَاجِ (مُصَنَّفٍ) فِيهِ أَمْرٌ إِدَارِيٌّ هَامٌّ.. وَقَدْ كَانَ سِيَادَةُ الْمُسَاعِدِ أَوَّلَ، فِي إِجَازَةٍ.. وَلَمَّا جَاءَ مِنْ إِجَازَتِهِ.. وَعَلِمَ بِحِكَايَةِ فَتْحِ الصُّنْدُوقِ.. أَقْسَمَ بِالطَّلَاقِ، أَنْ يَحْلِقَ لِي شَعْرِي، عَلَى (الزِّيرُو).. لَكِنَّ سِيَادَةَ الْعَقِيدِ، مَنَعَهُ مِنْ حِلَاقَةِ شَعْرِي.. فَضَمَرَ لِي، حَتَّى ذَهَبَ قَائِدُ الْكَتِيبَةِ إِجَازَةً، وَاسْتَغَلَّ وُجُودَكَ.
ازْدَادَتْ حِدَّةُ غَضَبِهِ مِنِّي.. وَصَرَخَ:
- أَتَقْصِدُ أَنَّ الْمُسَاعِدَ أَوَّلَ، (رَئِيسَ الْقَلَمِ) قَدْ خَدَعَنِي، وَضَحِكَ عَلَيَّ؟!.. وَمَاذَا عَنْ غَلْطَتِكَ، بِتَكْرَارِ كِتَابَةِ كَلِمَةِ (حَتَّى الآنَ)، فِي الْبَرْقِيَّةِ مَرَّتَيْنِ؟. قُلْتُ:
- سَيِّدِي.. جَلَّ مَنْ لَا يُخْطِئُ.. انْقَطَعَ الِاتِّصَالُ، ثُمَّ عَادَ.. وَوَقَعْتُ بِالتَّكْرَارِ.. وَلَكِنْ هَلْ تَظُنُّ، أَنَّ الْمُسَاعِدَ (أَبُو رَشِيدٍ)، لَا يَقَعُ فِي الْأَخْطَاءِ؟!.. هُوَ مُعْظَمُ كَلِمَاتِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، لَا يَعْرِفُ كِتَابَتَهَا.. فَيَلْجَأُ إِلَيَّ.. وَأَنَا أُصَحِّحُ لَهُ أَخْطَاءَهُ.
حِينَهَا تَطَلَّعَ إِلَيَّ وَابْتَسَمَ.. وَقَالَ:
- تَكْفِيرًا عَنْ ظُلْمِي لَكَ.. وَأَنَا نَادِرًا مَا أَتَرَاجَعُ، عَنْ خَطَأٍ وَقَعْتُ فِيهِ.. اذْهَبْ، وَأَحْضِرْ إِجَازَةً لَكَ، بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ.
وَبَعْدَ عَوْدَتِي مِنَ الْإِجَازَةِ طَلَبْتُ نَقْلِي مِنْ (قَلَمِ الْكَتِيبَةِ).. وَقَدْ حَاوَلَ الْمُسَاعِدُ
أَوَّلُ (أَبُو رَشِيدٍ)، أَنْ يَتَمَسَّكَ بِي.. وَيَمْنَعَ نَقْلِي.. لَكِنَّنِي أَصْرَرْتُ.. لِأَنِّي كَرِهْتُهُ.*
مُصْطَفَى الْحَاجُّ حُسَيْن.
*إِسْطَنْبُول*