الحرف الذي لم يكن حرفًا
ثَمّةَ أشياءُ لا تأتي إلينا من خارجنا، تولد في أعمق موضعٍ فينا، ثم تمضي أعوامًا طويلةً بلا اسم، حتى تأتي لحظةٌ ما فنكتشف أنها كانت معنا منذ البداية.
وهذا الذي كان يزورني، لم أعرف له اسمًا.
كان يظهر حين تنسحب أصوات العالم من الغرفة، ويجلس في المسافة الدقيقة بين ما أفكر فيه وما لا أجرؤ على الاعتراف به. لا ظلّ له، ولا ملامح، ولا صوتٌ يُسمع بالأذن؛ ومع ذلك، كان يعرفني معرفةً تُربكني.
يعرف ما أخبّئه تحت هدوئي، وما أضعه في أدراج الذاكرة ثم أتظاهر بأنني نسيت مكانها، ويعرف تلك الأشياء التي لا أفتقدها حين أذكرها، بل أفتقدها حين أشعر أن شيئًا في داخلي لم يعد كما كان.
لم يكن يواسيني.
كان يفعل ما هو أعمق من المواساة:
كان يعيدني إليّ.
في إحدى المرات، سألني:
متى بدأتَ تشبه ما كنتَ تخشاه؟
لم أجب.
فبعض الأسئلة لا تبحث عن جواب؛ إنها تبحث عن موضعٍ تستقر فيه.
قال:
كنتَ ترى الإنسان قبل صفته، والوجه قبل مصلحته، والفعل قبل مردوده… ماذا حدث؟
نظرتُ إلى يدي.
لم أجد فيها شيئًا.
لكنني شعرت بثقل سنواتٍ كاملة.
ربما لم يحدث شيءٌ واحد.
ربما تسللت الأشياء إلى أرواحنا كما يتسلل الغبار إلى بيتٍ مغلق، لا نراه وهو يتراكم، ثم نكتشف ذات صباح أننا صرنا نعيش داخله.
أتذكر زمنًا كان فيه القليل كثيرًا.
لم تكن الحياة أكثر رخاءً، لكن الأشياء كانت تجد طريقها إلى القلب دون المرور أولًا بسوق المقارنة.
كان الخبز يُقسَّم فيتّسع، والوقت يُمنح فلا يُحسب خسارة، والجار يعرف أن للباب حرمة، والصديق يعرف أن السرّ أمانة، واليد تمتدّ لأن في الإنسان متسعًا لغيره، لا لأن في العطاء منفعةً مؤجلة.
كان الفرح أقلّ بهرجةً، لكنه كان أعمق إقامةً في الروح.
نفرح بالوجه الذي جاء، لا بما جاء به.
بالجلسة، لا بالمكان.
بالصوت، لا بالصورة التي تثبته.
وكانت بعض الفضائل تمشي بين الناس بلا أسماء؛ مروءةٌ لا تتباهى بنفسها، وحياءٌ يحرس الكلام قبل أن يخرج، ووفاءٌ لا يحتاج إلى عقدٍ مكتوب.
ثم تغيّر شيء.
ليس في الأشياء وحدها…
بل في المقاييس التي ننظر بها إلى الأشياء.
صار بعضهم يلمّع القسوة حتى تبدو حزمًا، ويمنح الأنانية اسم الاستحقاق، ويضع المصلحة في موضع المبدأ، ثم يتساءل لماذا صار العالم باردًا.
كأننا لم نغيّر الحياة فحسب؛
غيّرنا قاموسها، ثم نسينا معاني الكلمات الأولى.
قلت له:
أفتقد الماضي.
فقال:
أنت لا تفتقد الماضي؛ أنت تفتقد الإنسان الذي كنتَه حين كان الماضي حاضرًا.
توقفت.
كان يعرف أين يضع الجملة.
فقد فتحت في داخلي درجًا قديمًا.
وجدت أحلامًا لم تمت، وإنما بقيت معلّقةً في العمر مثل ساعةٍ توقفت عند اللحظة التي خذلتها فيها الحياة.
ووجدت أسئلةً لم تكن تنتظر إجاباتٍ بقدر ما كانت تنتظر قلبًا يحتملها.
ووجدتني.
أو شيئًا مني.
شيئًا لم أعرف متى فقدته، لكنني عرفته فورًا حين رأيته.
سألته:
وهل ما زالت الإنسانية موجودة؟
نظر إليّ طويلًا، ثم قال:
لو ماتت تمامًا، لما أوجعك غيابها.
ثم أضاف:
الإنسانية ليست زينةً نعلّقها على صورتنا؛ إنها ما نفعله حين لا يراقبنا أحد. هي أن تعرف حقك دون أن تمحو حق غيرك، وأن تؤدي واجبك دون أن تبحث عن تصفيق، وأن تملك القدرة على الأذى ثم تختار ألّا تستخدمها.
ثم سكت.
وفهمت أن الأخلاق ليست كلامًا جميلًا عن الإنسان، بل الحدود التي يضعها الإنسان لنفسه حين يستطيع أن يتجاوزها.
قلت:
لكنني تعبت.
قال:
لا تخف من تعبك؛ خف من أن تجعله مبررًا.
ثم أضاف:
لا تسمح لما فعله الآخرون بك أن يقرر ما ستفعله أنت بالآخرين. وإلا فلن تكون قد نجوت من أذاهم؛ ستكون قد حملته إلى غيرك.
كانت تلك أقسى مواساته.
وأصدقها.
فكم من إنسانٍ خرج من ظلمٍ ليصنع ظلمًا آخر، ومن خذلانٍ ليتعلم الخذلان، ومن قسوةٍ ليصبح قاسيًا وهو يقنع نفسه أنه كان مضطرًا؟
ربما لا تكون النجاة أن يخرج الألم منك.
ربما تكون النجاة الحقيقية أن يخرج الألم منك دون أن يخرج معه خُلُقك.
أحيانًا أخاف من شيءٍ لا علاقة له بالموت.
أخاف أن أعتاد.
أن يصبح وجع الآخرين مشهدًا مألوفًا، والخطأ خبرًا عابرًا، والقسوة طريقةً مقبولةً في الحديث، واللامبالاة شكلًا من أشكال النجاة.
أخاف أن أصبح صالحًا للحياة إلى درجة أن أفقد صلاحيتي للإنسانية.
فما قيمة أن نواصل العيش إذا انتهى فينا الشيء الذي يجعل للحياة معنى؟
ليس أخطر ما تفعله الأيام بنا أن تأخذ منا بعض الأحلام.
الأخطر أن تقنعنا بأن فقدانها طبيعي، ثم تعلّمنا كيف نعيش دون أن نسأل أين ذهب الجزء الذي كان يحلم.
وحين أثقل بهذا كله، يأخذني ذلك الغامض إلى مكانٍ لا أعرف إن كان زمنًا أم ذاكرة.
هناك، تصبح الأشياء أقلّ لمعانًا وأكثر حياة.
أرى الوجوه التي لم تكن تعرف كيف تخفي محبتها.
أسمع ضحكاتٍ لم تكن تحتاج إلى جمهور.
أرى أناسًا يعطون دون أن يحسبوا ما نقص منهم، ويسترون دون أن يجعلوا من الستر فضيلةً معلنة، ويحفظون الغياب كما لو أن الغائب حاضرٌ في ضميرهم.
هناك أتنفس بطريقةٍ مختلفة.
لا لأن الماضي كان كاملًا…
بل لأنني كنتُ فيه أقلّ ابتعادًا عن نفسي.
ثم أسأله:
من أنت؟
هذه المرة لا يجيب.
يضع أمامي ورقة.
بيضاء.
وأمامها قلم.
أتردد.
ثم أكتب.
حرفًا واحدًا.
فشيءٌ ما يتحرك في داخلي.
أكتب ثانيًا، فتعود صورة.
ثالثًا، فينهض سؤال.
رابعًا، فأسمع صوتًا كنت أظن أن السنوات دفنته.
عندها أفهم أنني كنت أبحث عن الحرف في مكانٍ خاطئ.
كنت أظنه شيئًا يقع خارج الإنسان؛ علامةً نضعها على الورق كي نمنح الأشياء أسماءها.
لكنه كان أقدم من الكتابة، وأعمق من اللغة.
كان ذلك الجزء الخفيّ الذي لا يكتفي بأن يعرف ما أفعل، بل يسألني:
أيُّ إنسانٍ أصنع من أفعالي؟
هناك، عند الحدّ الفاصل بين الفعل ومعناه، كان يولد الحرف.
لم يكن الضمير صوتًا آخر يسكنني، ولم يكن الحرف وسيلةً لأسمعه؛ كانا وجهين لشيءٍ واحد:
وعيُ الإنسان بنفسه حين يعجز عن الكذب عليها.
فالضمير لا يتكلم دائمًا، لكنه يترك فينا علامةً لا تمحوها الأيام؛ والحرف ليس كلامًا مكتوبًا، بل الأثر الذي يتركه ذلك الوعي حين يرفض أن يمرّ على الأشياء كما تمرّ عليها العادة.
لهذا، كلما كتبتُ حرفًا، لم أكن أضيف شيئًا إلى الورق.
كنتُ أستخرج من صمتي شاهدًا.
وكلما حاولت أن أتجاوز سؤالًا، أعادني الحرف إلى السؤال الذي سبقه:
ماذا بقي منك، حين لم تعد أفعالك تشبه الإنسان الذي كنتَ تظن أنك ستكونه؟
لذلك أكتب.
لا لأبدو حكيمًا، ولا لأشرح العالم، ولا لأمنح الآخرين دروسًا في الإنسانية.
أكتب كي أراقب ما يحدث لي وأنا أعبر.
كي لا أعتاد القسوة.
كي لا تتحول المصلحة إلى مبدأ، والحقوق إلى امتيازات، والواجبات إلى عبءٍ يبحث الجميع عن مخرجٍ منه، والحرية إلى ذريعةٍ لدهس حرية الآخرين.
أكتب كي أترك بيني وبين التبلّد شاهدًا.
كي أقول لنفسي، كلما شعرت أنني أبتعد عنها:
ما زلت هنا.
الآن فقط عرفت لماذا كان يعود.
لم يكن يأتي ليخفف عني الحياة.
كان يأتي ليمنع الحياة من أن تخفّف مني.
لم يكن ماضيًا ولا كلمات.
كان ذلك الوعي الصامت الذي يرفض أن يجعل الاعتياد عذرًا، والمصلحة مبدأً، والقدرة حقًا في إيذاء الآخرين.
فالحرف، في النهاية، لم يكن شيئًا أكتبه.
كان اللحظة التي يصبح فيها ما أعرفه عن نفسي أقوى من قدرتي على إنكاره.
وكان الضمير، في تلك اللحظة، لا صوتًا يعلو في داخلي، بل حقيقةً لا تجد منفذًا إلا اللغة.
وربما لهذا ظلّ الحرف يعود كلما ابتعدت.
لا ليعيدني إلى الماضي…
بل ليعيدني إلى الإنسان الذي لا أريد أن أصبح غريبًا عنه.
وفي آخر الأمر، أدركت أن الإنسان لا يفقد نفسه دفعةً واحدة؛ يترك منها شيئًا كلما برّر تنازلًا صغيرًا، حتى يستيقظ يومًا كامل الملامح، ناقص الروح.
أما ذلك الحرف الذي لم يكن حرفًا، فكان ما تبقّى من المسافة بيني وبين نفسي كان بمثابة صوت الضمير حين يجد لغة
لم يكن يكتب ما في داخلي؛ كان يكشف لي ما إذا كان لا يزال في داخلي شيءٌ يستحق أن يُكتب.
هالة بن عامر تونس