عندما تخلو الحياة من معنى نموت من أجله..!
“إن الحياة كلمة وموقِف،الجُبناء لا يكتبُون التاريخ،التاريخ يكتبه من عشق الوطن وقاد ثورة الحق وأحب الفقراء” تشي جيفارا “
"إنّ معظم النار..من مستصغر الشرر”
في زحام الأيام وضجيج التفاصيل الصغيرة،قد ينسى الإنسان أنه خُلق لهدف أكبر من مجرد العبور العابر.فحين تمر السنوات كلمح البصر، ويجد المرء نفسه يدور في فلك الروتين اليومي بلا وجهة حقيقية،تبرز الحاجة الملحة لتلك القضية التي تمنح الوجود معنى،لذلك الشيء الذي يستحق أن نموت من أجله لنستحق أن نعيش حقا.
ليس الموت هنا هو النهاية الجسدية بالضرورة،بل هو الاستعداد للتضحية،للبذل،للخروج من شرنقة الذات الضيقة إلى فضاءات العطاء الرحبة.إنها تلك اللحظة الفارقة التي يدرك فيها الإنسان أن هناك ما هو أثمن من نبضات قلبه،ما يستحق أن يبذل لأجله عمره كله.
وفي ثنايا التاريخ،نرى أولئك الذين وجدوا شيئا يموتون من أجله،فخلّدهم الوجود وأعطى لحياتهم معنى خالدا.لم يمت سقراط دفاعا عن حياته،بل مات دفاعا عن فكرة.ولم يعش غاندي حياة هادئة، بل عاش لأجل تحرير وطنه.إنهم لم يجدوا في الحياة مجرد أيام تمضي،بل وجدوا رسالة تستحق العناء.
أما من يعيش بلا قضية،فحياته كفراشة الخريف، ترفرف بلا هدف وتذروها الرياح كيف تشاء.يبحث عن السعادة في المتع الزائلة،وفي نهاية المطاف يجد نفسه وحيدا مع فراغ لا يملؤه شيء.إن غياب الموت من أجل شيء،يعني غياب الحياة الحقيقية أصلا.
وفي عصرنا هذا،حيث تطغى الماديات وتتكاثر المشتتات،أصبح من السهل أن نضيع في متاهات الحياة دون أن نعثر على بوصلتنا الحقيقية.ولكن تبقى الفطرة الإنسانية تواقة إلى ذلك المعنى الأسمى،إلى تلك القضية التي تستحق أن نبذل لأجلها مهج أنفسنا.
قد يكون ذلك الشيء الذي نموت من أجله بسيطا في مظهره،عميقا في جوهره.قد يكون عائلة نحميها،أو فكرة ننشرها،أو مبدأ ندافع عنه،أو رسالة نحملها.المهم أن يكون هناك ما يجعل صباحنا مختلفا،وما يمنح ليالينا معنى يتجاوز حدود الذات.
ربما ندرك في النهاية أن البحث عن شيء نموت من أجله،هو بحث عن الحب بمعناه الأعمق.حب يذيب حدود الأنا،ويجعلنا نرى في الغير امتدادا لوجودنا.ذلك الحب الذي يجعلنا نستيقظ كل صباح ليس لأننا يجب أن نعيش،بل لأن هناك من يحتاج إلينا،وهناك رسالة تنتظرنا،وهناك معنى يتشكل بأنفاسنا.
إن من يجد شيئا يموت من أجله،يكتشف أن الموت لم يعد نهاية مخيفة،بل بداية لخلود آخر. وحينها فقط،تتحول الحياة من مجرد فترة زمنية نعبرها إلى رحلة مقدسة نعيشها بكل تفاصيلها.
في النهاية،الحياة لا تُقاس بعدد السنوات التي نعيشها،بل بتلك الأشياء التي تجعلنا على استعداد لأن نموت من أجلها،فهي وحدها من يستحق أن نعيش من أجلها حقا.
الحياة أقدس من النص،والفعل المقاوم أعظم من أن تحيط به الكلمات،لا سيّما إذا كان الفعل أسطوريا رسوليا على النحو الذي نريد..
ولكن..لا يجب أن تنتهي الحياة إكراما لشبابنا الذين تسابقوا إلى الموت إعلاء للحياة وتمجيدا للحياة.
وأنا على يقين من أنّ الإستبداد سيظلّ يدحرج -غلاته وصانعيه-بإتجاه الهاوية حيث لا شيء غير الموت وصرير الأسنان..
في النهاية،تظل الحياة لغزا لا يُفكّ إلا عندما نجد ما يستحق أن نبذله من أجلها.وليس الموت-كما أشرت-هو الغاية،بل هو الشاهد الأصدق على صدقنا مع أنفسنا أولا قبل الآخرين.وحين نكتشف أن هناك ما هو أثمن من البقاء،ندرك أن الخلود الحقيقي ليس في أن نعيش طويلا،بل في أن نترك أثرا يبقى بعدنا.فشبابنا الذين تسابقوا إلى الموت إعلاء للحياة لم يخسروا شيئا،بل ربحوا المعنى الأسمى الذي يبحث عنه الجميع.
وتبقى قضيتنا هي أن نجعل من هذه الأرض مكانا يليق بتضحياتهم،وألا نترك للاستبداد فرصة إلا ونسحقها بإرثهم الذي لا يموت.فالحياة التي تستحق أن تُعاش هي تلك التي تجعل منا شهودا على الحق،حتى وإن غاب الجسد،سبقى الفعل المقاوم شعلة لا تنطفئ..
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق