الثلاثاء، 10 مارس 2026

على هامش المشهد الثقافي المترجرج بجهة تطاوين معبد الظل..وحارس الفجر..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 على هامش المشهد الثقافي المترجرج بجهة تطاوين


معبد الظل..وحارس الفجر..!


تصدير

" المثقفون يأتون لحل المشاكل بعد وقوعها، والعباقرة يسعون لمنعها قبل أن تبدأ" (البرت أينشتاين)

"المثقفون لديهم مشكلة:عليهم تبرير وجودهم."(نعوم تشومسكي)


في عمق الجنوب التونسي،حيث تخترق الرمال ذاكرة المكان،وحيث كانت تطاوين على مر العصور وكرا للحضارات وملتقى للقوافل،تغفو اليوم مؤسسات ثقافية في سبات عميق،وكأن الزمن توقف عند أسوار "الخزانات" القديمة،فلم تعد تروي عطش الأجيال.

حين نتحدث عن الشأن الثقافي في جهة تطاوين، فإننا لا نتحدث عن مجرد نشاطات موسمية أو تظاهرات شكلية تملأ الفضاءات فراغا مؤقتا.نحن أمام مسؤولية وجودية،تتعلق بصون الهوية في زمن العولمة،وبناء جسور بين أصالة ممتدة في عمق التاريخ وحداثة تخترق كل الحدود.إنها معركة وعي لا تقل ضراوة عن معارك البقاء اليومي.

لكن المؤسف أن هذه المعركة تدار أحيانا بعقلية "حراس المعبد"-ذلك-الحرس القديم-الذي تحول من حامل للمشعل إلى حاجز دون تدفق النور. أولئك الذين اكتفوا بإدارة شؤون الفراغ بدل ملء الفضاءات بالحياة،فتحولت المؤسسات الثقافية إلى مقابر للأفكار،ومتاحف للروتين،حيث تُدفن المواهب وتُحاصر المبادرات بأسلاك شائكة من البيروقراطية.

إن الإدارة الثقافية اليوم ليست مجرد وظيفة،بل هي رسالة ضميرية قبل أن تكون إدارية.فلا يكفي أن تجيد توزيع الأوراق وتنظيم الملفات،بل يجب أن تحلم مع المبدعين،وتخطط مع الفنانين، وتشتعل حماسة مع الشباب المتعطش للتعبير عن ذاته.

المندوبية ليست مكتبًا مغلقا،بل يجب أن تكون نافذة مفتوحة على المستقبل،وقلبا نابضا ينعش جسد الجهة الثقافي.

لقد آن الأوان لتطهير هذه الفضاءات من شوائب الجمود،ليس بتغيير الأشخاص فحسب،بل بتغيير العقلية التي تتعامل مع الثقافة كترف لا يمكن تحمله،أو كمسؤولية هامشية لا تؤثر في صلب الحياة.

 الثقافة في تطاوين يمكنها أن تكون قاطرة التنمية،ومصدر جذب سياحي بديل،ومنصة لاستثمار طاقات الشباب بدل تركها فريسة للإحباط والهجرة.

أما المندوب الشاب الذي يمتلك الرؤية والحماس، فهو ليس بحاجة إلى من ينظر إليه بارتياب،بل إلى من يفتح له الأبواب،ويوفر له المناخ الملائم، ويسند له الظروف ليبني لا ليهدم،ليبدع لا ليكرر، ليجعل من الثقافة قضية مجتمع لا مجرد ملف في رف بعيد.

إن خروج الثقافة من سباتها في تطاوين ليس رفاهية،بل ضرورة وجودية.فحين يموت الفن في مجتمع،تموت معه القدرة على الحلم،وتخبو جذوة الأمل،ويظلم الطريق أمام الأجيال القادمة.

على سبيل الخاتمة :

على مشارف الصحراء،حيث يتراقص السراب وتتكسر الأضواء على سفوح الجبال،هناك حقيقة لا تموت: الثقافة ليست ما نفعله في أوقات فراغنا، بل هي ما يصنع منا بشرا في زمن تتحول فيه القيم إلى سلع،والإنسان إلى رقم.الثقافة في تطاوين اليوم تحتاج إلى ثوار جدد،ليس بالضرورة حاملين للسلاح،بل حاملين للفكرة،يعرفون أن إدارة الشأن الثقافي هي أعمق أشكال المقاومة، لأنها تصنع إنسانا قادرا على البقاء شامخا رغم كل العواصف.

أما أنتم،يا حراس المعبد،إن كنتم عاجزين عن تجديد قراءتكم للواقع،وتحرير المكان من أسر الماضي،فلتفسحوا الطريق أمام من يؤمنون بأن الثقافة هي مستقبل هذه الجهة،وهي خلودها في زمن الفناء.فلكل معبد حارس،لكن لكل فجر مؤذن، وصوت الحق لا يصمت حين يحين وقت البعث.


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق