عندما تئن الذاكرة
وقفت سيارة الإسعاف أمام البيت وترجل منها المسعف مرتدياً مئزراً أكثر بياضا من العدم..أسرة المستشفيات خبرتها وخبرتني،والأدوية رغم تنوعها لها طعم واحد في حلقي..نعيق سيارة الإسعاف وهي في طريقها إلى المستشفى يربك الحواس..ويبعث على الرهبة..
لم يكن بجانبي سوى الممرض وأشهد أني رأيت في عينيه دمعا سخيا يحاول منعه من السقوط.. وفي المستشفى بدأت رحلتي مع الشقاء دون أن أعلم ما إذا كنت سأعود معافى.. أم هذه بداية الرحلة إلى الماوراء حيث نهر الأبدية ودموع بني البشر أجمعين..
يا إلهي..كم مرة أيقظني الوجع في جوف الليل، ألملم بقايا جسدي الموزع بين غرف الإنعاش ودهاليز الذاكرة..كنت أكتب والألم يخز أصابعي، والقلم يرتجف كعصفور في عاصفة ثلجية..أتذكر أياماً خلت،كنت فيها أركض خلف الفراشات في حقول الطفولة،والآن صرت أعد الخطى إلى دورة المياه وكأنني أعبر صحراء..
الزمن..ذلك اللص الخفي،يسرق منا العمر حبة حبة، ويترك لنا الوهم أننا ما زلنا كما كنا.وتمر الأيام وكأنها سنوات،وتمر السنوات وكأنها ومضات برق في ليلة شتاء..
كم حاولت أن أستجدي النوم في ليالي الأرق الطويلة،فإذا أتاني جاء محملا بالكوابيس..أرى نفسي طفلا صغيرا يركض خلف حمامة بيضاء، فإذا بالحمامة تتحول إلى طبيب يقف عند باب غرفتي مرتديا ثياب الجراحة..أسمع صوت أمي تناديني،فأصحو على صوت آلة قياس الضغط تنفخ في ذراعي..
مرضت كثيرا،وشربت من مرارة الدواء ما جعل حلقي لا يفرق بين ماء زمزم وماء البحر..تعودت على رائحة الكحول الطبي تفوح من جلدي،وعلى أصوات الأنين تتسلل من الغرف المجاورة في صمت الليل..
في إحدى الليالي،بينما كنت أنتظر دوري لأشعة مقطعية،تذكرت أنني لم أكتب قصيدة منذ عام.. وأن بياض الشعر غزا رأسي كما غزا بياض المئزر أجساد الممرضين..تذكرت أنني لم أحضن أمي منذ سنوات،وأن أبي لو رآني الآن لقال: "هكذا نحن يا بني،نموت واقفين على أقدام الألم"..
حاولت أن أركب قطار الكتابة لأهرب من هذا الواقع، فإذا بي أجد نفسي أكتب وصيتي..نعم، أيها السادة،الكاتب حين يمرض لا يكتب إلا شهادة ميلاده للحياة الأخرى..يرثي نفسه قبل أن يرثيه الآخرون..
وفي عز الوجع،رفعت يدي إلى السماء وقلت بصوت خافت لا يكاد يُسمع وسط صرير العجلات وأزيز أجهزة التنفس:
"يا رب..يا من خلقت الألم وجعلته رسالة إلى قلوب العباد،ويا من بيدك الشفاء والرحمة والوداد.. أسألك باسمك الأعظم الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا دُعيت به أجبت،أن تخلصني من عقال الألم الذي يكبّل روحي..أن تطلق سراحي من سجن الجسد المتعب..أن تمسح بيدك على جبيني كما كانت تفعل أمي عندما كنت صغيرا وأنا أتألم من برد الشتاء.."
"يا رب..إن كنت ابتليتني فأنا عبدك الضعيف،وإن كنت تمتحنني فأنا يا رب صابر،وإن كنت تغفر لي ذنوبي بهذا الألم فها أنا ذا بين يديك..لكني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء،أن تخفف عني،أن تمنحني نسمة هواء نقية لا تحمل معها أنينا.."
"يا رب..ما زال في قلبي قصائد لم تُكتب،وما زال في عيني نور أريد أن أرى به وجوه أحبتي،وما زال في روحي بقايا حياة تتمنى أن تعود طفلة تركض خلف الفراشات.."
كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجرا عندما أيقظني الممرض لآخر جرعة دواء..نظرت إلى السقف الأبيض،فإذا به يتحول إلى سماء مليئة بالنجوم.. تذكرت أن الله لا يخلق الألم إلا ليعلمنا أننا بشر، وأن الضعف هو جوهر وجودنا..
سألت نفسي: ترى هل سأغادر هذا المستشفى ماشيا على قدميّ أم راقدا على نقالة المسجد الحرام؟ هل سأكمل كتابة الرواية التي بدأتها،أم سيكملها غيري باسم "مخطوط وجد بين أوراق راحل"؟
لا أدري..كل ما أعلمه أن الألم علمني شيئا واحدا: أن الحياة لا تساوي شيئا إن عشناها بلا حب..ولا تساوي شيئا إن متنا فيها بلا رجاء..
وفي تلك اللحظة،سمعت صوت المؤذن من مسجد قريب يصدح بصلاة الفجر..بكيت..نعم بكيت كطفل ضاع بين الزحام..لكن دموعي كانت هذه المرة مختلفة..كانت دموع عودة إلى الله،كانت دموع توبة وندم..كانت دموع يقين أن الشفاء الحقيقي ليس في خروج الجسد من المستشفى، بل في خروج الروح من أغلالها إلى فضاء الرحمة الإلهية..
فرفعت يدي مرة أخرى،وهذه المرة كان الصوت أقوى:
"اللهم إن كنت أتيت إليك متأخرا،فأنت الكريم الذي لا يرد من أتاه..وإن كانت خطاياي كثيرة، فعفوك أكثر..وإن كان الألم قد أنهكني،فالرجاء بك لم ينهني بعد..اللهم اشفني شفاء لا يغادر سقما، واجعل ما أصابني تكفيرا لذنوبي ورفعة في درجاتي..واجعل آخر أيامي خيرها،وآخر أعمالي أبرها، وآخر لحظاتي شهادة أن لا إله إلا الله.."
خرجت من المستشفى بعد أسابيع..لا أمشي كما كنت،ولا أرى الدنيا بعينيّ اللتين كانتا تران كل شيء جميلا..أصبحت أرى الناس يركضون في الشوارع فأتذكر أنني كنت مثلهم..أصبحت أرى الأطفال يلعبون فأشتاق إلى طفولتي التي ذهبت بلا عودة..
حين وصلت إلى البيت،جلست أمام المرآة لأول مرة منذ شهور..رأيت رجلا غريبا ينظر إليّ..شيب كثيف،تجاعيد عميقة،عيون تعبت من انتظار الفرج.. سألته: "من أنت؟" فأجابني بصوت مبحوح: "أنا أنت..أنا ما تبقى منك بعد أن التهم الزمن أجمل أيامك.."
قبل أن أنام تلك الليلة،فتحت دفتري القديم وكتبت:
"يا رب..
إن كنت قد أخرت شفائي لحكمة تعلمها،فألهمني الصبر حتى أفهمها..وإن كان الألم رسالة،فاجعلها رسالة حب لا رسالة عذاب..وإن كان الموت قادما لا محالة،فاجعله لقاءً لا فراق بعده..اللهم إني استودعتك بقية عمري،فاجعلها في طاعتك،
وختمها برحمتك،وأسكنها فسيح جنتك.."
ثم أطفأت النور..وفي الظلام،سمعت صوتا هادئا يهمس في أعماقي: "لا تخف..إن مع العسر يسرا.. وإن مع الألم فرجا..وإن بعد الدموع ابتسامة لا تغيب.."
فابتسمت..وبكيت..وصلّيت.
اللهم إني توكلت عليك،وإليك أنبت،وإليك المصير..
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق