الحياء..سراج القلب وهوية المؤمن
الحياء ليس مجرد خلق عابر،أو حالة طارئة تنتاب النفس في مواقف محددة،بل هو جوهر الإيمان وروحه،وهو العنوان الأبرز لصحة الإدراك القلبي. حينما يمتلئ القلب بالله،يمتلئ تلقائيًا بالحياء منه، لأنه يعلم أن الله مطلع عليه،ويراه في كل لحظة، يسمع نجواه،ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
من فقد الحياء من الله،فقد فقد الإحساس بالمراقبة،وتصبح ذنوبه عادية،ومعاصيه مألوفة، وكأنه فقد البوصلة التي توجهه في بحر الحياة.
إن خلو القلب من الحياء معناه أن القلب قد أُغلق، وختم عليه،ورفع عنه الستر الإلهي الذي كان يحفظه من الانزلاق في وحول المعاصي.ومن رفع الله ستره،هان عليه أمر الناس،فلا يبالي بانتقادهم،ولا يهتم بنظرتهم،بل ربما استخف بهم واستهان بمراقبتهم،لأنه استخف أولاً بمراقبة الله.
الحياء يا أحبة ليس ضعفا ولا انكسارا،بل هو قوة خفية تدفع الإنسان لأن يكون في أحسن صورة أمام خالقه.هو الذي يمنع اليد من الامتداد إلى الحرام،واللسان من التفوه بالفحش،والعين من التحديق في المحرمات.إنه الحارس الأمين الذي يقف على بوابة الجوارح،فلا يدخل منها ما يشين.
وفي زمن قلّ فيه الحياء،حتى صار البعض يراه عيبا وتخلفا،وهنا،نستذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لكل دين خلقا،وإن خلق الإسلام الحياء".الحياء إذن ليس مجرد شعور عابر بالخجل،بل هو علامة فارقة للمسلم،وهو الذي يزينه في السماء قبل الأرض.
والأجمل في خلق الحياء أنه لا يقتصر على العلاقة مع الله فحسب،بل ينسحب ليشمل العلاقات مع الناس.فالرجل الحيي لا يؤذي جاره، والمرأة الحيية لا تتبرج تبرج الجاهلية الأولى، والابن الحيي لا يعق والديه.فبالحياء تتحضر المجتمعات،وتنتشر المحبة،وتقل الجرائم.إنه الحاجز النفسي الذي يردع الإنسان حتى قبل أن يفكر في الوقوع في الخطأ.ومن عجيب أمر هذا الخلق أنه كلما ازداد في القلب،ازداد صاحبه رفعة وقدرا بين الناس،لأن الناس تحب من يستحيي منهم،وتأمن جانبه،وتثق في معاملته.
الحياء سراج القلب،فإن انطفأ،دخل الظلام إلى الروح،وسقطت الحواجز،وانكشفت العورات، وضاع الإنسان في متاهات لا نهاية لها.
اللهم إنا نسألك حياء يزين قلوبنا،ويحفظ جوارحنا،ويقربنا إليك.
فيا من أحسست في قلبك حياء،فاشكر الله عليه وتمسك به،فهو نور باق لم يطفأ بعد.ويا من فقدته، فبادر قبل أن يختم على قلبك ويرفع عنك سترك، فما أقسى الحياة بلا حياء،وما أمرّها من نظرة يوم القيامة حين يُقال: "كنت تستحي من الناس،أفلا تستحي مني؟!".
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق