الأحد، 29 مارس 2026

شبيه الروح: حين تكون القلوب شواهد على أسرارها..! "إنَّ القلوب على القلوب شواهد" بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 شبيه الروح: حين تكون القلوب شواهد على أسرارها..!

"إنَّ القلوب على القلوب شواهد"


هذه العبارة تحمل في طياتها حكمة قديمة،ربما تعود إلى تراثنا العربي الأصيل،حيث أدرك الإنسان منذ زمن بعيد أن القلوب لا تلتقي بالمصادفة،ولا تتعارف بالمنطق وحده،بل لها شواهدها وبصائرها التي لا تخدع.

وهنا نتوقف عند سؤال كبير: هل كل شخص منا لديه شبيه يقال له "شبيه الروح"؟!

ليس كل واحد منا يلقى شبيه روحه.لأن شبيه الروح ليس مجرد شخص يشبهنا في الاهتمامات أو الهوايات،وليس من يشاركنا الرأي دائما.فشبيه الروح هو ذلك الكائن النادر الذي تلتقي معه على مستوى أعمق من الكلمات،حيث تكون الأرواح قبل الأجساد.إنه الشخص الذي إذا حدثته،شعرت أنك لا تتحدث إلى آخر،بل تتحدث إلى صورتك التي غابت عنك،أو إلى الجزء المكمل فيك الذي كنت تظنه مفقودا.

تلك العلاقة التي تصفها-ترتاح له،تشعر بالأمان معه،تطمئن بوجوده،تبتسم لحديثه،وتحس أن روحك لامست روحك-هي أصدق تعريف لـ"شبيه الروح".إنها ليست علاقة عابرة،ولا صداقة سطحية،بل هي مرآة روحية تعكس لك ذاتك في أنقى صورها.فمعه لا تحتاج أن تتكلف،ولا أن تشرح،ولا أن تبرر.إذ يكفي أن يكون هناك ليقرأ قلبك قبل لسانك.

ولعل ما يجعل هذه العلاقة استثنائية هو أنها تتجاوز المنطق الذي اعتدنا عليه.فشبيه الروح لا يأتي بالضرورة في الوقت الذي نتوقعه،ولا في الشخصية التي نتصورها.قد يكون مختلفا عنك في كل شيء: في طباعه،في خلفيته،حتى في نظرته للحياة،لكن بينكما ذلك "الشاهد" القلبي الذي لا يخطئ.وهنا تكمن المفارقة العجيبة: أن تجد شبيه روحك فيمن لا يشبهك ظاهريا،فتدرك أن التشابه الحقيقي ليس في الصفات الظاهرة،بل في تردد النبض على إيقاع واحد،وفي النظرة التي لا تحتاج ترجمة.إنها معجزة أن يلتقي قلبان كانا في غفلة عن العالم،فيتصافيا على غير موعد،وكأن الله قد أودع في كل روح توأمها الذي ينتظر لحظة اللقاء منذ الأزل.فإذا وجدته،فلا تظن أن المصادفة هي التي جمعتك به،فالقلوب حين تكون شواهد،فإنها تشهد على شيء قديم جدا،أسبق من الزمن الذي نعرفه.

وفي الختام،من وجد شبيه روحه،فقد وجد كنزا لا تقدره الحياة.ومن لم يجد بعد،فليعلم أن القلوب على القلوب شواهد،وأن ما كُتب في اللوح المحفوظ من أرواح سيلتقي حتما،في الوقت الذي لا تعلمه أنت،لكنه يعلمه من خلق الأرواح قبل أن تَسْكُن الأجساد.

وفي النهاية،تبقى القلوب وحدها من تعرف متى سكنت فيها روحٌ غيرها.فإذا ارتاحت روحك لروح، واطمأن قلبك لقلب،فاعلم أنك قد وجدت ما لم تجده العيون،وأن في هذا اللقاء سرا إلهيا لا تدركه العقول.فاحفظه كأغلى ما تملك،فهو شبيه روحك في دنيا لا تعرف التشابه إلا نادرا.


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق