حين تكون الخطى وحدها..تصنع الحرية
"لن تحصل على حريتك إلا حين تستقل ماديا،وما عدا ذلك كلها فلسفة وأفكار خيالية ! "( الكاتب والشاعر الأمريكي تشارلز بوكوفسكي (Charles Bukowski)
"إذا كانت الحرية شيئا مقدسا ومبدأ لا يمس..فلا يمكن أن يكون هناك ما يبرر التلاعب بها".
ايزيا برلين في كتاب "حدود الحرية"*
في زحام المكتبات،وبين رفوف المعرفة المتراصة، نقف حائرين نبحث عن خلاصنا بين السطور.نقرأ عن الثوار ونردد أقوالهم،نحفظ عن الظلمة ونلعنهم،نظن أن المعرفة وحدها كفيلة بأن تمنحنا ما نبحث عنه.لكن الحقيقة الأكثر إيلاما أن الكتب، رغم عظمتها،تظل مجرد مرايا تعكس لنا صورتنا دون أن تمنحنا القدرة على تغييرها.
الحرية ليست فكرة نقرأها،بل جرح نعيشه.وليست نظرية نتلقنها،بل خطوة نجرؤ عليها.
في كل كتاب عن الثورة ينام على رفوف مكتباتنا، هناك آلاف الثوار الحقيقيين الذين لم يقرؤوا سطرا واحدا عن الثورة،لكنهم صنعوها بأقدامهم المتعبة وأيديهم الخشنة.تعلموا أن الحرية لا تُمنح ولا تُقرأ،بل تُخلق من رحم المعاناة اليومية.
لكن أتعلمون لماذا نخاف أن نكون مختلفين؟ لأن الاختلاف مؤلم.لأنه يعني أن تسير وحدك في طريق لا يسلكه أحد،أن تسمع أصواتا تستنكر خطواتك،أن يراك الآخرون شاذا عن القاعدة التي ارتاحوا في ظلها.القاعدة التي تجعل منا نسخاً مكررة،باهتة،آمنة.
الحرية الحقيقية تبدأ عندما تكتشف أن سجنك الأكبر ليس القضبان من حولك،بل الخوف من أن تكون مختلفا عن الآخرين.فعندما تدرك أن أكثر القيود إحكاما هي تلك التي صنعتها بنفسك،خوفا من ردة فعل من لا يريدون لك أن تطير.
لن تكون حرا ما لم تجرؤ على أن تكون مختلفا.. هذه ليست مجرد عبارة،إنها الحقيقة التي هربنا منها طويلا.والاختلاف ليس ترفا فكريا،بل ضرورة وجودية.لأن من لا يختلف لا يوجد،زمن لا يخالف التيار يبقى مجرد قطرة ضائعة في محيط.
الخطوة الأولى هي أصعب الخطوات وأقدسها.لأن فيها تتحول المعرفة إلى حياة،والفكرة إلى واقع. فيها تخلع عنك ثوب المتفرج الذي يعلق على الأحداث من بعيد،لترتدي ثوب الفاعل الذي يصنع التاريخ بأظافره.
وفي اللحظة التي تخطو فيها خطوتك الأولى مختلفا،تتحرر من أكبر أساطير البشر: أن الحرية تُعطى.لا،الحرية لا تُعطى أبدا،لا تأتي من كتب ولا من خطب ولا من وعود.الحرية تؤخذ،تصنع،تخلق من العدم بيدين تعرفان جيدا ثمن ما تريدان.
الخطوة الأولى هي لحظة الميلاد الحقيقي.فيها تموت النسخة المكررة منك،ويولد الإنسان الذي كنت تخشى أن تكونه.تتحرر من لعنة التشبه بالآخرين،من وهم الأمان في القطيع،من خدعة أن الطريق المطروق هو الطريق الوحيد.
ربما تقرأ هذه الكلمات الآن وأنت جالس في ركنك الآمن.وربما تتفق معي في كل حرف كتبته.لكن الاتفاق ليس حرية،والتأييد ليس ثورة.والكلمات تبقى مجرد حبر على ورق ما لم تتحول إلى خطوات على الأرض.
لن تكون حرا ما لم تجرؤ على أن تكون مختلفا. وهذا الاختلاف ليس أن ترتدي ما لا يرتدي الآخرون،أو تقول ما لا يقولون.الاختلاف الحقيقي هو أن تعيش ما تؤمن به ولو كلفك ذلك كل شيء. أن تدفع ثمن حريتك بنفسك،بجهدك،بدمك وعرقك.
الحرية ليست محطة نصلها،بل طريق نمشيه. ليست حقيقة نكتشفها،بل حياة نصنعها.كل صباح تشرق فيه الشمس يمنحك فرصة جديدة لتكون مختلفا،لتكون حرا،لتكون أنت حقا.
فمتى ستخطو خطوتك الأولى؟!
متى ستغلق كل الكتب،وتفتح باب الحياة؟!
هكذا،بين رفوف المعرفة وحقول التجربة،نكتشف أن الحرية ليست سؤالا نطرحه بل جوابا نعيشه. ليست فكرة نقرأها بل حقيقة نصنعها بأيدينا كل يوم.فالكتب تعلمنا كيف فكر الآخرون،لكن الحياة وحدها تعلمنا كيف نفكر بأنفسنا.والاختلاف ليس تمرداً عابرا،بل هو الوجه الحقيقي للإنسان الذي يرفض أن يكون صدى لغيره.
عندما تجرؤ على أن تكون مختلفا،لا تخسر العالم،بل تكسب ذاتك.وعندما تخطو خطوتك الأولى،لا تبدأ رحلة فحسب،بل تثبت أنك حي حقا.
فالحرية لا تُمنح لمن ينتظرها،بل تُنتزع ممن يجرؤ عليها.والكتب مهما عظمت،تبقى مجرد مفاتيح،أما الأبواب،فلا يفتحها سواك.
محمد المحسن
** ايزيا برلين (1907 -1998) مفكر بريطاني من أصول روسية.أستاذ النظرية الاجتماعية والسياسية في جامعة أكسفورد،عرف كمنظِّر سياسي،ومؤرخ أفكار بالدرجة الاولى.واشتهر بدفاعه عن الليبرالية والتعددية وهجومه على الأنظمة الشمولية والتعصب الفكري.وتُعد نظرياته حول الحرية نقطة انطلاق أساسية للكثير من المناقشات السياسية الحديثة والمعاصرة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق