نفحة الربّانيات..ووعد الحياة
العيد ليس مجرّد يومٍ عابر في تقويم الحياة،بل هو نفحةٌ ربّانية،تُصاغ بابتسامة متقنة من لدن الخالق،فتلامس القلوب قبل الوجوه.في حضرته، تتخفف الأرواح من أثقالها،وتغتسل من تعب الأيّام،كأنّها تُمنح بداية جديدة لا تشبه ما قبلها.
هو لحظةُ صفاء نادرة،تتجدّد فيها إنسانية الإنسان، ويعود فيها إلى ذاته أكثر نقاء وصدقا.تتفتح فيه أبواب الفرح بلا استئذان،ويستيقظ الأمل في أعماقه،هادئا لكنّه عميق،كضوء الفجر حين يبدْد عتمة اللّيل.
في العيد،لا تكون الابتسامة مجرّد تعبير،بل وعد بالحياة..وعد بأن في القلب متّسعا للفرح،مهما ضاقت الأيّام.
وليس العيد موعدا على الورق،ولا علامة في التقويم نمرّ عليها مرورَ الغافلين.العيد نَفَس إلهي يُبثّ في روح الكون،فتتوقّد الحياة من جديد، وتتسامى الأرواح إلى حيث تستحقّ من النقاء والجمال.هو فسحة خلقها الرحمن لقلوب أنهكها المسير،لتعود إلى إيقاع الفطرة،بعيدا عن جلبة الأيام وضجيج المسؤوليات.
في العيد،تصبح الابتسامة لغة لا تحتاج إلى ترجمة،ويمتدّ الجسر بين القلوب دون حاجة إلى مقدمات.ترى فيه الطفل ينطلق كالفراشة في فضاء النور،والكبير يستعيد طفولته المنسيّة، والغريب يجد دفءا لا يقدّره إلا من عرف طعم الغربة.إنه لحظةٌ تلتقي فيها الذكريات بالحاضر، وتتصل فيها الأجيال بسلسلة من الحب لا تنقطع.
وأعمق من هذا كلّه،أن العيد مرآة الروح،فيها يرى الإنسان نفسه على حقيقتها: يحتاج إلى الفرح كما يحتاج إلى الهواء،يبحث عن السكينة كما يبحث عن الضوء في ظلمة السبل.إنه تذكير بأن الحياة لا تُقاس بعدد أيامها،بل بعمق لحظاتها الصافية،وأن النقاء ليس بعيد المنال،بل هو أقرب إلينا من وريد الوريد.
وإنما يكتمل جمال العيد حين يصبح عيدًا للقلب قبل الجسد،وحين لا يبقى حبيس الأسرة الواحدة أو الدائرة الضيقة،بل يمتدّ ليكون عيد الإنسان مع أخيه الإنسان.ففي العيد تتسع الأكفّ بالعطاء، وتنطلق الكلمات الطيبة كالنوارس في فضاء متّسع من الرحمة.فيه يذكر الغني الفقير،والصحيح المريض،والمقيم المغترب.ويتذكّر الإنسان أن فرحه لا يكتمل إلا إذا امتدّ إلى غيره،وأن العيد الحقيقي هو أن تجعل في قلب غيرك موطنا للبهجة.عندها فقط يتحوّل العيد من مناسبةٍ عابرة إلى حالةٍ وجودية،تعيد ترتيب الأولويات،وتُذكّرنا أن الحياة التي تستحقّ أن تُعاش هي حياةٌ تفيض بالحب والاتّصال والإنسانية.
فالعيد إذن ليس نهاية الطريق،بل بداية أخرى، نافذة تطلّ على ذاتنا الصافية،ودعوة صامتة لأن نكون أكثر صدقا مع أنفسنا وأكثر سعة لمن حولنا. وإن مضت أيامه سريعة،فإن أثره يبقى في القلب عطرا لا يزول،ما دامت النفوس تحتفظ بذكراه، وتجدد في أعماقها عهدها على أن تكون للفرح دارا،وللحياة عنوانا.
وختاما،العيد ليس مجرّد يوم عابر في تقويم الحياة،بل هو نفحة ربّانية،تُصاغ بابتسامة متقنة من لدن الخالق،فتمس القلوب قبل الوجوه.وفي حضرته،تتخفف الأرواح من أثقالها،وتغتسل من تعب الأيام،كأنّها تُمنح بداية جديدة لا تشبه ما قبلها.
هو لحظةُ صفاءٍ نادرة،تتجدّد فيها إنسانية الإنسان، ويعود فيها إلى ذاته أكثر نقاء وصدقا.وتتفتح فيه أبواب الفرح بلا استئذان،ويستيقظ الأمل في أعماقه، هادئا لكنّه عميق،كضوء الفجر حين يبدّد عتمة اللّيل.
في العيد،لا تكون الابتسامة مجرّد تعبير،بل وعد بالحياة..وعد بأن في القلب متّسعا للفرح،مهما ضاقت الأيّام.
وفي هذا العيد الذي تشرق فيه النفوس وتتطهّر،لا يمكن أن تمرّ أرواح الشهداء مرورا عابرا،فهم الذين اشتروا الآخرة بالدنيا،وزرعوا بدمائهم الزكية بذور الحرّية في أرضٍ تئنّ تحت نير الظلم.
رحم الله شهداء فلسطين الأبرار،الذين حوّلوا رمضانهم إلى عرسٍ للعزّة،والعيد عندهم أسمى معانيه،إذ هم في عليين يتلقّون قبلة الخلود من ربّ رحيم.إن دماءهم التي سالت على ثرى القدس والخليل وغزّة وجنين لم تذهب هدرا،بل صارت نارا تحت رماد الصبر،وقنديلا يضيء درب الأحرار. وفي هذا العيد،نؤمن إيمانا راسخًا بأن النصر المبين آت لا محالة،وأن البسمة التي نرسمها اليوم هي ردّ اعتبار لأرواحهم الطاهرة،ووفاء لعهدهم الذي لن يُنسى.
اللهم تقبّل شهداءنا في عليّين،وألحقنا بهم على هدىً ونور،واجعل عيدنا هذا بشارة فجرٍ يليق بتضحياتهم،ونصر يليق بصبر شعب لم يضعف يوما،ولم تنل منه المحن و والشدائد..
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق