الأحد، 15 مارس 2026

والفرق واضح بقلم الكاتبة هادية آمنة

 والفرق واضح

هل فقدت الدراما التونسية ذلك النفس الطويل الذي كان يمنحها القوة والتميّز، أم أن ما نراه اليوم هو نتيجة الاستعجال في الكتابة والإنجاز؟

سؤال يفرض نفسه كلما عدنا إلى أعمال تونسية قديمة ظلّت حيّة في الذاكرة، لا لأنها جمعت أسماء لامعة فحسب، بل لأنها قامت على كتابة متينة، ورؤية واضحة، وعناية دقيقة بكل ما يصنع العالم الدرامي من تفاصيل. ومن هذا المنطلق يمكن التوقّف عند تجربة الممثلة لمياء العمري، لا للمفاضلة بين حضورها في عمل وآخر، بل لأن المقارنة بين المسلسلات التي شاركت فيها تكشف، في جانب منها، الفرق بين عمل يُمنح الوقت الكافي لينمو، وعمل يبدو في بعض مفاصله وكأنه لم يستوفِ بعدُ كامل أنفاسه.

ففي "ضفائر" بدا الحضور أكثر رسوخًا داخل بناء درامي يتيح للشخصية أن تتدرج، وأن تتكشف ضمن مسار أوضح وأوسع. أما في "الخطيفة"، فرغم تميز الأداء، فإن المتلقي يكاد يلمس في بعض الحلقات أن النفس الدرامي لم يكن بالامتداد نفسه، وأن بعض التفاصيل أو التحولات كانت تحتاج إلى فسحة أكبر حتى تبلغ تمامها. وهنا لا يكون الحديث عن قيمة الممثلة، لأن الموهبة حاضرة، بل عن الإطار الدرامي الذي إما أن يحتضن هذه الموهبة ويمنحها مجالها الكامل، أو يضيّق عليها بفعل الاستعجال واختزال المساحات.

ومن هذه المقارنة نصل، بصورة طبيعية، إلى جوهر المسألة: ليست الأزمة دائمًا في الممثل، بل في النواة الأولى للعمل، أي في السيناريو. فالنص هو الذي يمنح الشخصية عمقها، ويضبط إيقاع الأحداث، ويجعل الأداء جزءًا من بناء متماسك لا مجرد اجتهاد فردي داخل عمل مرتبك. ولذلك بقيت أعمال تونسية مثل قمرة سيدي محروس وأولاد الليل والخطاب على الباب عالقة في وجدان المشاهد، لأنها لم تهتم بالقصة وحدها، بل بالعالم كله: الأمكنة، الأثاث، الملابس، المكياج، اللهجة، والإيقاع العام، حتى بدا كل تفصيل فيها موضوعًا في مكانه بعناية.

إن الفرق بين دراما الأمس وبعض أعمال اليوم لا يُقاس فقط بما يظهر على الشاشة، بل أيضًا بما يُبذل قبل ذلك في الكتابة والتفكير والإعداد. وحين تُختزل الدراما في موسم واحد، وتُنجز الأعمال في عجالة ولهوجة، فإن كثيرًا من الكفاءات الفنية تُركن جانبًا، لا لأنها أقل قيمة، بل لأن العمل نفسه لم يُتح له أن ينضج كما ينبغي. ولهذا فإن إعادة الاعتبار إلى الدراما التونسية تمرّ أولًا عبر إعادة الاعتبار إلى كتابة السيناريو، على أن يتولاها مختصون، وأن تجد من الإنتاج ما يساندها بحكمة وبُعد نظر.

وإذا تعذّر وجود منتجين يتبنّون هذا النوع من الأعمال الدرامية الطويلة والضخمة، فإن من المشروع أن تتدخل وزارة الثقافة أو المؤسسات العمومية الثقافية لاحتضان هذه المشاريع، لأن الدراما ليست مجرد منتج موسمي عابر، بل جزء من الذاكرة الثقافية الوطنية، وفضاء رحب لإبراز الطاقات التونسية الكثيرة في التمثيل والإخراج والكتابة.

هادية آمنة 

تونس



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق