على مسافةٍ من نفسي
-"لستُ نادما على شيء،فما زلتُ قادرا على الجنون،وعلى الكتابة وعلى الحنين.ودون أن أتساءل: هل سبقت الفكرة أداتَها ليتكاثر عليها هذا الحصارُ؟ أصرخُ في وجوه الذين يدفعون الفكرة إلى الضجر: إنّ روحي هناك.."
(محمود درويش)
اليوم أقف على عتبة السبعين،لا كمن يبلغ رقما،بل كمن يصل إلى شاطئٍ لم يختره،بعد أن جرفته سبعون موجة من الأيام.أنظر إلى عمري كما لو كان طريقا طويلا أراه من علٍ،لا أمشيه،بل أتأمله. أحاول أن أجزّئه إلى محطات،إلى أعوام،إلى وجوهٍ مرّت بي،علّني أتعرف إليّ في زحمة الذين عبروا حياتي.
كنتُ هناك…في أول الطريق.
شاباً يتقدّم بخطى واسعة،لا يخشى انكسارا،ولا يحسب حسابا للوقت.كانت روحي يومها خفيفة، كأنها لا تنتمي إلى الأرض تماما.كانت الأحلام تتكاثر في صدري كطيور لا تعرف التعب.
واليوم،كلما استحضرت ذلك الفتى،شعرتُ أنني أنظر إلى غريبٍ يشبهني.أعرف ملامحه،أعرف ضحكته،أعرف رعشة يده حين كان يتردد بين قرارين،لكنني لا أستطيع أن أمدّ يدي لألمسه.
أقف خارج تلك المراحل كأنني شاهد عليها،لا صاحبها.أراقب طفولتي تركض في الأزقة،أرى شبابي يتورّط في الحب والخيبة والطموح،أرى كهولتي تتعلّم الصبر على خسارات صغيرة وكبيرةوأتساءل: متى انفصلتُ عن نفسي؟ متى صار الماضي مدينة لا أملك مفتاحها؟
أحاول أن أستدعي الذكريات،لكنها تأتي مبتورة، كصور بهت لونها.بعض الوجوه تلوّح لي من بعيد، وبعض الأصوات تناديني ثم تختفي.كأن العمر لم يكن تراكما بقدر ما كان محوا بطيئا.!
سبعون عاما مرّت،لا لتضيف فقط،بل لتأخذ أيضا. تأخذ من الذاكرة وضوحها،ومن القلب اندفاعه، ومن الجسد خفته الأولى.
الغربة الحقيقية ليست أن تكون بعيدا عن مكان، بل أن تكون بعيدا عن نفسك.أن تلتقي بفتاك القديم فلا يتعرّف إليك.أن تناديه فلا يجيبك.أن تشعر بأن بينك وبينه مسافة لا تُقاس بالسنين،بل بما تراكم من صمتٍ وتعب وانكسارات لم تعترف بها في حينها.
أجزّئ عمري لأخفف وطأته عليّ.أقول: هذه مرحلة وانتهت.هذا فصل وأُغلق.لكنني أكتشف أن الفصول لا تنتهي تماماً،إنها تظلّ معلّقة في داخلي، كغرفٍ أُقفلت دون أن تُفرّغ.وربما كان ثقل السبعين ليس في عددها،بل في هذا الاكتظاظ الخفيّ الذي أحمله.
ومع ذلك،ثمة سكينة خفيفة تتسلّل إليّ وأنا أقف على هذه العتبة.سكينة من عرف أن الحياة ليست سباقا،ولا وعدا دائما بالامتلاء.إنها عبور.وكل ما نستطيع فعله أن نراقب أنفسنا وهي تعبر.
اليوم لا أبحث عن استعادة ذاتي الفتية،بل عن مصالحة معها.أريد أن أقول لذلك الشاب الذي كنته: لم أخنك،فقط تعبت.ولم أنسَك،فقط غلبتني السنوات.وإن كانت الذاكرة تمحو ملامحك شيئا فشيئا،فإن أثرك ما يزال يسكنني،ولو بصمت.
هكذا أقف على عتبة السبعين..لا منتصرا ولا مهزوما،بل إنسانا يحاول أن يتعرّف إلى نفسه من جديد،على مسافة من نفسه.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق