ملحمة الخلود: حين تصنع الإرادة أعاجيبها
في زمن يئن فيه الضعفاء تحت وطأة الإذلال، وتتهاوى فيه المعنويات أمام أول عاصفة،يبرز شعب إيراني أسطوري ليعلّم العالم درسا لن يُنسى: أن الكرامة لا تُشترى،والحرية لا تُمنح،وأن الإرادة البشرية حين تتجذر في عمق التاريخ والعقيدة تصبح أقوى من راجمات الصواريخ وأضخم من حاملات الموت.
ثلاثة أسابيع من الصمود المتواصل،ثلاثة أسابيع من الوقوف في ساحة الثورة،حيث تلتقي الدماء على اختلاف مشاربها في نهر واحد يصب في بحر الكرامة.إنه مشهد مهيب،يبعث في النفوس رهبة الإعجاب،ويستنفر في الضمائر إكبار البطولة. شعب لا يخيفه تهديد ولا ترهبه آلة عسكرية جبارة،لأن سلاحه الأكبر هو الإيمان بعدالة قضيته، واليقين بأن العيش بلا كرامة ليس عيشا،وأن الموت في سبيل الشرف هو الحياة الأبدية.
هذا الشعب المرابط قد اصطف على مفترق طرق مصيري،ليعلن للعالم أنه اتخذ قرارا يهون في جنابه الموت: إما العيش بعزة وكرامة،أو الاستشهاد بشرف.إنها ليست شعارات ترفع في المظاهرات،بل معادلة وجودية تعيد صياغة علاقة الإنسان بالحياة.إنها فلسفة كاملة ترى في العزة جوهر الوجود الإنساني،وفي الكرامة القاسم المشترك بين كل الأديان والقيم الإنسانية.
وفي مواجهة راجمات الصواريخ وحاملات الموت الأمريكية والإسرائيلية،يقف الإنسان الإيراني عاري الصدر،متسلحا بسلاح الإرادة،مدركا أن القوة الحقيقية ليست في عدد الصواريخ،بل في عمق الثبات.إنه يجسد في صموده تلك الحقيقة الأزلية: أن الأنظمة الظالمة وإن امتلكت أدوات القتل، فإنها تظل عاجزة أمام شعب قرر أن يموت حرا ولا يعيش عبدا.
ولعل ما يضفي على هذا الصمود طابعا أسطوريا حقا هو امتداده في عمق الحضارة الإيرانية الضاربة في أعماق التاريخ.فبلاد فارس،مهد الحضارات،كانت على مر العصور مسرحا لملاحم كبرى في التصدي للغزاة والمدافعين عن الهوية. إنها أرض زارتها أنبياء ورفرفت عليها راية العدل منذ نشأة الزرادشتية مرورا بالإسلام الذي منح هذه الأرض بُعدا عقائديا جديدا تمازج مع روح المقاومة الأصيلة.ولم يكن شعب إيران ليقبل يوما أن تُفرض عليه إرادة من الخارج،لا في زمن الإسكندر ولا في زمن التتار،ولا اليوم في زمن الهيمنة الأمريكية.هذا العمق الحضاري هو الذي يجعل من الصمود الحالي استمرارا طبيعيا لسلسلة متصلة من التحدي والرفض،وليس مجرد رد فعل آني.إنه صوت التاريخ ذاته يخرج من جوف الزمن ليؤكد أن هذه الأرض لا تُستباح،وهؤلاء الناس لا يُرهبون.
إن ما يفعله الشعب الإيراني اليوم هو أكثر من مجرد حدث سياسي أو موقف وطني،إنه درس أخلاقي للبشرية جمعاء.ففي عالم يئن تحت وطأة الاستبداد والاستكبار،يثبت هذا الشعب أن الحرية تُنتزع ولا تُستجدى،وأن الكرامة تُصان بالدماء لا بالدموع.
تحية للشعب الإيراني الذي يعيد تعريف معنى البطولة في زمن الرق الحديث.تحية لمن جعلوا من ساحة الثورة محرابا للعزة،ومن قرار العيش بالكرامة أو الموت بشرف عنوانا لملحمة لن تمحوها الأيام.
إن صمودكم أسطورة تكتب اليوم،ولكنها ستبقى نبراسا للأجيال القادمة،تذكرها بأن الإنسان حين يختار كرامته،فإنه لا يقهر.
هناك لحظات في التاريخ تتوقف فيها عقارب الساعة،لتراقب البشرية بدهشة وإجلال مشهدا لا تُنتجه إلا النفوس التي امتزجت بعنصر الجوهرة، وعرفت أن الحياة لا تُشتري إلا بثمن الغالي.
تحية إكبار وإجلال،تترقرق فيها معاني الفخر والعزة،إلى ذلك الشعب الإيراني الذي خطّ بأقدامه العارية على صخر الزمن أعظم آيات الصمود.إنه شعب اختار أن يكون سورا من نار في وجه أعتى آلات الطغيان،متحديا راجمات الصواريخ وحاملات الموت التي تظن أنها ترهب،لكنها أمام عزيمته تتبدد كسراب.
إنه مشهد يثير الدهشة والحيرة في آنٍ معا: ثلاثة أسابيع من الزمن،وكأنها ثلاثون عاما من الصبر والثبات،لا ترتخي فيها الهمة،ولا تخفت فيها الصرخة.هذا الشعب المرابط في ساحة الثورة،لم يمنعه خوف الموت،بل استشعر أن الموت إذا لم يكن في سبيل العزة والكرامة فهو موت أبطأ وأقسى.لقد اتخذوا قرارا جعل صخور الجبال تهتز له إجلالا: إما حياة تعانق السماء بالعزة والكرامة، أو شهادة تروي تراب الوطن فتنبت فيه ألف قائد وألف ثائر.في هذه المعادلة الإيمانية،لم يعد هناك مجال للتردد،فقد صار الموت في سبيل الحق أهون من العيش تحت نير الذل.
إن ما يحدث اليوم على أرض إيران،ليس مجرد صراع سياسي أو احتجاج عابر،بل هو ملحمة وجودية تعيد تشكيل مفهوم القيمة الإنسانية ذاتها.فنحن أمام جيل جديد يقرأ التاريخ بعين البصيرة،ويدرك أن الانتصار الحقيقي لا يُقاس بعدد الصواريخ التي تمتلكها الدول،بل بحجم الإيمان الذي تحمله الصدور.هؤلاء الناس،بفئآتهم المختلفة،قد جسّدوا نظرية "خلق الحدث" بأنفسهم،فلم ينتظروا تحريرا يأتيهم من خارج،بل أعلنوا أن مشيئتهم الحرة هي التي تصنع المستقبل.إنه درس للإنسانية جمعاء،أن الشعوب حين تنتفض دفاعا عن كرامتها،تصبح كالبركان الذي لا يردعه شيء،ويكتب بأحماضه قوانين جديدة لا تمحوها العواصف.
وفي خضم هذا الصراع المحتدم بين جبهة الحق والطغيان،بين من يريدون للإنسان أن يعيش عبدا ومن يريدون له أن يكون حرا كريما،أتحدى بكل وضوح ودون اكتراث أو مبالاة،أولئك الذين يسعون بكل خبث لإثارة الفتنة وتأجيج نار الصراع بين الشيعة والسنة.إن محاولاتهم اليائسة لشق الصف الإسلامي هي دليل على فشلهم الذريع في مواجهة هذه الصحوة العارمة،لأننا في هذه المعركة المصيرية،جميعنا متوحدون تحت راية الإسلام،روحا واحدة في جسد الأمة،لا نفرق بين مسلم وآخر،فكلنا ننتمي إلى ذات العقيدة وذات القبلة.
في نهاية المطاف،لن تذهب دماء الأحرار هدرا، فالتاريخ لا يُكتب بماء الذهب،بل يُنقش بأنفاس الشهداء وعزيمة الأحياء.وإنني إذ أخاطب قلبي قبل قلمي،لأعلم يقينا أن شعب إيران سينتصر، ليس بقوة السلاح،بل بسلطان الإرادة التي تهون الموت،وتجعل من المستحيل واقعا معاشا.
وكل من يظن أن الفتنة ستنال من وحدة هذه الأمة،فليعلم أننا اليوم أكثر تلاحما،وأن راية الإسلام ستبقى خفاقة تجمعنا،وستبقى كلمة "لا إله إلا الله"هي الحصن الحصين الذي تتحطم عليه كل مؤامراتهم.
لست أحلم،لكنه الإيمان الأكثر دقة في لحظات التاريخ السوداء،من حسابات المتعجرف ترامب،والسفاح نتنياهو..
محمد المحس

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق