رقصة القطة في حمّام الغياب
ازداد غيظُه، لا لأنّها دخلت الحمّام، بل لأنّها دخلته كما يدخل العارفون مقاماتهم:
ببطءٍ مهيب، وبابتسامةٍ تشبه سرًّا لا يُقال.
كانت تمسك بقطتها البيضاء كما لو أنّها تمسك قطعةً من سحابةٍ هاربة من سماءٍ بعيدة.
القطة لا تموء، بل تحدّق في الفراغ بعينين تشبهان نافذتين على عالمٍ لا يراه إلا المجانين.
توقّف عند عتبة الباب.. شعر أنّ الغرفة ضاقت به،
وأنّ قلبه صار حجرًا صغيرًا في وادٍ قديم.
من الداخل، انطلقت دندنتها.
لم تكن أغنية.
كانت بقايا حنينٍ قديم.
قالت أمّها ذات يوم:
حين تشتاق الأرض إلى طفولتها، تصير النساءُ أغاني.
وهكذا كانت تغنّي.
غنّت كما كانت أمّها تغنّي عندما تشتاق إلى تلك البقاع التي خبّأت فيها طفولتها بين الصخور.
غنّت كما لو أنّ السهول ما تزال تناديها باسمها الأول.
ثم حدث ما لم يتوقّعه.
فتح الباب قليلًا، فرآها ترمي عباءتها في الهواء، كما ترمي الغيمةُ ظلّها على الجبل.
وفي اللحظة نفسها، تحوّل الحمّام إلى وادٍ.
الأرضُ صارت حجارةً رطبة، والجدرانُ أشجارًا صامتة، والماءُ جدولًا صغيرًا يتسلّل بين قدميها.
كانت ترقص.
لا، لم تكن ترقص وحدها.
الصخورُ تهتزّ قليلًا، الأشجارُ تميل برؤوسها،
والأوديةُ تفتح صدرها للريح.
حتى القطة تركت ذراعيها، وجلست كشيخٍ صوفيّ يراقب الحضرة.
ازداد غيظه، لكنّه فجأةً فهم.
لم يكن غيظه منها.
كان غيظه من نفسه. من جسده الثقيل الذي لم يتعلّم بعد كيف يخلع عباءته مثلها، ويرقص مع العالم.
عندها، جلس قرب الباب كمتسوّلٍ على عتبة معبد.
وأغمض عينيه.
ولأول مرة في حياته.. سمع صوت الصخور وهي تذكر الله في خشوع شديد.
ابراهيم عثمان الجزائر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق