الجمعة، 13 مارس 2026

كنت ذات زمن،وكنتُ هناك..في الضاحية الجنوبية لبيروت. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 كنت ذات زمن،وكنتُ هناك..في الضاحية الجنوبية لبيروت.

..الأساطيلَ لا ترهبوها

قفوا لو عراةً كما قد ولدتم

وسدّوا المنافذَ في وجهها

والقرى والسواحلَ والأرصفة..

انسفوا ما استطعتم إليه الوصولَ

من الأجنبيِّ المجازفِ

واستبشروا العاصفة..

مرحباً أيُّها العاصفة..

(مظفر النواب)


الوقت لا يقاس بالساعات،بل بومض المسيرات التي تمسح السماء كسؤال لا ينتهي.

تحية الفجر يا ضاحية..تحية لا تليق إلا بكِ.

تحية النازفين على عتبات البيوت،تحية من غدوا شهداء قبل أن يذوقوا قهوة الصبح.

تحية الثبات يا جنوب..يا من يقرأ جرحك ككتاب مقدس.يا من تصلّي الفجر وخلفك دماء لم تجف بعد،وأمامك أفق لا يبشر إلا بالمزيد.

تحية الكرامة يا صيدا،يا صور،يا النبطية..يا من تلبسين الحداد كأجمل ثياب العرس.

تحية الليطاني،نهر يكتب التاريخ لا بالماء،بل بدماء من مرّوا على ضفافه حاملين جراح وطن على أكتافهم.تحية النصر يا أرضا لا تعرف الانحناء...

يا أرضا ينام أطفالها على صوت القصف،ويصحون على حلم العودة.

تحية الرجال الذين يلبسون الخوف رداء،والخطر وسادة.

تحية الشجرة الوحيدة في أعلى جبل،تمتد كدرع أخضر فوق مقاتل...

عيناه تبحثان في الأفق عن وطن،ويداه تعرفان أن الزناد ليس خيارا..بل قدَر.

هذه التحية يا ضاحية..ليست صباح الخير..إنها تحية من يعرف أن الصباح قد لا يأتي،لكنه يبعثها على أمل أن يصلك صوتي قبل أن يغيب القمر.

صباح لا يشبه الصباح..يا أجمل الجراح.

كنت ذات يوم..هناك،في الضاحية التي تعلو ولا تُعلَى.تحية لا ككل التحايا..تحية تليقُ بكِ يا ضاحية الجنوب.يا من تلبسين الصبح ككفن أبيض، وتُشرقين رغم الجراح.أيُّ صباح هذا الذي نتمناه لكِ والسماء مفتوحة كجرحٍ لا يندمل؟ أيُّ خيرٍ نرجوه لكِ والبارود يكتب أسمائكم على الجدران؟

تحية يا ضاحية لا تموت..تحية يا حارة حريك..يا من جعلت من البيوت قلاعا،ومن الأرصفة مواكبَ للعائدين.تحية يا الغبيري..يا من يخضل ترابك كل صباح،ليس بالندى وحده.يا برج البراجنة..يا قلعة تعلو فوق أسوارها الأعلام السوداء.يا بئر العبد..يا بئرًا لا ينضب ماؤها،ولا يخيفها الظمأ.تحيةً إلى طريق المطار..إلى الشارع الذي يحفظ خطى المسافرين إلى السماء،ويعرف وجوه الشهداء قبل أن تصعد.

تحيةً إلى الجنوب الذي لا يستسلم...إلى صيدا التي تفتح ذراعيها للنازحين،وإلى صور التي تعانق البحر كأنها تصلي.

يا النبطية..يا من ترفعين رأسك عاليا كقمم جبل عامل.ويا نهر الليطاني..يا من تجري في عروق هذه الأرض كأنك دمها النابض بالحياة.

تحية إلى الأرض التي لا تنحني..التي تعلمت الوقوف على صلاتها،راكعة لله فقط،ساجدة لعظمته.

تحيةً لأصحاب الأقدام الثابتة..الذين يزرعون الخطى في التراب كأنها أوتاد خيام لا تُقلع.الذين يمشون على الخوف كما يمشي الأولياء على الماء..بقدمين خفيفتين وقلب ثقيل بالإيمان.

تحيةً للشجرة الوحيدة هناك..في أعلى تلة،في أحرج الشوف،أو على تخوم الخيام.تمد ظلها كدرع أخضر..تحمي مقاتلا..عينه على القبلة ويده على الزناد.

يقرأ القرآن بصوت خفيض..ويرتل آيات النصر بين ركعتين وسجدة.

كنت ذات يوم...وأنا هناك، بينكم،في الضاحية الشامخة.

كنت أمشي بين البيوت التي تعرف كيف تموت واقفة،بين الشرفات التي تودع شهداءها كل صباح بابتسامات الأطفال.كنت ألمس الجدران التي تحفظ حرارة القبل الأخيرة..جدرانا سمعت همس الأمهات وهن يودعن أبناءهن بعبارات لا تليق إلا بالأنبياء: "اذهب..الله معك..سألتقي بك في الفردوس".

وأنا اليوم، هنا،في الشمال الإفريقي،وتحديدا على ربى قرطاج،بعيدا عنكم...أحمل في جعبتي رائحة التراب المبلل بالدم والدموع.

أحمل في ذاكرتي صورة طفل يلوح بيده الصغيرة من نافذة سيارة الإسعاف،كأنه يوزع بقايا روحه على المارّة.أحمل في قلبي وجع أمٍّ ظلت تعدّ الأيام على أصابعها المنتفخة من البكاء..أمٍ لا تزال تضع إبريق القهوة كل صباح على نار هادئة،رغم أن الذي كان يشربها معها صار هناك..في عليائهم.

كان ذات يوم...

وما زلتُ حتى اليوم،كلما أغمضت عيني،أراهم هناك...واقفين كالنخل،شامخين كالجبال،يصنعون من أجسادهم دروعا،ومن أرواحهم نورا.يصلون الفجر في موعدهم،ثم يخرجون إلى الدنيا ليُعلموها كيف تكون البطولة..صبر الأنبياء ورباطة جأشهم.

تحيةً لكم حيثما كنتم..تحيةً لا تشبه الصباح ولا المساء..تحية تليق بمن علّموا الدنيا كيف يكون الوداع..شهادةً تورث الحياة.


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق