الخميس، 6 أغسطس 2026

ق.ق "رأي لم يكتمل" بقلم القاص نورالدين بنعيش

 ق.ق

"رأي لم يكتمل". 


بسبب ضعف تدفّق الإنترنت، تعذّر على الراديو والتلفاز المشاركة في لقاء افتراضي خُصّص لمناقشة موضوع: «محتوى منصّات التواصل الاجتماعي وعلاقته بالمجتمع».

 

رحّبت مقدّمة البرنامج بالجميع، وشكرتهم على الحضور، ثم أعطت الكلمة، في البداية، للسيد فيسبوك.

بسط ذراعيه على الأريكة التي كانت تئنّ تحت جسمه الضخم، ووضع نظّارات شمسية على عينيه، وإن كان الأمر لا يستدعي ذلك، ثم أمسك بالميكروفون، وركّز نظراته في الحاضرين، وقد اعتراه جنون العظمة، وقال:

—                                                               أنا الفضاء الأزرق، أعرقُ شبكات التواصل الاجتماعي، وعندي قاعدةٌ شعبيةٌ عالميةٌ لا ينازعني فيها أحد. أغلبيتها متخصّصة في هدر الزمن في التفاهة؛ فبفضل هذه الفئة أضمن وجودي إلى حدّ الآن. أمّا جنود الخفاء، فمهمّتهم لا تُقدَّر بثمن؛ فهم لا يتردّدون في تحريك المياه الراكدة، وجعل الشعوب تصطاد فيها؛ فتكثر النعرات، ويسيل مداد الكتابة كثيرًا، بما يعزّز مكانتي بين باقي منصّات التواصل الاجتماعي ويميّزني عنها. وفي مقابل ذلك، تعمل قوّاتي الخاصة على التصدّي لكل فكرٍ جادٍّ يحاول بلورة وعي الشباب المخدَّر بالعبث.

ضحك تيك توك النحيل، بلباسه المزركش، ثم ردّ عليه:

—                                                               على الرغم من صِغَر مساحتي، فأظنّني أكثر منك انتشارًا وسيطرةً على المدمنين عليّ في هذا العالم. لا أملك جيش روما ليحمي منصّتي؛ فلسفة حياتي جدّ بسيطة، استمدّت روحها من شعار: «ما قلَّ ودلَّ»، فتقوّت بذلك منصّتي. أمّا الخوارزميات التي أوظّفها، فإنها تكتفي بضمان بقاء المتابع أطول وقتٍ ممكن؛ وما عدا ذلك فلا يعنيها في شيء.

تململ السيد يوتيوب في كرسيّه، ثم تكلّم بنبرة حكيمٍ هَرِم، لم يعد أحدٌ يعتدّ بحكمته، وقد بدا عليه شيءٌ من الاضطراب:

—                                                            صرتُ أخجل من نفسي كلّما استُدعيت لإبداء رأيي في موضوع التكنولوجيا الرقمية. فمنصّتي تتعرّض باستمرار للاختراق من طرف الذكاء الاصطناعي؛ فيتلاعب بمحتواي، كتابةً وصورةً، ناهيك عن قرصنة حساباتي والعبث ببياناتي الرقمية. وبحقّ، باتت التفاهة هي سيّدة المحتوى. لقد فقدتُ زمام الأمور، وحاد قطار فلسفتي عن السكة الصحيحة، فلم أعد قادرًا على إعادة الأمور إلى نصابها.

ثم تنهد، وختم مداخلته بقوله:

—                                                               لقد عشّش الذباب الإلكتروني في بيتي!


التحق إنستغرام الأنيق بالاجتماع متأخرًا، فكانت  مداخلته جد مختصرة جاء فيها 

—                                                               أنا ممّن يؤمن بالحرية المطلقة، ولهذا أطلقتُ منصّةً جعلت من شعار: «أنت حرّ... انشر ما شئت!» أرضيةً لها.

وقبل أن ينفضّ الاجتماع، التحق الراديو والتلفاز بالحاضرين.


وبمجرّد أن تناولا الكلمة، انقطع الاتصال بالمنصّة الافتراضية

القاص نورالدين بنعيش/المغرب/ 06/08/2026



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق