من مدرسة الحياة
(١٤)
كان يظن أن الحكمة تكمن في كثرة التفكير، وكلما ازدادت الأسئلة في رأسه، ظن أنه يقترب من الفهم.
وكلما عاد إلى ما مضى، حَسِب أنه يُمسك بخيوط الحياة الأكثر إحكاماً.
ثم مضت به السنون…
فاكتشف أن العقل قد يتحول إلى مدينة لا تنام… تتجول في شوارعها الأسئلة بلا وجهة… وتظل الذكريات تطرق أبواباً أُغلقت منذ زمن…
وتقف الاحتمالات عند مفترقات لم يسلكها أحد.
عندها رأى كيف تستطيع الذات أن تُتعب صاحبها،
لا بما تجهله… بل بما تُصرُّ على استبقائه.
فكم من حكاية انتهت… لكنها بقيت تُستدعى إلى محكمة الفكر كل يوم.
وكم من طريق لم يُسلك،
ظلّ العقل يسير فيه آلاف المرات.
عندها فهم أن أكثر الضجيج إرهاقاً ليس ما يجيء من العالم…
بل ما تصنعه الذات حين ترفض أن تسمح للأشياء أن تأخذ مكانها الطبيعي في الزمن.
فبعض الأسئلة لا تبحث عن جواب،
بل تبحث عن عمرٍ آخر تستهلكه.
وبعض الاعتراضات لا تغيّر الواقع،
بل تؤجل التصالح معه.
عرف أن العجز ليس دائمًا في قلة الحيلة…
فكثيراً ما يكون في الإصرار على حمل ما لا يُحمل، وفهم ما لا يحتاج إلى فهم، ومحاكمة ما انقضى وانتهى.
وأدرك أن الحياة لم تكن تطلب منه أن يفسّر كل شيء…
بل أن يعيش ما يستطيع منه.
وأن النهر لا يبلغ البحر لأنه فهم كل منعطفٍ في طريقه… بل لأنه استمر في الجريان.
لهذا تعلّم أن يترك بعض الأسئلة للزمن،
وبعض الأوجاع للنسيان،
وبعض الحكايات في مكانها من الذاكرة.
ومضى في يومه مطمئنا…
عارفاً أن الهدوء لا يولد من كثرة ما نفهمه عن الحياة…
بل من الأشياء التي كففنا عن محاكمتها.
وأن السلام لا يأتي حين نفهم كل ما حدث…
بل حين نتوقف عن مطالبة الحياة بتفسير كل شيء.
موسى الزول
بقلم رصاص✏
من_مدرسة_الحياة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق