الاثنين، 3 أغسطس 2026

حين تضيق اللغة بحزن الأمّة..وتُخذل الكلمات..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 حين تضيق اللغة بحزن الأمّة..وتُخذل الكلمات..!

تصدير:

إن أمّة تستطيع أن تبتكر اسما للحزن،قادرة أيضا على أن تبتكر اسما آخر للنهضة والنجاة..( الكاتب)


في الأزمنة العادية،كانت اللغة العربية قادرة على احتواء أفراح الإنسان العربي وأحزانه،وكانت مفرداتها الثرية تتسع للحب والحرب،للنصر والانكسار،وللأمل واليأس.غير أنّ ما تعيشه الأمة اليوم من تراكم للهزائم والانكسارات جعل الكلمات نفسها تبدو عاجزة عن ملاحقة حجم الوجع،وكأنّ اللغة التي أنجبت آلاف القصائد والمعلقات باتت تقف مذهولة أمام واقع يتجاوز قدرتها على الوصف.

لقد أصبح الفرح العربي حدثا استثنائيا،سريع العطب،محاصرا بالدمار والخذلان والقرارات الدولية التي لا ترى في الإنسان العربي سوى رقم في نشرات الأخبار.!

وما إن تلوح في الأفق بارقة أمل حتى تتكالب عليها قوى السياسة والمصالح،فتخنقها قبل أن تكبر.وكأنّ هناك من أدرك أنّ الأمة التي تفقد إيمانها بالمستقبل،وتستسلم للهزيمة النفسية، تتحوّل تدريجيا إلى كيان فاقد للقدرة على النهوض والتجدد.

لقد عرف العرب عبر تاريخهم الطويل النكبة والنكسة والهزيمة والمؤامرة،ونسجوا حول كل مأساة سرديات وأشعارا وحكما تحفظ الذاكرة من النسيان.لكنّ ما نعيشه اليوم يبدو أكبر من كل تلك المفردات مجتمعة،فالكلمات التي كانت تفسّر الألم لم تعد تكفي،والمصطلحات التي وُلدت في زمن الهزائم السابقة فقدت قدرتها على التعبير عن هذا الخليط الثقيل من الخيبة والعجز والانكسار.

ولعلّ المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في ضياع الأرض أو تراجع الأحلام،بل في ذلك الشعور العميق الذي يتسلّل إلى النفوس حين تعجز اللغة عن تسمية ما نشعر به.فالأمم لا تموت عندما تُهزم في معركة،بل حين تفقد القدرة على تخيّل مستقبل مختلف،وحين يصبح الحزن أكبر من القواميس،والخذلان أوسع من المعاني.

إنّ العرب الذين منحوا الحصان عشرات الأسماء، وأبدعوا للحب آلاف الصور والاستعارات،يجدون أنفسهم اليوم أمام حزن بلا اسم،وأمام واقع تجاوز حدود البلاغة والشعر والخطابة. 

لقد ضاقت اللغة بما نحمله من أسئلة،وباتت المفردات القديمة أشبه بثياب مهترئة لا تستر جراح الحاضر.

ربّما لا نحتاج إلى كلمة جديدة تصف حجم مأساتنا بقدر ما نحتاج إلى إرادة جديدة تغيّر هذا الواقع، فالكلمات،مهما عظمت،تبقى عاجزة إذا مات الأمل في القلوب،لكنّ أمّة تستطيع أن تبتكر اسما للحزن، قادرة أيضا على أن تبتكر اسما آخر للنهضة والنجاة.

لم تعد خيباتنا تحتاج إلى شعراء يرثونها،ولا إلى قواميس تفسّرها،بل إلى فجر جديد يعيد إلى هذه الأمة إيمانها بنفسها.فحين تعجز الكلمات عن حمل الحزن،يصبح الصمت نفسه لغةً، وتصبح الدموع آخر ما تبقّى من حروف وطنٍ أنهكته الهزائم ولم يفقد، رغم كل شيء، حلم النهوض.


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق