الأحد، 30 أغسطس 2026

حين يتحوّل الفخر إلى قصيدة.. قراءة في قصيدة الشاعرة الفلسطينية السامقة الأستاذة عزيزة بشير بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 حين يتحوّل الفخر إلى قصيدة..

قراءة في قصيدة الشاعرة الفلسطينية السامقة الأستاذة عزيزة بشير


(تحت ركام الدموع..للشعر الفلسطيني موعد مع الفرح..!)


حيّوا التّميُّزَ والنّبوغَ بِأُسْرةٍ

يُلقِي على كلِّ الرّؤوسِ …..وِساما


دكتورُ عبْدِالله، دكتُورُ زوْجِهِ

أصْلُ التّميُّزِ  ، فازَ فيه… …..نَشامى 


كلٌّ غداً نجْماً يُحلِّقُ في الفضا

أحمُدْ،محمّدْ،مَعْ حَنينَ ……..كِراما


ودُعاءُ طالتْ بالتّميّزِ أنٌجُماً

(وأماني) فاقتْ بالنّبوغِ ……عِظاما


فرَحي بِكُمْ أطَبيبَتي وحَبيبَتي

أستاذةٌ في  الطّبٍّ..……نِلتِ مَرَاما


بنتَ البشيرِ أماني حقّقتِ المُنى

ومَعَ الأماني  تُحلِّقينَ  ..……..يَمامَا


ألفا مُباركِ  عمّتي  وحبيبتي 

(أيوا ) تُباهي فيكِ ، …..تُعليِ مَقاما


أستاذةُ التّحاليلِ  فيكِ  تميُّزٌ

صَلَواتِ ربِّ عليكمو ……..وسَلاما!


عزيزة بشير


ليست كل قصيدة تُكتب لأنّ الشاعر يريد أن يقول شيئا،فبعض القصائد تُكتب لأنّ القلب لا يجد وسيلة أخرى للاحتفاء بالفرح.

ومن هذا الباب يمكن قراءة قصيدة الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير،فهي قصيدة ولدت من مناسبة عائلية مفعمة بالفرخ،لكنّها سرعان ما ارتفعت من مجرّد التهنئة إلى مساحة أوسع من الفخر بالعلم،والاحتفاء بالنجاح،والإيمان بأنّ التفوّق حين يسكن الأسرة، يتحوّل إلى قيمة جماعية تُشبه النور حين يتوزّع على الجميع.

منذ المطلع،تختار الشاعرة فعل الأمر:

"حيّوا التميُّزَ والنبوغَ بِأُسْرةٍ

يُلقي على كلِّ الرؤوسِ..وِسامَا"

وهو مطلع دالّ للغاية،إذ لا تبدأ الشاعرة بالحديث عن شخص واحد،وإنّما عن أسرة كاملة جعلت من العلم والتميّز عنوانًا لها.ولعلّ أجمل ما في الصورة أنّ التميّز هنا ليس تاجا فوق رأس صاحبه فقط، بل وسام يُلقى على الرؤوس جميعا.وبذلك يتحوّل نجاح الفرد إلى مجد يطال الأسرة كلّها.

ثم تمضي الشاعرة في رسم شجرة هذا التفوق، فتقول:

"دكتورُ عبدِالله، دكتُورُ زوْجِهِ

أصلُ التميّزِ، فازَ فيه… نشامى"

فتتخذ من لقبَي "دكتور" و"دكتورة" علامة على رسوخ العلم داخل هذه الأسرة.وهي لا تنظر إلى الشهادة بوصفها ورقة معلّقة على جدار،بل باعتبارها ثمرة مسيرة طويلة من الجدّ والاجتهاد. ولذلك يأتي لفظ "النشامى"محمّلا بمعاني المروءة والعزيمة والنجاح.

وفي المقطع التالي تتسع دائرة الضوء،فالشاعرة لا تتوقف عند جيل واحد،بل ترى في الأبناء امتدادا طبيعيا لهذا النبوغ:

"كلٌّ غدًا نجمًا يُحلّقُ في الفضا

أحمدْ، محمّدْ، مع حنينَ… كِراما"

وهنا تظهر واحدة من أجمل الصور الشعرية في النص: صورة النجوم التي تحلّق في الفضاء. فالنجمة رمز للعلو والضياء والهداية،وكأنّ الشاعرة ترى أبناء الأسرة وهم يشقّون طريقهم نحو المستقبل،لا كأسماء عابرة،وإنما كنجوم يُنتظر منها أن تضيء.

ثم تضيف:

"ودعاءُ طالتْ بالتميّزِ أنجُمًا

وأماني فاقتْ بالنبوغِ… عِظاما"

فتنتقل من النجاح المتحقق إلى الدعاء والأماني، ومن الحاضر إلى المستقبل. 

وفي هذا الانتقال ملمح إنساني جميل،فالشاعرة لا تكتفي بتسجيل ما تحقق،بل تفتح للنجاح أبوابا جديدة،وكأنّ كل إنجاز ليس نهاية الطريق،وإنما بداية لحلم آخر.

أما أكثر المقاطع حرارة وخصوصية فهو قولها:

"فرَحي بِكِ يا طبيبتي وحبيبتي

أستاذةٌ في الطبِّ… نلتِ مَرَاما"

هنا تنخفض المسافة بين الشاعرة والمُحتفى بها، ويتقدّم الحبّ العائلي إلى الواجهة.فعبارة "طبيبتي وحبيبتي" تختصر علاقةً تتجاوز الإعجاب بالإنجاز إلى محبة الإنسان الذي يقف خلف الإنجاز.ثم يأتي الفعل "نلتِ"ليعلن اكتمال رحلة كانت أمنية فأصبحت حقيقة.

وتزداد القصيدة حميمية في قولها:

"بنتَ البشيرِ أماني حقّقتِ المُنى

ومعَ الأماني تُحلّقينَ… يَماما"

فالاسم "أماني" يتحوّل داخل البيت إلى دلالة رمزية: أمانيٌ كانت حلما،ثم أصبحت حقيقة.وهذه لعبة لفظية لطيفة تجعل الاسم نفسه جزءا من المعنى، وكأنّ الشاعرة تقول إنّ "أماني" لم تحمل اسم الأماني فحسب،بل حققت الأماني بالفعل.

أما صورة "اليمام" فتمنح المقطع رقة وجدانية واضحة،فاليمام مرتبط في الذاكرة الشعرية بالسلام والصفاء والحنين،ولذلك يبدو التحليق هنا مختلفا عن تحليق النجوم في المقطع السابق: هناك علوّ وطموح،وهنا حرية وطمأنينة وفرح.

ثم تبلغ القصيدة ذروة الاحتفاء العائلي في قولها:

"ألفا مباركِ عمّتي وحبيبتي

أيوّا تُباهي فيكِ..تُعلي مَقاما

وهو بيت مشبع بالحميمية والانتماء'فالشاعرة لا تحتفل بالإنجاز من الخارج،بل تتحدث من داخل العائلة والذاكرة والقرابة.ولفظة "حبيبتي" تتكرر لتؤكد أن القصيدة ليست قصيدة مناسَبة باردة،بل قصيدة خرجت من قلب يرى في نجاح الآخر نجاحا له أيضا.

وفي خاتمة النص:

"أستاذةُ التحاليلِ فيكِ تميُّزٌ

صلواتُ ربٍّ عليكمو… وسلاما!"

تترك الشاعرة للقصيدة أن تنتهي بالدعاء،وكأنّها تريد أن تختم الفرح الأرضي ببركة سماوية.وهنا تتكامل الدائرة: بدأت القصيدة بالتحية،ومرّت بالفخر والتهنئة والتمني،وانتهت بالصلاة والسلام.

ومن الناحية الفنية،اعتمدت الشاعرة على وحدة القافية المنتهية غالبا بصوت "ـاما" وهو ما منح القصيدة نغمة احتفالية متماسكة،وجعل الأبيات تتوالى وكأنها مقاطع من نشيد فرح واحد.

وتتكرر ألفاظ بعينها مثل: التميّز،النبوغ،النجوم، الأماني،التحليق،المقام،وهي ليست مجرد مفردات متجاورة،بل تشكل حقلا دلاليا واحدا قوامه العلوّ والإنجاز والضياء والطموح.

كما يلفت الانتباه حضور الأفعال ذات الحركة الصاعدة: "يُحلّق"، "فاقت"، "تُحلّقين"،"تُعلي".وكأنّ الشاعرة أرادت للقصيدة أن تتحرك دائما إلى أعلى، فلا مكان فيها للركود،لأنّ موضوعها في الأصل هو الإنسان الذي يصعد بالعلم،والأسرة التي ترتقي بالنجاح،والحلم الذي يتحول إلى حقيقة.

واللافت أيضا أنّ الشاعرة تجمع بين لغة الفصحى الاحتفالية وبين مفردات حميمية قريبة من لغة العائلة،مثل"طبيبتي"،"حبيبتي"،"عمّتي"،وهو ما منح النص حرارة إنسانية واضحة،وجعل المناسبة حاضرة في نبض القصيدة لا في موضوعها فقط.

وقد لا تكون قيمة النص في البحث عن التعقيد البلاغي أو الغموض الرمزي،بقدر ما تكمن في صدقه العاطفي ووضوح مقصده ودفء لغته.فهي قصيدة تريد أن تُفرح،وأن تبارك،وأن تقول للمحتفى بهم: إنّ نجاحكم لم يمرّ عابرا،وإنّ هناك قلبا رأى في هذا النجاح مناسبة لكي يكتب.

وتبقى الشاعرة الفلسطينية الفذة الأستاذة عزيزة بشير هي الحضور الأبرز خلف هذه الأبيات،شاعرة تعرف كيف تجعل من المناسبة الصغيرة فضاء للفرح الكبير،وكيف تنقل المشاعر العائلية من حدودها الخاصة إلى لغة يستطيع القارئ أن يلامس فيها شيئا من تجربته وذكرياته.

إنّ أجمل ما في الشاعر الحقيقي ليس أن يكتب عن القضايا الكبرى فقط،بل أن يستطيع أن يمنح للفرح البسيط قيمة شعرية،وأن يرى في نجاح ابنة أو ابن أو قريب معنى يتجاوز الشهادة واللقب إلى فكرة أعمق:أن العلم يرفع الإنسان،وأن نجاح فرد يمكن أن يضيء بيتا كاملا.

وهذا ما فعلته الأستاذة عزيزة بشير هنا،فقد كتبت بمداد المحبة،ورفعت أسماء أهلها إلى فضاء الشعر، وحوّلت فرحة عائلية إلى نصّ يحتفي بالعلم والنبوغ،ويقول بصورة غير مباشرة إنّ أجمل ما يمكن أن تورثه الأسرة لأبنائها ليس المال وحده، وإنما حب العلم،وقيمة الاجتهاد،والإيمان بأنّ الإنسان يستطيع أن يصنع لنفسه مكانا بين النجوم.

وتظلّ الشاعرة الفلسطينية السامقة الأستاذة عزيزة بشير واحدة من تلك الأصوات التي لا تكتب بالكلمات وحدها،بل تكتب بما تختزنه الروح من محبة ووفاء واعتزاز.وفي هذه القصيدة تحديدا،جعلت من نجاح أحبّتها مناسبة ليزهر الشعر،ومن الفخر العائلي فضاء للنبوغ،ومن التهنئة نشيدا يليق بمن اختاروا طريق العلم.

فطوبى لشاعرةٍ تعرف كيف تجعل الفرح قصيدة، وكيف تجعل القصيدة وفاء،وكيف تترك في الكلام شيئا من دفء القلب..وشيئا من ضوء فلسطين.

وفي النهاية،تبقى الشاعرة الفلسطينية السامقة الأستاذة عزيزة بشير ابنة شعر يعرف كيف يقاوم، فبقدر ما تكتب عن الجرح الفلسطيني،والغربة والاغتراب،والنوستالجيا،وتحلم بغد فلسطينيٍّ مشرق،تفتح في قصائدها نوافذ للفرح والنجاح والتألّق. 

وتلك،لعلّها إحدى أجمل سمات الشعر الفلسطيني القوي: شعر يقاتل الظلم والعتمة والظلام،لكنه لا يستسلم للحزن،يبحث عن الفرح،ويزرع البسمة تحت ركام الدموع،ويُبقي للحياة مكانا حتى في حضرة شهيق الموت.!


متابعة محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق