الأربعاء، 26 أغسطس 2026

قراءة نقدية في لوحة "" وجدان تجريدي "" Émotion abstraite للفنانة التشكيلية ليلى الڨاسمي / ضمن معرضها "حكايا ألف ليلة و ليلى" بمدينة الثقافة/ تونس بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي / تونس 🇹🇳

 بقلمي: الأستاذة سعيدة بركاتي / تونس 🇹🇳

قراءة نقدية في لوحة "" وجدان تجريدي "" Émotion abstraite

للفنانة التشكيلية ليلى الڨاسمي / ضمن معرضها "حكايا ألف ليلة و ليلى" بمدينة الثقافة/ تونس


تقديم : من فضاء المعرض إلى فضاء اللوحة(مقتطف من القراءة النقديةللمعرض ككل للناقد محمد المي) :

يندرج هذا العمل ضمن التجربة البصرية السردية التي قدمتها الفنانة ليلى القاسمي في معرضها "حكايا ألف ليلة و ليلى"، و التي تقوم  : كما أشار الناقد محمد المي : على ربط الذاكرة الشعبية بالهوية الثقافية عبر بناء عالم رمزي يمزج التشخيص بالتجريد.

 و تميز خطاب الڨاسمي البصري بـ "التشخيص المجرد" و "السرد الصامت"، و بجعله من اللون حاملاً للمعنى لا وظيفة زخرفية ، و من الضوء مصدراً داخلياً ينبعث من الكتل اللونية نفسها.

وانطلاقاً من هذا الإطار ، تأتي لوحة " وجدان تجريدي " Emotion Abstraite كنموذج مكثف لهذا المشروع . فهي تعيد صياغة أسئلة المعرض الكبرى حول الهوية و الذاكرة في فضاء الوجدان الإنساني.


القراءة النقدية للوحة

++ الانطباع الأول :

 اللوحة ليست نافذةً على مشهد واضح ، بل هي مساحة يتصارع داخلها اللون مع الشكل ؛ يندفع الأصفر في قلب الزرقة كوميضٍ حاد ، بينما تتجمع أجساد دون ملامح كأنها تحاول أن تتذكر أسماءها . هنا لا يكتمل الإنسان ، و لا يختفي تماماً ، بل يبقى معلقاً بين التشخيص و التجريد ، بين ما يمكن رؤيته وما "لا يمكن" إلا الشعور به .


#ماذا_لفت_انتباهي :

 كقارئة انتبهت أولاً  إلى الكتلة الصفراء المضيئة في وسط الجهة اليمنى ؛ لأنها أكثر مناطق اللوحة توهجاً ، و لأن شكلها الزاوي الحاد يختلف عن انحناءات الأجساد المحيطة بها .

 هنا يظهر التوتر البنيوي للوحة : بين برودة الأزرق و الأخضر و سخونة الأصفر و الأحمر ، و بين نعومة الأجساد المنحنية و حدّة الكتل الهندسية ، و بين اجتماع الشخصيات في مكان واحد و بقائها منفصلة دون ملامح و لا نظرات متبادلة .


يتبادر إلى ذهني سؤال عميق: لو حُذفت الكتلة البشرية الوسطى ، لانقطع الجسر بين التجريد و التشخيص ، و لتحولت اللوحة إلى علاقات لونية بحتة :  فحضور هذه الشخصيات هو الذي يمنح الفوضى اللونية بعداً إنسانياً و وجدانياً ،( ذكاء اللعبة الفنية للألوان التي أتقنتها فنانتنا ).


++ على المستوى الوصفي: ماذا نرى بالعين المجردة ؟

 أمامنا فضاء مستطيلاً تحيط به حافة فاتحة ، تملؤه ألوان متراكبة يغلب عليها الأزرق و الفيروزي و الأخضر ، مع مساحات من الأصفر و الأحمر و البرتقالي و البنفسجي .

 تظهر في الجزء السفلي و الوسطي هيئات بشرية مبسطة ، تشبه الخيال ، كتلة يسارية ترابية ، هيئة ذات رأس بيضاوي بألوان متدرجة ، و هيئة نحيفة في الوسط بخطوط عمودية متموجة . و في اليمين كتلة صفراء حادة تجاور مساحة حمراء . الخطوط بعضها لين منحني حول الأجساد ، و بعضها حاد مكسور في الكتل الهندسية . و تظهر خطوط سوداء متعرجة تحدد دون أن تغلق .


++ ماهي دلالات الألوان و تدرجه في لوحتنا ؟:

 لا يؤدي اللون في هذه اللوحة وظيفة و صفية ، بل يتحول إلى نص موازٍ يحمل الانفعال .

_ الأزرق الفيروزي و الأزرق الداكن : لوني التأمل و العمق و اللاوعي ، يغلفا اللوحة و يخلقا إحساساً بالغربة و الاتساع الداخلي ، و كأنهما فضاء نفسي نحاول العبور داخلهما .

_ الأخضر : يتوسط بين الأزرق و الأصفر ، فيحيل إلى الأمل المتردد و الحياة التي لم تكتمل بعد .

_ الأصفر : يتمركز في الجهة اليمنى كنقطة توهج . هو لون الانكشاف و الوعي و اللحظة التي تنفجر فيها الذاكرة ، حدّته الزاوية تقابله حدة الانفعال .

_ الأحمر و البرتقالي: يتوزعان كبقع صغيرة حارة ، يمنحان اللوحة دفء الجسد و نبضه ، و يذكران بعناصر الحنين و الدم و الانبعاث التي ميزت معرض "ألف ليلة" .

_ البنفسجي : يحضر في تموجات الأجساد ، و هو لون الروحانية و الغموض و الانتقال بين حالتين .

_ الترابي و الوردي : في الكتلة اليسرى ، يحيلان إلى الجسد ،  إلى الأصل و الطين الذي خرجنا منه .

 _ الرمادي و الأسود : لا كظل واقعي ، بل كتراكم للكبت و المسكوت عنه ، يحاصر التوهج و يمنحه بعده الدرامي .

و بهذا التدرج اللوني تبني الفنانة جدلية بين الحار و البارد ، بين الذاكرة و الواقع ، و بين الحلم و اليقظة ، فيصبح الضوء مرادفاً للوعي ، و الظلام لما يظل مكبوتاً في أعماق النفس...

#العنوان:

 Émotion abstraite أقرب إلى "وجدان تجريدي" منه إلى "عاطفة مجردة" . فاللوحة لا تعرض عاطفة واحدة مسماة ، بل 

تبني فضاء تتحول فيه الانفعالات إلى ألوان و خطوط و كتل .

 الحزن لا يُرسم بدمعة ، و الخوف لا يظهر بوجه مذعور...

 فاللوحة لا تنتمي إلى التجريد الخالص ، لأن الحضور البشري واضح ، و لا إلى التشخيص التقليدي ، لأن الشخصيات دون ملامح . الفنانة تدفع الشكل إلى حافة الاختفاء .


#رأيي_الشخصي_بعد_القراءة_و_التحليل:

 يتضح أن لوحة " وجدان تجريدي " لا تفصل بين الإنسان و فضائه النفسي ، بل تجعلهما مادة تشكيلية واحدة ؛ فالأجساد تخرج من اللون ثم تعود إليه ،  و الملامح تختفي حتى يتحول الفرد إلى حالة وجدانية مفتوحة : حوار بين الأجساد و الألوان .

 و قد أسهمت الإضاءة الداخلية في تعميق هذا المعنى : الأصفر و الأبيض يكشفان لحظة انفعال ، و الأزرق و الأخضر الداكن كأنهما يحاصرانها ببعد درامي ، الحوار مرة أخرى .

فقد طرحت اللوحة سؤالاً مهماً عن الهوية من خلال المحو لا التصريح ؛ فالجسد موجود ، لكن الشخصية الفردية غائبة . و ربما تشير هذه الهيئات إلى أناس فقدوا القدرة على التعريف بأنفسهم ، أو إلى حالات نفسية لا تحتاج إلى أسماء (مجرد رأي و للفنانة رأيها و للمتلقي نظرته ).

وهكذا لا تقدم ليلى الڨاسمي صورة عن الوجدان بقدر ما تجعل المتلقي يدخل إليه ، و يتحرك بين طبقاته ، و يصطدم بتناقضاته ، حتى يدرك أن أعمق الانفعالات هي تلك التي لا تمتلك شكلاً نهائياً ولا اسماً واحداً.


بقلمي الأستاذة الناقدة سعيدة بركاتي/ تونس 🇹🇳



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق