بقلمي: الأستاذة سعيدة بركاتي / تونس 🇹🇳
قراءة نقدية في لوحة "" وجدان تجريدي "" Émotion abstraite
للفنانة التشكيلية ليلى الڨاسمي / ضمن معرضها "حكايا ألف ليلة و ليلى" بمدينة الثقافة/ تونس
تقديم : من فضاء المعرض إلى فضاء اللوحة(مقتطف من القراءة النقديةللمعرض ككل للناقد محمد المي) :
يندرج هذا العمل ضمن التجربة البصرية السردية التي قدمتها الفنانة ليلى القاسمي في معرضها "حكايا ألف ليلة و ليلى"، و التي تقوم : كما أشار الناقد محمد المي : على ربط الذاكرة الشعبية بالهوية الثقافية عبر بناء عالم رمزي يمزج التشخيص بالتجريد.
و تميز خطاب الڨاسمي البصري بـ "التشخيص المجرد" و "السرد الصامت"، و بجعله من اللون حاملاً للمعنى لا وظيفة زخرفية ، و من الضوء مصدراً داخلياً ينبعث من الكتل اللونية نفسها.
وانطلاقاً من هذا الإطار ، تأتي لوحة " وجدان تجريدي " Emotion Abstraite كنموذج مكثف لهذا المشروع . فهي تعيد صياغة أسئلة المعرض الكبرى حول الهوية و الذاكرة في فضاء الوجدان الإنساني.
القراءة النقدية للوحة
++ الانطباع الأول :
اللوحة ليست نافذةً على مشهد واضح ، بل هي مساحة يتصارع داخلها اللون مع الشكل ؛ يندفع الأصفر في قلب الزرقة كوميضٍ حاد ، بينما تتجمع أجساد دون ملامح كأنها تحاول أن تتذكر أسماءها . هنا لا يكتمل الإنسان ، و لا يختفي تماماً ، بل يبقى معلقاً بين التشخيص و التجريد ، بين ما يمكن رؤيته وما "لا يمكن" إلا الشعور به .
#ماذا_لفت_انتباهي :
كقارئة انتبهت أولاً إلى الكتلة الصفراء المضيئة في وسط الجهة اليمنى ؛ لأنها أكثر مناطق اللوحة توهجاً ، و لأن شكلها الزاوي الحاد يختلف عن انحناءات الأجساد المحيطة بها .
هنا يظهر التوتر البنيوي للوحة : بين برودة الأزرق و الأخضر و سخونة الأصفر و الأحمر ، و بين نعومة الأجساد المنحنية و حدّة الكتل الهندسية ، و بين اجتماع الشخصيات في مكان واحد و بقائها منفصلة دون ملامح و لا نظرات متبادلة .
يتبادر إلى ذهني سؤال عميق: لو حُذفت الكتلة البشرية الوسطى ، لانقطع الجسر بين التجريد و التشخيص ، و لتحولت اللوحة إلى علاقات لونية بحتة : فحضور هذه الشخصيات هو الذي يمنح الفوضى اللونية بعداً إنسانياً و وجدانياً ،( ذكاء اللعبة الفنية للألوان التي أتقنتها فنانتنا ).
++ على المستوى الوصفي: ماذا نرى بالعين المجردة ؟
أمامنا فضاء مستطيلاً تحيط به حافة فاتحة ، تملؤه ألوان متراكبة يغلب عليها الأزرق و الفيروزي و الأخضر ، مع مساحات من الأصفر و الأحمر و البرتقالي و البنفسجي .
تظهر في الجزء السفلي و الوسطي هيئات بشرية مبسطة ، تشبه الخيال ، كتلة يسارية ترابية ، هيئة ذات رأس بيضاوي بألوان متدرجة ، و هيئة نحيفة في الوسط بخطوط عمودية متموجة . و في اليمين كتلة صفراء حادة تجاور مساحة حمراء . الخطوط بعضها لين منحني حول الأجساد ، و بعضها حاد مكسور في الكتل الهندسية . و تظهر خطوط سوداء متعرجة تحدد دون أن تغلق .
++ ماهي دلالات الألوان و تدرجه في لوحتنا ؟:
لا يؤدي اللون في هذه اللوحة وظيفة و صفية ، بل يتحول إلى نص موازٍ يحمل الانفعال .
_ الأزرق الفيروزي و الأزرق الداكن : لوني التأمل و العمق و اللاوعي ، يغلفا اللوحة و يخلقا إحساساً بالغربة و الاتساع الداخلي ، و كأنهما فضاء نفسي نحاول العبور داخلهما .
_ الأخضر : يتوسط بين الأزرق و الأصفر ، فيحيل إلى الأمل المتردد و الحياة التي لم تكتمل بعد .
_ الأصفر : يتمركز في الجهة اليمنى كنقطة توهج . هو لون الانكشاف و الوعي و اللحظة التي تنفجر فيها الذاكرة ، حدّته الزاوية تقابله حدة الانفعال .
_ الأحمر و البرتقالي: يتوزعان كبقع صغيرة حارة ، يمنحان اللوحة دفء الجسد و نبضه ، و يذكران بعناصر الحنين و الدم و الانبعاث التي ميزت معرض "ألف ليلة" .
_ البنفسجي : يحضر في تموجات الأجساد ، و هو لون الروحانية و الغموض و الانتقال بين حالتين .
_ الترابي و الوردي : في الكتلة اليسرى ، يحيلان إلى الجسد ، إلى الأصل و الطين الذي خرجنا منه .
_ الرمادي و الأسود : لا كظل واقعي ، بل كتراكم للكبت و المسكوت عنه ، يحاصر التوهج و يمنحه بعده الدرامي .
و بهذا التدرج اللوني تبني الفنانة جدلية بين الحار و البارد ، بين الذاكرة و الواقع ، و بين الحلم و اليقظة ، فيصبح الضوء مرادفاً للوعي ، و الظلام لما يظل مكبوتاً في أعماق النفس...
#العنوان:
Émotion abstraite أقرب إلى "وجدان تجريدي" منه إلى "عاطفة مجردة" . فاللوحة لا تعرض عاطفة واحدة مسماة ، بل
تبني فضاء تتحول فيه الانفعالات إلى ألوان و خطوط و كتل .
الحزن لا يُرسم بدمعة ، و الخوف لا يظهر بوجه مذعور...
فاللوحة لا تنتمي إلى التجريد الخالص ، لأن الحضور البشري واضح ، و لا إلى التشخيص التقليدي ، لأن الشخصيات دون ملامح . الفنانة تدفع الشكل إلى حافة الاختفاء .
#رأيي_الشخصي_بعد_القراءة_و_التحليل:
يتضح أن لوحة " وجدان تجريدي " لا تفصل بين الإنسان و فضائه النفسي ، بل تجعلهما مادة تشكيلية واحدة ؛ فالأجساد تخرج من اللون ثم تعود إليه ، و الملامح تختفي حتى يتحول الفرد إلى حالة وجدانية مفتوحة : حوار بين الأجساد و الألوان .
و قد أسهمت الإضاءة الداخلية في تعميق هذا المعنى : الأصفر و الأبيض يكشفان لحظة انفعال ، و الأزرق و الأخضر الداكن كأنهما يحاصرانها ببعد درامي ، الحوار مرة أخرى .
فقد طرحت اللوحة سؤالاً مهماً عن الهوية من خلال المحو لا التصريح ؛ فالجسد موجود ، لكن الشخصية الفردية غائبة . و ربما تشير هذه الهيئات إلى أناس فقدوا القدرة على التعريف بأنفسهم ، أو إلى حالات نفسية لا تحتاج إلى أسماء (مجرد رأي و للفنانة رأيها و للمتلقي نظرته ).
وهكذا لا تقدم ليلى الڨاسمي صورة عن الوجدان بقدر ما تجعل المتلقي يدخل إليه ، و يتحرك بين طبقاته ، و يصطدم بتناقضاته ، حتى يدرك أن أعمق الانفعالات هي تلك التي لا تمتلك شكلاً نهائياً ولا اسماً واحداً.
بقلمي الأستاذة الناقدة سعيدة بركاتي/ تونس 🇹🇳

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق