الخميس، 13 أغسطس 2026

" اليوم الوطني التونسي لعيد المرأة" بقلم الكاتب: الكيلاني بوستة

 " اليوم الوطني التونسي لعيد المرأة"

"(13 أُوتْ 1956 - 13 أُوتْ 2026): مُجَلَّةُ الْأَحْوَالِ الشَّخْصِيَّةِ، سَبْعُونَ عَامًا بَيْنَ الْإِنْجَازِ التَّشْرِيعِيِّ وَتَحَدِّيَاتِ الْوَاقِعِ الِاجْتِمَاعِيِّ"

    💠 الكاتب: الكيلاني بوستة ___________________


    يُشَكِّلُ الِاحْتِفَاءُ بِالْيَوْمِ الْوَطَنِيِّ لِلْمَرْأَةِ التُّونِسِيَّةِ فِي الثَّالِثِ عَشَرَ مِنْ أُوتْ لَحْظَةَ تَقْيِيمٍ لِمَسَارِ سَبْعِينَ سَنَةً مِنَ النِّضَالِ التَّشْرِيعِيِّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ. فَفِي 13 أُوتْ 1956 صَدَرَتْ مُجَلَّةُ الْأَحْوَالِ الشَّخْصِيَّةِ لِتُؤَسِّسَ قَطِيعَةً مَعَ الْمَنْظُومَةِ الْعُرْفِيَّةِ وَتُعْلِنَ مِيلَادَ أُسْرَةٍ وَطَنِيَّةٍ حَدِيثَةٍ قَائِمَةٍ عَلَى الْمُسَاوَاةِ وَالْكَرَامَةِ. وَبَعْدَ سَبْعِينَ سَنَةً، 13 أُوتْ 2026، تَقِفُ الْمَرْأَةُ التُّونِسِيَّةُ الْيَوْمَ فِي مَوْقِعٍ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرَّجُلِ مِنْ حَيْثُ الْحَقُّ فِي التَّعْلِيمِ وَالْعَمَلِ وَالتَّمْثِيلِ السِّيَاسِيِّ، وَهِيَ جَدِيرَةٌ بِأَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهَا الْأَضْوَاءُ وَأَنْ يُكَرِّمَهَا مُجْتَمَعُهَا الَّذِي يَفْتَخِرُ بِهَا وَبِإِنْجَازَاتِهَا. لَكِنَّ هَذَا الِاحْتِفَاءَ يَطْرَحُ سُؤَالًا أَكَادِيمِيًّا جَوْهَرِيًّا: هَلْ تَحَوَّلَتِ الْمُكْتَسَبَاتُ الْقَانُونِيَّةُ إِلَى وَاقِعٍ مَعِيشِيٍّ مُنْصِفٍ لِكُلِّ النِّسَاءِ التُّونِسِيَّاتِ، أَمْ أَنَّ هُنَاكَ فَجَوَاتٍ عَمِيقَةً مَا زَالَتْ تَحُولُ دُونَ ذَلِكَ؟


     إِنَّ قِرَاءَةَ الْوَاقِعِ تَكْشِفُ صُورَةً مُرَكَّبَةً قِوَامُهَا الْإِنْجَازُ وَالتَّنَاقُضُ مَعًا. فَعَلَى الْمُسْتَوَى الْقَانُونِيِّ وَالتَّعْلِيمِيِّ حَقَّقَتْ تُونِسُ قَفْزَةً غَيْرَ مَسْبُوقَةٍ فِي مُحِيطِهَا الْعَرَبِيِّ. شَكَّلَتِ الْمُجَلَّةُ إِطَارًا حَمَى الْأُسْرَةَ مِنْ خِلَالِ إِلْغَاءِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ وَاشْتِرَاطِ رِضَا الزَّوْجَيْنِ وَجَعْلِ الطَّلَاقِ بِيَدِ الْقَضَاءِ لَا بِيَدِ الْفَرْدِ، وَفَتَحَتِ الْبَابَ أَمَامَ الْمَرْأَةِ لِلْوُلُوجِ إِلَى الْجَامِعَةِ وَالْوَظِيفَةِ وَالتَّمْثِيلِ. وَتُؤَكِّدُ الْأَرْقَامُ الرَّسْمِيَّةُ لِلْمَعْهَدِ الْوَطَنِيِّ لِلْإِحْصَاءِ لِسَنَةِ 2024 هَذَا الْحُضُورَ، إِذْ تُشَكِّلُ النِّسَاءُ 61% مِنْ خَرِيجِي التَّعْلِيمِ الْعَالِي، وَ53% مِنَ الْأَطِبَّاءِ، وَ70% مِنَ الصَّيَادِلَةِ، وَ48% مِنَ الْقُضَاةِ، وَلَهُنَّ تَمْثِيلٌ وِزَارِيٌّ وَبَرْلَمَانِيٌّ جَعَلَ تُونِسَ تَسْبِقُ نَظِيرَاتِهَا الْإِقْلِيمِيَّةَ بِعُقُودٍ. أَمَّا عَلَى الْمُسْتَوَى الِاقْتِصَادِيِّ فَالصُّورَةُ أَكْثَرُ تَعْقِيدًا. فَمُعَدَّلُ نَشَاطِ النِّسَاءِ لَا يَتَجَاوَزُ 25.6% مُقَابِلَ 67.2% لِلرِّجَالِ، وَتَصِلُ بِطَالَةُ حَامِلَاتِ الشَّهَائِدِ الْعُلْيَا إِلَى 23.4% مُقَابِلَ 14.8% لِلرِّجَالِ، كَمَا أَنَّ الْفَجْوَةَ فِي الْأُجُورِ تُقَدَّرُ بـ27% حَسَبَ مُنَظَّمَةِ الْعَمَلِ الدَّوْلِيَّةِ. وَيَتَوَزَّعُ التَّشْغِيلُ النِّسَائِيُّ بِنِسْبَةِ 68.5% فِي قِطَاعِ الْخِدْمَاتِ خُصُوصًا التَّعْلِيمَ وَالصِّحَّةَ وَالْإِدَارَةَ، وَ26.8% فِي الصِّنَاعَةِ حَيْثُ تَسْتَحْوِذُ النِّسَاءُ عَلَى 80% مِنَ الْعَمَلَةِ فِي النَّسِيجِ، وَ4.7% فَقَطْ رَسْمِيًّا فِي الْفِلَاحَةِ رَغْمَ أَنَّ الدِّرَاسَاتِ الْمَيْدَانِيَّةَ تُؤَكِّدُ أَنَّ 60% مِنَ الْعَمَلِ الْمَوْسِمِيِّ فِي الْحُقُولِ تُؤَمِّنُهُ نِسَاءٌ. وَهُنَا يَبْرُزُ جَوْهَرُ الْإِشْكَالِ، فَهَذِهِ الْفِئَةُ مِنْ نِسَاءِ الرِّيفِ الْعَامِلَاتِ فِي الْقِطَاعِ الْفِلَاحِيِّ لَمْ تَسْتَفِدْ فِعْلِيًّا مِنْ رُوحِ الْمُجَلَّةِ. فَهُنَّ يَشْتَغِلْنَ فِي الْهَشَاشَةِ الْمُطْلَقَةِ، دُونَ عَقْدِ عَمَلٍ وَلَا تَغْطِيَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ وَلَا نَقْلٍ آمِنٍ، وَقَدْ تَكَرَّرَتْ حَوَادِثُ "شَاحِنَاتِ الْمَوْتِ" لِتُذَكِّرَنَا بِثَمَنِ صَمْتِهِنَّ. كَمَا أَنَّ الْعُرْفَ مَا زَالَ أَقْوَى مِنَ الْقَانُونِ فِي مَسَائِلِ الْمِيرَاثِ وَالزَّوَاجِ وَالطَّلَاقِ، فَتَبْقَى بُنُودُ الْمُجَلَّةِ بَعِيدَةً عَنْ مَتَنَاوَلِهِنَّ. وَبِذَلِكَ تَحَوَّلَتِ الْمَرْأَةُ الرِّيفِيَّةُ إِلَى الْحَلْقَةِ الْأَضْعَفِ رَغْمَ أَنَّهَا الرَّكِيزَةُ الْأَسَاسِيَّةُ لِلْأَمْنِ الْغِذَائِيِّ.


     إِنَّ مُقَارَبَةَ هَذَا الْوَاقِعِ تَسْتَدْعِي الْخُرُوجَ مِنْ مَنْطِقِ الْمُوَاجَهَةِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ، لِأَنَّ الرَّجُلَ التُّونِسِيَّ نَفْسَهُ يُعَانِي الْيَوْمَ مِنَ الْبِطَالَةِ الْمُقَدَّرَةِ بـ13.1% وَمِنْ تَدَهُورِ الْمَقْدِرَةِ الشِّرَائِيَّةِ وَمِنْ فُقْدَانِ أَدْوَارٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ تَقْلِيدِيَّةٍ دُونَ تَعْوِيضِهَا بِأَدْوَارٍ جَدِيدَةٍ، مِمَّا يَجْعَلُ قَضِيَّةَ النُّهُوضِ قَضِيَّةَ أُسْرَةٍ وَطَنِيَّةٍ لَا قَضِيَّةَ جِنْسٍ. وَفِي هَذَا الْإِطَارِ لَا يُمْكِنُ اسْتِيرَادُ التَّجَارِبِ الدَّوْلِيَّةِ حَرْفِيًّا، بَلْ يُمْكِنُ الِاسْتِئْنَاسُ بِهَا فِي حُدُودِ الْخُصُوصِيَّةِ. فَتَجْرِبَةُ الْمَغْرِبِ فِي مُرَاجَعَةِ مُدَوَّنَةِ الْأُسْرَةِ سَنَةَ 2004 تُقَدِّمُ نَمُوذَجًا لِلتَّوْفِيقِ بَيْنَ الْمَرْجِعِيَّةِ الدِّينِيَّةِ وَمُقْتَضَيَاتِ الْمُسَاوَاةِ، وَتَجْرِبَةُ تُرْكِيَا فِي التَّمْكِينِ الِاقْتِصَادِيِّ لِلْمَرْأَةِ الرِّيفِيَّةِ عَبْرَ الْقُرُوضِ الصِّغَارِ وَالْحَضَانَاتِ تُقَدِّمُ دَرْسًا فِي رَبْطِ الْحُقُوقِ بِالْبِنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ، وَتَجْرِبَةُ السُّوِيدِ فِي إِجَازَةِ الْأُبُوَّةِ وَالْحَضَانَاتِ الْمَجَّانِيَّةِ تُذَكِّرُنَا بِأَنَّ الدَّوْلَةَ حِينَ تَتَحَمَّلُ مَسْؤُولِيَّةَ الْأُسْرَةِ تَرْتَفِعُ مُشَارَكَةُ النِّسَاءِ إِلَى 80%. لَكِنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُصَاغَ فِي إِطَارٍ تُونِسِيٍّ يُرَاعِي الْمِزَاجَ الْمُجْتَمَعِيَّ وَالْمَرْجِعِيَّةَ الْمَالِكِيَّةَ. وَعَلَيْهِ فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ الْيَوْمَ لَيْسَ نَسْفَ الْمُجَلَّةِ الَّتِي كَانَتْ ثَوْرِيَّةً فِي 1956، بَلْ مُرَاجَعَتَهَا نَقْدِيًّا لِتُوَاكِبَ تَحَدِّيَاتِ 2026، وَذَلِكَ عَبْرَ إِقْرَارِ الْمُسَاوَاةِ الْفِعْلِيَّةِ فِي الْمِيرَاثِ مَعَ ضَمَانِ الِاخْتِيَارِ، وَتَجْرِيمِ التَّحَرُّشِ الِاقْتِصَادِيِّ فِي الْفِلَاحَةِ، وَإِدْمَاجِ الْعَامِلَاتِ الْفِلَاحِيَّاتِ فِي قَانُونِ الشُّغْلِ وَالضَّمَانِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَتَقْرِيبِ الْقَضَاءِ وَالْخِدْمَاتِ مِنَ الْمَنَاطِقِ الدَّاخِلِيَّةِ. كَمَا أَنَّ التَّمْكِينَ الِاقْتِصَادِيَّ لَا يَكُونُ بِالْخِطَابِ بَلْ بِإِنْشَاءِ تَعَاوُنِيَّاتٍ نِسَائِيَّةٍ فِلَاحِيَّةٍ مُمَوَّلَةٍ، وَتَوْفِيرِ نَقْلٍ جَمَاعِيٍّ آمِنٍ، وَحَضَانَاتٍ مُتَنَقِّلَةٍ، وَرَقْمَنَةِ عَمَلِ الْمَرْأَةِ الرِّيفِيَّةِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ دَائِرَةِ الِاقْتِصَادِ غَيْرِ الْمُنَظَّمِ.


    وَخِتَامًا، فَإِنَّ سَبْعِينَ سَنَةً مِنْ مُجَلَّةِ الْأَحْوَالِ الشَّخْصِيَّةِ تُمَثِّلُ إِرْثًا وَطَنِيًّا لَا يَجُوزُ التَّفْرِيطُ فِيهِ، لَكِنَّهَا تَضَعُنَا الْيَوْمَ أَمَامَ مَسْؤُولِيَّةٍ تَارِيخِيَّةٍ. فَالِاحْتِفَاءُ بِالْمَرْأَةِ التُّونِسِيَّةِ لَا يَكْتَمِلُ بِشَهَادَاتِ التَّقْدِيرِ وَالْإِشَادَةِ بِالْإِنْجَازَاتِ الْحَضَرِيَّةِ فَقَطْ، بَلْ بِإِنْصَافِ مَنْ ظَلَمَهَا التَّهْمِيشُ. وَالسُّؤَالُ الَّذِي يَبْقَى مُعَلَّقًا كَصَرْخَةِ ضَمِيرٍ فِي هَذَا الْعِيدِ الْوَطَنِيِّ هُوَ: كَيْفَ لِدَوْلَةٍ احْتَفَتْ لِسَبْعِينَ سَنَةً بِتَحْرِيرِ الْمَرْأَةِ أَنْ تَقْبَلَ بِأَنْ تَبْقَى الْمَرْأَةُ الرِّيفِيَّةُ الَّتِي تُطْعِمُ الْوَطَنَ كُلَّهُ بِيَدَيْهَا الْمَجْرُوحَةِ وَالْمُتَشَقِّقَةِ وَالْمُتَيَبِّسَةِ، تَعُودُ إِلَى بَيْتِهَا جَائِعَةً وَعَطْشَى وَمَحْرُومَةً مِنْ أَبْسَطِ حُقُوقِهَا الْقَانُونِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَغَيْرَ مَشْمُولَةٍ فِعْلِيًّا بِأَحْكَامِ الْمُجَلَّةِ الَّتِي احْتَفَلْنَا بِهَا؟ 🔷


💠 تعريف الكاتب: 

*الكيلاني بن عبدالله بوستة*  

      كاتب ومفكر تونسي، مهتم بقضايا المجتمع والأسرة والتنمية والبعد الحقوقي. تتميز كتاباته بالجمع بين الرؤية الفكرية والتحليل الأكاديمي، مع التزام بقضايا الإنسان وخاصة الفئات المهمشة كالطفل والمرأة الريفية.  

   يُعرف بأسلوبه الرصين الذي يربط بين النص القانوني والواقع الاجتماعي، ويسعى من خلال مقالاته إلى إيقاظ الوعي وبناء خطاب إصلاحي مسؤول.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق