💠 "حَطَبُ النَّارِ": قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ
✍️ الكاتب: الْكيلَانِي بُوستة
*****
كَانَتِ الْبُيُوتُ فِي الْقَدِيمِ مَنَارَاتٍ صَغِيرَةً. جُدْرَانٌ تَسْتُرُ، وَمَوَائِدُ تَجْمَعُ، وَصَوْتٌ وَاحِدٌ إِذَا ارْتَفَعَ سَكَتَ الْخَوْفُ. ثُمَّ تَحَوَّلَتِ الْحَيَاةُ إِلَى سُرْعَةٍ وَشَكٍّ وَمُقَارَنَاتٍ، فَصَارَ الطَّلاقُ وَرَقَةً تُوقَّعُ فِي دَقِيقَةٍ، وَتَحْتَرِقُ بِسَبِهَا أَعْمَارٌ طَوِيلَةٌ. وَإِذَا كَانَتِ الْحَرْبُ تَخْلُفُ خَرَائِبَ تُرَى بِالْعَيْنِ، فَإِنَّ الطَّلاقَ يَخْلُفُ خَرَائِبَ دَاخِلِيَّةً لا يَرَاهَا أَحَدٌ: قَلَقًا مُزْمِنًا، وَفَقْدَ أَمَانٍ، وَذَاكِرَةً مَكْسُورَةً. وَمَا بَيْنَ تَوْقِيعٍ عَلَى وَرَقَةٍ وَانْكِسَارٍ فِي رُوحٍ، تَكْبَرُ الأَسْئِلَةُ الصَّغِيرَةُ وَتَتَضَاءَلُ الْحُلُولُ الْكَبِيرَةُ. فَهَلْ يَجُوزُ عِلْمًا وَأَخْلاقًا أَنْ نُحَوِّلَ الطِّفْلَ إِلَى وَسِيلَةٍ فِي صِرَاعِ الْكِبَارِ، أَوْ أَنْ نَجْعَلَهُ الثَّمَنَ الْأَغْلَى لِحَرْبٍ لَمْ يُشْعِلْهَا وَلَمْ يَفْهَمْ أَسْبَابَهَا؟
فِي حَلْقِ الْوَادِي، حَيْثُ يَلْتَقِي مِلْحُ الْبَحْرِ بِغُبَارِ الأَزِقَّةِ، وُلِدَ "غَرِيبٌ" لِأُسْرَةٍ مُتَوَسِّطَةِ الْحَالِ. لَمْ يَكُنِ الاسْمُ مُجَرَّدَ لَقَبٍ، بَلْ كَانَ نُبُوءَةً صَامِتَةً. فَقَدْ وَقَعَ الطَّلاقُ بَيْنَ أَبَوَيْهِ وَهُوَ رَضِيعٌ، وَتَزَوَّجَتْ أُمُّهُ مِنْ مُقَاوِلِ بِنَاءٍ وَسَافَرَتْ مَعَهُ إِلَى أَلْمَانِيَا. فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مِنْهَا إِلَّا صُوَرٌ بَاهِتَةٌ يُخَبِّئُهَا فِي دُرْجٍ خَشَبِيٍّ، وَيُقَلِّبُهَا لَيْلًا كَمَنْ يَتَلَمَّسُ جُرْحًا قَدِيمًا. وَتَزَوَّجَ أَبُوهُ "بَشِيرٌ" مِنِ امْرَأَةٍ اسْمُهَا "مَرْيَمُ". كَانَتْ حَادَّةَ اللِّسَانِ، ثَقِيلَةَ الظِّلِّ، تَنْسُجُ لِلْوَلَدِ الْمَكَائِدَ وَتُزَيِّنُهَا بِشَكْوَى. وَكَانَ "بَشِيرٌ" رَجُلًا هَادِئًا، يُرَاهِنُ عَلَى الصَّبْرِ وَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: "إِنَّهُ فِي سِنِّ الْمُرَاهَقَةِ وَيَحْتَاجُ رِفْقًا". لَكِنَّ الْكَلِمَةَ تَلِدُ الْكَلِمَةَ، وَالضَّرْبَةَ تَتْبَعُهَا ضَرْبَةٌ، وَالطَّرْدَ يَعْقُبُهُ طَرْدٌ. تَعَلَّمَ "غَرِيبٌ" مُبَكِّرًا أَنَّ الْوَحْدَةَ لَيْسَتْ غِيَابَ الْوُجُوهِ، بَلْ غِيَابَ الْيَدِ الَّتِي تُمْسِكُ بِيَدِكَ عِنْدَ السُّقُوطِ. لَمْ يَكُنْ لَهُ إِخْوَةٌ، فَصَارَتِ الْمَكْتَبَةُ بَيْتَهُ، وَالدَّرْسُ دِفَاءَهُ. نَجَحَ فِي الْبَاكَالُورِيَا، ثُمَّ الْتَحَقَ بِكُلِّيَّةِ الآدَابِ بِمَنُوبَةَ، قِسْمِ اللُّغَةِ الإِنْجِلِيزِيَّةِ، وَهُنَاكَ الْتَقَى بِـ "هَيْفَاءَ".
كَانَتْ "هَيْفَاءُ" زَمِيلَتَهُ فِي الدِّرَاسَةِ وَشَرِيكَتَهُ فِي الْحُلْمِ. كَانَتْ تَسْمَعُهُ وَتُصَحِّحُ لَهُ الطَّرِيقَ بِجُمْلَةٍ تَعَلَّقَتْ فِي ذِهْنِهِ: "حَبِيبِي "غَرِيبُ"، هَلْ لَدَيْكَ رِهَانَاتٌ أُخْرَى خَارِجَ إِطَارِ التَّعْلِيمِ؟! عَلَيْكَ أَنْ تَتَحَدَّى مُعَانَاتَكَ وَأَنْ تَنْجَحَ لِتَشْتَغِلَ بِكَرَامَةٍ وَتُؤَسِّسَ مُسْتَقْبَلًا يَضْمَنُ لَكَ اسْتِقْلالًا وَحَيَاةً كَرِيمَةً". أَخَذَ الْكَلِمَةَ مِيثَاقًا، وَتَخَرَّجَا مَعًا، وَتَزَوَّجَا عَنْ حُبٍّ كَبِيرٍ. مَرَّتِ السِّنُونَ بَيْنَ تَعَبِ التَّدْرِيسِ وَفَرَحِ الْبَيْتِ، فَأَنْجَبَا تَوْأَمَتَيْنِ: "أَمِيرَةَ" وَ "سَارَةَ". كَانَتَا تَرْكُضَانِ فِي الْمَمَرِّ فَيَمْتَلِئُ الْبَيْتُ ضَوْءًا، وَاشْتَرَيَا بَيْتًا صَغِيرًا وَسَيَّارَةً قَدِيمَةً، وَظَنَّا أَنَّ الْمَحَبَّةَ إِذَا اجْتَمَعَتْ مَعَ الْعَمَلِ تَصِيرُ سُورًا.
غَيْرَ أَنَّ الْحَيَاةَ لا تَسِيرُ دَائِمًا عَلَى نِيَّاتِنَا. فِي الْمَعْهَدِ الثَّانَوِيِّ الَّذِي يَعْمَلانِ فِيهِ، كَانَتْ "دَلالٌ"، أُسْتَاذَةُ اللُّغَةِ الْفَرَنْسِيَّةِ، زَمِيلَةً مُهَذَّبَةً. كَثُرَ الْحَدِيثُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ "غَرِيبٍ" فِي شُؤُونِ الْجَدَاوِلِ وَالإِدَارَةِ وَهُمَا عَلَى طَاوِلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي قَاعَةِ الأُسَاتِذَةِ. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَا يُدِينُ، وَلَكِنَّ الْغَيْرَةَ إِذَا دَخَلَتْ رَأْسَ امْرَأَةٍ رَأَتْ فِي الْعَادِيِّ خَطِيئَةً. أَكَلَتْ نَارُ الشَّكِّ قَلْبَ "هَيْفَاءَ" بُطْئًا. بَدَأَتْ بِالسُّؤَالِ، ثُمَّ بِاللَّوْمِ، ثُمَّ بِالْمُوَاجَهَةِ. وَذَاتَ يَوْمٍ وَقَفَتْ أَمَامَ الزَّمِيلاتِ وَحَذَّرَتْ "دَلالَ" مِنْ مُحَادَثَةِ زَوْجِهَا. قَالَ لَهَا "غَرِيبٌ": "وَاللهِ إِنِّي بَرِيءٌ، وَيَشْهَدُ اللهُ". وَأَكَّدَتِ الزَّمِيلاتُ أَنَّ الْعَلاقَةَ مِهْنِيَّةٌ، لَكِنَّ الشَّكَّ إِذَا اسْتَوْطَنَ لَمْ تُخْرِجْهُ الْبَرَاهِينُ.
وَفِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، وَقَفَتْ "هَيْفَاءُ" فِي وَسَطِ قَاعَةِ الْجُلُوسِ وَقَالَتْ: "أُرِيدُ الطَّلاقَ". ارْتَجَفَتِ الْجُدْرَانُ. حَاوَلَ "غَرِيبٌ" أَنْ يُذَكِّرَهَا بِالسِّنِينَ وَالْبَنَاتِ وَالْعِشْرَةِ، فَأَصَرَّتْ. وَعِنْدَمَا أَدْرَكَ أَنَّ الْبَابَ قَدْ أُغْلِقَ، قَالَ بِصَوْتٍ مُتْعَبٍ: "يَا بِنْتَ النَّاسِ، فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ. أَنَا مَنْ سَيَخْرُجُ، وَأَنْتِ ابْقَيْ مَعَ ابْنَتَيْنَا، وَاتَّقِي اللهَ فِيهِمَا". جَمَعَ ثِيَابَهُ فِي حَقِيبَةٍ. الْتَصَقَتِ الْبِنْتَانِ بِسَاقَيْهِ وَهُمَا تَصْرُخَانِ: "لَا تَذْهَبْ يَا أَبِي". قَبَّلَهُمَا وَبَكَى مَعَهُمَا بُكَاءَ مَنْ يَخْرُجُ إِلَى مَجْهُولٍ. نَظَرَ إِلَى "هَيْفَاءَ" لَعَلَّهَا تَلِينُ، فَلَمْ تَلِنْ. خَرَجَ وَصَدَى النَّحِيبِ يَتْبَعُهُ عَلَى الدَّرَجِ.
قَضَى اللَّيْلَةَ فِي نُزُلٍ، وَفِي الصَّبَاحِ ذَهَبَ إِلَى بَيْتِ أَهْلِ زَوْجَتِهِ. جَلَسَ مَعَ أَبَوَيْهَا وَأَخِيهَا الْبِكْرِ وَسَرَدَ الْحِكَايَةَ كَامِلَةً وَتَرَكَ لَهُمُ الْقَرَارَ. ثُمَّ انْتَقَلَ لِيُقِيمَ عِنْدَ خَالِهِ "سَلِيمٍ"، وَنُقِلَ إِلَى مَعْهَدٍ آخَرَ. وَبَعْدَ مُدَّةٍ نَجَحَ فِي مُنَاظَرَةِ وَكَالَةِ التَّعَاوُنِ الْفَنِّيِّ وَسَافَرَ لِلتَّدْرِيسِ فِي إِحْدَى دُوَلِ الْخَلِيجِ. كَانَ يَعُودُ فِي الْعَطَلِ لِيَرَى ابْنَتَيْهِ، لَكِنَّ الأَبْوَابَ كَانَتْ تُغْلَقُ. تَوَسَّلَ إِلَى "هَيْفَاءَ" أَنْ تَتْرُكَهُ يُحَادِثُهُمَا، فَصَمَّتَتْ. وَمَعَ تَوَالِي الرَّفْضِ تَسَرَّبَ الْيَأْسُ إِلَى دَمِهِ كَمَاءٍ بَارِدٍ، فَانْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُ إِلَّا عِنْدَهَا.
كَبُرَتِ الْبِنْتَانِ فِي بَيْتٍ بِلَا أَبٍ. عَاشَتَا بَيْنَ غِيَابٍ يُفَسَّرُ وَحُضُورِ أُمٍّ مُتَوَتِّرَةٍ. دَرَسَتَا وَتَخَرَّجَتَا وَتَزَوَّجَتَا وَالأَبُ بَعِيدٌ. وَتَزَوَّجَتِ الأُمُّ مِنْ رَجُلٍ يُقِيمُ خَارِجَ الْوَطَنِ. وَبَقِيَ اسْمُ "غَرِيبٍ" مَكْتُوبًا عَلَى سِجِلٍّ قَدِيمٍ فِي الْمَعْهَدِ، وَبَقِيَتِ الصُّوَرُ الصَّفْرَاءُ فِي دُرْجِهِ، وَفَهِمَ مُتَأَخِّرًا لِمَاذَا كَانَ غَرِيبًا.
فإذَا كَانَ الطَّلاقُ حَقًّا لِلْكِبَارِ فِي إِعَادَةِ تَرْتِيبِ حَيَاتِهِمْ، فَلِمَاذَا يَدْفَعُ الصِّغَارُ وَحْدَهُمْ فَاتُورَتَهُ النَّفْسِيَّةَ وَالاجْتِمَاعِيَّةَ كَامِلَةً، وَيُتْرَكُونَ لِيَكُونُوا حَطَبًا لِنَارٍ لَمْ يُوقِدُوهَا؟
وَخَاتِمَةُ الْقَوْلِ أَنَّ نَارَ الْخِلافَاتِ الزَّوْجِيَّةِ الْوَحْشِيَّةَ لا تَنْطَفِئُ بِتَوْقِيعٍ. إِنَّهَا تَتْرُكُ رَمَادًا. وَالرَّمَادُ هُوَ طِفْلٌ يَنَامُ وَعَيْنُهُ عَلَى الْبَابِ، وَذَاكِرَةُ أَبٍ تَتَحَوَّلُ إِلَى هَمْسٍ، وَأُمٍّ يَتَحَوَّلُ قَلْبُهَا مِنَ الْحُبِّ إِلَى الْحَذَرِ، وَمُجْتَمَعٌ يَرَى الأَرْقَامَ وَلا يَرَى الْجِرَاحَ. لَقَدْ كَانَ الثَّمَنُ أَغْلَى مِمَّا تَخَيَّلُوا، وَدَفَعَهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ طَرْفًا فِي الْخِلافِ.
_انتهت_
💠 تَعْرِيفٌ بِالْكَاتِبِ: الْكَيْلَانِيُّ بُوستَة
شاعر وكَاتِبٌ تُونِسِيٌّ مِنْ وَلايَةِ سليانة. يَكْتُبُ الْقِصَّةَ الْقَصِيرَةَ وَالْمَقَالَ الأَدَبِيَّ بِنَفَسٍ اجْتِمَاعِيٍّ نَاقِدٍ. تُعْنَى كِتَابَاتُهُ بِتَفَاصِيلِ الإِنْسَانِ الْبَسِيطِ وَجِرَاحِهِ الصَّامِتَةِ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق