بين التحرّر الحقيقي وحرّيّة الاستعراض..حين تختلط المفاهيم وتضيع البوصلة
في خضمّ الجدل الذي رافق بعض مظاهر تفاعل المعجبات مع الفنان السوري الشامي،أعاد تصريح الإمام محجوب المحجوبي إلى الواجهة سؤالا أعمق من الحفل نفسه،وأبعد من شخص الفنان أو جمهوره: ماذا نعني فعلا بالتحرّر؟ وهل يكفي أن تتغيّر طريقة اللباس والتعبير عن الإعجاب حتى نعلن أننا أمام امرأة متحررة ؟!
المسألة هنا لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة للنساء،ولا إلى تبرير لأي سلوك لمجرد أنه يُرفع تحت راية الحرية.فالحرية ليست امتيازا لفئة دون أخرى،وليست أيضا رخصة لإهانة الإنسان أو اختزال المرأة في جسدها.
حين قال المحجوبي: "أنا بنتي تترمى في حضن الشامي وإلا راغب علامة؟ بنتي تترمى في حضني أنا بوها وإلا في حضن زوجها"،كان يعبّر عن رؤية أخلاقية واجتماعية خاصة،أثارت بطبيعتها ردود فعل مختلفة.لكن خلف العبارة الحادة يختبئ سؤال مشروع: هل كل ما نفعله باسم التحرر هو بالضرورة تحرر ؟!
فالتحرر الحقيقي لا يُقاس بعدد الصور التي تلتقطها الفتاة مع فنان،ولا بدرجة جرأتها في التعبير عن إعجابها،ولا بكمية الجدل الذي تثيره على منصات التواصل.
التحرر أعمق من ذلك بكثير،إنه أن تكون المرأة قادرة على اختيار حياتها،وأن تمتلك حقها في التعليم والعمل والكرامة والأجر العادل،وأن لا تكون ضحية للعنف أو الاستغلال أو التمييز،وأن يكون صوتها مسموعا لأنها إنسانة كاملة الحقوق، لا لأنها جسد قابل للعرض والاستهلاك.
ولعل أقوى ما يستحق التوقف عنده في تصريح المحجوبي هو ربطه التحرر بالمساواة الاقتصادية والاجتماعية،حين قال إن المرأة العاملة ينبغي أن تتقاضى أجرا مثل الرجل العامل.فهناك،بعيدا عن صخب الحفلات ووميض الهواتف،تبدأ الأسئلة الجدية: ماذا عن المرأة التي تعمل الساعات نفسها وتتقاضى أقل؟! ماذا عن المرأة التي تكافح من أجل استقلالها الاقتصادي؟! ماذا عن حقها في التعليم والعمل والأمان والقرار ؟!
لكن في المقابل،لا ينبغي أن تتحول هذه الأسئلة إلى وصاية على المرأة،أو إلى حق للأب أو الزوج أو المجتمع في امتلاك جسدها وفرض خياراته عليها.فالمرأة ليست ملكا لأبيها حين تكون ابنة،ولا لزوجها حين تصبح زوجة،ولا للمجتمع حين تخرج إلى الفضاء العام.هي صاحبة قرارها ومسؤولة عن اختياراتها،ما دامت لا تعتدي على حقوق الآخرين.
وهنا تحديدا يجب أن نميز بين النقد الأخلاقي للسلوك وبين إلغاء حرية الإنسان.
فمن حق أي شخص أن يرى بعض مظاهر الإعجاب المبالغ فيها بالفنانين ابتعادا عن الرصانة التي يؤمن بها،ومن حق آخر أن يراها شكلا من أشكال التعبير الشخصي.لكن ما لا ينبغي أن نفعله هو أن نحول اختلافنا في القيم إلى حرب على الأشخاص،أو أن نجعل من المرأة وحدها شماعة لتعليق كل مظاهر الانحدار الأخلاقي والاجتماعي.
ثم إن المشكلة ليست دائما في الفتاة التي تصرخ أو تبكي أو تحاول الاقتراب من فنان تحبه، فالمشهد الأكبر يستحق مساءلة أوسع: أي صناعة ثقافية نقدمها لأبنائنا؟ وأي نماذج للنجاح والشهرة نزرعها في وعيهم؟ ولماذا أصبح بعض الفنانين بالنسبة إلى المراهقين والشباب أكثر تأثيرا من المدرسة والأسرة والكتاب؟!
إنها أسئلة موجعة،لكنها ضرورية.!
فالتحرر الذي يحتاجه مجتمعنا ليس أن ننتقل من قيد إلى قيد،ولا أن نستبدل سلطة الأسرة بسلطة الشهرة،أو سلطة المجتمع بسلطة مواقع التواصل. التحرر الحقيقي هو أن نربي إنسانا يعرف معنى الحرية ومسؤوليتها،ويستطيع أن يقول "لا"كما يستطيع أن يقول "نعم"،وأن يختار دون خوف، وأن يتحمل نتائج اختياره دون أن يتحول إلى سلعة في سوق المشاهدات.
أما المرأة،فلا تتحرر حين يُكشف جسدها،كما أنها لا تتحرر حين يُفرض عليها ستره بالقوة.تحررها يبدأ حين يصبح جسدها وكرامتها وقرارها خارج دائرة المتاجرة والاستغلال والوصاية.
في النهاية،لعلنا جميعا بحاجة إلى مراجعة قاموسنا قبل أن نرفع راية التحرر،فليس كل صراخ حرية،وليس كل احتشام عبودية،وليس كل إعجاب فنا،ولا كل جرأة تحررا.
المرأة لا تتحرر حين تصبح مشهدا في عيون الآخرين،وإنما حين تصبح إنسانا كاملا في عيون نفسها والمجتمع.وعندها فقط،لا يكون التحرر جسدا يُعرض،بل كرامة تُصان،وحقا يُنتزع،وصوتا لا يستطيع أحد أن يصادره.
ربما أكون قد طرحت أسئلة أكثر مما قدّمت أجوبة،لكنني أؤمن أن الأسئلة الصادقة هي أول الطريق إلى الوعي.لذلك أترك للقراء الكرام كامل الحق في التفاعل والتعليق،بالقبول أو الرفض، وبما يرونه حقا في هذا النقاش،فالاختلاف لا يفسد القضايا،بل قد يضيء جوانبها الخفية. ويبقى الحوار الهادئ أرقى من كل الأحكام الجاهزة.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق