- 🟢 عنوان القصة : "صَبْرُ أَيُّوبَ".
- "تُقَدِّمُ هَذِهِ القِصَّةُ القَصِيرَةُ قِرَاءَةً سَرْدِيَّةً لِمَآسَاةِ الإِبَادَةِ الجَمَاعِيَّةِ فِي غَزَّةَ مِنْ خِلَالِ سِيرَةِ طِفْلٍ نَاجٍ، تَتَأَرْجَحُ ذَاكِرَتُهُ بَيْنَ الغَيْبُوبَةِ وَالحُلْمِ وَاليَقَظَةِ لِتَكْشِفَ وِزْرَ الصَّمْتِ العَالَمِيِّ وَفَدَاحَةَ الخَسَارَةِ الإِنْسَانِيَّةِ.
- وَتَعْتَمِدُ النَّصَّ عَلَى الوَصْفِ الوَاقِعِيِّ الدَّقِيقِ وَالحِوَارِ الدَّاخِلِيِّ لِتَرْسُمَ تَحَوُّلَ الفَرْدِ مِنْ ضَحِيَّةٍ إِلَى ذَاكِرَةٍ مُقَاوِمَةٍ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ لِلْقَضِيَّةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ أَفُقًا لَا يُمْكِنُ طَمْسُهُ بِالرُّكَامِ وَلَا بِبَيَانَاتِ القَلَقِ."
- ******
- 💠 الكَاتِبُ: الكِيلَانِي بُوستَة
- كَانَ الفَجْرُ فِي حَيِّ الشُّجَاعِيَّةِ شَرْقَ غَزَّةَ بَارِدًا كَعَادَتِهِ، وَالنَّاسُ نِيَامٌ عَلَى جَنْبٍ وَاحِدٍ، كَمَا اعْتَادُوا فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ أَنْ يَنَامُوا بِمَلَابِسِهِمْ خَوْفًا مِنْ لَيْلٍ قَدْ لَا يُصْبِحُ. فِي السَّاعَةِ الأُولَى مِنَ النَّهَارِ، دُونَ صَفَّارَةِ إِنْذَارٍ وَدُونَ نِدَاءٍ، سَقَطَتْ عِمَارَةٌ مِنْ خَمْسَةِ طَوَابِقَ فَسُوِّيَتْ بِالأَرْضِ. لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا كُتَلُ الإِسْمَنْتِ المُتَهَشِّمَةِ وَحِجَارَةٌ صَغِيرَةٌ وَغُبَارٌ كَثِيفٌ ارْتَفَعَ ثُمَّ اسْتَقَرَّ عَلَى الشَّارِعِ وَعَلَى جُدْرَانِ البُيُوتِ المُجَاوِرَةِ كَغِطَاءٍ أَبْيَضَ يَخْنُقُ كُلَّ شَيْءٍ.
- تَحْتَ الرُّكَامِ، بَيْنَ جِدَارٍ مَكْسُورٍ وَسَرِيرٍ مَطْوِيٍّ، كَانَ هُنَاكَ نَفَسٌ ضَعِيفٌ. *"صَبْرُ أَيُّوبَ"*، فِي العَاشِرَةِ مِنْ عُمُرِهِ، جَسَدُهُ الصَّغِيرُ مَحْشُورٌ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. وَمُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ وَحَتَّى سَمِعَ صَوْتَ رَجُلِ الحِمَايَةِ المَدَنِيَّةِ، لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ أَهُوَ يَقِظٌ أَمْ نَائِمٌ أَمْ فِي حُلْمٍ. كَانَ يَتَأَرْجَحُ كَمَنْ يَغْرَقُ فَيَطْفُو عَلَى المَاءِ ثُمَّ يَغْرَقُ مَرَّةً أُخْرَى.
- فِي الهَذَيَانِ الأَوَّلِ رَأَى نَفْسَهُ يَرْكُضُ فِي جَمْعٍ مِنَ المُقَاوِمِينَ تَنْفِيذًا لِهِجُومِ *"طُوفَانِ الأَقْصَى"*، وَالأَرْضُ تَهْتَزُّ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ لَا مِنَ القَصْفِ بَلْ مِنَ الخُطَى. كَانَتِ الرَّايَاتُ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، وَالصَّوْتُ فِي الأَبْوَاقِ يَقُولُ *"تَقَدَّمُوا"*. رَأَى غَسَّانَ جَارَهُ يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَعَلَى وَجْهِهِ ضَحْكَةٌ لَمْ يَرَهَا مُنْذُ شُهُورٍ وَقَالَ لَهُ *"اليَوْمَ نُصَلِّي فِي الأَقْصَى يَا صَبْرُ"*. ثُمَّ ثَقُلَ صَدْرُهُ فَجْأَةً وَاسْوَدَّتِ الدُّنْيَا وَدَخَلَ فِي غَيْبُوبَةٍ لَا زَمَنَ فِيهَا، لَا أَلَمَ، فَقَطْ وَجْهُ أُمِّهِ يَتَلَاشَى فِي الضَّبَابِ وَهِيَ تَهْمِسُ *"نَمْ يَا حَبِيبِي"*.
- وَعَادَ الحُلْمُ ثَانِيَةً وَهُوَ أَبْرَدُ وَأَهْدَأُ. كَانَ وَاقِفًا فِي سَاحَةِ المَسْجِدِ الأَقْصَى وَالأَبْوَابُ مَشْرَعَةٌ عَلَى مِصْرَاعَيْهَا وَالنَّاسُ يَدْخُلُونَ كَالسَّيْلِ. رَأَى رِجَالًا يَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ مِنَ الرَّادْيُو الَّذِي كَانَ أَبُوهُ يُشَغِّلُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ عَلَى نَبْرَةٍ مُنْخَفِضَةٍ خَوْفًا مِنَ القَطْعِ. رَأَى *"إِسْمَاعِيلَ هَنِيَّةَ"* وَاقِفًا، وَ *"يَحْيَى السِّنْوَارَ"* إِلَى جَانِبِهِ، وَ *"مُحَمَّدَ الضَّيْفَ"* يَرْفَعُ يَدَهُ. وَسَمِعَ صَوْتَ *"حُذَيْفَةَ الكَحْلُوتِ"* المُكَنَّى بِـ *"أَبِي عُبَيْدَةَ"* يُعْلِنُ النَّصْرَ. مَدَّ يَدَهُ لِيُمْسِكَ بِيَدِ أَبِيهِ لِيَدْخُلَا مَعًا، وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ اخْتَرَقَ الظَّلَامَ صَوْتٌ خَشِنٌ قَرِيبٌ يَشُقُّ التُّرَابَ *"يَا حَبَايِبِي، ثَمَّةَ أَشْكُونْ حَيّْ؟!"* فَعَادَ إِلَى الغَيْبُوبَةِ الثَّانِيَةِ، أَثْقَلُ وَأَطْوَلُ.
- اسْتَيْقَظَ أَخِيرًا عَلَى وَخْزَةِ نُورٍ تَتَسَرَّبُ مِنْ شَقٍّ ضَيِّقٍ، وَعَلَى رَائِحَةِ دَمٍ وَإِسْمَنْتٍ مَبْلُولٍ. وَالصَّوْتُ نَفْسُهُ قَدْ صَارَ فَوْقَ رَأْسِهِ *"رُدُّوا عَلَيَّا! ثَمَّةَ حَدّْ عَايِشْ؟!"* جَمَعَ مَا تَبَقَّى فِي حَلْقِهِ مِنَ الهَوَاءِ المَخْنُوقِ بِالغُبَارِ وَقَالَ *"يَا عَمُّو... أَنَا هُنَا... أَنَا صَبْرُ أَيُّوبَ"*. فَانْفَرَجَتِ الحِجَارَةُ عَنْ يَدٍ مُتَّسِخَةٍ ثُمَّ عَنْ وَجْهٍ مُتْعَبٍ يَبْكِي دُونَ دُمُوعٍ.
- نُقِلَ إِلَى المُسْتَشْفَى المَحَلِّيِّ، ذَلِكَ البِنَاءُ الَّذِي قُصِفَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَظَلَّ يَعْمَلُ كَأَنَّهُ عِنَادٌ. كَانَ الأَطِبَّاءُ يَعْمَلُونَ بِمَصَابِيحِ الهَوَاتِفِ حِينَ يَنْقَطِعُ الكَهْرُبَاءُ، وَالمُمَرِّضَاتُ يَغْسِلْنَ الجِرَاحَ بِالمَاءِ القَلِيلِ وَيُعِدْنَ اسْتِخْدَامَ الشَّاشِ، وَعُمَّالُ الإِسْعَافِ يَرْكُضُونَ بَيْنَ الشَّوَارِعِ المَقْطُوعَةِ وَهُمْ يَحْمِلُونَ المَصَابِينَ عَلَى أَبْوَابِ السَّيَّارَاتِ. سَمَّاهُمُ النَّاسُ فِي الحَيِّ *"شَعْبَ الجَبَّارِينَ"* لِأَنَّهُمْ لَا يَنَامُونَ وَلَا يَشْتَكُونَ.
- بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ جَاءَهُ "المُخْتَارُ"* وَجَلَسَ عَلَى طَرَفِ السَّرِيرِ الحَدِيدِيِّ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ *"كُلُّهُمْ سَبَقُوكَ يَا وَلَدِي. أُمُّكَ وَأَبُوكَ وَإِخْوَتُكَ. اللهُ يَرْحَمُهُمْ وَيَجْعَلُهُمْ شُهَدَاءَ"*. وَقَفَ *"صَبْرٌ"* عِنْدَ القَبْرِ الجَمَاعِيِّ خَلْفَ مَدْرَسَةِ الفَلُّوجَةِ، وَنَظَرَ إِلَى التُّرَابِ الأَحْمَرِ وَقَالَ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ لَكِنَّهُ ثَابِتٌ: *"وَدَاعًا أَحِبَّتِي، لَكُمْ مِنَ اللهِ الرَّحْمَةُ، وَلِيَ الصَّبْرُ وَالسُّلْوَانُ.. وَأَعِدُكُمْ يَا أَبِي وَيَا أُمِّي سَنُوَاصِلُ وَسَنَرْفَعُ الرَّايَةَ فَوْقَ القُدْسِ"*. ثُمَّ غَرِقَ فِي بُكَاءٍ لَيْسَ لَهُ أَوَّلٌ وَلَا آخِرٌ، بُكَاءٍ أَدْمَى قُلُوبَ الحَاضِرِينَ جَمِيعًا، حَتَّى الرِّجَالَ الَّذِينَ اعْتَادُوا المَوْتَ.
- وَمَضَتِ الشُّهُورُ وَالسِّنُونَ وَهُوَ يَكْبَرُ قَبْلَ أَوَانِهِ. تَعَلَّمَ مَعْنَى الطَّابُورِ عَلَى المَاءِ، وَمَعْنَى أَنْ تَنَامَ جَائِعًا، وَمَعْنَى *"مَدْرَسَةِ الدَّوَاءِ"* حِينَ يَأْتِي الدَّوَاءُ مَعَ الشُّهَدَاءِ. رَأَى العَالَمَ عَلَى الشَّاشَاتِ يَتَابَعُ وَيُغَيِّرُ القَنَاةَ، وَرَأَى أَصْحَابَ القَرَارِ يَجْتَمِعُونَ وَيَخْرُجُونَ بِبَيَانَاتِ القَلَقِ بَيْنَمَا كَانَ العَدُ يَرْتَفِعُ، خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ أَلْفًا، ثُمَّ أَكْثَرُ، مِنْ أَطْفَالٍ وَنِسَاءٍ وَشُيُوخٍ قُتِلُوا بِدَمٍ بَارِدٍ تَحْتَ الرُّكَامِ وَفِي الطُّرُقَاتِ وَعَلَى أَبْوَابِ المَخَابِزِ.
- وَلَمْ يَبْقَ "صَبْرُ" الطِّفْلَ الَّذِي أُخْرِجَ مِنَ الرُّكَامِ. صَارَ شَابًّا مِنْ أَهْلِ الرِّبَاطِ. يَحْفَظُ كُلَّ زُقَاقٍ فِي الشُّجَاعِيَّةِ وَالتُّفَّاحِ وَجِبَالِيَا كَمَا يَحْفَظُ أَسْمَاءَ أَهْلِهِ. يَقُولُ لَهُ القَائِدُ قَبْلَ الخُرُوجِ "لِمَاذَا وَجْهُكَ هَادِئٌ؟" فَيَرُدُّ "لِأَنِّي أَعُدُّ. هَذَا بِاسْمِ أَبِي، وَهَذَا بِاسْمِ أُمِّي، وَهَذَا بِاسْمِ البَيْتِ الَّذِي لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا ذِكْرَاهُ".
- وَفِي آخِرِ اللَّيْلِ، حِينَ يَصْعَدُ إِلَى سَطْحٍ مُهَدَّمٍ لِيَنْظُرَ إِلَى المَدِينَةِ الغَاطِسَةِ فِي الظَّلَامِ الحَالِكِ، يَشْرَبُ مَاءً عَكِرًا وَيُحَدِّثُ نَفْسَهُ. يَقُولُ *"هُمْ يُرِيدُونَنَا مَشْهَدًا فِي التِّلْفَازِ. وَنَحْنُ قَرَّرْنَا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ مَنْ يَنْتَصِرُ فِي النِّهَايَةِ وَالخِزْيُ وَالعَارُ لِمَنْ خَذَلَنَا وَانْتَظَرَ تَصْفِيَةَ قَضِيَّتِنَا"*. وَكَانَتِ الرِّيحُ تَحْمِلُ صَوْتَ الأَذَانِ مِنْ بَعِيدٍ، وَكَانَ *"صَبْرُ"* يَعْلَمُ أَنَّ الحُلْمَ الَّذِي بَدَأَ بَيْنَ الغَيْبُوبَةِ وَاليَقَظَةِ لَنْ يَنْتَهِيَ إِلَّا حِينَ تُفْتَحُ أَبْوَابُ الأَقْصَى.
- ____________________________________
- _انْتَهَتْ_
- 🔷 المعنى:
- (*) المُخْتَارُ: هُوَ الشَّخْصُ الَّذِي يَخْتَارُهُ أَهْلُ الحَيِّ أَوْ القَرْيَةِ لِيَكُونَ مُمَثِّلَهُمْ وَالمَسْؤُولَ عَنْ شُؤُونِهِمْ الإِدَارِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ. يَقُومُ بِحَلِّ النِّزَاعَاتِ، وَتَوْثِيقِ الوَقَائِعِ، وَنَقْلِ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَى السُّلْطَاتِ، وَغَالِبًا مَا يَكُونُ مَحَلَّ ثِقَةٍ وَاحْتِرَامٍ فِي المُجْتَمَعِ المَحَلِّيِّ.
- 🔷 تَعْرِيفٌ بِالكَاتِبِ:
- الكِيلَانِي بُوستَة أَدِيبٌ وَكَاتِبٌ تُونِسِيٌّ، يُعْرَفُ بِنَفَسِهِ القِصَصِيِّ الوَاقِعِيِّ المُتَشَبِّعِ بِهُمُومِ الإِنْسَانِ العَرَبِيِّ وَقَضَايَاهُ المَصِيرِيَّةِ. تَتَمَيَّزُ كِتَابَاتُهُ بِالصِّدْقِ وَالوُضُوحِ وَالتَّصَاقِهَا بِالوَاقِعِ، وَبِتَسْلِيطِهَا الضَّوْءَ عَلَى المَآسِي الإِنْسَانِيَّةِ الكُبْرَى بِلُغَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ الوَجَعِ وَالأَمَلِ.

الأحد، 9 أغسطس 2026
صَبْرُ أَيُّوبَ بقلم. الكَاتِبُ: الكِيلَانِي بُوستَة
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق