الأحد، 9 أغسطس 2026

✦ لا تؤجل حياتك... فالعمر لا يعيد اللحظات ✦ بقلم الأستاذ: ع/ الحكيم الجزائري

 ✦ لا تؤجل حياتك... فالعمر لا يعيد اللحظات ✦

حين تستيقظ ذات صباح، وتكتشف أن شعرة بيضاء جديدة عبرت إلى رأسك دون استئذان، لا تخف من الشيب... خف من الأشياء التي كبرت فيك دون أن تعيشها.

فالعمر لا يخبرنا متى يرحل، ولا يطرق بابنا قبل أن يأخذ منا عاما آخر. إنه لص هادئ، يمشي على أطراف أصابعه، ويسرق منا اللحظات ونحن منشغلون بالبحث عن حياة أجمل في مكان آخر.

نركض خلف الغد، وننسى أن اليوم كان بالأمس حلما تمنيناه.

نؤجل ضحكتنا حتى تتحسن الظروف، ونؤجل الحب حتى نطمئن، ونؤجل الاعتذار حتى يهدأ الكبرياء، ونؤجل أنفسنا حتى ننتهي من إرضاء الآخرين... ثم نلتفت ذات مساء، فنجد أن العمر قد سبقنا بخطوات، وأن بعض الأبواب التي ظنناها ستبقى مفتوحة إلى الأبد قد أغلقت بهدوء.

الحقيقة التي لا نحب سماعها أن الحياة لا تمنحنا نسخا احتياطية من اللحظات.

هذه اللحظة لن تعود. وهذا الصباح لن يتكرر. وهذا الوجه الذي تحبه قد لا يبقى إلى الأبد. وهذا القلب الذي بين ضلوعك ليس آلة تعرف متى تتوقف، ولا أحد يملك ضمانا للغد.

لذلك... لا تعش مؤجلا.

عش الآن، بكل ما في الآن من دهشة.

أحب من يستحق الحب، وقل لمن تحب إنك تحبه، واحتضن من تشتاق إليه، وسامح ما استطعت، وابتعد حين يصبح القرب وجعا، واعتن بنفسك دون أن تشعر بالذنب.

فليس أنانيا أن تنقذ قلبك. وليس ضعفا أن ترتاح. وليس غرورا أن تعرف قيمتك. وليس خطأ أن تختار السلام بعد سنوات من الحرب مع نفسك.

الحياة أقصر من أن نقضيها في محاكمات لا تنتهي، وأضيق من أن نحمل فيها حقائب الكراهية، وأجمل بكثير من أن نتركها تمر من بين أصابعنا ونحن ننتظر الوقت المناسب.

اصنع من يومك شيئا يستحق أن تتذكره.

ازرع وردة ولو لم تجلس تحت ظلها. افعل خيرا ولو لم يعرف أحد أنك فعلته. اجبر خاطرا ولو لم يجبر أحد خاطرك. كن لطيفا، لأنك لا تعرف أي قلب يقاتل معركة صامتة خلف ابتسامة عابرة.

وفي النهاية...

لن يسألنا العمر كم جمعنا، بل ماذا تركنا. لن يبقى عدد الذين عرفونا، بل عدد القلوب التي أصبحت أكثر دفئا لأننا مررنا بها.

فالعمر ليس ما مضى من السنوات... العمر هو ما بقي منك في ذاكرة الآخرين بعد أن تمضي السنوات.

عش حتى إذا أغلقت الحياة كتابك يوما، لم تكن صفحاتك خالية من الحب، ولا هامشها خاليا من الخير، ولا نهايتها خالية من أثر جميل.

فربما لا نستطيع أن نطيل العمر... لكننا نستطيع أن نجعل العمر، مهما قصر، جديرا بأن يعاش.

بقلم الأستاذ: ع/ الحكيم الجزائري



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق