بين بهجة الزفاف ونشيد البركة :
قراءة فنية ونقدية في قصيدة الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير
أُويْسُ العامريّةِ وعروسُهُ سِرين غنّام،بِزفافِهِما...ما شاء الله !
قمَرانِ كلٌّ بالحَلاوَةِ مُشْرِقُ
بالذِّكرُ يعلو، بِالحفاوَةِ ،…. مَشْرِقُ
أللهُ أكبَرُ ! كبِّروهُ وَهلِّلوا
إبنُ العَوامِرِ بالعَروسِ……. يُحلِّقُ
فَعَروسُهُ سيرينُ نَفْحَةُ عَنْبَرٍ
تزْهو بهِ بينَ الرِّفاقِ .…… وَتُشرِقُ
والكُلُّ يَعْلو بالغِناءِ ،مُزَغْرِداً
والقلبُ يفرحُ والطُّيورُ ……تُزَقزِقُ
فَاهْنا أُوَيسُ معَ العروس بِزفَّةٍ
أحلى الشّباب يزُفُّكمْ …….ويُعانِقُ
وَاهْنَيْ سِرينُ،ابْنُ العَوامِرِبلْسَمٌ
كُلٌّ أرى بِشَريكِهِ …………. يتَعلَّقُ
ألفا مُبارَكِ يا أُوَيسُ عروسُكُم
ألفا مبارَكِ يا ِسرينُ …………تَوافُقُ
فاللهَ أسألُهُ السّعادةَ والهَنا
وَبنينَ سَعْدٍ ، نَصْرَنا .………يَتَحقَّقُ!
الشاعرة/الأستاذة عزيزة بشير
تندرج هذه القصيدة ضمن الشعر الاحتفالي الوجداني الذي ينهل من معين المناسبات الاجتماعية والإنسانية،إذ اختارت الشاعرة أن تجعل من لحظة الزواج فضاء شعريا تتقاطع فيه مشاعر الفرح والدعاء والمحبة،فبدت الأبيات وكأنها لوحة نابضة بالألوان والأصوات والحركة، تحتفي بالعروسين وتمنحهما مكانة رمزية تتجاوز حدود المناسبة الخاصة لتلامس قيم الألفة والتآخي والتفاؤل بالمستقبل.
من الناحية الفنية،افتتحت الشاعرة قصيدتها بصورة بديعة حين شبهت العروسين بقمرين: "قمران كل بالحلاوة مشرق"،وهي استعارة تحمل دلالات النقاء والجمال والإشراق،وتؤسس منذ البداية لجو احتفالي تغمره السعادة والأنوار.كما أن توظيف مفردات مثل: "العنبر"، و"الطيور"، و"الزغاريد"، و"الغناء"،أسهم في بناء حقل دلالي زاخر بالفرح والحياة.
أما على المستوى التعبيري،فقد نجحت الشاعرة في نقل أجواء الزفاف الشعبي بكل تفاصيله، فالأصوات تتعالى بالتكبير والتهليل،والقلوب تمتلئ بالسرور،والجموع تتشارك الفرحة في مشهد جماعي يعكس أصالة الروابط الاجتماعية الفلسطينية والعربية.ولم يكن حضور الدعاء في خاتمة القصيدة مجرد إضافة شكلية،بل جاء امتدادا طبيعيا للوجدان الجمعي الذي يرى في الزواج بداية لحياة جديدة تستحق البركة والسعادة.
وعلى المستوى النقدي،تبدو القصيدة وفية للبنية التقليدية للشعر المناسباتي،إذ اعتمدت لغة واضحة وإيقاعا سلسا وقافية موحدة أضفت على النص موسيقى داخلية محببة.غير أن القيمة الحقيقية للنص لا تكمن فقط في انتظامه الإيقاعي،بل في قدرته على تحويل حدث اجتماعي بسيط إلى مساحة شعرية تحتشد فيها الرموز الإنسانية والدلالات الوجدانية.
كما يلاحظ حضور النزعة الجماعية في القصيدة، فالعروسان ليسا فردين معزولين،بل هما جزء من نسيج اجتماعي يحتفي بهما ويبارك اتحادهما، وهو ما يمنح النص بعدا إنسانيا يتجاوز حدود المكان والزمان.
في النهاية،لا تبدو هذه القصيدة مجرد تهنئة شعرية عابرة،بل نشيدا إنسانيا يحتفي بالحب حين يصبح وعدا بالحياة،وبالفرح حين يتحول إلى ذاكرة جماعية تتردد أصداؤها في القلوب.
إنها قصيدة تذكرنا بأن أجمل الكلمات هي تلك التي تولد من المحبة،وتبقى،مثل الضوء،قادرة على إنارة دروب العمر الطويل.
على سبيل الخاتمة:
في تجربة الشاعرة الفلسطينية المغتربة الأستاذة عزيزة بشير،لا تبدو القصيدة مجرد ترف لغوي أو انفعال عابر،بل تتحول إلى موقف إنساني ورسالة حياة.فمن قلب غربتها في دولة الإمارات العربية المتحدة،استطاعت أن تجعل من الكلمة الشعرية سلاحا مزدوجا،سلاحا يفضح وحشية الاحتلال الإسرائيلي،ويرثي شهداء الأرض المحتلة، ويستنهض روح المقاومة الفلسطينية الباسلة، وسلاحا آخر يزرع الفرح في القلوب،ويحتفي بالحب والجمال والأمل.
إنها شاعرة تؤمن بأن الوطن لا يعيش على الحزن وحده،وأن القصيدة التي تبكي الشهداء قادرة أيضا على أن تزغرد للعشاق،وأن تحتفي بالحياة رغم كل الجراح والانكسارات.ولذلك يظل صوتها الشعري وفيا لفلسطين،فلسطين التي تقاوم بالبندقية وبالأغنية،بالدمعة وبالابتسامة،وبالإصرار الأبدي على أن يولد الفرح من رحم الألم،وأن تنتصر الحياة على كل ما يحاول اغتيالها.
إنها شاعرة اختارت أن تحمل الكلمة في الأفراح والأتراح معا،وأن تجعل من الشعر جسرا بين الوجع والأمل،وبين الوطن والمنفى،وبين الحزن الذي لا ينكسر والفرح الذي لا يموت.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق