الأحد، 2 أغسطس 2026

من مدرسة الحياة بقلم موسى الزول

 من مدرسة الحياة

(12)


كان يبني في قلبه غُرَفاً للناس؛ كلما أحبّ وجهاً أفسح له مكاناً.

وكلما اطمأن إلى روحٍ…

عَلَّقَ لها في الذاكرة مصباح نور.

ثم يقضي الأيام حارساً لأبوابها، يخشى أن يغادر من دخلها، ويخشى أن يعبث الزمن بما رتّبه فيها.


وكان كلما رحل أحدهم…

أسرع إلى نافذةٍ من نوافذ قلبه فأغلقها.


وكلما غاب صوتٌ اعتاده… أوصد خلفه باباً آخر، حتى امتلأ البيت بالأبواب المغلقة،

وضاقت فيه النوافذ،

وخفت فيه الضوء.


ثم مضت به السنون…


فعرف أن النوافذ لم تُخلق لتُغلق، وأن البيت لا يَشْتَدُّ بإغلاق منافذه… بل بحسن ما أُقيم عليه من أساس.


وأن البيوت التي تخاف الريح… تحرم نفسها من النسيم.


وأن الأبواب التي تُوصد خوفًا من الغياب؛ لا تمنع الرحيل، بل تمنع الحياة من الدخول…


وعندها بدأ يترك أبوابه مواربة…


أدرك أن القلوب ليست حصوناً تُرهقها الحراسة…

بل بيوتًا تتسع للحياة، لا تَستبقي أحداً بقفل، ولا تدفع أحداً إلى الخروج.

فمن أراد البقاء… عرف طريقه.

ومن أراد الرحيل…عرف طريقه…


ورأى أن الناس يشبهون الفصول؛

منهم من يأتي بالمطر.

ومنهم من يأتي بالزهر.

ومنهم من يترك في الروح درساً لا يُنسى ثم يمضي.

وما كان أحد منهم النور نفسه.


كانوا فقط نوافذ مرّ منها النور …

أما الطمأنينة فكان لها مصدرٌ أبقى…


وعندما أثقلته الأقدار…

وأغلقت الحياة في وجهه أبواباً ظنها لا تُغلق،


لم يسأل نفسه:

من بقي معي؟


بل سأل:

إلى مَن ألجأ بما أثقلني؟


وهناك…

في المسافة بين الانكسار والرجاء،

وجد باباً لا يُغلق؛ 

كلما طرقه بقلبه… فُتح له من السكينة ما لم تفتحه له الدنيا بأسرها.

وكلما خفت الضوء في عينيه… أوقد في روحه سراجاً وهاجاً.


عرف أن ما يُبنى على الناس يضيق برحيلهم،

أما ما يُبنى على اليقين… فيبقى قائماً وإن تبدّل الساكنون.


ولهذا مضى في يومه مطمئناً…


يفتح نوافذ قلبه للمحبة، ولا يغلقها خوفاً من الرحيل.

يستقبل من أقبل عليه بودّ، 

ويودّع من مضى بسلام…


عارفاً أن الناس نوافذ في حكاية العمر 

أما النور فلا يرحل.


موسى الزول

بقلم رصاص✏️


من_مدرسة_الحياة



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق