منفًى اسمه الوطن
لم نغادر أوطاننا،
لكنَّ أوطاننا غادرتنا.
نحملُ في جيوبنا خرائطَها،
وفي قلوبنا
ملامحَها الأولى،
وبين الخريطةِ والملامح
مسافةٌ لا تُقاسُ بالخطى.
نمشي في مدننا
كأنّنا نعبرُ منفىً قديمًا،
نصافحُ الجدرانَ
فتوقظُ فينا أسماءً بعيدة،
ثمّ تتركُنا
وحيدين على عتبةِ السؤال.
الوطنُ لم يعد مكانًا،
بل نافذةً معلّقةً
في جدارِ الغياب؛
نطلُّ منها على وجوهنا،
فنرى ما تغيّر فينا
ولا نتعرّفُ إلينا.
حتّى اللغة،
التي كانت تجمعُ ما تفرّق،
أثقلتها المسافات؛
نقولُ «نحن»،
فتضيقُ الكلمةُ بأهلها،
وتسقطُ من بين أيدينا
قبل أن تبلغَ معناها.
في هذا الجسدِ العربيِّ
شقوقٌ كثيرة،
والجرحُ واحد؛
خريطةٌ تتباعدُ أطرافُها،
وأجزاءُ وطنٍ
تتذكّرُ شكلَها الأوّل
وتحلمُ بالالتئام.
نحنُ مواطنون
في أوطانٍ مؤجَّلة،
نحملُ أسماءَها
ولا نعثرُ على أرواحِها.
وحين تضيقُ بنا الأمكنة،
نلوذُ بالذاكرة؛
نفتّشُ فيها عن بيتٍ
تركناه ذاتَ مساء،
عن صوتٍ كان ينادينا،
عن بابٍ
كان يعرفُ خطانا.
لكنَّ الذاكرةَ أيضًا
تتعبُ من حملِ ما فقدناه.
فأيُّ وطنٍ يبقى
حين يصبحُ الماضي
أكثرَ دفئًا من الحاضر؟
ربّما الوطنُ الأخير
ليس أرضًا ولا حدودًا،
بل ذلك الركنُ الصغير
في القلب،
الذي ما زال
يرفضُ أن يهاجر.
وحين يسقطُ كلُّ شيء،
نكتشفُ أنّنا لم نكن غرباءَ عن الوطن؛
كان الوطنُ،
في مكانٍ ما منّا،
ما يزالُ يبحثُ عنّا.
بقلم سليمان بن تملّيست
جربة في 2026/08/19

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق