الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

حين تتحوّل القصيدة إلى شهادة..وصرخة في وجه التاريخ.. قراءة فنية وتعبيرية في قصيدة الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير "أرى نصر غزة..والهزيمة للعدا" بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 حين تتحوّل القصيدة إلى شهادة..وصرخة في وجه التاريخ..

قراءة فنية وتعبيرية في قصيدة الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير "أرى نصر غزة..والهزيمة للعدا"


(قصيدة كتبت غزة من داخل الجرح..لا من شرفة المتفرج)


أرى نصر غزة..والهزيمة للعدا


أرَى نصرَ غزّةَ والهزيمةُ لِلعِدا

والنِّتنُ يُقهَرُ  والبِلادُ..تعودُ لي

(غزّا )تُحاسِبُ كلَّ  مُجرِمِ  دَكَّها

وتقولُ للدّنيا انظُري..وَتأمّلي :

"أللهُ معْنا ناصِراً  عَلى (نِتْنِهِمْ)

مَهْما أَبادَ،فلنْ يَفوزَ..بِأَنْمُلِ 

فالأرضُ أرْضي والسّماءُ مِظلّتي

ثَرَواتُ أرْضي لَن تكونَ..لِقاتِلي

ثَرَواتُ أرضي والبِلادُ وقُدسُها

(غزّا )،لنا  لن تُستباحَ..بِمَقتَلِي 

(غزّا) تُحاسِبُ (بايْدِناً) وفَصيلَهُ

ماذا جنَى الأطفالُ..كيْمَا تُقتِّلِ ؟

ماذا جنيْنا كيْ نُبادَ وَنُبتَلى ؟

قُطِعَتْ رؤوسُ..مَعَ الأيادِي وَأرجُلِ

ذابتْ جُسومُ تبخّرتْ..يا ويلَكمْ!

 أيُّ  السّلاحِ  اختَرتُموهُ..لِمَقْتَلي؟

تحت التّرابِ دِمانَا تسألُ قاتِلاً:

أيْنَ الجُسومُ وأينَ بيتِي؟..وتعتَلي

ما تفعلوا ( بالغازِ) بعدَ إبادَتي؟

سيكونُ ناراً  في الحَشا.بِهَا تصْطَلي

ثَرَواتُ تحت  الأرضِ باقيَةٌ لَنا

بِدِمانَا نحرُسُها وَعيْنِ..مُقاتِلِ!

        (عزيزة بشير)


ليست قصيدة "أرى نصر غزة..والهزيمة للعدا" للشاعرة الفلسطينية السامقة الأستاذة عزيزة بشير عزيزة بشير مجرد نصٍّ شعري يصف مأساة غزة أو يرثي ضحاياها،بل هي قصيدة موقف،وقصيدة شهادة،وقصيدة احتجاج تستمد قوتها من تحويل الألم إلى خطاب مقاومة،والدم إلى ذاكرة،والموت إلى سؤال أخلاقي مفتوح في وجه العالم.

منذ المطلع:

"أرى نصرَ غزّةَ والهزيمةُ للعِدا

والنتنُ يُقهرُ والبلادُ.. تعودُ لي"

تختار الشاعرة أن تبدأ من المآل لا من اللحظة، فهي لا ترى غزة منكسرة تحت الركام،وإنما تراها منتصرة في المستقبل،وكأن عين الشاعرة تتجاوز المشهد الدموي الراهن لتلتقط ما وراءه من معنى تاريخي.وهذه الرؤية تمنح النص منذ بدايته شحنة أمل،وتضع القارئ أمام ثنائية متكررة: غزة/العدو، الحياة/الموت،الأرض/الاستباحة،الضحية/الجلاد، الهزيمة الظاهرة/النصر الباقي.

ولعل من أبرز عناصر القوة في القصيدة أن الشاعرة لا تكتفي بوصف المأساة،وإنما تمنح غزة صوتا وذاكرة وإرادة.يقول النص:

"غزّا تُحاسبُ كلَّ مجرمِ دكَّها

وتقولُ للدنيا انظري.. وتأمّلي"

هنا تنتقل غزة من كونها مكانا يتلقى الألم إلى ذات فاعلة تحاكم وتسأل وتكشف.وهذا التشخيص من أجمل التقنيات التعبيرية في القصيدة،فغزة لا تموت في النص،بل تتكلم.والركام لا يغلق فمها، والدم لا يمحو صوتها،والموت لا يلغي قدرتها على الشهادة.

ثم تأتي العبارة:

"اللهُ معنا ناصراً على نتنهمْ

مهما أباد، فلن يفوز.. بأنملِ"

لتكشف عن البعد الإيماني الذي تستند إليه الشاعرة في بناء رؤيتها.فالمقاومة هنا ليست عسكرية فقط،وإنما هي أيضا مقاومة روحية وأخلاقية ووجودية.إن الإيمان،في وجدان الشاعرة،هو آخر ما يمكن للعدوان أن ينتزعه من الإنسان حين ينتزع منه البيت والأرض والأهل.

وتزداد قيمة هذا المعنى في قولها:

"فالأرضُ أرضي والسّماءُ مظلّتي

ثرواتُ أرضي لن تكون.. لقاتلي"

فالأرض في القصيدة ليست مجرد جغرافيا، والثروات ليست مجرد مادة قابلة للتفاوض،إنهما جزء من الهوية والحق والذاكرة.ولذلك تكرر الشاعرة مفردة "أرضي" و"ثروات أرضي"وكأنها تثبت الملكية في مواجهة خطاب الاستحواذ والمحو.

ومن الناحية الفنية،يلفت الانتباه التكرار المقصود لمفردة "غزّا".فهي ليست مجرد اسم مكان،بل تتحول مع التكرار إلى لازمة وجدانية وإيقاعية، تعود كلما احتاج النص إلى استعادة مركزه. 

غزة في القصيدة ليست خلفية للأحداث،إنها البطل الغائب الحاضر،وهي القلب الذي تدور حوله الأسئلة والدماء والوعود.

ومن أكثر مقاطع القصيدة إيلاما ذلك المقطع الذي تنقل فيه الشاعرة السؤال من مستوى السياسة إلى مستوى الطفولة والبراءة:

"ماذا جنى الأطفالُ.. كيما تقتلِ؟

ماذا جنينا كي نُبادَ ونُبتلى؟"

وهنا تنكسر نبرة الخطاب السياسي لتدخل القصيدة إلى منطقة أكثر إنسانية وأشد وجعا. الطفل لا يعرف خرائط السياسة،ولا يحمل مسؤولية الحروب،ولا يفهم لماذا يتحول بيته إلى ركام.ولذلك يصبح سؤال الطفل أقوى من أي خطاب سياسي،لأنه سؤال البراءة في مواجهة العنف.

ثم تتصاعد الصور المأساوية:

"قُطعت رؤوسٌ.. مع الأيادي وأرجلِ

ذابتْ جسومٌ تبخرتْ.. يا ويلكم!"

إنها صور قاسية،لكنها تأتي من داخل واقع أشد قسوة.والشاعرة هنا لا تبحث عن الزينة البلاغية بقدر ما تحاول انتزاع القارئ من منطقة التلقي البارد.إنها تريد أن تجعله يرى الجسد الذي لم يعد جسدا،والبيت الذي لم يعد بيتا،والإنسان الذي صار أثرا تحت الركام.

وفي هذا السياق،يتحول الاستفهام إلى أداة اتهام أخلاقية:

"أيُّ السلاحِ اخترتموه.. لمقتلي؟"

السؤال هنا ليس طلبا لمعرفة نوع السلاح،بل هو سؤال إدانة.إنه يقول بصورة غير مباشرة: أيّ إنسانية تسمح بكل هذا؟ وأي عقل يمكن أن يبرر قتل من لا يملك إلا جسده الصغير؟!

وتبلغ القصيدة واحدة من أكثر ذرى التعبير مأساوية حين تجعل الموتى أنفسهم شهوداً على الجريمة:

"تحت الترابِ دماؤنا تسألُ قاتلاً:

أين الجسومُ وأين بيتي؟"

هذه الصورة بالغة الدلالة،فالدماء المدفونة تحت التراب لا تصمت،بل تتحول إلى شاهد تاريخي. وكأن الشاعرة تريد أن تقول إن دفن الجسد لا يعني دفن الحقيقة،وإن الركام قد يخفي الأجساد، لكنه لا يستطيع أن يدفن السؤال.

وتتخذ القصيدة في خاتمتها منحى رمزيا لافتا:

"ثرواتُ تحت الأرضِ باقيةٌ لنا

بدمائنا نحرسُها وعينِ مقاتلِ"

وهنا تلتقي الأرض بالدم،والثروة بالذاكرة، والحاضر بالمستقبل.فالأرض التي دُفنت تحتها الأجساد لا تصبح أرضا ميتة،بل تتحول إلى أمانة حراسة.وهذه الصورة تمنح القصيدة خاتمة ذات بعد رمزي: ما تحت الأرض ليس ثروة فقط،وإنما ذاكرة وحق ودم وشهادة.أما على مستوى اللغة والإيقاع،فتتحرك القصيدة في لغة مباشرة، مشحونة بالانفعال،لا تتكلف كثيرا في صناعة المجاز،لأنها تنتمي إلى قصيدة الموقف والصرخة والشهادة.وهذا الاختيار يتناسب مع موضوعها، فحين يكون المشهد هو غزة،والركام،والطفل، والجسد،والدم،يصبح الإفراط في الزخرفة اللغوية أحيانا نوعا من الابتعاد عن جوهر المأساة.

كما أن القافية الموحدة تقريبا تمنح النص إحساسا بالإصرار والاستمرار،فيما تتولى الأسئلة والاستفهامات والنداءات كسر الرتابة الإيقاعية وإبقاء النبرة متوترة ومتصاعدة.

ومن اللافت أيضاً حضور الأسماء السياسية في النص،مثل "بايدن وفصيله"وهو ما ينقل القصيدة من الرمز العام إلى التسمية المباشرة.وهذا خيار فني له دلالته،فالشاعرة لا تريد أن يبقى الجلاد مجهولا في فضاء استعاري،بل تريد أن تضع المسؤولية في مواجهة الاسم،وأن تجعل القصيدة أقرب إلى وثيقة احتجاج شعرية.

قيمة هذه القصيدة لا تكمن في أنها تصف غزة فقط،وإنما في أنها تحاول أن تمنح المأساة ذاكرة لغوية.فحين يعجز الحجر عن الكلام،تتكلم القصيدة.وحين تختفي الأجساد تحت الركام،يبقى السؤال.وحين يبدو الموت منتصرا في الصورة الأولى،تستدعي الشاعرة المستقبل لتقول إن النصر لا يقاس بعدد الأبنية التي هُدمت،ولا بعدد الأجساد التي سقطت،وإنما بما يبقى من الحق والذاكرة والكرامة.

إنها قصيدة كتبت غزة من داخل الجرح،لا من شرفة المتفرج،ولذلك يظل أكثر ما يوجع فيها ليس مشهد الدم وحده،بل ذلك السؤال الذي يصرّ على البقاء حيا بعد موت أصحابه: "ماذا جنى الأطفال؟!"

وهذا السؤال،في نهاية المطاف،هو الذي يجعل القصيدة تتجاوز لحظتها السياسية إلى فضاء إنساني أوسع: فضاء الضمير.

حين تنتهي القصيدة،لا تنتهي غزة.تظلّ معلّقة بين السماء والتراب،بين جسد غاب وصوت لم يغب، وبين بيت تهدّم وذاكرةٍ تأبى أن تنهدم.ولعلّ أجمل ما تفعله الشاعرة الأستاذة عزيزة بشير في هذا النص أنها لا تترك الدم وحيدا في مواجهة النسيان،تمنحه لغة،وتمنح الضحايا صوتا،وتضع السؤال في وجه التاريخ.

قد تُهدم البيوت،وقد تُدفن الأجساد،وقد تصمت المدافع يوما..لكن القصيدة التي خرجت من قلب الجرح تظل شاهدة.فغزة،في هذه القصيدة،ليست مدينة تُحاصر فقط،إنها ذاكرة تقاوم أن تُمحى، وحقّ يرفض أن يُدفن،وسؤال سيظلّ واقفا أمام ضمير العالم: كيف يمكن للإنسان أن يرى كل هذا الألم..ثم يواصل حياته كأن شيئا لم يكن ؟!

وفي النهاية،تبقى غزّة أكثر من جرح في خريطة، إنها امتحان للضمير،وذاكرة لا تنحني،وحكاية شعب يثبت كل يوم أن الحق قد يتأخر،اكنه لا يموت.وسيأتي يوم تُطوى فيه صفحات العدوان، وتبقى غزّة واقفة،شاهدة على أن الأرض التي سُقيت بالدم لا تنسى أبناءها،وأن النصر الحقيقي يبدأ حين تنتصر إرادة الحياة على كل أشكال الموت.

وكل التحية والتقدير للشاعرة الفلسطينية الكبيرة، الأستاذة عزيزة بشير،على هذا الصوت الشعري النبيل الذي يجعل من الكلمة موقفا،ومن القصيدة ذاكرة للمقاومة،ومن الشعر نافذة تُطلّ منها غزّة على أفق الحرية.

لها خالص الشكر والامتنان على هذا الإبداع الذي يكتب وجع فلسطين بمداد القلب،ويحفظ للقصيدة شرفها حين تعجز الكلمات عن حمل كل هذا الألم.


متابعة محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق