القرية بين أصالة الماضي وتمدن الحاضر
___________________
أجواء مفعمة بالجمال، وسحر آسر يدهش الخيال؛ شلالات لا تنضب بوفرة الماء الزلال، وخضرة تسر الناظرين، ومناظر خلابة تأسر الزائرين. قلوب بيضاء كحبات البرد، ونشوة سمحاء يملؤها اليقين.
الصباح يغسل وجه المحبة برذاذ طل المهج، والشمس تسلم على القلوب بشوق محب، وأنوار البهجة تبتسم للهواء العليل! في الصباح الصبوح، يأتي محمولاً على رؤوس الفتيات، ورائحة السمن البلدي تملأ الآفاق، وقهوة البن هي المشروب المفضل للرعية والمزارعين. رائحة الخضرة تنعش الفؤاد، وتطري الروح، وتسلي الخاطر.
خبز ولبن لباء ممزوج برائحة الشذاب وحبة البركة؛ طعم شهي وشهية لا تنقطع لحلاوة المذاق الذي لا يفارق الخيال طوال اليوم. سحاوق مدقوق بعناية، ممزوج بالضومرة والخوعة وأوراق الريحان الذي يعطي نكهة فريدة للطبق الصباحي المتفرد في صباحات القرية.
شبابة الرعاة تسجع أجمل الألحان لأغاني أيوب التي يرددها كل لسان. المواشي ترتعي بأمان الله، والمهاجل تصدح بها القلوب قبل الألسن في الحرث للشاحك والزرع يداعب الأنامل كأنها رقصة في عيون الفلاحين، حتى يجيء وقت الظهر استجابة لنداء الصلاة وتقرب مائدة الغداء: فتوت ذرة بيضاء أو دخن مع العسل، أو مرق ماشية ولحم يسبق شمه شفاه المكان!
قات وماء مبرد بأكواز فخارية أو جرار؛ تخديرةالقات لا تتجاوز الساعتين، ومن ثم يبدأ العمل، أما في الرعي أو حرث الأرض وعزل الزرع والفقوح واقتلاع الحشائش إلى مغيب الشمس. مناظر خلابة لوداع يوم جميل وسط الحقول؛ الأغنام والضان تكتظ بها الطرقات. لا يخلو بيت من بيوت القرية من زوج أثوار وبقرتين، وعدد لا بأس به من الجمال، أما الدجاج فلا حصر لها من كثرتها. الفلاح أو المزارع والسكان لا يحتاجون لشيء من السوق؛ الحبوب مكدسة وسط المدافن، الحطب من الجبال، والماء لا ينضب طوال العام!
ليل القرية شدو مغنَّى على أنغام الرباب أو صندوق الطرب، سمر وأنس ومرح، أخوة وجيرة، وِدّ ومحبة جيل بعد جيل. لا صخب ولا فوضى ولا همّ ولا نكد، لا حسد ولا بغض؛ كل الناس بسطاء تجمعهم روح الأخوة في أفراحهم وأحزانهم. لا يدخلون الأسواق إلا للحاجة الضرورية على الحمير أو الجمال لشراء بعض المتطلبات من تنباك وعطوي ونبات -قبل مجيء السكر والبن وقصب المناصف-، أما بقية حاجاتهم فيجنونها من خيرات أرضهم من الحبوب بكل أنواعها. يتقاسمون اللقمة والماء والمرعى كأنهم أسرة واحدة؛ بيوت القرية متواضعة كأفئدة ساكنيها، ومزارعهم مفتوحة كعيونهم يأكل منها الفقير والغني والصغير والكبير والمسافرون.
الله ما أجمل القرية والقرى في الزمن الماضي! أما اليوم فقد تغير كل شيء في القرية؛ فمن بداية دخول التلفزيون ووسائل النقل وانتشار وسائل المعرفة، تغيرت ملامح وجه القرية الجميل، صار الحرث بالآلات الحديثة، حرثاً ببدل مالي، والحقين (اللبن) يشترى من الدكان، والأغنام صارت في حظائر (شراكهن)، فلا جوره ولا أخوة!
تغير كل شيء؛ البيوت، القلوب، شحة المياه، وقلة الأمطار، والشجار بين الناس ليل نهار. الزراعة تراجعت والفقر سيد الموقف، وكل شيء من السوق، وتراكم الفقر كأكوام المآسي على رؤوس البشر. التطور قلب الموازين وغير كل أخلاق السكان؛ أين رائحة الخضرة وعبق الأماكن التي تسكن مخيلة الزائر للقرية، الذي يخرج بانطباع مفاجئ لما تعيشه تلك القرى في الزمن الجميل؟!
لماذا تمدنت القرى؟ سؤال يتداوله كل لسان في وقتنا الحاضر؛ المطاعم والبوافي على أطراف القرى، الماء يباع والأكل يباع، والحقين واللبن والسمن والخبز فما عاد للقرية إلا اسمها فقط! أسواق ممتدة على قارعة الطريق، والدشات تغطي سقوف البيوت، والشاشات في كل منزل، والجوالات بيد الصغار، والتعليم في وادي والمتعلم في وادي آخر، وشبكات النت في كل حي وزقاق، فلا شيء يوحي بأننا نسكن قرية! تمدنت القرى وعم الفساد كل أفراد المجتمع، ضوضاء وصخب طوال الوقت، توارت العادات والتقاليد في أغلب القرى، وصارت المدنية تغزوها يومًا بعد يوم. فسلام الله على القرى في الزمن الماضي!
بقلم: وليد الأثوري

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق