العكاز الذي لا يُرى
(عن القرار المسلوب… وحياةٍ بالنيابة)
كنت أمشي في الطريق، لا أنتظر شيئًا، ولا أقصد شيئًا، حين وقفت عيني على سيدة مسنّة تقف على الرصيف.
جسدها منحني، ويدها تلتفُّ حول عكاز خشبي كأنه امتداد لها، أو ربما، ما تبقّى منها.
كانت تحاول عبور الشارع بخطى مترددة، كل خطوة تسبقها نظرة، وكأنها تستأذن الطريق قبل أن تجرؤ على العبور.
مشهد عادي ربما…
لكن شيئًا في وقفتها نادى شيئًا في داخلي.
تأملتُها، ثم وجدتني أتأمل نفسي.
تأملتنا، نحن الذين لا نحمل عكازات خشبية،
لكننا نتكئ على ما هو أثقل… عكاز لا يُرى.
العجز ليس دائمًا ضعفًا في الجسد،
بل هو الصمت في قلبك حين يجب أن تصرخ،
هو التراجع عن حلمك لأن أحدهم قال لك: "ليس هذا لك"،
هو أن تمشي في طريقٍ ما، فقط لأنه فُرض عليك.
كم مرة عشنا حياة لا تُشبهنا؟
اخترنا تخصصًا لم نرغب به،
قبلنا وظيفة تخنقنا،
تعايشنا مع علاقات تستنزفنا،
ونقول في نهاية كل ذلك: "هكذا الحياة"...
لكننا نعلم في قرارة أنفسنا أن الحقيقة أبسط وأكثر وجعًا:
لم نكن نحن من اختار.
العجز أن تُصبح ردّ فعل دائم،
أن تدور في فلك قرارات الآخرين،
أن تعيش بحذر، وتسير بحساب، وتتكلم بنصف صوت.
العجز أن تُمسك بدفّة عمرك، ثم تُسلّمها بإرادتك،
لأهل، لمجتمع، لعُرف، لخوف، لصورة تُرضي الآخرين.
ذلك هو العكاز الذي لا يُرى:
أن تتكئ على وهم الراحة،
أن تختبئ خلف "ما باليد حيلة"،
أن تعتاد الضيق لأنه مألوف،
وتخاف الاتساع لأنه جديد.
تلك السيدة… عبرت الطريق.
ببطء، بتعب، لكنها عبرت.
أما نحن… فكم من الطرق لم نعبرها أصلًا؟
كم من الحياة تأجلنا عن عيشها؟
كم مرة أعدنا أرواحنا إلى نقطة الصفر،
لا لشيء… فقط لأننا لم نملك القرار؟
الحقيقة القاسية؟
أكبر عجز أن يملك غيرك قرارك.
وأسوأ ما في العجز، أن تعتاد عليه حتى لا تعود تراه.
لكن… ما دامت فيك نبضة، فبإمكانك أن تختار.
أن تكسر العكاز، أن تقول "لا" حيث اعتدت الصمت،
أن تسأل نفسك: هل هذه حياتي… أم نسخة من حياة أحدهم؟
فالحياة ليست ما يحدث لنا،
بل ما نفعله بما يحدث لنا.
نعم، قد نمشي متأخرين، مترنّحين، مترددين…
لكن أن نختار الطريق أخيرًا،
خيرٌ من أن نمضي عمرًا كاملًا،
نتكئ على عكازٍ لا يُرى،
ونسير في حياةٍ ليست لنا. بقلم خالد عجيبه

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق