القصة: "مِيزَانُ القَلْبِ وَالعَقْلِ فِي زُقَاقِ الشَّوَاشِينِ"
فِي الشَّوَاشِينِ، حَيْثُ تَلْتَقِي رَائِحَةُ البَخُورِ بِرَائِحَةِ النَّرْجِيلَةِ وَالبُنِّ المُنْبَعِثَةِ مِنَ المَقَاهِي العَتِيقَةِ، وَتَتَدَاخَلُ أَصْوَاتُ بَائِعِي القُمَاشِ مَعَ دَقَّاتِ النُّحَاسِ فِي سُوقِ الشَّاشِيَّةِ، كَانَ يَعِيشُ سَالِمٌ. شَابٌّ ثَلَاثِينِيٌّ يَعْمَلُ كَاتِباً فِي مَحْكَمَةِ البِدَايَةِ، قَمِيصُهُ دَائِماً مَكْوِيّاً وَدَفْتَرُهُ فِي جَيْبِهِ الأَيْسَرِ لَا يُفَارِقُهُ. وَفِي الدَّارِ الَّتِي تَطُلُّ عَلَى السُّوقِ الكَبِيرِ، كَانَتْ تَسْكُنُ فَاطِمَةُ، ابْنَةُ المُعَلِّمِ، تَخْرُجُ كُلَّ صَبَاحٍ إِلَى مَعْهَدِ نَهْجِ البَاشَا بِكِتَابٍ فِي يَدِهَا وَعَيْنٍ فِيهِمَا سَهَرٌ.
أَحَبَّهَا سَالِمٌ بِقَلْبِهِ قَبْلَ أَنْ يُفَكِّرَ فِيهَا. رَآهَا مَرَّةً وَهِيَ تَسْقِي الزَّرْعَ فَوْقَ السَّطْحِ فَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِهَا كَمَا يَتَعَلَّقُ الغَرِيقُ بِالحَبْلِ. كَانَ قَلْبُهُ يَسْأَلُهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ: أَتَشْعُرُ بِالأَمَانِ مَعَهَا؟ أَيُسِرُّكَ صَوْتُهَا وَهِيَ تَقْرَأُ القُرْآنَ؟ أَتَحِنُّ إِلَيْهَا إِذَا مَرَّ النَّهَارُ وَلَمْ تَرَهَا؟ فَيُجِيبُ بِلَا حِسَابٍ: نَعَمْ. أَمَّا عَقْلُهُ، ذَلِكَ المُحَاسِبُ الجَالِسُ عَلَى كُرْسِيٍّ فِي رَأْسِهِ، فَكَانَ يَفْتَحُ مِلَفَّاتِهِ وَيَقُولُ: مَهْلاً يَا وَلَدِي. أَبُوهَا عَلَى قَدِّ حَالِهِ، وَأَنْتَ رَاتِبُكَ بِالكَّادِ يَكْفِي كِرَاءً، وَأَحْلَامُهَا كَبِيرَةٌ وَالدُّنْيَا ضَيِّقَةٌ. ثُمَّ يُشِيرُ إِلَى الجِهَةِ الأُخْرَى مِنَ النَّهْجِ حَيْثُ تَسْكُنُ نَعِيمَةَ ابْنَةُ التَّاجِرِ. ابْنَةُ عَائِلَةٍ، مُتَعَلِّمَةٌ، تَفْهَمُ فِي التَّدْبِيرِ، وَأَبُوهَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْتَحَ لَكَ بَابَ رِزْقٍ. هَذِهِ هِيَ المُنَاسِبَةُ، هَذِهِ هِيَ الوَرَقَةُ الرَّابِحَةُ.
وَلَكِنَّ نَعِيمَةَ لَمْ تَكُنْ تَرَى سَالِماً أَصْلاً. كَانَ عَقْلُهَا مَشْغُولاً بِغَيْرِهِ، بِضَابِطٍ قَدِمَ مِنَ الضَّاحِيَةِ الشِّمَالِيَّةِ لِلعَاصِمَةِ، وَقَلْبُهَا لَمْ يَنْبِضْ لَهُ يَوْماً. كَانَتْ تَمُرُّ بِهِ فِي السُّوقِ فَتُلْقِي السَّلَامَ بِبُرُودَةٍ وَتُكْمِلُ طَرِيقَهَا.
وَفِي الجِهَةِ المُقَابِلَةِ كَانَتْ فَاطِمَةُ تَعِيشُ حَرْباً أُخْرَى. تَعَلَّقَ عَقْلُهَا بِسَالِمٍ. رَأَتْ فِيهِ الاحْتِرَامَ وَالثَّبَاتَ وَالرَّجُلَ الَّذِي لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي الشَّارِعِ وَلَا يَكْذِبُ فِي شَهَادَةٍ. قَالَتْ لِنَفْسِهَا: هَذَا رَجُلُ بَيْتٍ، هَذَا أَمَانٌ، هَذَا مُسْتَقْبَلٌ يُمْكِنُ البِنَاءُ عَلَيْهِ. أَمَّا قَلْبُهَا فَقَدْ سَافَرَ وَسَكَنَ عِنْدَ رَشِيدٍ، ابْنِ الحَلَّاقِ، شَابٌّ شَعْرُهُ دَائِماً مُبَعْثَرٌ تَذْرُوهُ الرِّيحُ وَيَدُهُ فِيهَا عُودٌ وَيُغَنِّي فِي المَقَاهِي. كَانَ قَلْبُهَا يَطِيرُ إِذَا سَمِعَتْ صَوْتَهُ، وَلَا تَسْأَلُهُ عَنِ الرَّاتِبِ وَلَا عَنِ الدَّارِ. تَسْأَلُهُ فَقَطْ: أَتَبْقَى مَعِي؟ فَيَبْتَسِمُ وَلَا يُجِيبُ، لِأَنَّهُ لَا يَرَاهَا أَصْلاً وَلَا يَهْتَمُّ بِهَا.
وَهَكَذَا صَارَ فِي زُقَاقِ الشَّوَاشِينِ أَرْبَعَةُ بَشَرٍ يَعِيشُونَ فِي جَسَدَيْنِ. سَالِمٌ يَمْشِي وَقَلْبُهُ يَسْبِقُهُ وَعَقْلُهُ يُمْسِكُهُ مِنْ كَتِفِهِ. وَفَاطِمَةُ تَضْحَكُ وَقَلْبُهَا فِي مَكَانٍ وَعَقْلُهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ.
وَجَاءَ يَوْمُ السُّوقِ الكَبِيرِ. تَصَادَفُوا الأَرْبَعَةُ عِنْدَ بَائِعِ العُطُورِ. سَالِمٌ مَعَ نَعِيمَةَ الَّتِي اخْتَارَهَا عَقْلُهُ، وَفَاطِمَةُ مَعَ صَدِيقَاتِهَا وَهُنَّ يَتَحَدَّثْنَ عَنْ رَشِيدٍ.
قَالَتْ نَعِيمَةُ وَهِيَ تَعُدُّ النُّقُودَ: كُلُّ شَيْءٍ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَحْسُوباً.
قَالَ سَالِمٌ: نَعَمْ، المَحْسُوبُ مَضْمُونٌ.
فَرَدَّتْ فَاطِمَةُ مِنْ بَعِيدٍ وَهِيَ تَضْحَكُ مَعَ صَاحِبَاتِهَا: وَبَعْضُ الأَشْيَاءِ إِذَا حَسَبْتَهَا هَرَبَتْ.
نَظَرَ إِلَيْهَا سَالِمٌ فَاخْتَلَطَتْ فِي عَيْنَيْهِ دَمْعَةٌ وَحِسَابٌ. قَالَ قَلْبُهُ: هِيَ. وَقَالَ عَقْلُهُ: لَيْسَتْ لَكَ. وَقَالَتْ عَقْلُ فَاطِمَةَ: هُوَ. وَقَالَ قَلْبُهَا: لَا يَرَانِي.
مَرَّتِ الأَعْوَامُ. تَزَوَّجَ سَالِمٌ نَعِيمَةَ كَمَا أَشَارَ عَلَيْهِ العَقْلُ، وَتَزَوَّجَتْ فَاطِمَةُ رَجُلاً آخَرَ اخْتَارَهُ لَهَا أَبُوهَا رَجُلاً طَيِّباً لَكِنَّ قَلْبَهَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ. وَفِي البِدَايَةِ بَدَا أَنَّ العَقْلَ قَدِ انْتَصَرَ. بَيْتُ سَالِمٍ كَانَ مُرَتَّباً، لَا دَيْنَ فِيهِ وَلَا فَوْضَى، لَكِنَّهُ كَانَ بَارِداً كَأَوْرَاقِ المَحْكَمَةِ. وَبَيْتُ فَاطِمَةَ كَانَ عَامِراً لَكِنَّهَا كَانَتْ تَسْمَعُ فِي اللَّيْلِ أَغَانِيَ رَشِيدٍ المُنْبَعِثَةَ مِنَ المَقْهَى القَرِيبِ فَتَذَكَّرُ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئاً لَمْ تَعِشْهُ.
حَتَّى جَاءَتِ الأَيَّامُ الَّتِي تُعَلِّمُ النَّاسَ. مَرِضَتْ أُمُّ سَالِمٍ فَوَجَدَ نَعِيمَةَ تَسْهَرُ وَتُدَبِّرُ الدَّوَاءَ وَتَحْسُبُهَا بِالدِّينَارِ، فَفَهِمَ قَلْبُهُ مُتَأَخِّراً أَنَّ الأَمَانَ الَّذِي أَرَادَهُ العَقْلُ كَانَ رَحْمَةً. وَمَرَّتْ فَاطِمَةُ بِضِيقٍ فَوَجَدَتْ زَوْجَهَا يَقِفُ مَعَهَا وَيَقْسِمُ مَعَهَا اللُّقْمَةَ، فَفَهِمَ عَقْلُهَا مُتَأَخِّراً أَنَّ المَنْطِقَ الَّذِي اخْتَارَتْهُ كَانَ سِتْراً.
وَفِي لَيْلَةِ مَطَرٍ، وَقَفَ سَالِمٌ وَفَاطِمَةُ تَحْتَ سَقِيفَةٍ وَاحِدَةٍ قُرْبَ جَامِعِ الزَّيْتُونَةِ المَعْمُورِ. المَاءُ يَنْزِلُ مِنَ المِيزَابِ وَصَوْتُ الأَذَانِ يَمْلَأُ المَكَانَ.
قَالَ سَالِمٌ: كَيْفَ حَالُكِ يَا فَاطِمَةُ؟
قَالَتْ: الحَمْدُ للهِ، وَالسِّتْرُ مِنْ عِنْدِ رَبِّي.
قَالَ: وَعَقْلُكِ وَقَلْبُكِ؟
قَالَتْ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى الأَرْضِ: تَصَالَحَا أَخِيراً. عَلِمْتُ أَنَّ العَقْلَ بِلَا قَلْبٍ يَبْنِي دَاراً بِلَا سُكَّانٍ، وَأَنَّ القَلْبَ بِلَا عَقْلٍ يُشْعِلُ نَاراً تُحْرِقُ الدَّارَ وَمَنْ فِيهَا.
وَمَضَى كُلٌّ إِلَى حَالِهِ.
وَمِنْ يَوْمِهَا صَارَ كِبَارُ الشَّوَاشِينِ الَّذِينَ خَبِرُوا القِصَّةَ، إِذَا رَأَوْا شَابّاً مُحْتَاراً يَقُولُونَ لَهُ: يَا وَلَدِي، لَا تَظْلِمْ قَلْبَكَ بِالحِسَابِ وَلَا تَظْلِمْ عَقْلَكَ بِالهَوَى. ابْحَثْ عَمَّنْ يَقُولُ لَهُ عَقْلُكَ هَذَا يُنَاسِبُكَ، وَيَقُولُ لَهُ قَلْبُكَ هَذَا يُرِيحُكَ. فَإِنْ وَجَدْتَهُ فَقَدْ وَجَدْتَ الدُّنْيَا. وَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ فَتَزَوَّجْ مِمَّنْ تَصَالَحَ مَعَهَا عَقْلُكَ وَقَلْبُكَ مَعاً، حَتَّى وَلَوْ تَأَخَّرْتَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَعِيشَ عُمْرَكَ كُلَّهُ أَرْبَعَةً فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ يَتَشَاجَرُونَ وَلَا يَتَّفِقُونَ.
وَهَكَذَا عَلِمَتِ الحَارَةُ أَنَّ الحِكْمَةَ لَيْسَتْ فِي أَنْ تَخْتَارَ بَيْنَ القَلْبِ وَالعَقْلِ، بَلْ فِي أَنْ تَجْعَلَهُمَا شَرِيكَيْنِ، يَسْأَلُ العَقْلُ القَلْبَ: هَلْ هَذَا يُسْعِدُكَ؟ وَيَسْأَلُ القَلْبُ العَقْلَ: هَلْ هَذَا يُنْقِذُكَ؟ فَإِذَا اتَّفَقَا وُلِدَ الإِنْسَانُ الكَامِلُ، وَإِذَا اخْتَلَفَا عَاشَ الإِنْسَانُ نَاقِصاً وَفِي شَقَاءٍ وَكَرْبٍ وَلَوْ مَلَكَ الدُّنْيَا.
_انْتَهَتْ_
التَّعْرِيفُ بِالْكَاتِبِ: الْكِيلَانِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بُوستَة
كَاتِبٌ وَبَاحِثٌ تُونِسِيٌّ فِي الشَّأْنِ التَّرْبَوِيِّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ.
يَكْتُبُ فِي مَجَالِ الْقِصَّةِ الْقَصِيرَةِ وَالْمَقَالِ الْفِكْرِيِّ وَالدِّرَاسَاتِ السُّوسْيُولُوجِيَّةِ بِلُغَةٍ جَادَّةٍ تَمْزِجُ بَيْنَ الْوَاقِعِ الْمَيْدَانِيِّ وَالتَّحْلِيلِ النَّقْدِيِّ.
يَهْتَمُّ بِقَضَايَا التَّعْلِيمِ وَالْأُسْرَةِ وَالْهِشَاشَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَإِعَادَةِ اعْتِبَارِ الْإِنْسَانِ دَاخِلَ الْمُؤَسَّسَاتِ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق