حساسية الموقف
على الرغم من صعوبة السير في حر الظهيرة في أرض فلاة، وعلى الرغم من كل المخاوف التي تنتابني جراء تسللي من وحدتي العسكرية متوجها نحو صلاة الجمعة في مسجد القرية القريبة من الفوج
وعلى الرغم من كل الأحداث المتلاحقة التي تعصف بسوريتنا الحبيبة وهي ترزح تحت ظل حكم طائفي بغيض -نهاية السبعينيات من القرن المنصرم-
كنت أحث الخطى نحو المسجد وحيدا وحيدا، فالهدف الذي أصبو إليه يتطلب سرية تامة وحذرا شديدا وإلا فالخطأ الصغير هاهنا يفضي إلى هلاك محقق
صحيح أنني سوف أصلي الجمعة في مسجد القرية، لكنني في ذات الوقت سوف أقابل الشخص الذي وصفه لي الدكتور عبدالله يوم كنت في حلب وهو الشخص الذي سيكون صلة وصل بيني وبين الطليعة المقاتلة في أيامي اللاحقات
قد كنت مترددا بعض الشيء في مهمتي التي شرعت بها، فإما أن أقتحم الصعاب وأتابع طريقي المرسوم، أو أن أتراجع عما أنا بصدده تجنبا للأذى الذي قد يلحق بي
قررت أن أتابع طريقي مهما كانت التضحيات فسوريتنا لا بد لها أن تتحرر من طغمة الحكم المستبد ولا بد أن نكون نحن وقود هذا التحرير
هذا شخص آخر و ثالث ورابع وخامس كلهم قد غادر الفوج في طريقه نحو مسجد القرية، ولست أرى من داع لمرافقة أي من هؤلاء إذ ربما كان فيهم من يهوى كتابة التقارير وأنا في غنى عن ذلك
دخلت المسجد، لم يؤذن للصلاة بعد، وشرعت في صلاة ركعتي تحية المسجد وبعدها بت أجيل النظر في المكان وأتفرس وجوه الحاضرين لعلي أصادف الشخص الذي سيعرفني بنفسه بعد انتهاء الصلاة
حتى الآن لا شيء يشير إلى أن الشخص الذي أترقبه حاضرا هاهنا
الناس في هذه القرية بسطاء للغاية، وكم أضحكني ذاك الرجل المسن الذي قام يرفع الأذان بين يدي الإمام، ولا أظنه هو مؤذن المسجد، وفيما هو يرفع الأذان من وراء مكبر الصوت حضره السعال فجأة، فتنحى جانبا وقال لنفسه بصوت منخفض "وقز القرد" [هي كلمة نسمعها كثيرا من كبار السن ولست أدري معناها]
وحين قام الإمام لخطبة الجمعة، رأيتني لم أزل اتمعن في وجوه الحاضرين لعلي أجد الشخص الذي أبحث عنه، لكنه لم يستقر رأيي على أحد من الحضور
كان خطيب الجمعة تتناوب في كلماته العامية والفصحى مع بضعة أغلاط نحوية وبلاغية وإعرابية، ولم يكن يوظف الكلمة في مكانها بدقة وانسيابية، بل رأيته صارما متشددا في كلماته وكان الناس في المسجد آنئذ ما بين نائم أو شبه مستيقظ
-وكتب: يحيى محمد سمونة- حلب.سوريا
إشراقة شمس 173
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق