الأربعاء، 12 أغسطس 2026

"رد سريع" بقلم القاص نورالدين بنعيش

 "رد سريع"

أخيرًا تُوِّجَ مسارُ سعيدٍ بشهادةٍ جامعيّة، بعد عشرين سنةً من الدراسة. استبشر بمستقبلٍ زاهرٍ وهو يتسلّم من عميدِ الكلّيّة شهادةَ الدكتوراه بتقديرٍ مشرفٍ جدًّا، مع التوصية بالنشر.


​وضعها في إطارٍ خشبيّ، وعلّقها على جدار غرفته.


​توالت الأيّام، وبقي أملُ سعيدٍ معلّقًا إلى جوار الشهادة؛ فكلُّ الأبواب  التي طرقها   أوصدت في وجهه. ولِيفلِتَ من قبضة العطالة، فكّر في العمل حارسًا في إحدى الملاهي الليليّة، لكنه تراجع خشية الحرج ونظرة زملاء الدراسة له .  


​في ليلةٍ طويلةٍ يغمرها تفكيرٌ عميق، شقَّ رنينُ الهاتف صمتَ الغرفة. فتح هاتفه بتأنٍّ، ليفاجئه صوت صديقه:


—                                                                      الرايَسْ غادي  للصيد هاد الفجرية 


​فهم سعيد معنى الشفرة على الفور . جمع حقيبته، وكان في الموعد.


​كان عدد «الحَرّاكَة» ستّة، بينما الزورق لا يتّسع لأكثر من أربعة. ولحسن حظّهم، كان البحر هادئًا تلك الليلة، فتمكّنوا من بلوغ مرادهم.


​تفرّق الجميع، إلّا سعيدًا؛ بقي في مكانه حتى طلع النهار. ارتدى بدلةً رياضيّة، وألقى بحقيبته في البحر كأنّه يتخلّص من حمولة ماضيه، ثم أطلق ساقيه للريح  راكضا على الشاطئ ، يستنشق أكسجين سعادة كان في أمس الحاجة إليه  . وبين الفينة  والأخرى، كان يتوقّف للقيام ببعض الحركات الرياضيّة حتى لا يثير انتباه رجال الحرس الحدودي.


​زاد ظمأ سعيد نتيجةَ الركض الذي لم يعتده. وفي مدخل المدينة، دخل أحد المقاهي وطلب كأسًا من الماء. همَّ بالمغادرة، فنادته صاحبة المقهى:


—                                                                      ألا تقول شكرًا؟


​التفت إليها، فأشارت إليه أن يقترب، ثم همست في أذنه:


—                                                                      يبدو أنّك مهاجرٌ سرّي.


​للوهلة الأولى، ارتبك سعيد وتملّكه الإحباط؛ فقد ظنّ أن السيدة ستبلّغ عنه الشرطةَ المحليّة، لكنها واصلت همسها :


—                                                                      أحتاج حارسًا ليليًّا لبيتي .


​لم يتردد في قبول عرضها  ؛ فهو الان  بعيدٌ عن أعين زملائه.


​وذات أمسيّةٍ ماطرة، كان في مقصورة المترو، حين أخذ رضيعٌ يصرخ بأعلى صوته، فأزعج ذلك المسافرين. ولكي تلطف الأمُّ الجوَّ المشحون ، ابتسمت في وجه صغيرها قائلةً وهي تشير الى سعيد الاسمر اللون :


— « Tais-toi, ou Mohamed va te manger ! »


​ضحك بعض الحاضرين.


​لكن سعيدا لم  يخجل من كلامها   فجاء ردّه أكاديميًّا قلب المشهد رأسًا على عقب:


— « Ne t'en fais pas, mon petit, Mohamed ne mange pas les petits cochons. »


​اشرأبّت أعناق الركاب، وتسلّلت النظرات المندهشة  نحو سعيد، لكنّه لم يكترث ، وواصل تصفّح عناوين الجريدة التي كانت في يده كأن شيئا لم يكن  .


القاص نورالدين بنعيش /المغرب/12/08/2026



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق