خَاطِرَةٌ بِعُنْوَانٍ: "يَا أَبْنَائِي... تَذَكَّرُوا"
*خَاطِرَةٌ بِعُنْوَانٍ: "يَا أَبْنَائِي... تَذَكَّرُوا"
*الْكَاتِبُ: الْكِيلَانِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بُوستَة
*التَّارِيخُ: 15 أُوتَ 2026*
يَا أَبْنَائِي... تَذَكَّرُوا:
... إِذَا طَالَ بِيَ الْعُمُرُ يَوْمًا وَغَرُبَتْ شَمْسِي، وَتَهَرَّمَتْ عِظَامِي وَنَحُلَ جَسَدِي، وَاشْتَعَلَتْ نِيرَانُ الشَّيْبِ فِي رَأْسِي وَضَعُفَتْ قُوَّتِي وَانْقَطَعَ نَفَسِي، وَانْهَارَتْ صِحَّتِي وَسَكَنَنِي مَرَضِي... عُودُوا بِذَاكِرَتِكُمْ إِلَى الْبِدَايَاتِ...
تَذَكَّرُوا أَنِّي أَهْدَيْتُكُمْ شَبَابِي، وَغَرَسْتُ فِيكُمُ الرَّبِيعَ، وَاحْتَرَقَ فِي الْخَرِيفِ عُمُرِي، تَحَمَّلْتُكُمْ دَهْرًا حَتَّى تَقَوَّسَ ظَهْرِي، وَأَطْعَمْتُكُمْ سِنِينًا وَنِمْتُ خَاوِيَ الْبَطْنِ، وَأَلْبَسْتُكُمْ رِدَاءَ الْحَرِيرِ وَاكْتَفَيْتُ بِسَتْرِ عَوْرَتِي. أَشْعَلْتُ لَكُمْ أَصَابِعِي شُمُوعًا وَعِشْتُ فِي الظَّلَامِ وَحْدِي، حَمَيْتُكُمْ مِنَ الرِّيَاحِ الْعَاتِيَةِ وَعَصَفَتْ بِيَ الرِّيحُ إِلَى حَتْفِي. أَفْنَيْتُ لِأَجْلِكُمْ عُمُرِي وَنَسِيتُ نَفْسِي.
تَذَكَّرُوا...تَذَكَّرُوا... تَذَكَّرُوا...
إِذَا ضَاقَ صَدْرِي يَوْمًا لِغِيَابِكُمْ، وَاتَّسَعَ الْبَيْتُ بِصَمْتِكُمْ، وَغَدَتِ الْكَرَاسِيُّ الْفَارِغَةُ وَالْمَائِدَةُ الْخَالِيَةُ أَوْطَانًا تَبْكِينِي وَتَحْزَنُ لِجُحُودِكُمْ... وَإِذَا أَصْبَحَ حُضُورُكُمْ بِالْغِيَابِ بَدِيلًا يُنْسِينِي وَجَعَ الْفَقْدِ، وَصَارَتْ أَيَّامِي تَعُدُّنِي بِنُدْرَةِ زِيَارَاتِكُمْ وَقِلَّةِ اتِّصَالَاتِكُمْ، وَأَصْبَحْتُ أُحَدِّثُ الْجُدْرَانَ فَتُحَدِّثُنِي: "هَاهُنَا بَكَيْتُمْ، وَهُنَا ضَحِكْتُمْ، وَهُنَا نِمْتُمْ فِي حِضْنِي تَنْتَظِرُونَ طُلُوعَ صُبْحِكُمْ"...
تَذَكَّرُوا كَمْ مَسَحْتُ دُمُوعَكُمْ وَبَكَيْتُ وَصَلَّيْتُ لِأَجْلِكُمْ، وَكَمْ غَنَّيْتُ لَكُمْ لِتَنَامُوا وَسَهِرْتُ اللَّيْلَ أَحْرُسُ نَوْمَكُمْ. أَنَا الْأَرْضُ الَّتِي مَشَيْتُمْ عَلَيْهَا عَلَّمْتُكُمْ أُولَى خُطُوَاتِكُمْ، وَالسَّمَاءُ الَّتِي ظَلَّلَتْكُمْ فَاحْتَرَقْتُ بِلَهِيبِ الشَّمْسِ بَدَلًا عَنْكُمْ.
وَلْتَحْذَرُوا... مَاذَا لَوْ بَاتَ بَابُ قَلْبِي مُوصَدًا بَعْدَ أَنْ هَدَّهُ الصَّبْرُ وَالِانْتِظَارُ وَالْحَنِينُ؟ مَاذَا لَوْ صَارَ صَوْتِي ذِكْرَى تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ سَرَابًا وَطَنِينًا؟ مَاذَا لَوْ طَرَقْتُمْ بَابِي ذَاتَ صَحْوَةٍ فَأَخْبَرَكُمُ الْقُفْلُ عَنْ نِهَايَتِي وَالرَّحِيلِ؟
تَذَكَّرُوا... تَذَكَّرُوا... تَذَكَّرُوا...
مَهْمَا طَالَ بِكُمُ الْعُمُرُ فَإِنَّكُمْ رَاحِلُونَ، وَمَهْمَا صَارَعْتُمْ أَمْوَاجَ الْبَحْرِ فَإِنَّكُمْ مَهْزُومُونَ وَخَاسِرُونَ، فَلَا تَغْتَرُّوا وَلَا تُكَابِرُوا. وَمَهْمَا بَلَغْتُمْ مَنْزِلَةً فِي الْعِلْمِ وَالْفِكْرِ وَمَرْتَبَةً بَيْنَ أَصْحَابِ الْمَعْرِفَةِ وَالْفَضَائِلِ فَلَا تَعْتَدُّوا بِأَنْفُسِكُمْ وَلَا تُفَاخِرُوا، فَسَتَجَاوَزُكُمْ أَجْيَالٌ فُتَيَّةٌ بِمَرَاحِلَ، وَسَتَبْقَى أَفْكَارُكُمْ مِنْ بَيْنِ الْمَفَاخِرِ مُجَرَّدَ ذِكْرَى لِتَارِيخٍ عَلَى الْمَنَابِرِ. وَمَهْمَا بَلَغْتُمْ مِنْ شِدَّةٍ وَقُوَّةٍ بَيْنَ أَقْرَانِكُمْ وَالْفَصَائِلِ فَلَا تَأْنَسُوا لِفُتُوَّتِكُمْ وَلِجَمَالِكُمُ الْبَاهِرِ، فَسَيَأْتِي الزَّمَانُ عَلَى شَبَابِكُمُ السَّاحِرِ وَسَتُصْبِحُونَ شُيُوخًا عَاجِزِينَ وَعَاقِرِينَ، وَسَتَبْكُونَ عُمْرًا أَفْنَيْتُمُوهُ لِغَيْرِكُمْ مُجْتَهِدِينَ وَثَائِرِينَ، وَسَتُرَافِقُكُمْ حُصَّالَةٌ تَمْلَؤُونَهَا بِالزَّفِيرِ وَقُلُوبٌ يُمَزِّقُهَا الْحَنِينُ وَتُحْرِقُهَا السَّجَائِرُ.
عِيشُوا لِأَنْفُسِكُمْ، فَالْحَيَاةُ لَحْظَةٌ وَالْعُمْرُ زَائِلْ. فَمَهْمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِوَجَاهَةِ الْأَكَابِرِ وَأَقَامُوا لَكُمُ الْمَرَاسِمَ وَالْمَحَافِلَ فَإِنَّ سُلْطَانَكُمْ مُنْتَهٍ وَآفِلْ. فَلَا تَسْتَبِدُّوا، وَلْتَجْبُرُوا الْخَاطِرَ، وَكُونُوا خَدَمًا لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ تُغَادِرُوا، وَاذْكُرُوا نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَلَا تُجَاهِرُوا. وَمَهْمَا أَخَذَتْكُمْ أَرْجُلُكُمْ فِي أَلْفِ مِشْوَارٍ وَمِشْوَارٍ، سَيَنْتَهِي التَّرْحَالُ وَسَيَغْتَالُكُمُ الْعَجْزُ وَلَنْ تُوَاصِلُوا، وَمَهْمَا بَلَغْتُمْ مِنَ الْغِنَى وَأَفْضَلِ حَالٍ فَسَتَرْحَلُونَ ذَاتَ يَوْمٍ بِصِفْرِ حَاصِلٍ.
أَفلَا تَرَونَ سِرَّ هَذِهِ الْمُعَادَلَةِ الْمُوجِعَةِ؟ نُسْتَقْبَلُ بِالدُّعَاءِ وَنُوَدَّعُ بِالدُّعَاءِ، وَبَيْنَهُمَا نَرْكُضُ وَرَاءَ سَرَابٍ نُسَمِّيهِ: "أَنَا". نَبْنِي قُصُورًا مِنَ الْغُرُورِ عَلَى أَكْتَافِ مَنْ حَمَلُونَا، ثُمَّ نَتَعَجَّبُ إِذَا مَا انْهَارَتْ فَوْقَ رُؤُوسِنَا حِينَ ضَعُفْنَا. نُطْفِئُ شُمُوعَ مَنْ أَضَاءُوا لَنَا الطَّرِيقَ، ثُمَّ نَشْكُو ظَلَامَ الدَّرْبِ عِنْدَمَا تَشِيبُ رُؤُوسُنَا.
فَالسُّؤَالُ الَّذِي يَرْفُضُ النَّوْمَ فِي عُيُونِ الْحَقِيقَةِ هُوَ: إِذَا كُنَّا جَمِيعًا سَنَعُودُ إِلَى الضَّعْفِ الَّذِي بَدَأْنَا مِنْهُ، وَإِلَى الْحَمْلِ عَلَى الْأَكْتَافِ الَّذِي خَتَمْنَا بِهِ... فَمَتَى نُدْرِكُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكُونُ إِنْسَانًا إِلَّا إِذَا تَذَكَّرَ، وَتَوَاضَعَ، وَبَقِيَ إِنْسَانًا حَتَّى الرَّحِيلِ؟
_ انْتَهَتْ _
تَعْرِيفُ الْكَاتِبِ: الْكِيلَانِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بُوستَة
شَاعِرٌ وَأَدِيبٌ تُونِسِيٌّ، يُلَقَّبُ بِـ "دَرْوِيشِ الْكَلِمَةِ".
تَتَمَيَّزُ كِتَابَاتُهُ بِالنَّفَسِ الصُّوفِيِّ وَالْبُعْدِ الْإِنْسَانِيِّ الْعَمِيقِ، وَتَغْلِبُ عَلَيْهَا مَوَاضِيعُ الْوَفَاءِ، وَالْحَنِينِ، وَالتَّأَمُّلِ فِي الْوُجُودِ وَقَضَايَا الْإِنْسَانِ.
صَاحِبُ أَسْلُوبٍ بَلَاغِيٍّ مُؤَثِّرٍ يَمْزِجُ بَيْنَ وَجَعِ الْوَاقِعِ وَحِكْمَةِ التَّجْرِبَةِ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق