الجمعة، 14 أغسطس 2026

قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ: "حِوَارٌ مَعَ ظِلِّي" بِقَلَمِ: الْكِيلَانِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بُوسِتَّة

 💠 قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ: "حِوَارٌ مَعَ ظِلِّي" 

🟢 بِقَلَمِ: الْكِيلَانِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بُوسِتَّة


      فِي يَوْمٍ قَائِظٍ مِنَ النَّهَارِ، وَالشَّمْسُ فِي قَلْبِ السَّمَاءِ كَأَنَّهَا دِرْهَمٌ مِنْ نَارٍ، كُنْتُ عَائِدًا مِنَ الْعَمَلِ الْإِضَافِيِّ الثَّانِي. ظَهْرِي مَحْنِيٌّ، وَجَبِينِي يَقْطُرُ عَرَقًا، وَفِي جَيْبِي فَاتُورَتَانِ لِلْكَهْرَبَاءِ وَوَاحِدَةٌ لِلْمَاءِ، وَرِسَالَةٌ صَوْتِيَّةٌ مِنَ الزَّوْجَةِ: "لَا تَنْسَ الْخُضْرَةَ وَالْحَلِيبَ وَدَوَاءَ الْجَدَّةِ".


      وَكَالْعَادَةِ، كَانَ ظِلِّي يَتْبَعُنِي. لَيْسَ مِثْلَ الْأَصْدِقَاءِ الَّذِينَ يَتَخَلَّوْنَ عِنْدَ أَوَّلِ مَنْعَرَجٍ، بَلْ مُلَازِمٌ لَا يَمَلُّ وَلَا يَسْأَلُ عَنِ الرَّاتِبِ. تَوَقَّفْتُ فَجْأَةً وَسَط الطَّرِيقِ، وَخَاطَبْتُهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى سَوَادِهِ عَلَى الْأَرْضِ:  

- "يَا ظِلِّي... لَوْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ يُرْجَى مَا تَبِعْتَنِي كُلَّ هَذَا الْعُمْرِ! رَافَقْتَنِي مُنْذُ الصِّغَرِ، دُونَ أَجْرٍ وَلَا كَلِمَةِ شُكْرٍ. وَالَّذِينَ أَفْنَيْتُ عُمْرِي فِي تَرْبِيَتِهِمْ وَسَقْيِهِمْ مِنْ عَرَقِ جَبِينِي حَتَّى صَارُوا أُطُرًا نَاجِحَةً... تَرَكُونِي الْيَوْمَ أَتْعَبُ وَحْدِي!"

      تَحَرَّكَ ظِلِّي عَلَى الْإِسْفَلْتِ كَأَنَّهُ تَنَهَّدَ، ثُمَّ أَجَابَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ حَزِينٍ:  

- "يَا سَيِّدِي... أَنْتَ تَحْيَا حَيَاةً وَاحِدَةً، وَتَتْعَبُ مَرَّةً، وَتَمُوتُ مَوْتَةً وَاحِدَةً، وَلَكَ مَنْ يَبْكِيكَ وَيَتَذَكَّرُكَ. أَمَّا أَنَا فَأَمُوتُ آلَافَ الْمَرَّاتِ... كُلَّمَا غَابَتِ الشَّمْسُ، وَكُلَّمَا خَسَفَ الْقَمَرُ، وَكُلَّمَا دَخَلْتَ بَيْتًا مُظْلِمًا. وَلَا أَحَدَ يَتَأَسَّفُ لِغِيَابِي ثَانِيَةً وَاحِدَةً!"

    ضَحِكْتُ وَقُلْتُ مُدَاعِبًا لِأُخَفِّفَ عَنْهُ وَعَنِّي:  

- "مَا دُمْتَ رَفِيقِي الْوَحِيدَ الْمُخْلِصَ، قُلْ لِي بِاللَّهِ عَلَيْكَ... كَيْفَ تُقَيِّمُ تَصَرُّفَاتِي فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ؟"

  فَضَحِكَ ضَحْكَةً هِسْتِيرِيَّةً جَعَلَتْهُ يَرْتَجِفُ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ:  

- "حَسَنًا... أَتَذْكُرُ يَوْمَ سَرَقَ أَصْدِقَاؤُكَ الْغِلَالَ مِنَ الْبُسْتَانِ وَأَلْصَقُوهَا بِكَ؟ قُبِضَ عَلَيْهِمْ وَعَلَيْكَ، وَكَانَ بِوُسْعِكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ. لَكِنَّكَ سَكَتَّ، وَأَدَّبَكَ وَالِدُكَ ضَرْبًا، وَقَبِلْتَ الْعُقُوبَةَ صَامِتًا. ذَلِكَ سِرٌّ حَفِظْتُهُ لَكَ، لِأَنِّي ظِلٌّ لَا يَبُوحُ... بِخِلَافِ بَعْضِ النَّاسِ!"

     خَفَضْتُ رَأْسِي وَقُلْتُ:  

- "أَمَّا أَنْتَ يَا ظِلِّي فَصَادِقٌ حَتَّى فِي سَوَادِكَ. وَنَحْنُ بَنِي الْبَشَرِ نُتْقِنُ النِّفَاقَ الِاجْتِمَاعِيَّ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ أَوْ لِلتَّسَتُّرِ عَلَى فِعْلَةٍ. نَلْعَبُ بِالنَّارِ، فَإِمَّا أَنْ نَحْتَرِقَ بها فِي الدُّنْيَا حِينَ يَنْكَشِفُ أَمْرُنَا، وَإِمَّا أَنْ نَخْسَرَ الْآخِرَةَ أَمَامَ رَبِّنَا. الْفَرْقُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَنَّكَ دَائِمًا تَقُولُ الْحَقِيقَةَ بِوُجُودِكَ أَوْ غِيَابِكَ... أَمَّا أَنَا فَكَثِيرًا مَا أُخْفِي حَتَّى حُبِّي عَنْ نَفْسِي!"

    تَمَدَّدَ ظِلِّي فَجْأَةً وَقَالَ بِتَعَبٍ:  

- "لَقَدْ أَرْهَقْتَنِي بِمُوَاصَلَةِ هَذَا النِّفَاقِ. قَرَّرْتُ أَنْ أُغَادِرَكَ!"

    نَظَرْتُ إِلَيْهِ وَابْتَسَمْتُ ابْتِسَامَةَ مَنْ فَهِمَ الدَّرْسَ مُتَأَخِّرًا:  

- "رَغْمَ رِفْقَتِكَ الصَّادِقَةِ... لَا فَرْقَ عِنْدِي إِنْ رَحَلْتَ أَوْ بَقِيتَ. فَظِلَالِي السَّابِقَةُ كُلُّهَا رَحَلَتْ. أَبِي كَانَ ظِلِّي الَّذِي لَا أَحْيَا دُونَهُ، رَحَلَ وَتَرَكَ جُرْحًا غَائِرًا. لَكِنِّي الْيَوْمَ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَ أَبْنَائِي، سَأَعِيشُ لِنَفْسِي. خَارِجَ الدَّائِرَةِ الَّتِي دُرْتُ فِيهَا طُولَ عُمْرِي... هُنَاكَ حَيَاةٌ أُخْرَى لَمْ أَتَذَوَّقْهَا يَوْمًا."

   الْتَفَتُّ إِلَيْهِ لِأُوَدِّعَهُ... فَلَمْ أَجِدْهُ!  

رَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا بِسَحَابَةٍ بَيْضَاءَ قَدْ غَطَّتِ الشَّمْسَ. اخْتَفَى ظِلِّي كَمَا يَخْتَفِي كُلُّ شَيْءٍ لَا نُقَدِّرُهُ إِلَّا عِنْدَ غِيَابِهِ.

     ضَحِكْتُ وَأَكْمَلْتُ طَرِيقِي إِلَى الْمَنْزِلِ خَفِيفًا... لَيْسَ لِأَنَّ ظِلِّي رَحَلَ، بَلْ لِأَنِّي قَرَّرْتُ أَخِيرًا أَنْ أَكُونَ نُورِي بِنَفْسِي.


🔷⏪*الْعِبْرَةُ:*  

لَا تَنْتَظِرْ مَنْ يَتْبَعُكَ لِيُعْطِيَكَ قِيمَةً. فَالظِّلُّ يَغِيبُ بِغِيَابِ النُّورِ، وَالنَّاسُ يَغِيبُونَ بِغِيَابِ الْمَصْلَحَةِ. عِشْ لِنَفْسِكَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَيْتَ الْكُلَّ... فَالْحَيَاةُ لَا تَنْتَظِرُ مَنْ يُؤَجِّلُهَا.


       _انتهت_

  💠 تَعْرِيفٌ بِالْكَاتِبِ: الْكِيلَانِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بُوسِتَّة

        هُوَ كَاتِبٌ وَمُفَكِّرٌ تُونِسِيٌّ مُعَاصِرٌ.  

يَتَمَيَّزُ قَلَمُهُ بِالطَّابِعِ الْفِكْرِيِّ الْإِصْلَاحِيِّ وَالْهُمُومِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، خَاصَّةً قَضَايَا الْأُسْرَةِ وَالطِّفْلِ وَالْمَرْأَةِ وَالرِّيفِ.  

يَجْمَعُ فِي كِتَابَاتِهِ بَيْنَ الرَّصَانَةِ الْأَكَادِيمِيَّةِ وَالنَّفَسِ الْإِنْسَانِيِّ، فَيُحَلِّلُ الْوَاقِعَ بِلُغَةٍ فُصْحَى سَلِيمَةٍ وَيُقَدِّمُ الرُّؤَى وَالْحُلُولَ بِأُسْلُوبٍ حِوَارِيٍّ إقْنَاعِيٍّ.  

يُعْرَفُ بِالْتِزَامِهِ بِالْكَلِمَةِ الْمَسْؤُولَةِ، وَيَهْدِفُ مِنْ خِلَالِ مَقَالَاتِهِ وَقَصِهِ إِلَى إِيقَاظِ الْوَعْيِ وَبِنَاءِ خِطَابٍ تَنْوِيرِيٍّ يَخْدِمُ الْإِنْسَانَ وَالْمُجْتَمَعَ.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق