الأربعاء، 26 أغسطس 2026

"جِيفَةُ الكَلَامِ: البِئْرُ الَّتِي حَفَرَهَا الهَمْسُ" بقلم الكاتب الكاتب: الكيلاني بن عبدالله بوستة

 "جِيفَةُ الكَلَامِ: البِئْرُ الَّتِي حَفَرَهَا الهَمْسُ"

زَعَمُوا أَنَّ خَمْسَةَ أَخِلَّاءَ اجْتَمَعُوا مُنْذُ الصِّبَا عَلَى مَائِدَةِ الوَفَاءِ، فَكَانُوا كَالنَّجْمِ المُضِيءِ فِي لَيْلٍ وَاحِدٍ؛ إِذَا خَبَا وَاحِدٌ أَضَاءَهُ البَاقُونَ. تَقَاسَمُوا الضَّحِكَةَ قَبْلَ اللُّقْمَةِ، وَالسِّرَّ قَبْلَ المَشُورَةِ، وَالحُلْمَ قَبْلَ الطَّرِيقِ. فَلَمَّا اشْتَدَّ عُودُهُمْ وَتَفَرَّقَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا مَذَاهِبَ، أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ صَاحِبُ مَكْرٍ لَا سَيْفَ لَهُ وَلَا جَيْشَ، إِنَّمَا سِلَاحُهُ لِسَانٌ مَسْمُومٌ وَقَلْبٌ يَحْسُدُ الاجْتِمَاعَ.


   فَمَكَرَ بِهِمْ مَكْرَ المُزَارِعِ بِالفِئْرَانِ. وَذَلِكَ أَنَّ مُزَارِعاً سَئِمَ خَرَابَ حَقْلِهِ، فَلَمْ يَرْفَعْ فَأْساً وَلَمْ يَنْصِبْ شَرَكاً، بَلْ أَلْقَى فِي غَيَابَةِ بِئْرٍ جِيفَةً زَكِيَّةَ الرَّائِحَةِ لِعَيْنِ الجَائِعِ. فَتَهَافَتتِ الفِئْرَانُ إِلَيْهَا فَرِحَةً بِالغَنِيمَةِ، فَلَمَّا شَبِعَتْ نَظَرَتْ فَإِذَا الجُدْرَانُ صَلْدَاءُ وَالسَّمَاءُ بَعِيدَةٌ. فَضَاقَ بِهَا النَّفَسُ وَطَالَ بِهَا الجُوعُ، فَنَسِيَتِ الرَّحِمَ وَأَكَلَتِ القُوَّةُ الضَّعْفَ، وَالكِبَرُ الصِّغَرَ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا فَأْرٌ وَاحِدٌ قَدْ صَارَ سَيِّدَ البِئْرِ وَجَلَّادَ قَوْمِهِ. فَأَنْزَلَ المُزَارِعُ دَلْوَهُ فَأَخْرَجَهُ ظَافِراً، فَجَعَلَهُ حَارِساً عَلَى الحَقْلِ يَصْطَادُ إِخْوَتَهُ بِأَجْرٍ بَخْسٍ.


    وَبِمِثْلِهَا صَنَعَ المَاكِرُ بِالأَخِلَّاءِ. رَمَى بَيْنَهُمْ "جِيفَةَ الكَلَامِ": هَمَسَ لِهَذَا: "إِنَّ صَاحِبَكَ يَضْحَكُ عَلَى سُذَاجَتِكَ". وَنَقَلَ لِذَاكَ: "إِنَّهُ يَرَاكَ عَائِقاً فِي طَرِيقِهِ". وَأَلْمَحَ لِثَالِثٍ: "قَدْ نَسِيَكَ حِينَ احْتَجْتَهُ". فَدَبَّتِ الرِّيبَةُ كَالسُّوسِ فِي الخَشَبِ، فَصَارَتِ القَهْوَةُ فُتُوراً، وَالصَّمْتُ إِعْرَاضاً، وَالغِيَابُ مُؤَامَرَةً. فَتَفَكَّكَ العِقْدُ بَعْدَ إِحْكَامٍ، وَتَشَتَّتَ الشَّمْلُ بَعْدَ ائْتِلَافٍ، وَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي بِئْرِ وَهْمِهِ يَتَوَحَّشُ.


    فَلَمَّا وَهَنُوا جَمِيعاً، جَاءَهُمْ صَاحِبُ المَكْرِ فَسَاقَهُمْ سَوْقَ النَّعَمِ: هَذَا شَاهِداً عَلَى ذَاكَ، وَذَاكَ نَاقِلاً عَنْ هَذَا، حَتَّى أَصْبَحُوا مَرَايَا يَكْسِرُ بَعْضُهَا بَعْضاً لِيُسَرَّ هُوَ بِالتَّفَرُّجِ.


    فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ شَيْخٌ قَدْ أَثْقَلَتْهُ التَّجَارِبُ، فَقَالَ ضَاحِكاً بَاكِياً: "يَا قَوْمُ، لَقَدْ أَكَلْتُمْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَالشَّيْطَانُ يَمْضُغُ السِّوَاكَ. أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ مَنْ فَرَّقَكُمْ بِكَلِمَةٍ سَيَشْتَرِيكُمْ بِكَلِمَةٍ؟". قَالُوا: "وَمَا الحيلة؟". قَالَ: "الحِيلَةُ أَنْ تَتَذَكَّرُوا الخُبْزَ القَدِيمَ، وَأَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ مَنْ فَرَّقَكُمْ بِالأَمْسِ سَيَبِيعُكُمْ غَداً. فَاجْتَمِعُوا عَلَى كَلِمَةِ الصِّدْقِ، وَوَاجِهُوا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ قَبْلَ أَنْ تُوَاجِهُوا غَيْرَكُمْ، فَإِنَّ الحَبْلَ إِذَا انْقَطَعَ لَا يَعُودُ كَمَا كَانَ".


      إِنَّ "فَرِّقْ تَسُدْ" لَا تَحْتَاجُ إِلَى طُبُولِ حَرْبٍ، يَكْفِيهَا وَشْمُ كَلِمَةٍ عَلَى جِدَارِ القَلْبِ. فَمَنِ ابْتَغَى بَقَاءَ الرِّفْقَةِ فَلْيَجْعَلِ الصِّدْقَ بَابَهُ، وَلْيَحْذَرِ الهَمْسَ فَإِنَّهُ أَوَّلُ خَطْوَةٍ فِي طَرِيقِ البِئْرِ. وَمَنْ رَضِيَ أَنْ يَكُونَ دَلْواً فِي يَدِ غَيْرِهِ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ سَيُسْقَى بِمَاءِ نَدَمِهِ.


               _انتهت_


الكاتب: الكيلاني بن عبدالله بوستة 


البلد: الجمهورية التونسية 🇹🇳



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق