الفرص الضائعة
( ابراهيم ابو لغد وادوارد سعيد نمودجان)
الصمت امام المُخَاذَلة فضيحة وجريمة أخلاقية، والخُذَلةُ كثيرون في هذا العالم العربي، وهم كغثاء السيل،ففي عرف القيم الاخلاقية المُخاذَلةُ جرم لا يمكن بأي وجه من الوجوه تجاوزها او التغاضي عنها ، وتصنيف الخُذلة ضمن خانة الرذيلة السلوكية امر ليس به تجني او اعتداء على الخَذول ،بل بالعكس يجوز التشهير بحقيقة كل شخص يضمر الندالة في ثنايا اعماقه .
فالثقافة الانهزامية شيمة قادَت الامة العربية الى الضعف والانهزام،نقولها ولا نستحي من الحق ،فغياب عدم التركيز على دراسة أسباب الخذلان وهزيمة المشروع الفكري العربي، من اجل تطوير الذات، وتجنب أسباب ذلك ، مع محاولة تجاوزها مستقبلا، ترتب عنه تكوين أجيال عاطفية .يقول الامام الشافعي :
نَعِيبُ زَمَانَنَا وَالعَيْبُ فِينَا
وَمَا لِزَمَانِنَا عَيْبٌ سِوَانَا
وَنَهجُو ذَا الزَّمَانَ بِغيرِ ذَنْبٍ
وَلَوْ نَطَقَ الزَّمَانُ لَنَا هَجَانَا
ويقول المفكر والفيلسوف المغربي طه عبدالرحمان
"ليس من العجيب أن ينزل الحوار منزلة الحقيقة، فكما أن الأصل في الكلام من جهة مضمونه هو الحقيقة، فكذلك الأصل فيه من جهة قائله هو الحوار؛ وكما أنه على المتكلم الشاهد، خصوصاً أن يقول الحقيقة،فكذلك على المتكلم المعادي عموماً،أن يمارس الحوار"
لابد من ضغط الحوار لخدمة الأهداف ، ولابد
من استخدام كل عوامل الاخد والعطاء والمثابرة من أجل تحقيق الاهداف المرجوة.
الإشكالية المطروحة بهذا الخصوص تتمحور حول مدى اخد مسار القضية الفلسطينية فعليا بعوامل الاخد والعطاء ؟
ام ان الفرص الضائعة ما زالت جاثمة على رقاب جسم القضية الفلسطينية ؟
علاقة بالموضوع ،لابد وان نُذَكر بان فرصا ملائمة كانت بين يدي هذه القضية، فرصا لو أتيح لها هامش بسيط من التحرك والمناورة ، دون الوصاية القاتلة ، لكانت القضية تعيش منعطفا تاريخيا اخر ،والفرص الضائعة تمثلت حتما في شخصيتين وازنتين على مستوى العلاقات الفلسطينية الامريكية ، نمودجين لابد من تسليط الضوء عليهما ،والتعريف بهما لذى المواطن العربي واخص بالذكر كلا من :
النمودج الاول : الدكتور " ابراهيم ابو لغد "
من مواليد" يافا " (1929 ـ2001) اكاديمي فلسطيني امريكي ،حاصل على دكتوراه الفلسفة في دراسات الشرق الأوسط من جامعة "برنستون " سنة 1957، عمل كاستاذ للعلوم السياسية ورئيسًا لدائرة العلوم السياسية في جامعة -نورثويسترن- الأمريكية ،وهو من أبرز المدافعين عن القضايا العربية و الفلسطينية. انتخب كعضو بالمجلس الوطني الفلسطيني سنة 1977 (البرلمان الفلسطيني في الخارج) عمل على تنفيذ مشروع جامعة فلسطينية وطنية مفتوحة في بيروت تحت رعاية اليونسكو، لكن الغزو الإسرائيلي للبنان اَفشل المشروع . استقال من المجلس الوطني سنة 1991 ، كان من الأكاديميين النشطاء في المحافل السياسية الأمريكية بعد سنة 1967.عارض " أبو لغد " بقوة كصديقه إدوارد سعيد اتفاقية " أوسلو" سنة 1993. وصفه ادوارد سعيد بأنه« أبرز أكاديميي ومفكري فلسطين»
واعتبره " رشيد خالدي " أول باحث عربي امريكي يحدث تأثيرًا جديًّا في نظرة الأمريكيين والمختصين بالعلوم السياسية إلى الشرق
الأوسط ".
ابو لغد خبيرً ميداني لليونسكو في مصر ،تولى إدارة قسم أبحاث العلوم الاجتماعية، عمل مستشارًا للأمم المتحدة، تولى التدريس في كلية سميث بولاية " ماساتشوستس " وفي جامعة" مكغيل " بمونتريال الكندية، التحق سنة 1967 بهيئة تدريس جامعة -نورثويسترن -كأستاذ للعلوم السياسية، ثم صار في الثمانينيات رئيسًا لقسم العلوم السياسية بها .
التساؤل المطروح يتمحور حول عدم استغلال هذا المركز السياسي والأكاديمي المختص في العلوم السياسية والخبير في قضايا شؤون الولايات المتحدة في التعريف بالقضية الفلسطينية ؟ علما ان الرجل كان بمقدوره كشف أحوال الاحتلال امام الرأي العام الأمريكي والدفاع بحكم خبرته الواسعة لفائدة هذه القضية بشكل فعال .أبو لغد استطاع في هذه المرحلة ان يربط في الأوساط الأكاديمية الأمريكية علاقات وثيقة مع نخبة من كبار الاساتذة والباحثين من بينهم إدوارد سعيد .
النمودج الثاني هو :" ادوارد سعيد "
المنظر والكاتب الصحفي الفلسطيني الأمريكي(1935~ 2003 ) يعتبره الباحثون من أبرز المثقفين العرب خلال القرن العشرين من حيت عمق التاثير،الى درجة ان هناك من صنفه ضمن أهم عشرة مفكرين تأثيراً، عمل أستاذاً جامعياً للنقد الأدبي والادب المقارن في جامعة " كولومبيا" و " نيو يورك" ،من مؤسسي الدراسات ما بعد الكولونيالية،كان من اشرس مدافعي حقوق الانسان للشعب الفلسطيني ، وُصف بأنه أكثر صوتٍ فعالٍ في الدفاع عن القضية الفلسطينية،كان دائم النشر في دورية ذا نيشن ،الغارديان ومجلة لندن ريفيو أوف بوكس وصحيفة لوموند ديبلوماتيك وصحيفة كاونتربونس وصحيفة الاهرام القاهرية وصحيفة الحياة اللندنية . اعماله ترجمت إلى ستٍ وعشرين لغة منها القضايا السياسية والأدبية وشؤون الشرق العربي والموسيقا والثقافة. كان يتقن اللغة الانجليزية،العربية والفرنسية.اما فيما يخص انشطته حول القضية الفلسطينية ،فيقول عن نفسه :
« عام سبعةٍ وستين كان مدمراً لي ولكل شيءٍ عرفته، كنت وحيداً في أمريكا وقتها حيث شاع فيها إحساسٌ عارمٌ بالنصر -ليس فقط في أوساط اليهود وحسب- وإنما عند الجميع... لم أعد الإنسان ذاته بعد عام سبعةٍ وستين، فقد دفعتني صدمة الحرب إلى نقطة البداية، إلى الصراع على فلسطين ».
ادوارد سعيد كان مُتيما بالقضية، يُبذل كل جهده بهدف اقامة دولة فلسطينية ،عمل كعضو مستقل في المجلس الوطني ما بين 1977 و1991 ،كان من مؤيدي حل الدولتين، اِذ صوٌت في جلسة المجلس الوطني المنعقدة بالجزائر سنة1988 لصالح إقامة دولة فلسطين،حيت وضع بالاشتراك مع درويش محمود وثيقة إعلان دولة فلسطين ،استقال من المجلس الوطني سنة1991 احتجاجاً على اتفاقية - أوسلو- معتبرا بنود الاتفاقية وشروطها غير مقبولة ، لكونها مؤشر واضح لعدم قيام دولة فلسطين.اِن مواقف واَراء ادوارد سعيد العارف بخبايا امور سرديات الواقع لم تؤخد مَاْخَد الجد من طرف اصحاب القرار ،فضلا عن تيارات داخلية متحكمة فيه اَنذاك ، لكنها جاهلة بالعواقب ، وليس لذيها تصور مستقبلي للقضية ،كما انها لا تتمتع بالحس العام لمفهوم القضية كما كان يراها ادوارد سعيد ، وهو ما ثبت فعليا على ارض الواقع ،لكن بعد فوات الأوان ،وللاشارة فان خطة " اسلو"رفضت سنة 1970 من قبل ياسر عرفات ذاته عندما عرضها إدوارد سعيد بنفسه عليه نيابةً عن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية حيت علّق على ذلك بأن -عرفات -فرّط في حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى أراضي الـ48 وتجاهلَ تنامي الاستيطان .
توترت العلاقة مع السلطة سنة 1995 عندما حظرت السلطة بيع كتب ادوارد سعيد في أراضيها الى غاية سنة الفين وخاصة عندما أثنى ادوارد سعيد على رفض -عرفات - التوقيع على اتفاقيةٍ قمة معسكر داوود .
فاللافت للنظر والى غاية تاريخه فان الوسط الاعلامي الأمريكي ينشر يوميا مقالات باسم إسرائيل تدعي بأن الاحتلال يجب ان يستمر ، ولا احدا يندد ، او يجرؤ ان يرد ، صمت مطبق من طرف اصحاب القضية ، الأمر الذي لم يكن ليمر من ذون رد في عهد كل من : ابراهيم ابو لغد و ادوارد سعيد القادران على كشف مثل هذه المواقف وفضح ادعاءاتها .ولكي تقوم بهذا العمل يجب ان تكون ابراهيم ابو لغد او ادوارد سعيد العارفان بخبايا امور المجتمع الامريكي .
الغياب المطلق حاليا لخطط بديلة مؤهلة من طرف مَن بيدهم امر القضية ، على جعل مثل هذا العمل فعلا مستحيلا وخاصة داخل الوسط الاعلامي الأمريكي ،لا وجود له ضمن أجنداتهم ، هذا ما ينبغي ان يكون ،لكن وللأسف الشديد لا يوجد .فالمصنف إرهابيا لا يتم التحاور معه ولا يُنصتُ اليه ولا يستجاب الى مطالبه، الانقسام وغياب المحاور الوحيد لا يشجع ولا يخدم القضية بأي شكل من الأشكال . ان الجلوس والحوار مع طرف فاعل في النزاع يقوم بترديد المواقف العدائية ،من دون التنديد بذلك ، فهذا أمر لا يقبله كل من ابراهيم ابو لغد ، ولا ادوارد سعيد
الولايات المتحدة تدفع الملايير من الدولارات كمساعدات لغريمها من جيوب دافعي الضرائب الامريكان ،فهل مسؤولي القضية لذيهم خطة عمل قادرة على جعل دافعي الضرايب الامريكان يعيدوا النظر في هذه الضرائب، والتساؤل عن مصيرها ، وفيما تصرف ،والجهات المستفيدة ، مع محاولة توعية المواطن الأمريكي عبر برامج عمل دقيقة بان ما يدفعه هذا المواطن لا يستغل في المصلحة العامة الاجتماعية الأمريكية،او مساعدات انسانية ، بل لتشجيع قتل الابرياء وتهجيرهم ،وهضم حقوقهم الإنسانية.
وهل سبق لاصحاب القضية ان أصدروا بيانا حول هذه المسألة .كما ان التلويح حاليا باحتلال القطاع والضفة معا ،ما هو الموقف الرسمي لاصحاب القضية ، علما انها قضية يجب ان تكون في طليعة جدول أعمال أولويات المسؤولين ، ومن هم المسؤولون المؤهلون في ظل التقسيم الحالي للوضع في فلسطين.فاين هو التنديد الإعلامي من عدم شرعية هذا المشروع ؟
كيف يمكن نقل هذه اللامشروعية الى المواطن الأمريكي، ؟
هل من استراتيجية فلسطينية إعلامية او خطة عربية تؤيد هذا العمل .؟
والا فإنه لا يمكن الفوز او تحقيق تقدم في هذا المجال . ان الصمت المطبق هو عملة التعامل ، وليس هناك تفسير اخر له سوى أنه عنوان للتواطؤ على هذه القضية .
فابراهيم ابو لغد وادوارد سعيد في مثل هكذا مواقف يرفضان الصمت الى درجة ان لا احد يجرؤ على ذكر القضية بسوء في الوسط الاعلامي الأمريكي ذون ان يلقى الرد المناسب، وللاشارة فلقد سبق ان دعا روزنثال A M Rosenthal معلق في نيويورك تايمز في مقاله الى استمرار الاحتلال الى ان تقرر جميع الدول العربية التوصل إلى السلام مع إسرائيل هذه الدعوة كانت ستضحض مباشرة بمقال مضاد من طرف ادوارد سعيد او ابراهيم ابو لغد ، ولربما لم يجرؤ روزنثال على كتابة مقاله .
صفوة القول اختم بما صرح به ادوارد سعيد مع - القبس- وجريدة - السفير - اللبنانية سنة 1988 :
"اِن الوقت قد حان لإجراء نقد ذاتي للمشكلة الفلسطينية ،حيت انتقد بشدة جهل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بالمجتمع الأمريكي ،وعجزنا في مواجهة الضغوط الأمريكية وميلها الى الضعف في التعامل مع واشنطن التي تدافع عن المصالح الإسرائيلية في جلسات الحوار ،كما انتقد النزعة الفلسطينية السائدة حاليا في الولايات المتحدة والداعية للتعاون مع سماسرة إسرائيليين يهود امريكيين لمساعدة منظمة التحرير في تحركاتها الأمريكية، وهاجم بشدة فساد وعجز ما أسماه -الدكاكين- الفلسطينية الصغيرة المنتشرة في أمريكا، وقال اِن عرفات يجب ان يزور الولايات المتحدة فقط عندما توجه له الحكومة الأمريكية دعوة رسمية {والخطاب هنا يسري على المسؤولين الجدد ايضا} وأضاف بان الحوار مع الولايات المتحده يجب ان يكون مبنيا على معرفة كاملة وجدية وفعالة للمجتمع الأمريكي وعلاقته بالسياسة الحكومية وفهم صحيح للموارد المتوفرة في هذه البلاد ومعرفة بكيفية تعبئتها .
فما اكثر الفرص الضائعة .
الله غالب 19 غشت 2026
عبدالسلام اضريف

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق