قرابين اليم ورماد الهوية بقلم أ. حسناوي سيلمي
على ضفاف المتوسط، حيث تلتقي ملوحة البحر بمرارة الخيبات، تولد تراجيديا إنسانية تختزل حكاية البلد الأم . لم يكن الوطن مجرد جغرافيا، بل كان من المفترض أن يكون حضناً؛ غير أن سنوات طوالاً من أحوال معيشية رثة، وبطالة خانقة تكتم أنفاس الطموح، وأمية تفرض العتمة على العقول، وترد صحي يجعل العافية ترفاً، وتقييد ممهج للحريات... كل هذا حول الأرض الموعودة إلى سجن كبير بلا جدران.كان الشباب يقتاتون على الصبر، لكن الصبر في بيئة كهذه يتحول إلى رماد ينتظر شرارة. ولم تكن تلك الشرارة سوى "الهروب الكبير" نحو الضفة الأخرى، حيث البلد المتاخم الذي بات يلوح في الأفق كفردوس بديل يعيد صياغة تفاصيل الحياة المهدورة. وهنا، فتح البحر الأبيض المتوسط ذراعيه ليتحول إلى مسرح مرعب لأكبر مأساة وجودية. اندفعت الجموع نساء ورجالاً، شيوخاً وأطفالاً، يقذفون بأجسادهم العارية في جوف اليم الغادر. لم تكن رحلتهم نزهة، بل كانت سباحة مستميتة بين مخالب الموت ؛ مدفوعين ببريق أمل صاغه قانون استثنائي استحدثه البلد المستقبل، يعد بمنح حق الإقامة لكل من يطأ تلك الأرض مستجيراً بالبحر.في تلك اللجة المظلمة، كتب الملح رواية العذاب الإنساني. تحول الموج إلى سياط تلطم الوجوه المتعبة، وابتلعت المياه الباردة صرخات الأطفال واستغاثات الأمهات التي تلاشت دون صدى في الفراغ الممتد. كان البحر يتلقف أجسادهم كقرابين يلتهمها بشراهة؛ فكم من ذراع خار ت قواها واستسلمت للعمق، وكم من حلم شق طريقه في الماء ليدفن في قاع النسيان. تحولت المياه إلى مقبرة جماعية بلا شواهد، وامتزجت ملوحتها بدموع الخوف والإنهاك، حيث أصبح البقاء على قيد الحياة معجزة تولد من رحم الاحتضار الطويل وسط الأمواج العاتية.ومع وصول من كتبت لهم النجاة إلى الشواطئ الموعودة بأجساد أنهكها التعب، تجلت المفارقة الوجدانية الأكثر إيلاماً في تاريخ اللجوء الحديث. عند حافة الموج، حيث تلتقط الأنفاس المذعورة أولى نسمات النجاة، ارتفعت أيد مرتعشة بللها الملح والدمع. وفي لحظة مهيبة امتزج فيها رعب الموت المغلوب بنشوة الانعتاق، بدأت الأصابع تمزق الأوراق الثبوتية التي صمدت في وجه العواصف.كان صوت تمزق الورق دوياً صامتاً يعلن الانشطار الأخير. مع كل قطعة تتطاير، كان هناك قلب ينفطر على ذكريات تتبدد؛ دمرت ملامح الطفولة المطبوعة على الصور، وتلاشت أسماء الأجداد التي لم تشفع لأصحابها، وتفتت تواريخ الميلاد الكئيبة. لم يكن التمزق مجرد حيلة قانونية هرباً من ترحيل، بل كان نزيفاً عاطفياً حاداً؛ انتحاراً رمزياً للذات القديمة بملء إرادتها. ألقوا بقطع الهوية المبعثرة في زبد البحر لتذوب مع من قضوا في الأعماق، مستحسنيين بمرارة بالغة أن يكونوا بلا هوية وعراة تحت الصقيع، على أن يضلوا رهائن لانتماء سلبهم الكرامة. كان هذا العبور مزدوجاً : عبور بأجسادهم فوق مقابر الملح، وعبور بأرواحهم نحو عتمة العدم المؤقت ، في انتظار ميلاد جديد وهويات أخرى تمنحهم لأول مرة الحق في أن يشعروا بأنهم بشر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق