قصة قصيرة. ملحمة المثلث
======= ========
( هذه قصة حقيقية من بطولات السويس في حرب أكتوبر )
في قلب "مساكن المثلث" بحي الأربعين، حيث تلتصق البيوت وتلتحم الحكايات، لم يكن عمّ "إبراهيم" مجرد بناّء يخلط الطين بالماء؛ كان يرى السويس كتاباً مفتوحاً من المقاومة الصامتة.
عندما اندلعت حرب أكتوبر 1973، وزغردت المدافع في الضفة الشرقية، اختارت "المثلث" أن تصبح درع السويس الخلفي. لم يستطع إبراهيم الالتصاق بالراديو فقط؛ فمع محاولات العدو التسلل لطرق المدينة وتطويقها في أحداث الثغرة، تحوّلت البنايات الخرسانية البسيطة إلى حصون شعبية.
يحمل إبراهيم "البندقية المحورة" التي ورثها عن المقاومة الشعبية عام 67، ويتنقل بين أزقة المثلث التي يعرف ثغراتها ككف يده. في ليلة الرابع والعشرين من أكتوبر، حين حاولت مدرعات العدو الاقتراب من مدخل حي الأربعين، كان إبراهيم ومعه ثلة من شباب الحي والجنود المنعزلين يربضون فوق أسطح المساكن.
لم تكن المعركة مجرد إطلاق نار؛ بل كانت حيلة يأس ومحبة. بصنع زجاجات المولوتوف من أزايز الشربات القديمة، وبإشارات متفق عليها بالضوء بين أسطح "المثلث"، تمكن الشباب من إرباك الدبابات المتقدمة في الظلام. كان إبراهيم يصرخ وهو يوزع الذخيرة: "الأرض دي شربت عرَقنا، ومش هتشرب غير دمهُم لو فكروا يدخلوا!".
عندما انجلت الغبرة صباحاً وتراجعت القوات المعتدية أمام صمود المقاومة في معركة السويس الخالدة، كان جدار المساكن ممتلئاً بثقوب الرصاص، لكن العلم المصري كان يرفرف فوق أعلى سطح بالمثلث.
لم يُذكر اسم إبراهيم في الكتب الرسمية، لكن أهل "المثلث" حتى اليوم، كلما مروا بجوار الجدار القديم المتبقي من تلك الأيام، يبتسمون وهم يرون اسمه حفوراً بأظافره على الأسمنت الجاف: "إبراهيم.. عاشت السويس حرة".
تمت
أحمد عيسى

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق