قصة
المقعد الأخير
كان المقعد الأخير في الحافلة دائمًا فارغًا.
لم يكن أحد يعرف لماذا؛ فالحافلة مزدحمة كل صباح، والناس يتدافعون على المقاعد كما لو أنهم يتدافعون على ما تبقى لهم من راحة في هذا العالم.
لكن المقعد الأخير ظلّ شاغرًا.
كان الرجل العجوز يجلس قرب النافذة، يراقب الطريق بصمت. يحمل حقيبة جلدية صغيرة، وبيده ساعة قديمة لا تفارق معصمه. كل صباح، يصعد الحافلة في الموعد نفسه، يدفع الأجرة، ثم يتجه إلى المقعد ذاته.
وفي يوم ممطر، صعد شاب مسرعًا، يحمل مظلة مكسورة وحقيبة على كتفه. نظر حوله فلم يجد مكانًا، حتى لمح المقعد الأخير.
تردد قليلًا، ثم جلس.
نظر العجوز إليه، وابتسم.
قال الشاب: — هل أجلس هنا؟
أجاب العجوز: — لقد جلست بالفعل.
ضحك الشاب.
كانت تلك أول مرة يسمع فيها أحد صوت العجوز.
تكررت الرحلة في الأيام التالية. صار الشاب يجلس إلى جواره، وتدور بينهما أحاديث قصيرة؛ عن المطر، والمدينة، وغلاء الأسعار، وأحلام الشباب التي تكبر في الرأس ثم تصغر أمام الواقع.
وفي صباح أحد الأيام، قال الشاب: — لماذا تأتي كل يوم إلى هنا؟
ظل العجوز صامتًا لحظات، ثم أخرج من حقيبته صورة قديمة.
كانت الصورة لفتاة صغيرة تبتسم أمام مدرسة.
قال: — ابنتي.
تأمل الشاب الصورة.
— أين هي؟
أعاد العجوز الصورة إلى الحقيبة وقال: — في مكان لا تصل إليه الحافلات.
لم يفهم الشاب.
تابع العجوز: — كانت تجلس هنا، في المقعد الأخير، عندما كانت طفلة. كانت تقول إن هذا المقعد أجمل مقعد في العالم؛ لأنه يجعلها ترى الطريق كله.
صمت قليلًا، ثم أضاف: — كبرت، وسافرت، ولم تعد.
قال الشاب: — لكنها ستعود.
ابتسم العجوز ابتسامة موجعة: — بعض الغائبين لا يعودون يا بني.
في اليوم التالي، لم يأتِ العجوز.
انتظر الشاب حتى نهاية الطريق، ثم سأل السائق: — أين الرجل الذي كان يجلس هنا كل صباح؟
خفض السائق رأسه وقال: — توفي ليلة أمس.
شعر الشاب بشيء ينكسر في داخله.
نظر إلى المقعد الأخير، فوجد شيئًا صغيرًا تحته.
انحنى والتقطه.
كانت الساعة القديمة.
وفي ظهرها نقش صغير:
"إلى ابنتي... حتى لو طال الطريق، سأنتظرك."
ظل الشاب ممسكًا بالساعة طويلًا.
ثم سأل السائق: — هل تعرف عنوان ابنته؟
قال: — لا.
بعد أسابيع من البحث، استطاع أن يجدها.
كانت تعيش في مدينة بعيدة.
ذهب إليها، وحين فتحت الباب، لم يقل شيئًا. فقط وضع الساعة في يدها.
ارتجفت أصابعها.
قالت بصوت مخنوق: — من أين حصلت عليها؟
أجاب: — من المقعد الأخير.
جلست على الأرض، وبكت.
ولأول مرة منذ سنوات، أدركت أن والدها لم يكن ينتظر عودتها بالحافلة...
كان ينتظر أن تعود إلى قلبه.
بعد عام، توقفت الحافلة عند المحطة الأخيرة.
كانت امرأة تقف أمام الباب، تحمل حقيبة صغيرة.
صعدت.
توجهت مباشرة إلى المقعد الأخير، وجلست قرب النافذة.
كان المكان فارغًا.
وضعت الساعة على كفها، ونظرت إلى الطريق.
ثم ابتسمت والدموع في عينيها، وقالت:
— تأخرت يا أبي... لكنني عدت.
تحركت الحافلة.
وكان المقعد الأخير، للمرة الأولى، ممتلئًا بالانتظار الذي انتهى.
الدكتورة مريم علي اليماني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق