نُونُ النِّسوة
جميعُنا أبناءُ النون...
عندما تكونُ (النون) امرأةً،
تُنجبُ رجالًا
كالبيارقِ في الحصون،
تمتدُّ في وجهِ الريح،
ولا تنحني
إلا إجلالًا لربِّ الكون...!
(ونونٌ) أخرى،
عندما تكونُ اللغةُ أنثى،
تلدُ من رحمِها حبرًا،
فتملأُ السطرَ
حنينًا وشجونًا،
وتجتازُ المسافاتِ
بين قلبٍ وقلب،
برفّةِ جفن،
حتى لو كان بينهما امتدادٌ
باتساعِ الكون...!
وثمّةَ (نونٌ) نهرُ بلاغة،
ينبعُ من شعور،
وينسكبُ في بحرٍ من الظنون،
يسقي حروفَ العاشقين،
كلما جفَّ فيهم
ماءُ الكلام،
ويتركُ في آخرِ القصيدة
عطشًا
لا ترويه العيون...!
و(النونُ) ناقة،
تصبرُ على عطشِ اللغة
حين تسكنُ قلبَ الحنين،
تعبرُ صحراءَ الغياب
بخطىً لا تعرفُ الانكسار...
وتحملُ على أكتافِها
من الحنان
ما لا تحتملُه السنون...!
وحتى عندَ اللقاء،
(نونُ) النهدات
تزيدُ القلبَ ظمأً،
كأنَّ الحكايةَ
كلما بلغتْ منتهاها
ابتدأتْ من جديد،
من لهفةٍ وجنون...!
والحرفُ نواتُه (نون)،
تختبئُ في رحمِ الحرف،
تحملُ شعورَ الأنين،
وسرَّ النزاعِ في كلِّ حين،
وما خلفَ كلِّ نهاية
من أنينٍ مكنون...!
تبدو صغيرةً،
كأنها لا شيء،
لكنها تحملُ في جوفِها
شجرةَ الحكايات:
جذرًا،
جذعًا،
فروعًا
تمتدُّ نحوَ السماء،
بشموخٍ لا يبلُّه هتون...!
و(نونُ) النغم،
تجعلُ من الصمتِ لحنًا،
ومن النطقِ أغنية،
ومن النبضِ نارَ شغف،
لا تعرفُ السكون...!
و(نونُ) النبض،
كلما شعرتْ أنَّ القلبَ
أوشكَ أن يهدأ،
أعادتهُ إلى الحياة،
فما نحنُ إلا خفقاتٌ
تبحثُ عن قلبٍ آخر،
صادقٍ لا يخون...!
و(نونُ) النداء،
يخرجُ من أعماقِها
عندما تعجزُ الكلمات،
نداءُ روحٍ
تسكنُها رغمَ المسافات،
ورغمَ أمسٍ كان،
أو غدٍ قد يكون...!
و(نونُ) النبوءة،
أعمقُ من الحرف،
وأبلغُ من المعنى،
وأكثرُ اتساعًا
من أبجدياتِ الكون...!
و(نونُ) النزف،
فكم من امرأةٍ
ابتسمتْ
وكانت تحملُ في صدرِها
جنازةَ ألفِ شعور،
وكم من نونٍ نسوة
بدتْ ثابتةً أمامَ العالم،
بينما كانت في داخلِها
تنهارُ بصمتٍ وسكون...!
و(نونُ) النضج،
عندما تتعلمُ كلُّ أنثى
مواجهةَ مخاوفِها،
ولا تتركُ من قراراتِها
شيئًا بيدِ القدرِ مرهونًا...!
و(نونُ) نجاة،
عندما تدركُ المرأةُ أنها،
بعدَ كلِّ مخاضٍ عسير،
ستلدُ اللحظاتُ لها
يُسرًا ميمونًا...!
و(النونُ) نور،
مختلفٌ عمّا نراه،
يولدُ في عتمةِ الروح،
عندما تعرفُ المرأةُ
أنها خُلقتْ لتكون...!
فجميعُنا أبناءُ النون...
لكنَّ نونَ النسوة
ليست نونًا زائدةً في آخرِ الكلمة،
ولا علامةً نحويةً
تُضافُ إلى الفعل...
إنها امرأةٌ
تُضافُ إلى الحياة،
فتمنحُها الهويةَ والمعنى والعناوين...
نونٌ إذا حضرتْ،
صار للضعفِ قوّة،
وللصمتِ صوت،
وللوجعِ مذاق،
وللنهايةِ بداياتٌ بألفِ لونٍ ولون...!
نونٌ لا تُعربُ كما يشاءُ الآخرون،
ولا تُختصرُ في تعريف،
ولا تُحاصرُ في دور،
ولا تُختزلُ في كونِها
ابنةً أو زوجةً أو أمًّا...
هي نونُ نحن.
نحنُ اللواتي
إذا انكسرنَ
تعلّمنَ كيف ينبعثنَ
من رمادِهنّ..
وإذا نزفنَ
كتبنَ القصيدَ بدمِهنّ،
وإذا ضاقتْ بهنَّ الأرض،
اتّسعنَ بالسماء،
نحوَ مداراتٍ
لا تصلُها العيون...
نحنُ بناتُ النون؛
نحملُ في الحرفِ
حنانًا،
وفي النبضِ
حنينًا،
وفي النهاياتِ
نجاة،
وفي كلِّ سقوطٍ
نقطةَ نهوض...
فإذا حدثَ وصادفتم حرفَ النون،
فاسألوها لطفًا:
كم امرأةً
كان عليها أن تموتَ ألفَ مرة،
كي ينجو حرفُ النون!
لينا ناصر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق