الأربعاء، 26 أغسطس 2026

تراتيل الغياب الغامض بقلم: أ. حسناوي سيلمي

 تراتيل الغياب الغامض                                      بقلم: أ. حسناوي سيلمي

في زاوية ذلك المقهى العتيق، حيث تصطف الطاولات الخشبية قبالة نافذة زجاجية واسعة، كان كل شيء يسير كالمعتاد. صوت المطر الخفيف ينقر على الزجاج، ورائحة القهوة تمتزج برطوبة تشرين. هناك، في المقعد المقابل لي، كانت تجلس هي، تملأ المدى بحضورها الدافئ، تحول عتمة المساء إلى وهج بكلماتها وضحكاتها التي تشبه النور.

ثم... فجأة وبلا مقدمات، انقطعت أخبارها.

لم يكن رحيلها صاخباً، بل حدث كمتتالية صامتة تحت قبة ليلٍ شديد السواد. يشبه تماماً انطفاء النجمة الأخيرة قبل الفجر، أو سقوط ورقة خريفية بللها المطر، فقررت أن تغادر الغصن وتهوي إلى الأرض الباردة دون أن توقظ الشجرة. استيقظتُ في صباح اليوم التالي لأجد مقعدها فارغاً، وهاتفها مغلقاً، وصفحتها البيضاء على الشاشة خالية من أي نبض جديد.

في البدء، ظننتُ الأمر غياباً مؤقتاً، مجرد هدنة عابرة في صراع الأيام الصاخب. لكن الوقت بدأ يتدفق ثقيلاً، كحبرٍ لزج يلطخ جدار الانتظار. مرت أيام، ثم أسابيع، وتحول غيابها من فكرة عابرة إلى حقيقة جافة وباردة. صرتُ أجلس وحيداً في المقهى ذاته، أتأمل شاشة هاتفي المظلمة، وأعود قسراً إلى رسائلها القديمة. أُعيد قراءة كلماتها المنسية، فتبدو لي الآن كمخطوطاتٍ أثرية نجت من حضارة بائدة. كل حرفٍ كتبَتْه يدها بات يرتجف خلف زجاج الشاشة، يهمس بوعودٍ قديمة قطعتها ذات يوم، ويترك في حلقي غصة تفوح برائحة المطر الهامس خلف النافذة.

كنت أسأل نفسي والنادل يضع فنجان قهوتي الوحيد: كيف يمكن لروح كانت تضج بالحياة، وتمنح العابرين صكوك الطمأنينة، أن تتبخر هكذا دون أثر؟ أين تذهب الكلمات التي لم تُقل بعد؟ وكيف لرسائلها، التي كانت تُضيء عتمة ليلي، أن تصبح مجرد نصوص باردة منتمية إلى زمن غابر؟ كنت أراقب قطرات المطر وهي تتساقط وتتلوى على زجاج النافذة، فتحاكي مسارات دمي القلق، وتبدو كدموعٍ تبكي هذا الغياب المفاجئ الذي حلّ بالمدى.

أدركتُ وأنا أطوي معطفي مستعداً للمغادرة عمق المفارقة الإنسانية؛ نحن كائنات هشة للغاية، معلقة بخيوط واهية من التواصل. نعيش في وهم الأبدية، بينما يفصلنا عن العدم مجرد لحظة، أو كلمة تُحجب في عتمة الليل، أو غياب مفاجئ يلوّح لنا من وراء ضباب الفقد. انقطاع أخبارها لم يكن مجرد غياب شخص عادي، بل كان أشبه باختفاء فصل كامل من فصول العمر، تاركاً خلفه خريفاً دائمًا يسكن الذاكرة المبللة بالدموع.

خرجتُ إلى الشارع المظلم، أجرُّ خطاي تحت المطر، وما زلتُ أنظر إلى أفق غيابها الممتد، وأتساءل: هل غادرتْ حقاً وطوت الأرض خلفها، أم أنها تحولتْ إلى فكرة تسكن تفاصيلي؟ الصمت الذي تركته خلفها ليس فراغاً، بل هو امتلاء من نوع آخر؛ امتلاء بالأسئلة التي لا إجابة لها. ربما لم تنقطع أخبارها، بل انتقلت إلى ترددٍ آخر لا تلتقطه حواسي البسيطة. لقد أصبحتْ كالمادة المظلمة في هذا الكون، أو كصوت المطر في ليلٍ مهجور: لا نراها، ولكننا نشعر بجاذبيتها وخلفيتها المؤثرة في كل الرواية. غيابها ظل لغزاً أزلياً في حياتي، يعلمني كل ليلة أن أعظم الحضور هو ذاك الذي يتجلى غامضاً، خفياً، وعصياً على النسيان.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق