ادنُ قليلًا...
فالمسافات لا تقاس بالخطى، بل بما يخلّفه الغيّاب من شقوقٍ في القلب
أيّها الشامخ...
كم يلزم السّماء أن تنحني لتبلغ قامتك؟
وكم يلزم للطّين أن يتطهّر ليستحق أن يلتصق بوجهك؟
اقترب...
دعني ألمس ذلك الوجه الّذي كلّما اختلط بالتراب أضاء، وكأنّ اللازورد تعلّم من الوحل كيف يكون نقيّا
أعرف... أنّ الدّموع الّتي غسلتك لم تسقط من عينٍ، بل من أعماق الأرض، حين ضاق بها جلالُك
لا تتكلّم...
فأنا أسمع مدَّك في نبضي، وأرى جزرَك ينحسر عن ضفاف روحي
أما حروبك... فلم تنتهِ
إنّها لا تزال تبدّل جلدها كلَّ ليلة، ثم تستيقظ ندوبا على ظهري
أيّها الطّين...
يا أوّلَ الأشياء، وآخرها...
ما أجملك حين تخلع عنك وجوه البشر، وتقف عاريا إلّا من حقيقتك!
حتّى العناكب تخجل أن تنسج أوهامها على كتفيك
وأنا...
أجلس عند صمتك، كما يجلس ناسك عند باب معبد لا يعرف لأيّ إله يصلّي
سكينتي ليست بحرا...
إنّها عدم يتعلّم الماء منه الهدوء
ولهذا تدخلها سفني، ثم تنسى أنّ الغرق كان يوما اسما للخوف
تمضغ أفكارك كما تمضغ الجبال الرّعود
ثم تنفثها في وجهي، فتولد أنهار من نارٍ باردة
كلّما تبعت خطاك، اكتشفت أنّ الطّريق ليس أمامك...
بل يخرج منك
وأن الغياب ليس نهاية، بل ظلّك حين يطول
تغيب...
فتفيض فيّ
وتبتعد...
فتزدحم في أنفاسي
كلّما صرت أقلّ حضورا، صرت أشدّ وجودا
عرشي لا يعلو رأسك...
بل يتعلّم منك كيف يكون التراب أعلى من التّيجان
ووجهي كلّما نظر إليك، خلع ملامحه، وارتدى وجهك.
حتّى الوقت...
ذلك العجوز الّذي يقتات من أعمارنا، كلّما مرّ بك، نسيَ أن يترك تجاعيده عليك
فتذوب الصخور، لا من حرارة، بل من هيبتك
وتسقط الصواعق راكعة، كأنّها اكتشفت أنّ للنور سيّدا آخر.
ادنُ قليلًا...
فإنّني كلّما اقتربت، اتّسعت في داخلي قارّة لم تطأها الأسماء.
واقترب أكثر...
حتّى إذا لم يعد بيننا هواء، عرفت أخيرا
أنّني لم أكن أناديك...
بل كنت أنادي الجزء الّذي ضاع منّي منذ البدء
الشّاعرة الجزائرية زهرة بن عزوز.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق