الخميس، 27 أغسطس 2026

الخيط الأسود بقلم الأديبة زهراء شاكر

 الخيط الأسود

كانت تقف أمام المرآة تصفف شعرها، والمشط بين أصابعها، بينما جلست ابنة خالتها خلفها تتحدث إليها في هدوء.


التفتت نحو المرآة للحظة، ثم وضعت المشط خلفها.


في تلك اللحظة، امتدت يد ابنة خالتها بسرعة، واختفى المشط بين ثيابها في خزانة قريبة.


استدارت الفتاة.


أين مشطي؟


رفعت ابنة خالتها عينيها إليها ببرود.


لا أعرف. لم أره.


سكتت الفتاة.


فقد كانت قد لمحته.


رأته في يدها، ورأتها وهي تخفيه.


لكنها ترددت في مواجهتها.


قالت في نفسها: ربما تمزح... لعلني أخطأت في رؤيتها.


ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، وكأن شيئًا لم يحدث.


ومرّت الأيام.


ونُسي المشط.


أو هكذا ظنت.


بعد عام تقريبًا، بدأت أشياء غريبة تحدث.


في البداية كان الأمر مجرد همسات خافتة تسمعها وهي وحدها.


ثم صار الصوت أوضح.


كانت تسمعه في غرفتها، في المطبخ، وأحيانًا وهي تستعد للنوم.


صوت فتاة.


كان يشتمها ويهينها، ويقول كلمات جارحة لا تعرف من أين جاءت.


كانت تلتفت فجأة، تفتح الباب، تبحث في أرجاء البيت...


لا أحد.


ومع مرور الوقت أصبح الصوت أكثر وضوحًا.


حتى بدأت تميز نبرته.


كانت هناك لحظات تشعر فيها أنها سمعت هذه النبرة من قبل، لكنها كانت تدفع الفكرة بعيدًا.


لا يمكن.


كانت تخشى أن تكون أوهامًا.


وفي إحدى الليالي، نامت وهي مرهقة من الخوف.


فرأت في منامها مكانًا مظلمًا، وسمعت صوتًا واضحًا يقول:


 التي آذتكِ وسحرتك.. فتاة سرقت منكِ مشطًا.


ارتجفت في الحلم.


ثم عاد الصوت:


قصيرة،شعرها أسود.


استيقظت مذعورة.


جلست على فراشها، وقلبها يخفق بعنف.


قصيرة.


شعرها أسود.


سرقت منها مشطًا.


وفجأة عاد إليها ذلك المشهد القديم بكل تفاصيله.


المرآة.


المشط.


اليد التي امتدت خلفها.


الخزانة.


والكذبة الباردة:


لا أعرف لم أره.


شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.


لم يكن المشط قد اختفى يومها مصادفة.


لقد بقي أثرها فيه.


وعندها تذكرت شيئًا آخر.


الصوت.


تلك النبرة التي كانت تسمعها طوال العام.


لم تكن غريبة عنها.


كانت تعرفها.


عرفتها الآن.


كانت نبرة ابنة خالتها.


في اليوم التالي، وقفت أمام المرآة طويلًا.


لم تكن تنظر إلى وجهها هذه المرة، بل إلى المكان الذي بدأت منه الحكاية.


وقالت في سرها:


كنتُ قد رأيتُ الحقيقة منذ البداية. لكنني خفت أن أظلمها.


ثم نظرت إلى خزانة الملابس.


وأدركت أن بعض الأشياء الصغيرة لا تكون صغيرة كما نظن.


فالمشط الذي ظنته مجرد مشط.


كان أول خيط في حكاية طويلة من الأذى.


ومنذ ذلك اليوم، لم تعد تثق بالصمت الذي يأتي بعد الكذبة، ولا بالابتسامة التي تخفي وراءها يدًا تمتد في الخفاء.


فأحيانًا لا يأتي الأذى من بعيد.


أحيانًا يأتي من شخص يجلس خلفك، وأنت تنظر إلى المرآة.


*العبرة 


ليس كل سكوت طيبة، وليس كل قريب مأموناً.


لقد رأت الفتاة بعينها وسكتت حياءً، وقالت في نفسها إنها ابنة خالتي، عيب أن أواجهها، وهذا الحياء هو الذي جعل الأذى يسكن خزانة غيرها عاماً كاملاً وهي لا تدري.


من يسرق منك شيئاً صغيراً أمام عينك ويكذب، لا تستبعد أن يفعل ما هو أكبر خلف ظهرك.


فلا تترك أثرك عند أحد، ولا تسكت عن حقك بدافع الخجل، فالحسد أحياناً يأتي مرتدياً ثوب القرابة.


الأديبة زهراء شاكر



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق