"المبدع المدنيني" مسعود الرحال..
حين يكون الفنان..مرآةً للناس
في زمنٍ تتكاثر فيه الوجوه على الشاشات، وتصبح الشهرة أحيانا أسرع من الموهبة،يظل بعض الفنانين عصيّين على النسيان،لأنهم لا يصنعون الضحك من فراغ،ولا يبحثون عن التصفيق بالتهريج،بل يأتون من صميم الناس ويحملون ملامحهم ولهجتهم وذاكرتهم وتفاصيل حياتهم.
ومن هؤلاء يبرز المبدع المتميز والإبن البار لجهة مدنين مسعود الرحّال،أو كما يحلو لمحبيه أن يسمّوه "المدنيني الشامخ"،فنان يشبهنا إلى حدّ كبير،يضحكنا بعفوية صادقة،بفدلكة تونسية أصيلة، وبـ"ضمار" لا يحتاج إلى ابتذال ولا إلى تصنّع حتى يصل إلى القلب.
مسعود رحّال ليس مجرد فنان كوميدي يؤدي دورا ويغادر الخشبة أو الشاشة،بل هو صاحب قدرة لافتة على التقاط المفارقات الصغيرة في حياتنا وتحويلها إلى لحظات ضحك.والأهم من ذلك أنه يمتلك تلك الموهبة النادرة التي تمكّنه من الجمع بين الكوميديا والتراجيديا،بين أن يضحكك وأن يجعلك،في اللحظة ذاتها،تفكر في وجع الإنسان وهشاشته وتناقضاته.
إنها موهبة لا تُقاس بعدد مرات الظهور،ولا بعدد المتابعين،ولا بحجم الضجيج الذي يحيط بصاحبها،وإنما بقدرتها على البقاء في ذاكرة المتلقي.
ولعل المؤسف أن فنانا بهذه القيمة ظل،في فترات عديدة،بعيدا عن الأعمال الكوميدية والدرامية،في وقت أصبحت فيه بعض الأعمال تراهن على "التهريج" والغشة،وكأن رفع منسوب الضجيج أصبح بديلا عن صناعة الكوميديا،وكأن إضحاك الناس لا يحتاج إلى موهبة بقدر ما يحتاج إلى مبالغة وصراخ واستعراض.!
والحال أن الكوميديا الحقيقية ليست ابتذالا، والضحك الراقي ليس سخرية من الناس،والفنان الحقيقي لا يحتاج إلى أن يهين ذائقة الجمهور حتى ينتزع منه ابتسامة.
وهنا تستعيدنا عبارة الفنان منجي العوني:
«ما تنجمش تعمل تلفزة ما تشبهش للناس».!
نعم،لا يمكن لتلفزة أن تعيش بعيدا عن الناس،ولا يمكن للفن أن يظل منفصلا عن نبض الشارع والبيت والمقهى والحومة والذاكرة الجماعية.
ومسعود رحّال يشبه الناس.
يشبه المواطن البسيط في ضحكته،وفي طريقته في الحديث،وفي التقاطه للتفاصيل،وفي قدرته على تحويل المواقف اليومية إلى مادة فنية. ولذلك فإن حضوره لا ينبغي أن يكون مجرد ظهور عابر،بل جزءا من المشهد الكوميدي والدرامي الذي يحتاج اليوم،أكثر من أي وقت مضى،إلى أسماء تمتلك الموهبة والصدق والقدرة على ملامسة الجمهور دون استجداء للضحك.
الفن ليس فقط في الأسماء الأكثر حضورا،ولا في الوجوه التي تملأ الإعلانات والشاشات.هناك مواهب قديمة وجديدة تنتظر فقط فرصة عادلة، ومخرجا يؤمن بها،وكاتبا يعرف كيف يستثمر إمكاناتها،ومنتجا لا يجعل معيار الاختيار الوحيد هو حجم الشهرة.
وإذا كان من حق الجمهور أن يطالب بأعمال أفضل،فمن حق الفنان الموهوب أيضا أن يجد مكانه الطبيعي داخل تلك الأعمال.
ليست المشكلة في أن نضحك،بل في كيف نضحك،ومن يضحكنا،وماذا يبقى فينا بعد انتهاء الضحكة.!
ومسعود رحّال من أولئك الذين لا يصنعون ضحكة عابرة،بل يترك فينا شيئا من ملامحنا نحن.
لذلك يستحق "المدنيني الشامخ"أن يعود إلى الشاشة أكثر،لا منّة عليه،بل إنصافا للموهبة، واحتراما لذائقة الناس،وردّا للفن إلى أهله الحقيقيين.
وفي النهاية،يبقى الفن الحقيقي هو ما يشبه الناس ويصل إلى قلوبهم دون ضجيج أو ابتذال. ومسعود رحّال فنان من هذا النوع،موهبته أكبر من أن تُهمَّش،وحضوره أصدق من أن يغيب. فليُمنح "المدنيني الشامخ" فرصته،لأن إنصاف الفنان الحقيقي هو،في جوهره،إنصاف للفن وللجمهور معا.
متابعة محمد المحسن
-تنويه:
لا تربطني بالأستاذ الفنان مسعود رحّال أي علاقة مباشرة،ولم تتح لي فرصة لقائه أو التعرف إليه عن قرب،وإنما تعرّفت إلى إبداعه من خلال ما ينشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.وبما أنني دأبت على الانتصار للإبداع والمبدعين،فقد رأيت من واجبي أن أُسلّط الضوء على هذه الموهبة، وأن أنصف هذا الفنان المبدع،احتفاء بما يقدمه وتقديرا لما أراه فيه من قيمة فنية تستحق الحضور والاهتمام.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق