الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026

أوجاع الوطن حين يدفع الشرفاء ثمن البقاء بقلم الكاتبة / فريحه سليمان المريمي

 أوجاع الوطن حين يدفع الشرفاء ثمن البقاء

بقلمي / فريحه سليمان المريمي

ليس الوطنُ مجرّد أرضٍ نرسم حدودها على الخرائطِ ، ولا رايةً ترفرف فوق الساحات ، ولا نشيداً نردّده في المناسباتِ ، الوطن حكايةُ دمٍ سال ، وأرواحٍ أرتقت ، وأجسادٍ أُنهكت ، وقلوبٍ ما زالت تنتظر عودة الغائبين ، وبيوتٍ تركت مقاعدها فارغةً منذ رحيل أحبّتها .

الشهداء ، أولئك الذين كتبوا أسماءهم بمدادِ الدمِ على صفحاتِ التاريخِ ، ومضوا تاركين خلفهم أمهاتٍ يخبئن الدموع خلف الدعاء ، وآباءً يوارون إنكسارهم بالصبرِ ، وزوجاتٍ يحتضنَّ الذكريات ، وأطفالاً كبروا قبل أوانهم ، يتعلّمون معنى اليُتم من صورةٍ مُعلّقةِ ، وصوتٍ غاب ، وحضنٍ لن يعود .

رحلوا بأجسادهم ، لكنهم تركوا في الوطنِ وصيةً لا تسقط بالتقادم : أن الأوطان لا تُصان بالكلماتِ وحدها ، بل بالوفاءِ لدماءِ من بذلوا أرواحهم من أجلها .

والجرحى ، هم الذين عادوا من ميادينِ المواجهةِ يحملون الوطن في أجسادهم ، وفي كل ندبةٍ حكاية ، وفي كل ألمٍ فصلٌ من فصولِ التضحيةِ .

منهم من فقد طرفاً ، ومنهم من فقد عافيتهِ ، ومنهم من يخوض معركةً صامتةً لا يراها الناس ، معركة إستعادة الحياة ، ومقاومة الوجع ، والتكيّف مع واقعٍ تغيّر في لحظة .

إنهم لم يفقدوا قدرتهم على العطاءِ ، ولم تنقص إصاباتهم من كرامتهم شيئاً ، بل يستحقون رعايةً تحفظ حقوقهم ، وإحتواءً يصون إنسانيتهم ، وأعترافاً يليق بما قدّموه .

أما المفقودون ، فهم الجرح الذي لم يُغلق ، والباب الذي لم تكفّ العيون عن مراقبتهِ ، والأسماء التي ما زالت تُنادى في صلواتِ الأمهاتِ ، وقلوب الآباء .

يعيش أهلهم بين إحتمالين.  لا يملكون يقين الفقد ، ولا يجدون طمأنينة العودة .

سنواتٌ تمرّ ، وتبقى الأسئلة مُعلّقةً في فضاءِ الإنتظار : أين هم ؟ ماذا حلّ بهم ؟ وهل يعرفون أن هناك قلوباً لم تتوقف عن البحث عنهم ؟.

إن حقّ المفقودين في الكشفِ عن مصائرهم ليس منّةً من أحد ، بل حقٌّ إنسانيّ أصيل ، وواجبٌ أخلاقيّ وقانونيّ لا يجوز تأجيله ، أو طمسه في زُحامِ المصالحِ والخلافات .

وخلف هؤلاء جميعاً تقف أُسر الشهداء والجرحى والمفقودين ، أُسرٌ دفعت من أعمارها وأحلامها وأمنها النفسي أثماناً لا تُحصى .

لا تحتاج إلى مواسمِ عابرةِ من التعاطفِ ، ولا إلى صورٍ تُلتقط أمام آلامها ، ولا إلى وعودٍ تُنسى بعد إنفضاض المجالس .

إنها تحتاج إلى عدالةٍ تحفظ الحقوق ، ورعايةٍ مُستدامة ، ودعمٍ نفسي وإجتماعي ، وتعليمٍ كريم لأبنائها ، وفرص حياةٍ لا تجعل التضحية سبباً للفقرِ أو التهميش .

فليس الوفاء للشهداء أن نرفع صورهم فحسب ، بل أن نحمي أبناءهم من الحاجةِ ، وأن نصون كرامة ذويهم . وليس تكريم الجرحى أن نُشيد بشجاعتِهم في الخطب ، بل أن نهيئ لهم حياةً تليق بإنسانيتهم وقدراتهم ، وليس إِنصاف المفقودين أن نواسي أُسرِهم بكلماتِ الصبرِ وحدها ، بل أن نبحث عن الحقيقةِ ، ونكشف المصير ، ونحفظ الأدلة والذاكرة ، ونحاسب كل من يثبت تورطه في الإنتهاكاتِ وفق القانون .

إن الأوطان العظيمة لا تُقاس بكثرةِ ما تملكه من ثرواتِ ، بل بقدرتها على إنصافِ من ضحّوا من أجلها .

ولا تُختبر أصالة الشعارات في لحظاتِ النصرِ وحدها ، بل في مقدارِ ما تمنحه الدولة والمجتمع لأصحاب التضحيات بعد إنقضاء المعارك وإنطفاء الأضواء .

إن الوفاء الحقيقي يبدأ حين تتحوّل الذكرى إلى مسؤولية ، والتضحيات إلى حقوقٍ مُصونة ، والدموع إلى إرادةٍ للإصلاحِ ، والذاكرة إلى وثيقةٍ تحفظ الحقيقة للأجيالِ القادمة .

ولن يكون الوطن وفيّاً لأبنائهِ ما لم يجعل كرامة الإنسان فوق الحسابات ، والعدالة فوق المجاملات ، والحق فوق النسيان .

سلامٌ على الشهداءِ في عليائهم ، وشفاءٌ للجرحى في أوجاعهم ، وفرجٌ لأُسرِ المفقودين في إنتظارهم ، وصبرٌ جميل لكل أمٍّ وأبٍ وزوجةٍ وطفلٍ وأخِ وأخت ، حملوا من الفقدِ ما تعجز الكلمات عن وصفهِ .

وسلامٌ على كل بيتٍ قدّم للوطنِ عزيزاً ، ثم واصل الحياة رغم إنكسارهِ ، وعلى كل قلبٍ أخفى حُزنهِ ، كي لا يُثقل على الآخرين ، وعلى كل يدٍ أمتدّت لتساند أسرةً أنهكها الغياب .

سيبقى الوطن أكبر من الجراحِ ، لكنّه لن يكون جديراً بعظمتهِ ، إلا حين يُنصِفَ أصحابها .

فالشُهداء أمانة ، والجرحى مسؤولية ، والمفقودون قضية حق ، وأُسرِهم عهدٌ في أعناقِ الوطنِ لا يسقط بالنسيان .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق