رسالة عزاء على صمت قاتل
انهار بالبكاء الكاتب حامد ياسين الأديب والروائي الجزائري بتاريخ التاسع عشر من بحر هذا الشهر ، بعد ان وصل إلى قاعة في مدينة بئر العاتر بولاية تبسة لتوقيع روايته الجديدة "سفيرة من الريف" ،ليفاجأ بان القاعة معمورة بذكرٍ قاتل وصمت رهيب ، برائحة الموت تحلق في كل زوايا القاعة ، وبرود قطبي يُجَمد الحرف والسياق اللغوي في دم العرق الثقافي، قاعة مليئة بجثث قراء توقفت نبضات قلوبهم ،وخلايا أدمغتهم قراء ماتوا موتا حقيقيا، باستثناء الشخص المكلّف بإدارة اللقاء .
هنا بكى الكاتب ، وانهمرت دموعه عشقا ، وعزاء على قاعة حنط وعاء جسدها فراغ قاتل ،جاء على اِثر هول المشهد الذي اَثَّت محرابها حُراس شِداد غلاظ ،لا يعصون أوامر ساداتهم ،صناع قرار الأمية والرداءة والجهل ،الذين استقبلوا الكاتب بالأحضان ،والتصفيق لأكثر من زمن فترة احراق روما من طرف نيرون .
بكاء الكاتب في هذا الموقف ،هو عبارة عن شفقة على مجتمع عربي اعترته ضربة شمس خريفية حادة ، أصابت عمق جسم الفكر الثقافي العربي في مقتل ،فالكتاب والقراءة تم تطبيقهما طلاقا بائنا بينونة كبرى ، وهذا له نتائج وعواقب حددها الشرع . بكاء الكاتب له دلالة نستشف من خلالها ان كل من يذب فوق ارض العالم العربي اموات مع وقف التنفيذ ، أو إلى إشعار آخر .
الكاتب يبكي مَآل أمة ، اول خطاب سماوي تواصلي نزل في حقها تمحور حول كلمة اقرأ دموع انهمرت على مصير أمة ، على تصور مستقبلي يلفه الغموض ، على مجتمع تاهت به سبل الحياة ، تمزقت أشرعة قواربه ، وتاه في صحراء ظلها ليس بوارف ، لا ماء فيها ولا شجر ، بكاء يعكس الخوف المجهول من ضباب رمادي غامض ، مستقبل رقصت على رفاته
الميثولوجيا الإغريقيّة ، حيت غرق المجتمع العربي في فوضى الخيال وغبار الظلام ،وكأني بالحرف والكتابة وسردياتهما الكونية لم تولد بعد .
المقولة التاريخية الشهيرة للحجاج بن يوسف الثقافي "إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها". لهي قابلة للتنزيل على مستوى القاريء العربي ، وعلى كل من ساهم من قريب او بعيد في هكذا وضع ،فهو مسؤول أمام الكلمة أمام الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض، مسؤول أمام هندسة البُعد الجمالي للحرف ، وأمام الذوق الرفيع .
في هذا السياق يقول الكاتب المغربي سعيد حاجي في تعليق له على هذه الدراما
" ربما تخيل تصفيقاً يقطع حديثه، ووجوهاً تنصت إليه باهتمام، وأسئلة تمنحه شعوراً بأن الساعات الطويلة التي قضاها وحيداً مع الورق قد أثمرت أخيراً "
لكن العزاء هو من وقف يصفق للكاتب عند ولوجه القاعة، حاملا لافتات بها شعارات ترحيبية كالموت للقراءة ، الموت للكتابة .
صفوة القول،عزاؤنا واحد للاستاذ حامد ياسين وهنا رفع الستار، وانتهت فصول المسرحية التي مات فيها المؤلف، ومات معها الكتاب والقراءة.
فليصل كل منا جماعة مع أضلعه ،صلاة الجنازة على الغائب، ولنقرأ سورة ( يس) على شبه قاريء عربي يأكل الطعام ،ويمشي في الأسواق .
الله غالب
21 اكتوبر 2026
عبدالسلام اضريف

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق