جحيم الذكريات
ليتني حجراً لا أحن لشيء
في العدم
هي قيامة الأرواح المقتولة في الحلم و أنا جالسٌ أراقب الوقت
قد شدني الحنين و ناد علي يا أيها الغريب يا
أيها الغريب
فنهض قلبي من صدري المجروح و راح يركض نحو الصوت
ناسياً
رعشة الروح في الجسد ليدنو
بالعذاب
في الحلم الضائع البعيد مشيت بلا شغبٍ لذات البيت
القديم أبحث عن
بقائي
فكان الحنين يراودني كلما خشعت
بالذكريات
قلت أعود لنفسي ثانيةً لعلي أجد القليل من الهواء
فهناك زائرٌ قديم يطلُ من
ذاكرتي
حملت بظلي المكسور سارحاً بالرحيل في الخيال
أركض خلف الأثر
عدت بمخيلتي العصية سريعاً مجدداً لأحضان التخيل
بالرغبات الساكرة
ثم رجعت من شدة الأوجاع بصورتي أهزي بالكلام في القصيدة لكني
تأخرت
حاولت لأكثر من مرةٍ لأهدءَ و عدت مجدداً لذات الحلم
الأزرق المشع بالضباب أحتمي في
الخلايا
وقفت أمام نافذة الأقدار أرجوها لمسامحتي على ولادتي الأولى و كم تألمت
حتى وصلت من بعد جهدٍ طويل و معاناةٍ مع الخيبة
لأحلام الكوابيس
لقد رأيتها كشيءٍ ضالٍ مني منذ القدم كالمنافي لذات
الأحلام في الطفولة
فمن بين الضحايا تقدمت إليها أخشع بالنزف و التعصر
كأول الشتاء في المطر
فتحت باب البيت و دخلت أحدق بكل الأشياء التي تركوها
الراحلين الغائبين
التلفاز الخشبي القديم و الراديو الصامت الآن لأبي المتوفي
و صور الأهل
مازالت معلقة على الجدران الكئيبة بالأبيض
و الأسود
ذات الطاولة المستديرة و منفضة السجائر و أواني المطبخ
المغبرة لأمي المسكينة
و ذات اللعب لأخي الصغير و ذكرى أمي
المجهدة
رأيت من داخل الجدران صور اخوتي و ضحكاتهم و صورة
أمي و هي تبتسم لي لتكسرني
بالهلاك
و كل الستائر التي تتدلى من السقف كثدي الغزال الشارد
في الغابة
توحي بأن الزمان قد هجرها و هجرني و سجادة
الصلاة على الرف
تبكي
نظرت لأكثر من مرةٍ حولي لعلي أعثر على أي شيء من
أثرهم الطيب
فلم أجد سوى روائح من كانوا هنا يوماً يحملون بالحياة
فالعنتهم الحياة و شاخت
بالفناء
صوتٌ خفيف ينادي عليَ من داخل الغرف يا أيها الواصل
من بعيد للبعيد
فمن يكون هو لربما كان شبحاً و يستنجد بي من
الوحدة القاتلة
أو ربما هو مثلي متكأ على الظل القديم و يتكلم بالفراغ
و يتمتم بالأوجاع في متاهات من
الزمن
و ربما أتخيل أنا هذا المشهد و أتعثر في الحقيقة لأنجو
من الشتات
و ربما ماتت الأرواح أو ربما رحلت قبل مجيء إلى هنا
بقليل فأتخيل المستحيل
فخانت موعدنا مع بعضنا و لعنت الزمان بنا و غيرت من شكلها لستكن في الهلاك
الكبير
تمعنت بكل الفراغ الذي يؤرخني فحدني جانباً الحزن
و قال هل تألمت ... ؟
قلت تألمت ......
و جلست على الكرسي بصالون البيت فكل أبواب الغرف مفتوحة هي فلا أحد في الغرف سوى
الذكرى
قلت لنفسي أين أنا يا أيها المنسي و حكايتي الصغرى
من كل الحياة البعيدة عن
ملامستي
فضربت رأسي بالجدار و صرخت بصوت المكسور في
اللعنات
لما أنا هنا وحدي لما أنا هنا
وحدي
ثم قلت أحمل بجنازة المقتول الغريب فوق كتفي حافياً و
أرحل من كل شيء حي فلا معنى لوجودي
ههنا
و قلت يا أيها المقتول بلعنة المنافي البعيدة كيف أوجعتني
هكذا بلا نهاية
كنت أريد فقط يدين دافئتين أن تلامس يدي فأنهض
من جديد
لقد كانوا هنا يوماً يحملون ما أحمله من الحب و
الألفة بيننا
سهرات الليالي المحببة بالشغف و آيات القرآن الكريم
في الصباح الباكر و الأغاني
بالزجل العتيق
فأين صاروا رفاق الدرب و الروح و زمنك البسبط في
البراءة الممكنة
قل لي و كم مضى على الزمان بكسرتي الطويلة و كسرك
مع اللاوقت
و أين هم الذين قالوا سنبقى معاً جميعاً حينما رحلوا
الذين
كانوا يسكنون الروح دون الوداع و بغفلة
الوقت السريع
فلم أسمع الجواب من نفسي رغم طول القصيدة و رغم
تعطفي مع الحروف فخانتني كما
الجميع
شعرت بالدوار في رأسي و بكيت بالضجر المكتئب حتى وصلت بالبكاء للضجر
القاتل
فهناك من مات في الحلم الضائع البعيد مهزوماً من سيرة
النجاة و هناك من طعن في
الرحيل
فأدركت بنهايتي القاسية المستعصية و عدت أهزي بالكلام
و أشتم بالزمان المر
اللعين
قلت فلماذا أدفن بالجنازات المحروقة باللعنات بذاكرة
رجلٌ مفقود
مادامت للأموات هناك حياة أبدية و سردية الكلام
لآخر القيامات
فقد مشيت بذاك الحلم القاسي وحيداً لقيامتي في مدينة
مهجورة
معزولة بكل أوجاع الذكريات و منفيٌ من كل الحياة
وحيداً
و سرت حافياً كالمعتوه أسير كالحجر و أجسُ بخيال الأموات
الراحلين بشحف البقاء بصورة
الإله البعيد
تحت وطئت الليل الطويل المنحرف مضيت مكسوراً بهزيمتي
أمشي بزحام الفراغات
المستحيلة
و أعوي وجعاً في القصائد المنقولة من الألم
الطويلة
كان صوت الليل أزرق قلت لأناياي المحطم بالنكبات إلى أين تسرقني من حياتي يا أيها
الغريب
و أنتَ معي يشفق الوجع للألم و يتسع بي
الكرب
و أنتَ معي يترجل الغيب من شرودي الطويل يسافر
كالغيم الشرير في المدى
و الماء يغرق بالهواء المضغوط و يتحجر
كالحجر
قلت لآخري الشخصي ما أثقلك بي يا ناصري الأنيق في
الوهن المعظم
فلما أرجعتني لذات الوجع لما عجلت بقسوتي
في الأحزان
قال بصمت لقد كنتُ شارد الذهن ففكرت أن أخرجك
من خلل الزمان
و من لعنة المكان لتنام بآخر حلم لك
لتنسى
و أكمل حديثة الفوضي بداخلي و لم يتركني لأرجع لبيتي القديم لأحيا كغبار البيت في
حاضري
ثم تنهد بعمق و حسرة و هو يبكي مع القلب على الذكرى بصورة الحرمان
ثم قال على ماذا تفاوضني الآن فلقد دفنتك في لعنتي و مضى بالحديث ساخراً
مني
بأوضح الكلام و جردني من كل شيء يدركني فإمضي من ذاكرتي كي أستريح
قلت لنفسي إذاً فلا معنى للكلام من الكلام الآن إن كان
هو الأوجع
مني
أو كنت أنا الأوجع منه بالكثير في التذكر و بكل أشكال
الغياب
فدعينا أن ننهي هذا الحديث كله بيننا يا أيتها النفس
المحطمة بالحنين
ثم قلدني آخري بالخسارات و تنحى عن صورتي
القديمة
و قلدته أنا في الإنكسار و حملته معي نحو لا شيء من
عبثية الوحدة
فحاولت كثيراً أن أرتب بداخلي بصور الراحلين و حالة
قلبي الصغير لكني فشلت رغم كل
محاولاتي
لم يبقى غيركما في الوجود قلت لنفسي أنتِ أيتها المقتولة
في قسمتي مع الريح و بؤس النهايات و
صورتي بالمحن
فلا تعودي لأماكن تحرقنا بالذاكرة لا تعودي بالوجع بذات الصورة الدامية
بالإنكسار
لم أكن يوماً خصماً لكِ يا أيتها الحياة لكنكِ أحرقتني في
الحرمان بعيدي
و كنتِ مستحيلةً عني و بعيدة
كالقيامة
ثم أغلقت الباب ورائي بهدوء تاركاً خلفي كل ما يكسرنا
هناك من ذكريات أراها بطريق حتفي
الأخير
و وقفت أمام الباب قليلاً للحظات أفكر لما كل هذه الكفر
في حياتي الخالية من
الوجود
لما عيوني لا ترى غير الدموع و غير
سوادي
ثم تنهدت بصورة الغراب القريب و نظرت إلى السماء لأرى
صورتي القديمة
و كل النجوم الزاهرة مع القمر و أمي المقتولة المعزولة
بقبرها البعيد المنسي في عتمة
الرحيل
فلم أرى أحداً بكل مخيلتي ليراني كما يحملني هذا الجرح
المعتق بالحرمان في
الجحيم
و أنا أفقد بذاكرتي قلت ما أبعدك عني يا أيها الكون البارد البعيد العصي الصلب المقاوم
لعودتي
فلا تحملني كالموتى القدامى لذاتك البعيد البعيد
في النسيان
و قلت لآخري الشخصي فما أوجعني و ما أوجعك فكلانا مقتولان بالفطرة و الجراحات
قدر
و كلما تذكرت فاجعتي و حياتي معكِ يا أيتها النفس المكسورة بالظل قلت ما أقذر
زمني
ففي الحلم لا شيء يشبه الآخر فاليتني كنت حجراً بلا
ذاكرة
ل نسيت وجعي و تجاهلت الأصوات في
الرحيل المر
فلقد مضيت من صورةٍ لا تعرف الرحمة إلى صورةٍ أخرى
أوجع
و أشد قسوةً من تلك التي لا تعرف
سواي
بذات الدموع الخيبة بإنقلاب الروح في الروح بالجنازات بالمسافات البعيدة
بنكسة الزمان للزمان بصوت الأنين بلعنة السنين الحاقدة
بمذبحة السكاكين
بلعنات المنافي البعيدة التي تقتلني و لا تدرك كيف
تلين قليلاً بأحوالي
فأمضي بالكهلِ المبين معتذراً من سقوط الجبين في الهلاك
خلف كل العابرين كل
الراحلين
بقسوة الذكرى و بالحنين أمشي برعشة الروح المنهارة في الضرر إلى رب العالمين
راضياً بالحظ السيء و بقسمتي من العذابات وحيداً
وحيداً إلى المقبرة ...........
ابن حنيفة العفريني ✍🏼
مصطفى محمد كبار ...... ١٣ / ١٠ / ٢٠٢٦
حلب سوريا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق